الفصل 6 | من 8 فصل

رواية سر وعلن الفصل السادس 6 - بقلم زيزي محمد

المشاهدات
14
كلمة
4,700
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

ليت هذه المواجهة لم تأتي. ليتها لم ترى تلك اللعينة صديقتها، فهي الآن جعلتها بموضع شك. أغمضت عينيها بحزن شديد. هي لم تكن تريده أن يعلم عنها شيء. يكفي أنه لم يتقبل فكرة أنها فتاة وحيدة تعيش معه، بل الآن أصبحت هاربة تعيش معه. نظرت له وهي تحاول أن تتكلم. وبالفعل أخذت نفسًا عميقًا. ثم خرج صوتها متلعثمًا. وامتلأت عيناها بالدموع. فأخفضت بصرها للأسفل:

_أنا هقولك. أنا بتمنى أنك تتفهم ومتبصليش بصة وحشة. أنا جيت بس هربت من أهلي عشان.... صمتت للحظة تستجمع حديثها أو قوتها. فسارع بحديثه وهو يقول بنبرة حاول إخفاء غضبه إن صحت ظنونه: _أنتي هربت من مصر مع واحد صح؟ رفعت بصرها تهتف بنفي قاطع: _لا طبعًا مش.. إيه اللي أنت بتقوله ده! شعر بالراحة قليلًا، ولكن مازالت حواسه تتأهب لسماع قصتها. فحثها بعينيه حتى تتحدث. أخذت نفس طويل تعود بذاكرتها للماضي.

هذه المرة سمحت لنفسها بأن تغوص في بحر ذكرياتها المؤلمة لتقول بصوت ضعيف مهزوز: _أنا بابا وماما ماتوا وأنا عندي ١٢ سنة. كنت صغيرة أوي على أني أتقبل موتهم هما الاتنين ورا بعض. بابا وبعدها بشهر ماما. صحيح أنا عايشة مع أعمامي في نفس البيت، بس كل واحد له شقته وأولاده وأنا كنت لوحدي. في شقتنا من غير حد. مفيش حد يحتويني، أو قريب مني. أعمامي بعدوا عني، لدرجة أنهم مبقوش يحسوا أن ليهم بنت أخ فوقهم.

صمتت للحظات وسمحت لنفسها بالبكاء. برغم أنها حاولت وجاهدت أن تظهر قوتها، ولكنها فشلت. فبكت تخبره من بين شهقاتها: _بقضي أيامي لوحدي. نجاحي، فشلي، تعبي. كل فين وفين لما حد يفكر يسأل عليا ويفكر مثلًا أنه يعزمني عنده. كل واحد كان مهتم بحياته وبيته. قاطعها بصدمة: _للدرجة دي!! مسحت دموعها ثم قالت بنبرة مرتجفة: _مفيش حد احتواني. مفيش حد كان بيقولي الصح فين والغلط فين.

كل اللي كانوا بيقولوه: نور متخرجيش، نور ذاكري في البيت، نور بلاش تروحي مدرستك كتير، نور كليتك على قد محاضراتك. طب ليه؟! علشان لو عملتي حاجة غلط هتجيبي لينا العار. صمتت لبرهة ثم قالت بعصبية: _مرات عمي قالتلي: أمتي تتجوزي؟ أعمامك شايلنك فوق دماغهم خافيين أوي لتجبيلهم العار. ليه أنا عملتلهم إيه؟

أنا كل اللي كنت بعمله أني كنت بسمع كلامهم وبس. بس لا خلاص مبقتش قادرة. مش هسمع كلامهم ولا هوافق أني أتجوز أي واحد يجبوه علشان يخلصوا مني!! _هما كانوا هيجوزوكي... ابتسمت بسخرية ومازالت عيناها تفيض بالدموع: _آه تخيل. أول ما خلصت الكلية، لقيت عمي بيقولي أن في عريس وعاوز يجي يتقدم وهما موافقين. موافقين وأنا ماليش أي قرار. قاطعها يوسف يسألها بضيق: _نور مش معقولة للدرجة دي. طب هما عاوزينك تتجوزي ليه؟

