أحيانًا تقذفك الحياة نحو عواصفها العاتية بلا رحمة، فتجد نفسك تحارب بقوة، هدفك الوصول للنصر دون خسائر فادحة. إذا خسرت، ستجعلك عبارة عن رماد لحرب غير منصفة. ظاهرك يعلن شجاعتك، وداخلك يخفي سرك، يخفي خوفك من الهزيمة. هكذا نحن البشر، عبارة عن عملة لوجهان هما السر والعلن. ***
جلست كطفلة صغيرة تفتقد عائلتها. نظرت حولها بريبة، التوتر يزحف ببطء لقلبها، فتضطرب دقاته وتصبح غير منتظمة. عقلها يدور به مئات الأسئلة، وضميرها يؤرقها على قرارها المتهور. جابت المكان بعينيها، تنظر حولها أحيانًا باشمئزاز وأحيانًا بخوف. لعنت تلك الرهبة التي تهاجمها عندما تجلس بمكان ضيق، ولعنت عدم نظافتهم أيضًا. تساءلت بداخلها كيف لهم أن يجلسوا بمكان غير نظيف وغير مرتب بهذا الشكل المقزز. حاربت آلام معدتها التي تقلصت مهددة
بإفراغ ما في جوفها. يا الله، يكفي محاربتها لذلك المنظر المقزز أمامها، يكفي تركيزها مع دقات الساعة. الدقائق تمر عليها كالدهر، منتظرة خروجهم من الغرفة المجاورة. استمعت لهمهمات صدرت من تلك الغرفة، فعلمت أنهم يتشاورون من أجل استئجارها معهم سرير بإحدى الغرف. وعند هذه النقطة تمنت أن تبكي وتندب حظها التعيس. البلهاء قرأت إعلانهم على أحد وسائل التواصل الاجتماعي بحاجتهم لفتاة تستأجر غرفة معهم. دخلت الفرحة بقلبها واطمأنت
لحصولها على غرفة لاستئجارها بهذه السرعة في بلد غريب عنها كدبي. تلك المدينة التي خطفت أنفاسها بكل شيء بها، من بداية المعمار والتصاميم التي تسحر العين. شهر ونصف بها ومازالت تكتشف بها أشياء جديدة عنها يوميًا. ورغم انبهارها إلا أنها تفتقد أمان بلدها الحبيب مصر التي طالما سخرت منه، وتمنت أن تسافر وتخرج منها متخيلة أنها إذا سافرت حتمًا لا تريد العودة مرة أخرى. تبًا لمخيلتها الساذجة، الآن تتمنى أن تعود، أو يعود الزمن بها
للخلف. ارتسمت ضحكة ساخرة فوق ثغرها
وهي تهتف لنفسها بداخلها: "قول للزمان ارجع يا زمان". انتشلت من أعماق تفكيرها على جلوس الأربع فتيات أمامها. تفحصت وجههم ببطء، انتبهت لحديث إحداهن وخاصة ملامح وجهها العابسة. "وأنتي يا سوسن فهمتيها النظام كله؟! تحدثت تلك الفتاة المسماة بسوسن ببرود: "لا اتفقت معها على الإيجار بس، قوليلها أنتي يا شيماء على النظام كله! هزت شيماء رأسها وهي تقول بنبرة آمرة: "أنتي هتقعدي في الأوضة دي مع منى...
حولت بصرها نحو يدها التي تشير نحو غرفة تقع يمينًا. انتقلت بيدها نحو منى وجدتها فتاة هادئة بسيطة تنظر لها بهدوء شديد. أرسلت نور إليها ابتسامة، فقابلتها الأخرى بلا شيء. تلاشت ابتسامتها تدريجيًا من إحراجها. استمعت لحديث شيماء: "الإيجار ميتأخرش كل شهر تدفعيه، الحمام هنا مشترك، أكلك وشربك لوحدك، إحنا مش مسؤولين عنك في أي حاجة، ويا ريت بلاش تعملي أي مشاكل." ابتلعت نور ريقها بتوتر قائلة بارتباك: "هو أنا هعمل مشاكل ليه؟
بالعكس أنا مبحبش المشاكل، انتوا بقي بتحبوها؟! ابتسمت سوسن بوجهها ثم قالت: "إحنا أبدًا، إحنا حبوبين خالص وبنحب بعض جدًا، وكمان بنخاف على بعض مش كده يا بنات." نهضت الفتيات دون رد نحو غرفهم، فتعجبت نور. لتقول سوسن بضحك وكأن شيئًا لم يكن: "قومي يلا ادخلي مع منى الأوضة، وجهزي حاجتك فيها، عن إذنك."
