طلع كلب أسود ضخم على المدخل. جسمه جبير وشعره منفوش، وعيونه تلمع كأنها نار. وكف شوي يشم المكان، بعدين بدأ يمشي ببطء يفتر بالمكان كأنه يدور على شي. وحنا لطشين نفسنا بالحايط. "نيران هذا منين طلع؟ شنسوي هسه؟ "لا تتحركين. يمكن يطلع من حاله." لفت انتباه الكلب. صار يقرب أكثر، خطواته ثقيلة، ونفسه صار يبين. نهضت بسرعة ومسكت خشبة من الأرض، وكفت قدامه. "هيي اطلع! ارجع مكانك لا عبالك نخاف منك!
بس الكلب ما اهتم، بالعكس، بدأ يزمجر وجا ناحيتي بسرعة. لوّحت الخشبة بكل قوتي، بس هو كان أسرع. "ولجججج نيران راح يجي ياكلنييي" "اسكتييييي شبيججج لاتخافيين" شفت بالأرض بلوكة صغيرة ضربته على ضهره وأني ميتة خوف. الكلب وكف، طلع نظرة كأنه يهددنا، وبعدين استدار وركض برا الغرفة. الخطوات مالته اختفت، وتركنا وحدنا. "والله حسيت روحي طلعت من الخوف! "أهدأي هسه لازم نطلع بس هذا المكان مو أمان، لازم نطلع قبل لا يرجع."
بعد ما ركض الكلب وطلع من الغرفة، بقينا ساكتين للحظة، بس مو من الخوف هاي المرة، لا... من الصدمة. فجأة، عيوننا التقت، وللحظة، نسينا كل الخوف والتوتر. ضحكة صغيرة طلعت مني، وبسرعة جيلان لحقتني، وصار المكان المظلم مليان ضحكنا. "نيران شلون كنا رح نموت من الخوف" "والله لو تشوفين شكلج من هجم! چنتي ضحكين" "وإنتِ؟ شنو بطلة الأكشن اللي طلعتي بيها الخشبة ما فادتج بشي" قعدنا نضحك وكأنه ما صار شي يخوف قبل شوي. "زين شنسوي هسه"
"لازم نطلع بس والله هذا الموقف رح نذكره طول عمرنا" "طبعاً، شلون لا؟ كل حياتنا نواجه ناس صعبة، وآخرتها كلب أسود يخلينا نموت من الخوف" وكفنا بعدها، وكل وحدة عندها ابتسامة خفيفة، بس كنا متأكدات إنه اللي صار خفف عنا شوية من التوتر والخوف. بعد ما هدأ كل شي، بقينا قاعدين بالغرفة ما ندري شنسوي ولا وين نروح. الظلام بدأ يخف شوي شوي، وطلع ضوء الصبح من الشباك المكسور. كنا مرهقين، بس ما گدرنا ننام، أفكارنا ما خلتنا نرتاح لحظة.
"صدگ إنتِ فكرتي شلون رح نعيش؟ يعني وين نروح وشلون نأمن نفسنا" "ما أعرف كل اللي أعرفه إنو ما نرجع للبيت، مهما صار" "شنو الشي الجان يريده منج حتى خلاج تفكرين بالهروب" "لاتفكرين هواي ولا تهتمين صدكيني راح تكون حياتنا حلوه" "أدري بس إحنا حتى فلوس ما عدنا، ولا مكان نروح له. شلون نكدر نبقى هيج؟ "لازم نفكر بخطة. يمكن نلاقي شغل، أو حتى نقعد بمكان مؤقتاً بس لازم نصمد" "تعتقدين رح يجي يوم نحس بالأمان؟
يعني ما نخاف من أحد ولا نضيع هيج؟ "أكيد. الدنيا ما تبقى على حالها. إذا ظلينا نكافح، أكيد رح نلاقي طريقنا" بعد ما ضلينا نفكر ونحجي عن كل شي، قررنا إنه لازم نطلع من الغرفة. الصبح كان قد بدأ ينور أكثر، ووجهنا شوية من الأمل بعد كل اللي صار. أخذنا أغراضنا القليلة، وكان واضح إنه ما جلبنا ويانا ملابس كافية، غير القليل اللي كنا نلبسه.