كده كده مبيسألوش فيكي، مش فارقة يعني! نهضت بغضب وهي تقول: _لا معقولة. عمي الكبير كان طمعان في شقة بابا وماما لابنه علشان يتجوز فيها، فكان عاوز يخلص مني ويرميلي قرشين وأتجوز واهو يبقي خلصوا مني. ضرب يوسف كفًا بآخر مستعجبًا: _لا حول ولا قوة إلا بالله. طب وجيتي هنا إزاي؟ تقدمت نحو النافذة تنظر لفراغ وكأنها تنظر لخواء روحها من قسوة معاملتهم قائلة بحزن:

_آلاء. كانت صاحبتي الوحيدة عرفتها من على النت، وشوفتها مرتين تلاته في الكلية صاحبتها أوي. كنت بحبها وبأمنلها. بحكيلها على كل حاجة. وفي نفس الوقت كانت بتحكيلي على سفرها لدبي، وعن الحرية اللي عايشاها. حسيت أن نفسي أبقى زيها، أعيش بحرية من غير ما حد يخنقني، أو أحس أني عالة عليه. وفي وسط كلامنا... انهارت بالبكاء وهي تحادث صديقتها بالهاتف: _شوفتي يا آلاء. سمعت مرات عمي

بتقول لمرات عمي التانية: إنهم ما مصدقين العريس يجي، وأنهم هايقروا فاتحة على طول. ده كله علشان الشقة الزفت دي!! هتفت آلاء محاولة تهدئتها تستمع لأدق التفاصيل بتركيز: _معلش يا حبيبتي. محدش يقدر يجبرك. هو أنتي حيوانة بيجروكي وراهم؟ أنتي ليكي كيانك وحريتك، ومحدش يقدر يعملك حاجة. التوى فمها ساخرة: _لا هما يقدروا. عند مصلحتهم هيغصبوني. أنا عرفاهم كويس. _طيب وهاتعملي إيه؟ هتفت من بين شهقاتها:

_وهعمل إيه، بإيدي إيه يا آلاء. كان نفسي أعيش حياتي وحريتي. كان نفسي أبقى زي بقية البنات. البس اللي أنا عاوزاه وأخرج وأسافر. هتفت آلاء بحماس بعدما وصلت نور لنقطة التي تريد أن تدخل منها وتبث سمها في أذنها: _ما أنتي لسه فيها. انفدي برجلك وعيشي حياتك. كده كده أنتي هاتخسريهم. خسارة بخسارة يبقى تكوني مبسوطة. وصدقيني هاتطلعي من الحكاية دي كسبانة حريتك. _طب أعمل إيه، أروح فين؟ حتى أنتي هتسافري دبي لأخوكي، مينفعش أجيلك.

ابتسمت الأخرى بخبث قائلة: _إيه رأيك تيجي معايا. مسحت نور دموعها قائلة بصدمة: _دبي، أجي معاكي دبي. أزاي. _زي الناس يابنتي. في إيه مالك. فتحي دماغك. نهضت من فراشها، تتحرك بغير هدى وهي تستمع لحديث آلاء. الخبيثة تخبرها بأن تبيع قطعة الأرض التي ورثتها عن والدتها، وتسافر معها. حاولت إقناعها بشتى الطرق فقالت: _وملكيش دعوة بأخويا يابت، هو مش فاضي لينا أصلًا. إحنا هننطلق بقي مع بعض فسح وحياة تانية. حياة عمرك ما شفتيها.

ابتلعت ريقها وهي تعود من شرودها قائلة بحزن ونبرة منكسرة: _بعت فعلًا الأرض بتاعت ماما من وراه أعمامي. هي كانت مساحتها صغيرة، فلوسها مكنتش كتير، بس كانت مكفيني أن أسافر، وأقعد شهر ونص مع آلاء واخوها. رفع أحد حاجبيه ليقول بصوت خشن قوي: _وقعدتي معاهم يا نور!! هزت رأسها بإنكسار وأخفضت بصرها أرضًا تقول بصوت خافت: _آه. في الأول كانوا مرحبين بيا معاملتهم كانت لطيفة. بعدها بدأت تتغير وكل حاجة بدأت تبان.

