تحميل رواية «صراع الحياة» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وقفت على أعتاب الشرفة وابتسامة صافية تعلو وجهها. كانت تنظر إلى السيدة التي تجلس على المقعد وتعطيها ظهرها، وبجانبها طاولة متوسطة الحجم عليها فنجان قهوة، وبجانبه مذياع ينبعث منه صوت موسيقى. دخلت تمارا الشرفة وهي تغني مع الموسيقى. غنت بصوت عذب: "ياما عيون شغلوني لكن ولا شاغلوني إلا عيونك أنت دول بس اللي خدوني" التفتت ساجدة وابتسمت لابنة شقيقتها: "صباح الخير يا حبيبتي." اقتربت تمارا وقبلت خدها: "يا صباح الروقان. الواحد بقي مدمن أغنيكِ والقهوة بتاعتكْ اللي على الصبح ديِ." أجابتها ساجدة وهي تنظر أمامه...
رواية صراع الحياة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم محمد
دق جرس البيت فهتفت ساجدة لفاطمة لكي تفتح الباب.
فصاحت فاطمة بصوت عالٍ عندما لم يتوقف الرنين:
- أيوه جايه.
فتحت فاطمة باب المنزل ثم تغيرت ملامح وجهها إلى الشحوب، فهي لا تصدق أنها تراه يقف أمامها. بلعت ريقها في توتر ثم نظرت إلى الداخل بترقب، ثم عادت أنظارها إليه وتحدثت بهمس:
- أنت بتعمل إيه هنا؟ إيه اللي رجعك بعد السنين دي كلها؟
فخفض أنظاره ثم هتف بخفوت:
- كان لازم آجي.
قاطع حديثها ساجدة التي كانت تقف خلفها وتهتف:
- مين اللي على الباب؟
ولكن لم تكمل حديثها من الصدمة، قامت بغلق عينيها ثم فتحتها مرة أخرى، فهي لا تصدق أنه هو الذي يقف أمامها بعد كل هذه السنوات. سريعا ما تجمعت الدموع في عينيها وهتفت بصدمة:
- سالم؟!
ولكن لم تكمل جملتها وهي تشعر نفسها تدخل في دوار يأخذها إلى عالم آخر. فأسرع سالم نحوها عندما رآها تغيب عن الوعي وقام بحملها إلى الداخل.
***
أوقف سيارته أمام النيل ثم نزل واتبعته لمار. أغمض عينيه وأخذ شهيقًا ثم أخرجه محاولًا الهدوء، بينما لمار التزمت الصمت ولم تتحدث. فتح عينيه ثم تحدث وكانت ملامح الجمود مرسومة على وجهه:
- أنا آسف.
فظلت لمار على حالتها، لم تنظر له:
- على إيه؟
فتنهد أنس بصوت عالٍ وأجاب قائلًا:
- مكنش ينفع أتدخل في شغلك إنتي وفادي. يمكن تعارفنا مكنش كويس، بس دلوقتي في بينا شغل وأنا مقدرتش أقف بره وأشوفك في موقف زي ده.
فالتفتت له لمار ثم ضيقت عينيها بتساؤل:
- يعني لو مكنش في بينا شغل أو تعارف مكنتش هتدخل؟
فنظر لها أنس بتوتر:
- لا أكيد كنت هتدخل، ولو أي حد في مكانك كنت هتدخل. عمومًا متقلقيش، أنا مستعد أدفع الشرط الجزائي.
فهتفت لمار منهية الحديث:
- ده كان اختياري ولازم أدفع تمنه. ممكن تروحني؟
فحاول أنس الاعتراض لكن أوقفته لمار بإشارة من يديها. محاولة منه إنهاء الحديث، فأشار أنس إلى السيارة باستسلام:
- طبعًا اتفضلي.
***
حاولت فتح عينيها، فساعدتها فاطمة على الجلوس. ثم أعطت لها كوبًا من الماء. فأخذته ساجدة ثم ارتشفَت منه القليل وأعطت الكوب مرة أخرى إلى شقيقتها. نظرت فاطمة إلى ساجدة ثم إلى سالم بحيرة، فشعرت أنها يجب عليها أن تتركهم بمفردهم بعد هذه السنوات:
- طيب أنا هسيبكوا لوحدكوا ولو احتاجتوا حاجة أنا بره.