أخذت جنطة ظهر ولبستها بسرعة. كانت بسيطة، بس على الأقل تسحب الأغراض وتنظمهم. جيلان، ما كان عندها غير البزونة الصغيرة، فشالته بين يديها. كانت نظرتها لها وكل شي بيها كان يعكس حالتها. "هاي البزونة صارت مسؤوليتي هسه. وكل شي بيها" "إي، بس هي مو وحيدة إحنا وياها"
رغم إنه كان بداية يوم جديد، لكن كأننا كنا نبدأ حياة جديدة. كانت الغرفة اللي جينا لها كان مجرد مرحلة في طريق طويل قدامنا. وبدينا نطلع من المكان المظلم نحو المجهول، خطوة خطوة. "نيران رح نقدر نعيش بسلام ومحد يزعجنه" "إي أكيد. إذا تماسكنا هسه رح نكدر نحقق كل شي بالنا" "ان شاءلله هسه شنو راح نسوي" "أول شي راح نسوي نبيع هاذي السلسال نأخذ الفلوس ونروح لمحافظة ثانية نبدأ من جديد، حياة جديدة، بعيد عن كل اللي صار"
جيلان باوعت لي وابتسمت ابتسامة صغيرة وكأنها شافت شي بسيط أمل بعد كل الظلام اللي مرينا بيه. همست هي الأخرى بدعاء، وكأن الكلمات اللي قالتها كانت مليانة أمل وأمنيات: "يا ربي، ساعدنا ونمشي طريقنا بعيد عن الأذى ونعيش حياة نستاهلها" وعدنا بعضنا إنه مهما كانت الظروف، ما راح نستسلم، ولا راح نرجع للوراء. كان كل شيء أمامنا مجهول، بس كان عندنا شجاعة نواجهه سوا.
بعد وقت طويل، شفنا سيارة تعبر من يمنا. والسواق باوع لنا شوي، وكأن كان عنده فضول. بس كمل سيره وما وكف. ما كان همنا إلا إن نكمل. إلى أن وصلنا منطقة بيها محلات صغيرة. عيوني شافت محل ذهب صغير عند زاوية الشارع. دخلنا للمحل بخوف وحذر، وداخلنا كان مرتب وهادئ، إلا إننا كنا مشدودين للحظة. المحل كان مليان قطع ذهبية لامعة، لكن كل شي كان يبين غالي. كانت اكو مرة واقفة وتشتري ذهب. "شرايج نبيع السلسال هنا؟
يمكن نكدر نجيب فلوس تكفينا لشي فترة" "ما أعرف جيلان. بلكت نكدر نبيعه بسعر زين ولو ما أدري ينطي بي هواي" "لحظة خلي تروح هاي المرة يلا نحجي وياه" انتظرنا كم دقيقة واحنا ننتظرها تكمل واني عيوني تراقب المكان هواي خايفة إن الأكبر يدل مكانه. باوعت لها وحجت بصوت شبه عالي: "يلا خاله استعجلي تره مستعجلين احنا" باوعت لي وهيه تطك بعلكها: "وشسويلج عيني مو تشوفين جاي أشتري شنو عميه روحي على غيره"
"عمى العماج ان شاءلله عرفج تعرفيني تغلطين تره واصلة حدها عندي هسه لزمج وملخج بسنوني" لزمتني جيلان من أيدي تحاول تهديني وهيه صارت تغلط بصوت عالي وأبو المحل يحاول يسكتها. "بكدد امججج اني شلون تغلطيين ماعندج تربية انتييي" خزرتها وعطت بيها واني من ودي أكلها بسنوني: "تخسين تصيرين امي" سحبتني جيلان وكفنا باب المحل. وهيه بقت داخله. حسيت خلتني فور من العصبية منه روحي طالعة وهاي تجيني صفح. "انتي شبيج لشوكت تبقين هيج تصرفين"
"اسكتي ولا كلمة نفسي ما أطيقته مو أنوب تجيهاي تلغي فوك راسي" "أخخ منج راح تموتيني من ورا خبالج" ما رديت بقيت ساكتة احس كوة واكفة على طولي. مر وقت يلا طلعت المدام دخلنا داخلوقفنا كدام أبو المحل وهو يراقبنا باهتمام. كان شكله جدي، وعيناه تتنقل بيننا وبين السلسال بيد جيلان. "شنو هذا" "سلسال ذهب جايين نبيعه" أخذ السلسال بيده، ودار حوله شوي، وهو يفحصه بدقة. إحنا كنا ننتظر بحذر.