راقبت دخول سوسن الغرفة التي دخلت إليها شيماء. يا لحظها التعيس، هي تستحق سوسن تلك، وليست منى الكئيبة. نعم كئيبة، يكفي نظراتها وملامح وجهها. زفرت بخفة وهي تنهض وتجر خلفها حقيبتها الكبيرة. دلفت الغرفة فتسارعت دقات قلبها وكأنها في سباق للركض. احتبست أنفاسها بخوف عندما رأت صغر حجم الغرفة. ورائحتها الكريهة!! "إيه ده هي الأوضة دي مش بتدخلها شمس؟! جلست منى على فراشها تبتسم باستهزاء:
"افتحي الشباك يمكن يدخلك الشمس اللي نفسك فيها!
نظرت نور حولها تبحث عن نافذة. لا يوجد، ليس بها منفذ واحد فقط. حسنًا، ستتجاهل كل هذا، وتتعامل وكأن شيئًا لم يكن. وضعت حقيبتها جانبًا، جلست على الفراش بجسد يصرخ بالراحة. يوم كامل بلا مأوى، يوم كامل قضته كقارعة طريق مهجور. جاهدت النعاس الذي زحف ببطء لعيناها، نهضت وأبدلت ثيابها ثم وضعت بعض ملابسها فوق الفراش ورقدت هي فوقهم. وفي ثوان كانت تغرق في النوم براحة. أحيانًا حاجتك للنوم تجعلك غير مدرك لمخاوفك.
بعد مرور عدة ساعات، تقلبت بالفراش بسبب جفاف حلقها. فتحت عينيها في دقائق جاهدت فيها أن تفارق بين جفنيها. وقع بصرها على منى تجلس بمنتصف فراشها، تمسك أحد الكتب وتقرأ بصوت خافت وتحرك جسدها في حركة منتظمة لإمام والخلف. اعتدلت أكثر ولمحت الكتاب يبدو أنه من الكتب العتيقة والكبيرة. انصب تركيزها على الكتاب بفضول. فجأة تقابلت عيناها بعيون منى الجاحظة. كتمت صرختها بداخلها، وخاصةً مع ملامح وجه منى الغريبة. خرج صوتها مرتجفًا
وهي تشير نحو عنقها: "أنا أنا كنت عاوزة... قطعتها منى بنبرة تعجبت هي لها، وخاصةً أنها تختلف كليًا عن تلك النبرة التي استمعت لها قبل نومها: "متتركزيش مع حاجة ملكيش فيها، علشان متتأذيش! ثانية، هي ثانية واحدة استغرقتها في الخروج. فرت هاربة بسرعة البرق من الغرفة. وجدت أمامها سوسن ترتشف المياه. التصقت نور بها تهتف بخوف: "سوسن الحق، اسمها إيه دي باين عليها ملبوسة!
انتاب سوسن حالة من الضحك عندما سمعت حديثها، ولكنه هدأت قليلاً وهي تخبرها: "باين!! لا وحياتك هي فعلاً كده! ابتعدت نور بصدمة للخلف خطوتان غير مصدقة ما أوقعت نفسها به. "إيه، لا! وضعت سوسن الزجاجة برفق على الطاولة وهي تقول بهمس: "بصي نامي وملكيش دعوة بيها وهي مش هتأذيكي والله... مهما عملت، أوعي تركزي معاها." تعلقت نور بيدها ترجوها: "لا بالله عليكي خديني أنام معاكوا! قهقهت سوسن لتقول بعدها بسخرية:
"تنامي فين بقى على رجلي ولا على إيد شيماء وهي الصراحة حبتك قوي من أول لحظة، حتى أنتي شفتي الحب من كلامها... عبست نور بوجهها لسخرية سوسن، فقالت الأخرى: "سوري لو طريقتي ضايقتك، بس أوضتنا متختلفش عن الأوضة اللي أنتي فيها، ضيقة والسراير مكفينا بالعافية." جلست نور مكانها بقلة حيلة هامسة بضياع: "هنام في الصالة على جثتي أنام معاها جوه."