لم يجِب عليها أحد منهم، فغادرت في صمت. انتظر سالم مغادرتها ثم هتف بنبرة يسودها القلق:
- أنتي كويسة؟
تساندت ساجدة على ثم وقفت محاولة التحكم في الدوار الذي تملكها في أثر وقوفها مرة واحدة. وأعطت له ظهرها وهي تهتف سائلة عن سبب وجوده بعد هذا الغياب:
- إيه اللي رجعك يا سالم؟
فوقف سالم خلفها:
- أنا مرجعتش غير لما لقيتكوا رجعتوا.
فلتفتت له ساجدة ثم ضيقت عينيها بعدم فهم:
- رجعتوا، هما مين اللي رجعوا؟
فأشار سالم إليها:
- أنتي ودكتورة تمارا. بنت أختك عايزة إيه من ابن أخويا؟
فأجابت ساجدة باندفاع:
- ابن أخوك مين؟ إحنا منعرفش حاجة عنك ولا عن أهلك من سنين.
فعقد سالم حاجبيه:
- إزاي والشغل اللي بين شركة الشافعي وبين ابن أخويا، ووقوف تمارا جنب يونس في تعبه؟ عايزة تفهميني إن كل ده صدفة مش أكتر؟
فاختفت ساجدة بنبرة يسودها الصدق، فهي لا تعلم عن عمل عم تمارا ولا عن عملها:
- في الحقيقة أنا معنديش علم بحالات تمارا ومليش إني أتدخل. وشغل الشركة ده بيزنس يا سالم بيه.
ثم أكملت حديثها بنبرة يسودها السخرية:
- فاكر نفسك لسه فاكرينك لدرجة إننا عاوزين ننتقم منك؟
فقاطعها سالم بتحذير:
- ساجدة حاسبي على كلامك. أكيد مفكرتش إنك عاوزة تنتقمي ولا ده تفكيري. وإذا كنا هنشوف مين غلط في التاني زمان، فبلاش نفتح في القديم.
فلم تستطع ساجدة البقاء على الهدوء الذي من الصعب أن تخرج عنه والجميع يعلم عنها بذلك، ولكن معه فهو الوحيد الذي يستطيع أن يخرجها عن الهالة التي تقوم برسمها لنفسها. فهتف بصوت عالٍ نسبيًا قد وصل إلى أذن فاطمة التي كانت تتابع الحديث في الخفاء، فهي لم تستطع التغلب على فضولها وأيضًا خوفها على شقيقتها:
- قصدك إيه إن أنا اللي كنت غلطانة؟ قصدك إني بعت!
فنظر سالم إلى عينيها:
- مش ده اللي حصل. مين اللي باع ومين اللي استنى؟
فعقدت ساجدة حاجبيها بعدم فهم:
- قصدك إيه؟
فأبعد سالم وجهه إلى الجانب الآخر:
- أنتي فاهمة كويس.
فأعادت ساجدة وجهها إليه:
- كلامك فيه تلميح لحاجة؟ مترميش كلمتين زي زمان وتهرب؟
فابتعد سالم عنها:
- أنتي عارفة كويس معنى كلامي. متخرجنيش عن سبب ظهوري النهاردة. لو حسيت ولو ثانية إن تمارا ممكن تأذي ابن أخويا، هضطر أتدخل.
ثم تركها وغادر، لكن بقيت ساجدة واقفة في مكانها. ثم اتجهت نحو صورة ابنها وقامت باحتضانها، ولم تعطي لسؤال فاطمة التي دخلت عند مغادرة سالم أي اهتمام.
***
رست السيارة أمام مبنى المستشفى، فالتفتت تمارا إلى يونس وهي ترسم على شفتيها ابتسامة شكر:
- شكرًا لوجودك جنبي النهارده.