ابتسم باستهجان وهو يعود بظهره يستند على الأريكة قائلًا: _وطبعًا كانوا عاوزينك تشتغلي في شغل مش تمام. رفعت بصرها ترمقه بتعجب: _إيه عرفك!! هتف بحدة وخرجت حروفه غليظة: _أنتي مجنونة. ما هو أكيد كانوا بيجروا رجليكي. أنتي إزاي مشيتي ورا صاحبتك دي. عقلك كان فين يابنتي. أنتي للدرجة دي ضايعة. نهضت تقف بعصبية قائلة: _يوسف أبوس أيدك أنا مش ناقصه. كفاية اللي جوايا. مش ناقصه كلام يوجعني. وقف أمامها ينظر بعينيها مباشرةً يعنفها:

_لا لازم أقول وأقول. لازم أفوقك يا نور. لازم تعرفي اللي أنتي عملتيه ده مصيبة ومش أي مصيبة. أنتي إزاي متهورة كده. حرية إيه وزفت إيه اللي بتدوري عليهم. أنتي ياريتك هربتي من محافظة لمحافظة. ده من دولة لدولة. من حياة لحياة تانية. وليه أصلًا فكرة الهروب. ما هو كان ممكن تتكلمي معاهم تقنعيهم ترفضي. صرخت بوجهه لتقول بصوت مبحوح:

_حاولت، حاولت والله وكانوا بيسكتوني. رافضين الكلام معايا. حسيت إني بشحت حريتي منهم، مع أنهم مالهمش حق! _لا ليهم. دول أهلك. دول سندك. شددت على خصلات شعرها قائلة ببكاء: _مكنوش سند. مكنتش بحس أن حد يحبني. أنا كنت بشحت الحب من عيونهم مش من كلامهم. أنا كنت باكل وبشرب لوحدي، بقعد لوحدي، بنام لوحدي. _مش مبرر يا نور. اللي عملتيه كان غلط وأكبر غلط. أنا لو عندي بنت عملت كده هادبحها. للأسف دي كلها أسباب واهية أقنعتي نفسك بيها.

التوى فمها بتهكم: _أسباب!! بس أهو ده السبب اللي خلاني مرجعش. في مصر هموت. وهنا عايشة بس من جوايا ميتة. أنا غلطت ومعترفة، بس مبقاش في فرصة أن أرجع. هكمل ولوحدي زي ما كنت عايشة في مصر. نظر لها غير مصدقًا من تفكيرها ليقول: _يعني هو ده الحل. نور اللي مكانك يندم بعد اللي شافه ويرجع لأهله يطلب منهم السماح ويعيش وسطهم. جلست فوق الأريكة تضع يدها فوق رأسها هاتفه بخفوت ونبرة حزينة:

_مبقاش ينفع صدقني. يا يقتلوني يا يطردوني بره. في الحالتين أنا ضايعة يا يوسف. يبقي أكمل كده. هياخدوا شقتي. مش بعيد يكونوا أخدوها. أنا واثقة من كده. أنا هاكمل لوحدي. سألها متعجبًا: _لوحدك هتكملي لوحدك. هتقدري تعيشي لوحدك من غير ما يكون ليكي حماية. الحياة صعبة. الرجالة هنا بتتفرم، ما بالك بالبنت. رفعت بصرها ترمقه بتحدٍ وكأنها تخفي خلفه زعزعة ثباتها الذي كلما ذكرها يوسف بالوحدة التي ستعيش بها، يتزعزع ثباتها قليلًا.