مرت الساعات عليها كالدهر. راقبت عقارب الساعة بتوتر وخوف أن تخرج منى في ساعات الليل المتأخرة وتقابلها وحدها. لم يهدأ عقلها من التفكير من أجل المبيت بهذا المكان. من رابع المستحيلات أن تشارك منى الغرفة. انتظرت الصباح حتى تحاول إقناع إحداهن للمكوث مع منى!
ابتسمت براحة مع ظهور نور الصباح. نهضت بكسل تبحث عن المياه، تروي جفاف حلقها الشديد. وفور أن رفعت الكوب نحو فمها، التقط أذنها صراخ حاد. اندفعت نحو غرفة شيماء وسوسن تفتحها بقلق، حتى وقعت عيناها عليهما متشابكتان بعنف، وكل منهم تقذف الأخرى بأفظع الشتائم. دخلت بالمنتصف تحاول فض الشجار، حتى ابتعدت شيماء عنها قليلًا تهتف بعنف: "وربنا لو أخدتي أي حاجة من هدومي تاني، لأقتلك يا سوسن."
حاولت سوسن الوصول إليها وهي تقول بنبرة لا تقل عنفًا أبدًا عن نبرة شيماء: "هدوم إيه يا معفنة، أنتي حيلتك حاجة؟! حاولت شيماء أن تصل إليها حتى تلقنها درس قوي، منعتها نور قائلة بصياح: "يا جماعة صلوا على النبي، مينفعش كده، إحنا بنات بلد واحدة والمفروض نقف جنب بعض." دفعتها شيماء بغيظ ثم قالت: "أنتي إيه دخلك أوضتنا، أنتي مالك أصلًا." أشارت نور نحوهما متعجبة: "انتوا كنتوا بتموتوا بعض، مش عاوزاني أدخل وأفض الخناقة ما بينكم!
صدح صوت سوسن مؤكدة حديث شيماء لتقول بعصبية: "آه لو سمحتي متدخليش، باين عليها حشرية." خصت حديثها الأخير بشيماء، فأكدت الأخرى حديثها وهي تهز رأسها بقوة. "شهقت نور بقوة ثم تحدثت بعدها بتوبيخ: "أنا حشرية!! طب والله أنا غلطانة إني سكنت معاكوا، أنا ماشية وابقى دوروا على واحدة ترضى تسكن مع الملبوسة التانية." استدارت بجسدها نحو الباب مقررة الذهاب. وجدت منى تقف على أعتاب باب الغرفة تنظر لها نظرات غامضة. تبددت شجاعتها وارتبكت
نبرتها وهي تشير عليهن: "هما اللي قالولي عنك كده." كانت تنوي الذهاب وهي بالفعل فرت بأقصى سرعة بحقيبتها. المكوث بالطريق أهون من هؤلاء الفتيات. أخرجت هاتفها مرة أخرى تبحث عن الإعلان الثاني التي تجاهلته عندما قرأته ظنًا منها أنها وجدت مبتغاها. قرأت الإعلان بسرعة بفعل حرارة الشمس التي تضرب رأسها بقوة لتقول بهمس: "حلو قوي الإعلان ده، أكلمه بقى ويارب ما تكون اتحجزت." رفعت أصابعها الصغيرة تكتب بسرعة:
"ممكن أشوف الغرفة لو سمحت." ويا لحظها السعيد جاءها الرد في دقائق: "أكيد العنوان." ابتسمت بسعادة كبيرة وهي تدعو ربها أن يوفقها في اختيارها هذه المرة. لا يوجد لديها مال لاستئجار غرفة في فندق ولم تجد أمامها سوى إعلانين فقط. الأول بلوى، والثاني... امممم، لا تعرف! والبلهاء من فرط توترها لم تلاحظ قط الملحوظة الأخيرة المدونة في آخر الإعلان. (هذا الإعلان للرجال فقط) ***
وصلت نور عند البناية أخيرًا بعد ساعة ونصف استغرقتها بالطريق تشاهد الأبنية العملاقة بانبهار واضح على ملامحها. شعرت بالقلق قليلًا، المنطقة راقية وخاصةً تلك البناية التي تقع بها الشقة التي تريد استئجار غرفة بها. صعدت بالمصعد للطابق الخامس. وجدت شقة واحدة بالطابق. هندمت ثيابها ورتبت شعرها للخلف، أخذت نفس عميق ثم رسمت ابتسامة صغيرة وهي تطرق الباب بلطف. بعد عدة ثوان فتح الباب فظهر أمامها شاب قمحي البشرة ذو جسد رياضي، وملامح تصرخ بالرجولة. انتبهت على نظراته المتنقلة بينها وبين حقيبتها،