فنظر لها يونس بنظرة يوجد بها لمعة لم تغب عن تمارا:
- مفيش شكر بين الصحاب ولا إيه؟
فنظرت تمارا إلى الأسفل بخجل:
- معاك حق، بس مكنش ينفع تخرج خصوصًا إن ده يعتبر أول مرة تخرج بره البيت بعد ما خرجت من المستشفى.
فابتسم يونس محاولًا أن يبسط الأمر:
- متكبريش الموضوع أوي كده، أنا مخرجتش لوحدي، السواق معايا. وبعدين العيب عليكي إنتي اللي وعدتيني إننا نقعد مع بعض عشان نبدأ علاج طبيعي.
فأجابت تمارا بتوضيح:
- وأنا مش بوعد ومبوفيش بوعدي. أول معاد ليك مع الدكتورة بكرة الصبح هتجيلك.
فهتف يونس بتساؤل:
- مش هتيجي معاها؟
فنظرت له تمارا بتوتر وحيرة ثم هتفت محاولة إبعاد أنظارها عن مرمى عينيه:
- لو عاوزني أجي معاها أجي؟
فأجاب يونس بتساؤل:
- لو مش هتعبك؟
ففتحت تمارا باب السيارة وهي تهتف:
- يبقى هسهر أخلص الحالات اللي في إيدي وأجيلك. يلا سلام ولما تروح كلمني؟
فنظر لها يونس من نافذة السيارة:
- لما تطلعي مكتبك كلميني.
***
في الصباح الباكر، أمسك حمزة بيد ابنته ثم نزل إلى الأسفل.
فكان الجميع يجتمع بغرفة الطعام، بينما ركضت الصغيرة إلى خالد بفرحة عندما رأته يتراس الطاولة:
- جدو صباح الخير.
فأمسك بها خالد ثم وضعها أجلسها على رجله ثم قبل خدها:
- قلبي جدو من جوه صباح الورد والياسمين، وأنا أقول ماله اليوم حلو كده ليه.
نظرت ليلي إلى حمزة ثم إلى الصغيرة، ثم أخذت أغراضها لكي ترحل، لكن قاطعها دخول عمار وملك، فنظر لهم الجميع بدهشة من رجوعهم السريع.
فكان أنس أول من فاق من دهشته:
- عمار ملك، إنتوا رجعتوا بدري ليه؟
فاحتضن عمار زوجته وهو يهتف بنبرة يسودها المرح:
- وأنا اللي قولت زماننا وحشناكوا؟
فتحدث سالم بجدية مصطنعة:
- ولا عاوزين نشوف خلقتك أصلاً.
فضحك حمزة ثم تحدث بمزاح:
- واضح إن أبو السوالم شايل منك.
فتجاهل سالم حديث حمزة ووجه حديثه إلى ملك:
- حمدالله على السلامة يا حبيبتي، واقفة عندك ليه؟ تعالي أقعدي، زمانكم مفطرتوش.
فابتعد عمار عن زوجته وهتف محاولًا التبرير، فشقيقه قد أخبره بعلم الجميع بمرض يونس وأنهم قد علموا أنه كان لديه خبر:
- على فكرة بقى ملك كانت عارفة زينا بالظبط.
فتدخل يونس بالحديث محاولًا أن يبرر لهم:
- متزعلش منهم يا سالم، هما كانوا بينفذوا كلامي.
فاقترب عمار منه ثم احتضنه:
- حبيبي يا سلوم متزعلش، وبعدين ده أنا بردو عريس.
فختف سالم بنبرة يسودها السخرية:
- عريس الغفلة.
***
بمنتصف النهار، أخرجت تمارا مفتاح سيارتها وهي تتحدث عبر الهاتف، ثم فتحت الباب الخلفي ووضعت بعض الأشياء على المقعد الخلفي. هتفت بامتنان:
- شكرًا يا عادل، معلش تعبتك معايا.
فأجاب عادل من الجانب الآخر:
- مفيش تعب ولا حاجة. المهم ده يقدر يفيده ويجيب معاه نتيجة.
فهتفت تمارا بنبرة يسودها الثقة:
- أكيد وأنا ثقة في اختيارك.