لا شك أن مكوثها معه عوضها عن مشاعر افتقدتها في غياب أهلها وحتى في وجودهم. _هكمل يا يوسف وأنا مش خايفة. ومتحاولش أنك تخوفني. أنا أخدت أكبر قرار خوفت منه وتخطيته. الباقي كله سهل. ابتسم بسخرية: _مجنونة ومتهورة. شوفت في عينك من اللحظة الأولى تهورك. وعلي فكرة يا نور حطي كلامي ده دايماً قدامك. أنتي متعدتيش قرار سفرك وهروبك. بالعكس أنتي لسه عايشة عواقبه، ولسه منتهتش. وقفت نور تنهي الحديث.

يوسف يضغط بقوة على جراحها، وهي الآن في أمس الحاجة أن تتفادى أي حديث آخر قد ينكأ جراحها المتألمة. فقالت: _أظن أنك عرفت قصتي. يعني مبقاش في أسئلة غامضة من ناحيتي. أنا مازلت ممتنة ليك ولكل اللي أنت عملته. وفي أقرب وقت هلاقي سكن وهامشي من هنا. استدارت تتجه نحو غرفتها تمنع دموعها من الهبوط مجددًا. أما هو فقبل أن تدخل غرفتها هتف بصوت حاد: _مشكلتك مبتسمعيش إلا اللي أنتي عاوزه تسمعيه. التفتت له تطالعه بنظرة حاولت إخفاء

انكسارها لتقول بجفاء وقوة: _أنا إتعودت طول عمري اسمع نفسي. جاي دلوقتي وعاوزني اسمع رأي حد تاني. صعب آوي. عن إذنك. دخلت وأغلقت الباب خلفها. أغلقت آخر باب أمل لديها. يوسف كان الأمل الأخير. لطالما شعرت تجاهه بمشاعر كانت تتوق لتشعر بها. الآن وبعد معرفته بحقيقتها ونظرته لها انغلق ذلك الباب. ارتمت بجسدها فوق الفراش تبكي بإنهيار. لِمَ الألم زاد الضعفين. هل بسبب نظراته لها، أم كلماته اللاذعة بحقها. تساءلت ماذا كانت تريد.

هل كانت تريد منه مواساتها مثلًا ووجدت العكس لذلك خابت آمالها. وبخت نفسها فهو في النهاية رجل شرقي، حتمًا سيكون شأن تخطيه لواقع فتاة هربت من أهلها أمر غير مقبول. يجب أن تبتعد عن هنا بأقصى سرعة. لا يجب أن تسمح لنفسها بالتمادي في علاقة دثرتها بين ثنايا قلبها. الابتعاد هو الحل الأول والأخير. وكأن الابتعاد والهرب وقع كالقدر فوق رأسها في كل طرق حياتها. بعد مرور أسبوع.

وقفت بشرفة غرفتها تحاول التقاط أنفاسها الهائجة من فرط غضبها. اليوم سيء منذ بدايته. وتحديدًا عندما ألقت تحية الصباح على يوسف وتجاهلها. بدأت نيران غضبها تشتعل أكثر فأكثر. واكتمل اليوم بمصادفتها لـ "آلاء" صديقتها وأخيها في الفندق. اللعنة على تلك الصدف التي تضعها دائمًا في مأزق. كلما حاولت الفرار تعود وتصطدم بواقع مرير. هزت رأسها عدة مرات تحاول إبعاد تلك اللحظة التي وقعت فيها عيناها بمقابل أعين آلاء. _مستر حسام. لو سمحت!

وقف حسام والتفت بجسده ينظر لها بإستفهام مبتسمًا: _أيوا يا نور، خير!! نظرت له بخجل ثم هتفت بأسف: _أنا أسفة لو كنت عطلت حضرتك، بس أنا كنت عاوزة أسألك على حاجة. _لا طبعًا، قولي. فركت يدها بتوتر لتقول: _أنا كنت عاوزة حضرتك تساعدني ألاقي سكن في أقرب وقت ممكن. السكن اللي قاعدة فيه مش مرتاحة وعاوزة أسيبه! هتف بتعجب: _سكن!!! هزت رأسها تجيبة:

_أيوا. أنا عرفت من يوسف أن ليك علاقات كتير أوي فـ قولت يمكن تعرف، أي غرفة في سكن مع بنات. وضع يده بجيب بنطاله قائلًا: _هو أنا مجربتش أن أسأل على حاجة زي دي، بس هاوعدك أن أبحت في الموضوع ده! اتسعت ابتسامتها الجميلة ونظرت له بامتنان قائلة: _شكرًا أوي أوي. _العفو، بس أنا عاوزك تركزي أكتر في الشغل علشان تطلعي بسرعة. ناوية كتير تفضلي في الكافيه. _حاضر هحاول. _يالا على شغلك.