فقالت بنبرة خجلة: "السلام عليكم! أجابها بسلاسة: "وعليكم السلام، مين حضرتك؟ اتسعت ابتسامتها أكثر لتقول بفرحة: "إيه ده أنت مصري! رفع حاجبيه لفرحتها قائلًا: "آه." دفعته للخلف بحقيبتها ودخلت وهي تقول: "ده أنا ربنا يحبني قوي قوي قوي." كتمت انبهارها بداخلها وهي تشاهد جمال الشقة واتساعها وتنظيمها الذي خطف أنفاسها. تسربت الراحة لقلبها فرحة، غير مدركة أنها بشقة رجل!!
في النهاية رجل. تلك هي نور، فتاة طائشة متهورة تبحث عن الحرية والانطلاق نحو تحقيق أحلامها، أحلامها التي تجهلها هي أساسًا. كل ما تريده أن تقتنص الحرية التي طالما سمعت عنها من فتيات الإنترنت. وفي طريقها للبحث عن الحرية، وقعت في بحر من الأخطاء تفاجأت هي بها، وكأنها تجهل مآسي الحياة ومصاعبها. أما هو، فما زال عقله لم يستوعب وجود تلك الفتاة بمنزله. ماذا تريد تلك؟! تساءل بداخله، ولم يجد أي إجابة، فخرج صوته حادًا بعض الشيء:
"هو أنتي مين؟ ممكن أعرف." استدارت بجسدها تجيبه: "أنا المستأجرة الجديدة! التوى فمه غير مصدقًا، ما زال عقله يعطيه مع كل كلمة تنطق بها تلك الغريبة خطأ! وقف على أعتاب الباب يبحث عن وجود رجل وهو يقول: "هو فين أستاذ نور، اللي كان يكلمني اسمه نور أحمد! أشارت على نفسها بفخر: "أنا نور أحمد! وقحة! هكذا سبها بداخله، تقف بكل فخر وتشير على نفسها أنها المدعوة نور أحمد! انتبه على حديثها وهي تجلس فوق المقعد المجاور للباب بحرية:
"هو أنت مش منزل إعلان وطالب مستأجر للغرفة في الشقة دي! كتم ذلك اللفظ البذيء بداخله بصعوبة، ليقول بصوت أجش: "وأنتي ماخدتيش بالك إن أنا قايل في آخر الإعلان إن أنا عاوز راجل! اتسعت عيناها حرجًا منه قائلة بتلعثم: "بجد، والله مخدتش بالي! أنا... صمتت للحظات تحاول استجماع ذهنها للخروج من ذلك المأزق. نظرت حولها بتمعن وجدت بالشقة غرفتان فقط، رفعت بصرها تسأله بغباء: "يعني دي مش شقة كلنا بنتأجر فيها وكده؟ قاطعها هو بنفاد صبر:
"لا دي شقتي، وأنا واخدها إيجار، وعاوز أجر أوضة فيها من الباطن، والإعلان ده كان لراجل مش لبنت فهمتي! نفد صبرها هي الأخرى ليست منه، بل من كل شيء، من جميع الضغوطات التي مرت بها لتقول بشيء من العصبية: "بقولك إيه أنت بتكلم كده ليه!! أشار إليها نحو الباب حانقًا من تصرفات تلك الغبية ليقول: "طيب اتفضلي بره." احتدمت ملامحها لعنجهيته قائلة: "أنت بتطردني من الجنة إنسان قليل الذوق بصحيح!! اقترب منها خطوتان قائلًا بحده:
"أنتي بتشتميني في بيتي على فكرة! انفجرت باكية فجأة تهتف من بين بكائها: "هو ليه المصريين كده، ليه منقفش جنب بعض! تفاجأ لبكائها فقال ضاحكًا: "أنتي يابنتي قلبتيها مشكلة قومية ليه! نظرت له بحزن طفيف: "علشان قولت هارتاح أخيرًا وألاقي سكن بعد المرمطة دي وطلعت في الآخر لراجل، وطبعاً مينفعش أقعد معاك."