فشكرها عادل ثم هتفت متسائلة:
- قدامك قد إيه وتوصلي؟
فنظرت تمارا إلى ساعة يديها:
- حوالي نص ساعة على ما أجيب يونس. أول ما أقرب أوصل هرن عليكوا تجهزوا كل حاجة.
***
على الجانب الآخر، كان يجلس يونس أمام نافذة غرفته وبيديه إحدى الكتب السياسية. قاطع قراءته أثر صوت فنح الباب. فالتفت إلى الباب ثم تغيرت معالم وجهه إلى الدهشة:
- نيرة إنتي بتعملي إيه هنا؟
فنظرت نيرة إليه نظرة يسودها التلاعب:
- مش هتقولي أدخل؟
فأجاب يونس بنبرة ساخرة:
- ما إنتي دخلتي خلاص، خير؟
فجلست نيرة على المقعد المقابل لمقعده ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى:
- جايه أشوف ابن عمي وخطيبِي وأطمنْ عليه.
ضحكة خرجت من فم يونس لم يستطع السيطرة عليها:
- هه خطيبك؟ طب ابن عمك وماشي، إنما واضح إنك ناسيه إننا سبنا بعض من شهور.
أثناء هذا الحديث، وقد وصلت تمارا بالأسفل، دخلت بعدما فتحتها لها الخادمة ثم هتفت متسائلة عن مكان وجوده:
- أمال بشمهندس يونس فين؟
فأجابت الخادمة وهي تشير إلى غرفة يونس:
- في أوضته يا دكتورة، قاعد مستنيكي.
فنظرت تمارا إلى الحقيبة التي بيديها ببسمة وهي تتجه إلى غرفته. وقفت أمام باب الغرفة عندما سمعت صوت فتاة بالداخل وهي تهتف:
- اسمها سبتني يا يونس، قرار أنت أخدته لوحدك واختفيت.
ثم وقفت نيرة عن مقعدها ثم اقتربت يونس ووضعت يديها على خده:
- أرجع يا يونس، أنا لسه بحبك. أنا عارفة إني كنت غبية بس عرفت غلطي. عقابك طول أوي المرة دي.
بالخارج، مسحت تمارا بأنامِلها دمعة قد ذرفت من عينيها ثم ضغطت على قبضتيها محاولة السيطرة على النار الذي تشعر به بداخل صدرها. ثم تماسكت وحاولت رسم ابتسامة على وجهها. ثم دقت الباب لمي يشعروا بوجودها. فالتفت يونس ونيرة إليها. فوقف يونس سريعًا وأبعد يدي نيرة عنه ووجه وهتف بنبرة يسودها الارتباك لم تخفِ عن نيرة:
- تمارا!
فتحدثت تمارا وهي تبتسم بتصنع:
- واضح إني جيت في وقت غلط؟
فمسح يونس على شعرهِ بارتباك:
- لا أبداً، أنا كنت مستنيكي.
فتدخلت نيرة في الحديث:
- مش تعرفني يا يونس؟
فأجاب يونس:
- أحم، دي دكتورة تمارا، ودي نيرة بنت عمي.
فهزت تمارا رأسها لها:
- طيب خلينا نمشي عشان نلحق مشوارنا؟
فتساءلت نيرة بغيره:
- أنتم خارجين مع بعض؟
فأجاب يونس بحدية:
- دكتورة تمارا واخداني مشوار.
فاقتربت نيرة ثم أمسكت بيديه:
- طيب حلو، خدوني معاكوا ولا الدكتورة عندها مانع؟
فحاولت تمارا أن تبتسم:
- ولا مانع ولا حاجة.
رواية صراع الحياة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم محمد
طوال الطريق كانت تمارا شاردة، كانت تشعر بالغضب من نفسها ومشاعرها ومن يونس وهذه الفتاة الذي يتضح أن ظهورها لن يمر مر الكرام.
فاقت من شرودها عندما توقف السائق أمام المكان الذي أخبرته به.
فنظر كل من نيرة ويونس إلى المكان باستغراب، ثم سألها يونس:
- متأكده إن دا المكان؟
فتحت تمارا باب السيارة وهي تهتف باقتضاب:
- أيوه هو.