انطلقت نور صوب عملها تشعر بحماس كبير، متجاهلة شعور غامض لديها بشأن تركها شقة يوسف. شجعت نفسها أن تصب تركيزها فقط على عملها، حتى ترتقي بمستوياته. أخذت الصينية واتجهت صوب طاولة بالقرب من المسبح، تقدم المشروبات عليها. انصب تركيزها على المشروبات حتى لا تتعثر بشيء ما، وخاصة قامتها المستقيمة كما علمتها رئيستها، وابتسامة فوق ثغرها. وضعت الأكواب برفق. رفعت عيناها ببطء فقابلت أعين صديقتها. اهتزت يدها للحظات قائلة بصدمة:

_آلاء..؟!!!! التوى فم الأخرى بسخرية وهو تشير لأخيها عماد الجالس بجانبها يرمق نور بحسرة على جمالها: _شوفت يا عماد، آخره اللي مبيسمعش كلامي فين، آخره بتقدم مشاريب. قبضت فوق الكوب بغضب حتى كادت أن تهشمه. تجاهلت حديثها واعتدلت بوقفتها مقررة أن لا تتجادل معها بشيء. هي صفحة وقد أغلقتها أو بمعنى أصح مزقتها من حياتها. وفور أن استدارت، هتفت آلاء بصياح: _استني خدي بقشيش.

التفتت نور حولها بحرج عندما جذب صوت آلاء انتباه من حولها. فقالت بلهجة غليظة: _شكرًا مش عاوزة. ما أن أنهت كلماتها كان اقترب منها حسام بصفتة رئيس إدارة الفندق ليقول: _خير في حاجة يا فندم!! وضعت آلاء ساق فوق الأخرى ورمقت حسام بتعالي وهي تشير نحو نور: _كانت عاوزة بقشيش فكنت بديها. _إيه؟! قالها حسام بصدمة وغضب ناظرًا نحو نور، وخاصةً أن ذلك ضد بروتوكول الفندق. أحتقن وجه نور من فعل آلاء فتحت فمها حاولت تصحيح موقفها:

_أبدًا والله يا مستر، أنا لا يمكن أعمل حاجة زي دي! حولت آلاء وجهها نحو حسام قائلة: _يعني أنا بكدب. حسام رأسه بنفي أذهل نور: _لا يا فندم. فتحت فمها مرة أخرى تحاول توبيخ آلاء. فقال عماد بهدوء: _خلاص حصل خير. هتف حسام بعملية: _أكيد حصل خير. استطرد موجهًا حديثه لنور: _يالا على الشغل، وياريت متتكررش. انطلقت نور بسرعة نحو المرحاض، تمنع دموعها من الهبوط. اللعنة على عملها، واللعنة على الغربة أيضًا وما بها من قسوة وجفاء.

هي من أوقعت نفسها بتلك الدائرة ومهما حاولت النجاة ستقع مجددًا تتذوق مرارتها الذي كان بمثابة العلقم. ولكن ما بيدها حيلة، ستخرج وعلى وجهها ابتسامتها حتى تستطيع مواكبة عملها دون خسارته. وبالفعل خرجت لتعود لعملها وكأن شيء لم يكن. وقبل أن تخطو لبهو الفندق وجدت أمامها عماد. رمقته بغضب وحاولت أن تتخطاه، ولكن منعها عندما قبض فوق يدها قائلًا: _انتي رايحة فين أنا جاي أعتذرلك على اللي آلاء عملته فيكي.