صمت يستمع لها بتركيز لما تقوله. أما هي فغرقت في بحر من الأسئلة التي ليس لديها أجوبة عنها في هذه اللحظة. ما مرت به يجعلها تتغاضى عن كونها في بيت واحد مع رجل غريب. ذهنها المعتوه صور لها أنه أهون من الجلوس مع هؤلاء الفتيات، أو مع...
حسنًا، هي لا تريد التذكر حاليًا، يكفي ما يدور برأسها. وكالعادة أقنعت نفسها بما هو مرفوض أو ممنوع، باحثة عن جميع المبررات حتى تستطيع الجلوس معه. وفي نهاية الأمر اكتفت بجملة "ما باليد حيلة"، وكأن تلك الحيلة التي اختارتها سابقًا حتى تخرج من بلدها كانت جيدة. جميع حيلها مخبولة تمتاز بالغباء وسرعة التصرف دون أدنى تفكير في العواقب المستقبلية. فاندفعت تخبره برجاء:
"طب مينفعش أقعد هنا، أنا مش هعمل إزعاج لحضرتك وهاكتفي بأوضتي بس لغاية ما ألاقي سكن في أقرب وقت." أخبرته وسقطت دمعة لعينه من مقلتيها كفيلة للتعبير عما تشعر به، مشاعر لأول مرة تتذوقها لما عاشته من قسوة الحياة، غير مراعية أنها بالنهاية فتاة بسيطة عمرها لا يتعدى الثاني والعشرين. فتاة لأول مرة تختبر أشياء كانت قد تجهلها، فتمسكت بأول طرف للنجاة من حيث اعتقادها. جاءت أجابته تخرجها من عمق مشاعرها. هز رأسه رافضًا تلك الفكرة:
"لا طبعًا، أنتي مجنونة، تقعدي مع راجل غريب في بيت واحد." مسحت دموعها بيدها وهي تقول بنبرة حزينة تحاول استعطافه: "يعني أقعد في الشارع عادي، أنا مفيش مكان حرفيًا أروحه." أجابها ببساطة وهو يفتح الباب: "ارجعي مصر بسيطة! تقدمت نحو الباب بوجه حزين وصوت مجهد: "مينفعش، استحالة أرجع! للحظة انتابه الفضول فقال: "ليه؟! رفعت بصرها نحوه ترمقه بحدة وغيظ: "وأنت مالك!
عقد ذراعيه أمامه وأشار برأسه نحو الباب محاولًا ألا ينفلت لجام لسانه نحوها. أما هي فوجدت نفسها تسأله بهدوء: "يعني ده مش بيتك ملك! نفخ بعصبية من أسئلتها: "لا ده إيجار، أي أسئلة تاني! هزت رأسها بنفي وخرجت من الشقة، وبداخلها يصرخ باكيًا، أين تذهب في هذه المدينة؟
المال معها لا يمكن أن يغطي جميع احتياجاتها. جاء بذهنها فكرة، فقررت أن تنفذها بسرعة دون التفكير كعادتها دومًا. قبل أن يغلق الباب كانت تضع يدها حائلًا تدفع الباب مرة أخرى ثم دخلت مرة ثانية ترسم على وجهها الجمود وبداخلها كان التوتر سيد مشاعرها. "بص بقى أنت لازم تقعدني هنا، علشان مدورش على صاحب العمارة دي وأقوله إنك بتأجر من الباطن، وشوف بقى هيعمل... أكيد هيطردك من الشقة دي، ويبقى ولا أنا ولا أنت."