فترجل يونس، ثم سريعا أغمض عينيه وحاول أن يتمسك بأي شيء عندما شعر بدوار يلتف به.
فأسرعت تمارا إليه وأمسكت بكفه وهي تهتف بنبرة يسودها القلق:
- أنت كويس؟
فحاول يونس أن يبث إليها الطمأنينة:
- متقلقيش، عشان بقالي كتير مخرجتش، ويعتبر تاني مرة أركب فيها العربية.
فهزت له تمارا رأسها:
- دا طبيعي، تعالي يلا ندخل.
دخل كل منهم، وبقت نيرة خلفهم تطلع على أثر اختفائهم وعلامات الكره والغيرة كانت ظاهرة على وجهها.
كان الظلام سائداً في المكان، عندما خطت تمارا ويونس أول خطواتهم، أنارت جميع الأنوار.
نظر يونس بدهشة إلى الجميع، فقد نسي تماماً أن اليوم عيد ميلاده.
كان حمزة وأنس أول من أقترب منه وقاموا باحتضانه، فأخذ أنس بيديه لكي يقوم بإطفاء شمع عيد ميلاده.
فضحك عمار، ثم هتفت بمرح:
- أتمنى أمنية قبل ما تطفي الشمع.
فأغمض يونس عينيه، ثم قام بفتحهما ببطء، فكانت تمارا أول من نظر لها.
أخذت ليلى بأحد الأركان الهادئة لكي تستطع أن تتحدث معه.
فسأل حمزة باستغراب:
- في إيه؟ قلقتيني؟
فأشارت ليلى إلى نيرة بغضب:
- تقدر تقولي إيه اللي جايب أختك هنا؟
فرفع حمزة كتفيه بجهل:
- معرفش أنا مقلتش ليها، هي كانت جايه مع يونس.
فتحدثت ليلى بنبرة صوت مرتفعة بعض الشيء:
- أختك لو رجعت تاني حياة أخويا وأذته أنا مش هسكتلها.
فهم حمزة معنى كلمتها جيداً، فهو وشقيقته كانوا حزناً وشقاءً لهم، لكن يوجد فرق بين حمزة ونيرة كالفرق بين الأرض والسماء.
فتحدث حمزة بنبرة حاول أن يبث إليها الطمأنينة:
- أطمنّي أنا مش هسمحلها.
فنظرت له ليلى بخيبة أمل:
- ياريت أقدر أثق فيك.
ثم غادرت ولم تعطيه فرصة للرد، تنهيدة حزن قد خرجت منه، فقلب لم يستطع أن يصمد أكثر من ذلك، فإذا كانت هي تعاني فهو أيضاً يعاني مثلها بل الضعف.
في الصباح الباكر ببيت مصطفى، كانت قد قصت عليه نيرة جميع ما حدث أمس.
فتحدث مصطفى بعد تفكير:
- لازم تكسبي ثقة يونس ليكي تاني وترجعيه.
فعقدت نيرة حاجبيها بقلة حيلة:
- طب وأنا هعمل كده إزاي؟ أنا روحتله امبارح واعتذرت، وقولت هيعرض عليا إننا نرجع لبعض تاني، بس دا محصلش.
ضحكة ساخرة قد خرجت من فم مصطفى:
- يرجعلك! لا دا أنتي دماغك ضاعت خالص، مين يعرض عليا مين، يونس عمره ما هو اللي يبدأ تاني.
فنظرت له نيرة بعدم فهم:
- يعني إيه؟
فأجاب مصطفى بجدية:
- يعني أنتي اللي هتعرضي عليه ترجعيله.
فتحدثت نيرة بتردد:
- أنا!؟ بس…
فأقاطع مصطفى حديثها:
- مفيش حاجة اسمها بس، لازم ترجعي ليونس في أقرب وقت وتتجوزوا وساعتها نبدأ الخطة التانية، يا يموت وتاخدي كل حاجة، يا يجي بالساهل ويديني اللي إحنا عاوزينه.