"الذهب هذا مو جديد، بس بعده قيم راح أشتريه منكم بس السعر مو عالي" "ما عندنا مشكلة. المهم إنه نكدر نتحصل على الفلوس بسرعة" بعد لحظات، أعطانا مبلغ بسيط مقابل السلسال، لكن كان أفضل من لا شي. أخذنا الفلوس بسرعة، وحسينا إنه يمكن هذا بداية الطريق. "خلاص نكدر نمشي لغير محافظة نبدأ من جديد" "على الأقل أخذنا أول خطوة. ما كان سهل بس الحمد لله" "ماتوقعته هيج رخيص أبدآ" "200 الف شنو نكدر نسوي بيهن؟ هزت راسها بمعنى ما عرفت.
تنهدت ولزمته من ايدها بقوة دخلنا لمحل اشتريت من عنده كيك وعصير لان كنا حيل جوعانين. قعدنا على رصيف كلنا والبزونة بعدها بيد جيلان. ما عرف ليش هيج هادئ؟ "يامحافظة نروح الها" "بغداد" الكلمة كانت تحمل بداخلها كل شيء: أمل، وذكريات، وتغيير. بغداد كانت مكان أكبر فرصة جديدة، بداية حياة جديدة بعيدة عن كل اللي مرّينا بيه. كانت المحافظة الكبيرة، ومعها فرص جديدة وأمل أكبر.
"صحيح، بغداد يمكن تكون بداية جديدة. ماكو شي يربطنا هنا حتى قارنروح عليهم ما عدنه" "إي، هناك يمكن نلاقي شغل، وحتى لو ما لقينا، نكدر نعيش هناك. بغداد مو مثل كل مكان" "نيران حنى ليش هيج وحيدات" "حنى مو وحيدات احنا حنى سند لبعض مانحتاج أي شخص ثالث بحياتنا" ابتسمت هي وحضنتني بحنية. كانت الناس تباوع علينا بستغراب من وضعنا ما اهتمينا. قررنا نتحرك باتجاه بغداد، ولحسن حظنا مرّت سيارة على الطريق. كان السواق شاب شافنا واقفين،
وكف ومنه وسألنا: "وين رايحين" "إحنا نريد نروح بغداد. إذا ممكن توصلنا" "إي أكيد. تفضلوا، راح أوصلكم" ركبنا السيارة وجان بيها هواي ناس وبدأنا الطريق نحو بغداد. كانت السيارة مليانة بالضجيج من الخارج، لكن داخلنا كانت قلوبنا مليانة هدوء وأمل. كل ما اقتربنا من بغداد، كان يزداد بيننا الشعور بالفرحة والخوف بنفس الوقت. "يمكن هالمرة نلاقي مكان نعيش بي، ونبدأ حياة جديدة" "إن شاء الله، أهم شي نكون مع بعض"
بينما كانت السيارة تسرع بالطريق، بغداد تلوح الأفق، ونحن على أمل أن بداية جديدة تنتظرنا هناك. "إذا وصلنا لبغداد شنو أول شيء لازم نسويه" "أول شي ندور عن مكان نعيش بي ونعرف إذا ممكن نلكه شغل. بعدين نقرر" الطريق كان طويل، والشمس بدأت تغرب وتغطي السماء بظلالها. لكن، حتى في الظلام، كانت بغداد تلمع. رفعت راسي شفت السواق يباوع علينا. من شافني باوع له بخزرة كال: "أنتو منين وليش تروحون لبغداد"
"من مكان بعيد، جايين نبحث عن بداية جديدة" "الله وياجن، بغداد جبيرة ومو صعبة إن شاء الله تلقون راحتكم هنا" مع مرور الوقت، بدأنا نقترب أكثر من بغداد. كانت المدينة تبدو أكبر من كل ما توقعناه، محاطة بالأضواء، والحركة في كل مكان. وحين دخلنا أول أحياء بغداد، كأننا دخلنا عالم جديد مليء بالأمل. "ها هنا وصلنا" "نعم وصلنا. بداية جديدة."