ضحكت في الآخر بسخرية. رفع أحد حاجبيه متعجبًا من جرأتها. الوقحة تقف بكل جرأة وتهدده، فقال هو بتهكم: "الحقد هينط من عينك، روحي دوري عليه وقوليله أنا بايع القضية! زفرت بحنق هاتفه برجاء: "بجد هي دي الرجولة؟ أنا بنت بلدك، أنت مصري إزاي تسيب بنت بلدك كده؟ هما دول المصريين في الغربة، المفروض نقف جنب بعض." كركر ضاحكاً بسخرية: "اسكتي مش بقوا بياكلوا في بعض." رفعت بصرها تناظره كالأطفال هاتفه بنبرة مرتعشة وأعين تهدد بالبكاء:
"برضه هتمشيني؟ هي دي الأخلاق! كتم غيظه بصعوبة فخرجت حروفه غليظة من بين أسنانه: "يابنتي ما علشان الأخلاق مينفعش نقعد مع بعض، ياستي أنتي جميلة ومينفعش تقعدي معايا خلصنا! اهتزت مشاعرها لتصريحه ذلك. لأول مرة تتعرض لغزل صريح هكذا، ولكن رسمت ببراعة ملامح الجمود والقوة: "هو أنت فاكر إنك ممكن تقربلي، ده أنا أدب السكينة في قلبك أطلعها من دماغك! ارتفع صوته وهو يقول باستهجان: "يا ولاه! مجدي يعقوب نفسه ميعرفش يعملها!!
حركت أصبعها برجاء مجددًا قائلة: "هو شهر واحد بس، ألاقي فيه شغل وسكن جديد وهمشي، بجد أنا اتبهدلت، والله لو تعرف أنا ماشية من إيه، هتفهم أكيد ليه مصرة أقعد هنا. أنا محترمة على فكرة ومؤدبة، بس الظروف اللي خلتني آجي هنا، وأنا توسمت فيك خير، اعتبرني أختك وساعدني!
وعلى ذكر سيرة أخته، تألم قلبه قليلًا، فأخته الوحيدة أصابها مرض لعین "السرطان" وبسببه اضطر أن يرسل لها شهريًا نصف مرتبه، والنصف الآخر لم يكفِ لتغطية احتياجاته وإيجار شقة مثل هذه. وقع في حيرة، ولكن يجب عليه أن يساعدها في النهاية هي فتاة!! هو يعرف نفسه جيدًا، ولكن لا يعرف ماذا ستفعل معه تلك الساذجة إذا أصر على رفضه لها. أغلقت الباب ببطء وهي تبتسم ابتسامة عريضة: "سكت يبقى موافق، أنت اسمك إيه بقى؟
ضيق عينيه يحاول فهم مكنوناتها، كيف لها أن تتعامل معه هكذا فقال متعجبًا: "أنا لو كنت ابن خالتك مكنتيش هتعامليني بالحب ده! عادت سؤالها مرة ثانية متجاهلة حديثه وبنفس الابتسامة: "اسمك إيه؟! أجابها بصوت رجولي وهو يتقدم للداخل: "يوسف." صمت لبرهة والتفت نحوها يرمقها بتهديد: "يوسف مش جو، علشان نكون لذاذ مع بعض!! هتفت بهمس: "يوسف، يوسف هو أنا هاتجوزك... التفت نحوها مرة أخرى يهتف بتساؤل: "قولتي إيه؟!
"قولتي قد إيه أنك راجل وطيب، وابن بلد بصحيح، مرضتش تسيب بنت بلدك لكلاب السكك، برافو أخلاقك عالية جدًا." هتف يوسف باشمئزاز: "قد إيه أنتي أوفر يا... نور." لجمت لسانها السليط بأعجوبة. هذه الشقة مثل الحلم، واستئجار غرفة بها ستكون راحة كبيرة لها. من المؤكد ستعيد صفاء ذهنها وتستطيع إخراج نفسها من تلك المصائب، وتبدأ رحلة جديدة بحياة جديدة محاولة أن تبني أساس حياتها القادمة على بقايا الماضي!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!