فأجابت نيرة بجدية:
- بس في مشكلة، حاسة إن بينه وبين الدكتورة بتاعته دي حاجة.
فتحدث مصطفى بتفكير:
- لا دي سببها عليا، إذا كانت هي أو أي حد هيقف في طريقنا.
بداخل الشركة، دخل حمزة مكتب ليلى بعدما سمحت له بالدخول.
رفعت ليلى رأسها عن الأوراق الموضوعة أمامه، ثم هتفت سائلة عن سبب وجوده في مكتبها:
- في حاجة؟
فاستند حمزة برفقة على المكتب، ثم هتفت بنبرة يسودها التلاعب:
- هو فيها حاجة لما أجي مكتب بنت عمي؟
فنظرت له ليلى بغضب محاولة التحكم فيه:
- بس أكيد في سبب للزيارة اللطيفة دي.
فمد حمزة إليها ببعض الأوراق:
- دي صفقة المفروض تمضي عليها.
فنظرت ليلى إلى الأوراق، ثم نظرت إليه:
- مقدرش أمضي، خلي عمار هو اللي يمضي.
فعقد حمزة حاجبيه بتساؤل:
- ودا ليه؟
فهربت ليلى بأنظارها إلى المكان:
- عشان أول ما نتيجة يونس تطلع هرجع لندن تاني.
نظر لها حمزة بدهشة:
- نعم..! اسمعيني كده تاني.
لم ينتظر حمزة إجابتها، بل اتجه نحوها ووضع يديه حول كرسيها، فشعرت ليلى ببعض التوتر:
- أنت بتعمل إيه؟
فتحدث حمزة بنبرة جادة جعلتها تشعر بالتوتر:
- بعمل اللي مفروض يتعمل من زمان، كفاية دلع وتهريج بقى، رجلك مش هتخطي بره مصر، أنتي فاهمة؟
فأجابت ليلى بتساؤل:
- أنت بتأمرني؟
فهز حمزة رأسه بغضب:
- أيوه، ولو هتوصل بيا أني أخطفك وأقفل عليكي هعمل كده، عاوزة تزعلي تغضبي مني، يبقي هنا قصاد عيني، كفاية بعد وسفر أكتر من كده، أنا قولت اللي عندي.
كانت شارده في عينيه عندما كان يهتف عليها بهذه الكلمات، الذي شعرت من كلماته بفرحة تتسرب إلى داخلها، لكن حاولت قتل فرحتها، محاولة تذكير نفسها بما فعل.
أفاقت من شرودها على أثر مغادرته للغرفة ولم يعطي لها فرصة للإجابة، فنظرت ليلى في أثره بحزن لحالتهم، ثم حاولت جمع شتات نفسها والعودة إلى العمل مرة أخرى.
دلفت تمارا إلى الجنينة الخاصة بالبيت، فكانت تعلم أن يونس يجلس بها.
تقدمت إليه عندما رأته يجلس على المقعد أمام بعض الأزهار.
شدت المقعد وهي تلقي عليه التحية:
- صباح الخير. اتأخرت عليك؟
فالتفت يونس على أثر صوتها:
- صباح النور. لا أبداً.
وضعت حقيبتها على المنضدة:
- أنا كلمت الدكتورة وقدمها نص ساعة على ما تيجي.
فهز يونس رأسه، ثم نظر لها فشعر بتوترها:
- شكلك متوترة، عاوزة تقولي حاجة؟
ففركت تمارا يديها بتوتر:
- هو سؤال مش أكتر؟
فأشار إليها سامحاً لها بالحديث:
- أنت ليه مجبتليش سيرة أنك كنت خاطب قبل كده؟
فأبتسم يونس لانتظاره لهذا السؤال منها:
- عشان مكنتش ليها قيمة في حياتي غير إنها بنت عمي وبس.
فصمتت تمارا في أسف عندما ظهر الحزن على عينيه.
تنهيدة حازنة قد أخرجت من فم يونس، ثم صمت لثواني وهتف سائلاً عندما لم تتحدث:
- ليه لما نحب من قلبنا بنتوجع؟
فأجابت تمارا وهي تنظر أمامها بشرود:
- عشان بنحب من قلبنا.