حاولت الابتعاد عنه، قربه منها بهذا الشكل يؤذيها فقالت بلهجة عنيفة: _ابعد ايدك دي عني. اقترب خطوة أخرى ليقول بنبرة تفوح منها الخبث: _خسارة جمالك يشتغل هنا. خسارة انتي مكانك في حتة تانية، لازم يتقدر صح. آلاء ضيعتك بغبائها. وبكعب حذائها دعست فوق قدميه بقوة، حتى ابتعد عنها مجبرًا. فقالت: _الله الغني عن شغلكوا القذر أنت وأختك. إياكوا أشوفكوا في طريقي تاني. عادت من شرودها على طرقات الباب. استدرت بجسدها تعجبت بداخلها.

تُرى ماذا يريد منها في هذة الساعة المتأخر. فتحت الباب ووجهها عابس. فأشار اليها يوسف حتى تخرج دون أن يتحدث. خرجت خلفه وعلى وجهها علامات الاستفهام. فقال يوسف فجأة وبدون أي مقدمات: _إيه اللي حصل في الفندق النهارده. نظرت له بعدم فهم. ثم هتفت ببلاهه: _نعم!! ، مش فاهمة. أحتدت ملامحه أكثر ليقول: _لا انتي فاهمه كويس. مين الناس اللي طلبتي منهم فلوس دول، وبعدها نفس الراجل واقف ماسك ايدك وكلمك، ياترى في إيه ياهانم.

_وانت مالك. قالتها نور بحدة. ولكن عادت أردفت بإستفهام: _ثواني بس مين قالك على كل ده، انت بتراقبني!! _براقبك!! وسعت منك دي! _زي ماهي وسعت منك علشان تيجي وتقولي كده! ، وبعدين وانت مالك، ده يديك الحق انك تيجي وتخبط على باب أوضتي وتكلمني كده. وفي لحظة كان يقبض فوق يدها بغضب هاتفًا بنبرة خرجت حادة من بين أسنانه:

_المفروض تجاوبيني، علشان يا هانم حسام متصل بيحكيلي، وبيقولي أن المفروض تاخد بالها من تصرفاتها شوية علشان محدش يشتكي منها. أبعدته عنها بعنف وانفجرت باكية: _تصرفاتي! مالها بقى. هو كان سألني مين دول، ده حكم عليا بدون ما يسألني. اللي كانوا قاعدين دول آلاء وعماد اخوها، وكانت بتحاول تستفزني وتعملي مشكلة علشان ألجأ ليها تاني. واخوها كان بيحاول يقنعني. وأنا كلمتهم بهدوء. مع أن أنا غلطانة كان المفروض أديهم بالجزمة.

جلس مكانه عندما استمع لجوابها وقد هدأت نيرانه قليلًا. ولكن لن تهدأ نهائيًا إلا إذا انفجر بها. رفع بصره يهتف بضيق: _تستاهلي. تستاهلي كل حاجة. انتي غلطانة من الأول. غلطانة في كل حاجة. بتلومي على مين. على حسام اللي ميعرفكيش. ما له حق. الراجل كلمني علشان عارف أنك قريبتي. غير كده كان زمانه طردك. شوفتي آخرة تصرفاتك. شوفتي آخرة طريقك. صرخت بوجهه قائلة: _بس بقى، اقعد ساكت مش كل شوية، تسمني بكلامك ده، ارحمني. وقف مقابلًا لها

يهتف بغضب ونبرة مرتفعة: _وانتي مرحمتيش نفسك ليه، لما اخدتي قرارك المتهور ده. أشارت على نفسها بعصبية قائلة من بين دموعها: _ضحكت عليا، وفهمتني حاجة ولقيت حاجة تانية. اتجه نحو غرفته حتى يمنع نفسه من التعاطف معها: _متعلقيش أخطائك على شماعة غيرك. أنا وصلتلك رسالته، وحافظي بقى على شغلك. دلف غرفته وأغلق الباب خلفه بقوة. أفزعها في وسط بكائها ونزيف قلبها المتألم. مر أسبوع أخر على تلك المحادثة.