نزلنا من السيارة بعد ما وصلنا إلى أحد الأحياء الهادئة. السواق ودعنا بابتسامة، وأخذنا نفس عميق. كانت بغداد قد أصبحت أمامنا، وكل شيء الآن يبدو ممكنًا. وصلنا إلى بغداد، وكانت تضج بالحياة من كل زاوية. الناس ماشيين في الشوارع، والضوضاء من السيارات تملأ الأجواء، لكنها كانت تبدو بعيدة عنا في هذه اللحظة. كأننا كنا في فقاعة صغيرة، وسط كل هذا الزحام، وكأننا قد بدأنا بداية جديدة لا نعرف ملامحها بعد. "بغداد هواي وحيل حلوه"
"خلينا نمشي ونشوف وين نكدر نلكه مكان نرتاح بي بعدين نقرب" بدأنا نمشي وصلنا إلى حي هادئ بعيد عن الزحام. كانت الشوارع بيها أهدأ، والمباني قديمة لكن نظيفة. يمكن المكان فخمًا، لكن كان مناسبًا لبداية حياة جديدة. هناك، قعدت على الرصيف للحظة للتنفس بعد الرحلة الطويلة. "الجو هنا حلو، بس شنو نسوي هسه احس بخوف" "ندور على مكان نأجره. يمكن نبدأ بشغل بسيط، وكل شيء رح يتحسن بعدين لاتخافين" "أحبج هواي أبقى وياي دوم"
باوعت لأختي بنظرة مليانة حب وامتنان. هي مو بس أختي، هي سندي، ظهري اللي لو غاب أحس كل شي بيه ينهار. باوعت لي وهي تبتسم، ابتسامة تعرف شلون تواسي الروح حتى بدون كلام. "شبيج حبيبتي؟ سألتني بهدوء، كأنها تقرأ عيني قبل لا أنطق بأي كلمة. ضحكت بخفة وگلت لها، "ماكو شي بس أشكر الله كل يوم إنچ بحياتي" "كل هالحب فجأة" أنا ضحكت.. صدقيني ماكو شي بس فجأة حسيت شكد انتي عظيمة بحياتي. "انتي هم عظيمة بحياتي وما أتخيل يوم بدونچ" "تعرفين؟
مرات أحس إني ما أگدر أواجه العالم بدونچ. كل مرة أني أطيح، أنتي اللي ترفعينني." "وهذا نفس اللي أنتي تسوينه إلي، إحنا سند لبعض، وماكو شي بالدنيا يفرقنه" سكتنا للحظة، بس النظرات وحدها كانت تكمل الكلام. كل كلمة بينا تحولت لراحة، لسلام داخلي... شعور ما ينحكي. كانت الدنيا ليل، والوضع هدوء بشكل غريب، والشوارع كانت خالية إلا من بعض السيارات المارة. إحنا كنا ضايعين.
كمت لزمت ايد جيلان ورجعنا نمشي. الشارع كان حيل مظلماً، والبرد يتغلغل في عظامنا. "وين نروح؟ ما جاوبت مباشرة، كانت عيني تراقب شارع تبحث عن أي مكان آمن. فجأة، وقفت سيارة يمنا. ابتعدنا شوي عن الطريق واحنا نباوع لها بستغراب. للحظة جا بالي الأكبر ما عرف ليش خفت. رجعت باوعت للسيارة نزلت منها بنت جانت ملامحه عادية ولبسه فستان قصير وفوقه غملة. تقدمت وكفت كدامنا.. "بنات شصار وياجن ليش وحدجن بالشارع؟ عصرت أيدي جيلان بقوة وهمست:
"لا تثقين بيها" "منو انتي وشعليج بينه؟ رفعت يديها كإشارة ما تريد تأذينه. "أعرف شكل الخوف هذا عشت نفس الشي قبلجنأني هنا أساعدجن مو أؤذيجنجيلان باوعت لي بنظرة سريعة تنهدت وكلت.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!