فنظر لها يونس بتعجب، فأكملت حديثها موضحة له رأيها:
- متستغربش، حب القلب بيجيب الوجع رغم أنه بيبقى ضعيف، تعرف إن حب العقل أقوى بكتير؟
فسأل يونس بدهشة:
- حب العقل، بس دا إحنا اللي بنختاره؟
ارتسمت على شفتيها ابتسامة عندما شعرت أنه أصبح الوصول إلى مقصدها:
- عشان كده بيبقى أقوى وأريح بكتير، حبيتك بعقلي يعني عمري ما أقدر أشك فيك، عمري ما أقدر أفهم تفكيرك وتصرفاتك وأسلوبك غلط.
شرد يونس بها لبعض الوقت، فهو لا يعلم لازم كل لقاء تقوم بجذبه إلى هذه الدرجة، فهي يوجد بها هالة غريبة، فهو يشعر أنها كعالم خاص، كل اقترب منه يكتشف به شيئاً جديد.
شعرت تمارا بالخجل عندما طالت نظراته عليها، فحاولت الهروب من نظراته:
- مش هتشوف هديتك؟
أجاب يونس وهو لم يزح عينيه عنها:
- كنت مستنيها من امبارح.
فمدت تمارا إليه ببعض الأوراق، فنظر لها يونس ببعض الاستغراب، فأشارت تمارا إلى الأوراق:
- اقرأهم.
شاهدت تمارا تغير ملامحه من الجدية إلى الدهشة ثم السعادة، ثم بعض دموع قد ألقت به مقلتيه، فحاول يونس جمع الكلمات، فنجح في التحدث:
- بتهزري!؟
دون أن تشعر، أمسكت تمارا بكفه عندما رأت سعادته:
- ألف مبروك، الحمد لله بقيت كويس.
حاول يونس السيطرة على دموعه أمامه:
- الحمد لله، دي أحلى هدية جاتلي في عيد ميلادي.
ثم وقف في سعادة وهو ينظر إلى المنزل من خلفه:
- بابا لسه معرفش؟
فوقفت تمارا بجانبه وهي تشجعه إلى الدخول:
- يلا نعرفه.
فذهب الاثنين معا إلى الداخل وهو يتمتم بالحمد على إتمام شفائه بخير.
بالمساء، قامت تمارا بوضع اللمسات الأخيرة، ثم نظرت إلى المرآة برضا، ثم أخذت حقيبتها وخرجت إلى الخارج.
فقاطعتها والدتها بجدية:
- محتاجة أتكلم معاكي في موضوع؟
فأجابت تمارا باعتراض:
- مش هينفع دلوقتي يا ماما، أنا متأخرة على لمار.
ثم قبلت والدتها وغادرت مسرعة، ولم تستمع نداء والدتها.
فتحدثت ساجدة بجدية:
- سيبي البنت يا فاطمة.
فجلست فاطمة على المقعد بعصبية:
- لازم أتكلم، لازم تسيب الشغل ده.
فتحدثت ساجدة باعتراض:
- تسيبه إزاي، هتقوليلها سبيه ليه، معندناش سبب مقنع؟
فتحدثت فاطمة بقلق يتسرب إلى قلبها منذ أن خطى فضل قدمه إلى عالمهم، فهي لن تستطيع أن ترى ابنتها تخطو بقدمها نحو الحزن وتصمت:
- مينفعش تفضل أكتر من كده، أنتِ تفكيرك اتغير ليه من ساعة ما سالم ظهر، الحقيقة مينفعش تبان بعد السنين دي كلها، أنتي فاهمة؟
فجلست ساجدة بتعب على المقعد المقابل لها وهي تضع رأسها بين يديها:
- رأيي متغيرش بس معنتش قادرة أشيل السر ده جوه قلبي، كفاية بقي بقالي تمانية وعشرين سنة شيلَاه.
فوقفت فاطمة، ثم وضعت يديها على كتف ساجدة:
- يبقي تستحملي اللي باقي من عمري وعمرك.