محادثة أوقدت جمرات الغضب والحنق والحزن. مشاعر متضاربة لكل منهما وخاصةً هو. هو من يعاني ويجاهد نفسه. صراع قوي نشب بين عقله وقلبه. قلبه الذي أيقن وأدرك أنه وقع كالأحمق في حب فتاة طائشة. وعقله يحثه على الابتعاد هي ليست من نمطه. رجولته لا تتوافق مع تصرفاتها الهوجاء. لاحظ بُعدها عنه. حتى لحظاتهم على مائدة الطعام يسود الصمت بينهم. هي ليست بقادرة أن تتخطى نظراته لها وكلماته اللاذعة.

وهو حاول أن يهضم ما فعلته ولكن في نهاية الأمر لا يستطع. رغم أن عقله الباطن مازال مُصر على إقحامها داخل أحلامه. وحتى يقظته يفكر بها. اللعنة عليها هي مثل السحر أو التعويذة التي إذا وقعت على أحد لن تتركه حتى نهايته. ونهايه سيكون صريعًا لغرامها. خرج من غرفته بعدما قررت معدته التمرد وإعلان حاجتها للطعام. فقرر أن ينهض ويطهو شيئاً خفيفاً. وقف بالمطبخ تائه للحظات ينظر حوله بتفكير. انتبه على صوت أنين خافت يأتي من غرفتها.

رفع بصره يضيق عيناه بتركيز هاتفًا بهمس: _هي بتعيط ولا أنا متهيألي. ركز أكثر حتى انتبه لصوت بكائها وأنينها. فاندفع بقلق نحو غرفتها يطرق بسرعة: _نور مالك. خرج صوتها ضعيف هاتفه: _مفيش شوية تعب. هتف آمرًا: _افتحي. بسرعة. دقيقة. اثنتان. حتى فتحت هي تمسك بطنها وعيناها منتفختان من شدة البكاء ووجهها شاحب اللون. جسدها يرتعش بين كل ثانية والأخرى. فور أن وقعت عيناه عليها بهذا الشكل. وضع يده فوق جبينها يتحسسه بقلق.

فابتعدت هي خطوتان للخلف بحرج. حتى كادت أن تفقد توازنها وتقع أرضًا. أمسكها يوسف من مرفقها: _حاسبي. أبعدت يده بضعف بعدما استعادت توازنها واستندت بيدها على مقبض الباب: _متقلقش هكون كويسة. زم شفتاه بضيق ليقول ساخرًا: _واضح إنك هتكوني كويسة. استطرد حديثه بآمر لا يحمل الجدال: _ادخلي البسي فورًا، و يالا هاوديكي المستشفى! هتفت بوهن: _مالوش لزوم صدقني. زفر حانقًا مردفًا: _بتموتي وتجادلي. أخلصي يابنتي، أنتي مش شايفة نفسك.

حسنًا لن تجادله. هي حاربت آلامها اليوم بقدر ما استطاعت. انصاعت لأمره بعدما شعرت بمعدتها تنكمش بقوة. فتعتصرها وكادت تخرج روحها. أبدلت ثيابها بصعوبة وهي تجاهد لالتقاط أنفاسها، وعرقها يتصبب بغزارة. سمحت له بأن يمسك يدها ويساعدها على السير. لم تكن بحالة أن تبتعد وتجادل معه. ودت أن تصرخ بأعلى صوتها لتعبر عن شدة آلامها ولكن كتمت بداخلها واستطاعت ضبط نفسها لأقصى درجة. أما يوسف فكان يشعر بها. تعجب لقدرتها على تحمل آلامها.

غريبة تلك الفتاة. عبارة عن خليط غريب من القوة والضعف. الحزن والسعادة. مشاكسة ومسالمة. تجاهل تلك الغصة التي وجعته عندما علم بأمر مرضها المفاجئ وانغمس في اكتشاف شخصيتها العجيبة. وصل بها إلى المشفى بعدما فقدت وعيها. لا شك أنه في هذه اللحظة انسحبت روحه خوفًا عليها. وضعها على السرير المتنقل وعيناه أبت أن تبتعد عنها. وكأنها تواسي قلبه المتعلق بها.

حل الصباح، وبدأ يوم جديد وهو مازال هنا جالس بجانبها بعدما قاموا الأطباء بواجبهم وتقديم علاج فورًا لها بعدما أخبروه أنها قد تعرضت لحالة تسمم شديدة وجسدها الضئيل لم يقاوم. لم يرفع عيناه من عليها وكأنه يشبع روحه وعقله منها. حفر بعقله ملامحها وخاصة جمال شامتها. شجعه شيطانه كثيرًا بأن يلمس شفتاها متذوقًا رحيقها. ولكنه جاهده وحاول ألا ينغمس في ملذات قد حرمها الله. رفع بصره للأعلى متنهدًا. ماذا يفعل معها.

وجودها يجعله يحارب جمالها الفاتن. ناهيك عن روحها التي دخلت واستوطنت قلبه. ابتسم بلطف حينما أدرك أنه يشتاق لمشاكستها وحديثها الأرعن معه. رغم أنه كان سبب قوي في بداية الأمر حتى ينفر منها. ولكن انقلبت الآية عليه. وأصبح يعشق مشاكستها وتلك الحالة التي أضفت على حياته روح جديدة. فتحت عيناها ببطء. تجاهد فيهم أن تفرق بين جفنيها. نور أبيض ساطع وغرفة غير غرفتها. حولت بصرها في أرجاء الغرفة. وقعت بصرها عليه يجلس بجانب السرير.

ناظرًا للأعلى بتفكير. فقالت بوهن: _يوسف. هبط ببصره فورًا مبتسمًا بإطمئنان: _الحمد لله أنك فوقتي. ده كله نايمة. هو أنتي مكنتيش بتنامي في البيت ولا إيه! _هو إحنا أمتي ولا في إيه. حاولت أن تنهض وتعتدل في جلستها. فنهض يوسف متمتمًا: _أساعدك. أشارت له بيدها قائلة بنفي: _لا شكرًا. وضع إحدى الوسادات خلفها وهو يقول:

_حضرتك، باين عليكي أكلتي حاجة ملوثة، وحصل تسمم وعشان أنتي ضعيفة وعندك مشاكل في القولون مستحملتيش. الدكتور قالي من الأفضل تقعدي هنا يوم ويطمنوا عليكي. اكتفت بقولها وهي تنظر للأمام: _الحمد لله. اقترب بالكرسي منها هاتفًا بقلق: _أنتي فيكي حاجة. زعلانة من حاجة. حسام أو حد مضايقك في الشغل. حولت بصرها له. ودت أن تقول: أنت من يحزنني. نظراتك تذبح ما تبقى من روحي!! خرج صوتها ضعيفًا يحمل بين طياته الحزن والأسى:

_بالعكس مستر حسام محترم جِدًّا، وعاوز مصلحتي على طول. رغم إن أنا لوحدي في الغربة بس ربنا موقفلي ولاد حلال زيك وزي مستر حسام. وقفتكوا معايا عمري ما أنساها. بلهاء. لِمَ واو الجماعة تلك. فعل كل هذا حتى ينقسم الفضل بينه وبين حسام. انتبه على حديثها وهي تقول بخجل: _يوسف أنا عارفة أني طولت عليك في السكن وكان أخرى شهر وامشي، بس طولت، يعني أنا قربت. صمتت لبرهة تفرك يدها بتوتر قائلة: _إن شاء الله قربت ألاقي.

قاطعها وهو يقول بوجه جامد: _إن شاء الله. واكتفى بالصمت، وبداخله كان يثور ويتمرد حتى يمنعها من قرار ذهابها. ولكن مازال عقله يلجم لسانه من الكلام، مكتفيًا بكلمة أوحت لها أنها ليس إلا عبأ وثقل فوقه ويتمنى أن يتخلص منها. فبدا في حاله تضاد غريب. يظهر شيء للعلن ويخفي سر بداخله. تعجب لحاله بعدما أيقن أنه أوقع نفسه فيما يسمى بـ تضاد الحب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...