فرفعت ساجدة رأسها، ثم نظرت إليها بشرود وعزم على فعل شيء تعلم أنه تهور، لكنها لن تستطيع الصمود أكثر من ذلك.
وقفت لمار بشرفة غرفتها المطلة على الحفلة، كانت تنظر بسعادة وفخر من نفسها، فهي تتحقق جميع أحلامها، واليوم وضعت أرجلها على أول سلمة من تحقيق حلمها.
شعرت بأحد يقف بجانبها، فنظرت إليه، فقد كان أنس.
نظر لها أنس بانبهار عندما رأى طلتها، أغمض عينيه محاول السيطرة على هذا الشعور، ثم سألها بجدية:
- جاهزة؟
فهزت لمار رأسها، فمد أنس يده إليها، فأمسكت لمار بها.
عندما دخلا، قابلهم حشد من الصحافة، وتشددت الإضاءة عليهم، فضغط أنس على يد لمار من كم الأسئلة التي واجهتها، ثم حاول الدلوف.
وقفت لمار بجانب تمارا عندما صعد أنس على المسرح لكي يلقي كلمة على الجميع، فقاطعه، أطفاء الشاشة خلفه، ودخل فادي.
تحدث فادي وهو يبتسم بضحكة صفراء:
- أسف على المقاطعة، بس كنت حابب أبارك للأستاذ أنس المنياوي صديق عمري، ولمار الشافعي أهم عارضة أزياء في مصر كلها، وأهديهم الفيديو الجميل دا.
فتقدم فريد الذي كان يلهث من الجري لكي ينقذ الموقف، ثم نظرت لمار بخوف، فنظر لها أنس بطمأنينة، ثم أشار عمار إلى الأمن عندما شعر بالتوتر يسود المكان.
تقدم أنس من فادي بحرص وهو يتحدث:
- فادي، عدى اليوم على خير، محدش هيخسر غيرك.
فضحك فادي بسخرية:
- أديك قولت أنا اللي هخسر، واللي هخسره مش هيبقي قد اللي خسرته قبل كده.
ضغط فادي على الزر فأضاءت الشاشة، فحلت الصدمة والدهشة على الجميع.
رواية صراع الحياة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم محمد
صراخ أصوات تنادي باسمها، حاولت فتح عينيها بصعوبة، فهي آخر شيء رأته صورته التي كانت تُعرض وهي بين أحضان فادي في وضع مُخجل. ثم سمعت مرة أخرى صوت ورأت نظرة الخوف والقلق بهم، وهو كان يمسك وجهها وينادي اسمها:
- لمار سمعاني! فوقي يا لمار.
ثم وجدت نفسها ترى السواد مرة أخرى. بعد ساعات كثيرة كانت قد استيقظت من غيبوبتها القصيرة، كان الجميع ملتفًا حولها، سمعت صوت أبيها وهو يصرخ بأحدهم، ثم سمعت صوت أمها تخبرهم بأنها بدأت بالاستيقاظ.
أسرع إليها عزمي بلهفة:
- لمار بنتي، أنتي كويسة؟
حاولت لمار الاعتدال في جلستها، فأسرعت تمارا باحتضانها فبكت لمار بشدة، فحاولت والدتها وتمارا تهدئتها، فدخل أنس على أثر بكائها. عندما رأته لمار حاولت الوقوف ثم وقفت أمامه، ثم رفعت يدها وقامت بضربه، ثم تحدثت بصراخ:
- كل اللي حصل دا بسببك، أنت السبب في اللي حصل!
ترنحت في وقفتها فأمسك يديها، فأبعدت يديه عنها:
- متلمسنيش.
فتدخل عزمي مسرعًا:
- أمشي يا بني كفايه لحد كده.
فنظر لها أنس نظرة مطولة تخلو من التعبير أربكتها قليلًا لكن أبعدت أنظارها عنه:
- ممكن يكون عندك حق إني السبب اللي يخلي فادي يعمل فيديو زي دا.
فوضعت لمار يديها على أذنيها وهي تصرخ:
- أخرس متكملش!
فأنزل أنس يديها وهو يكمل حديثه:
- بس هجيبلك حقك وهسكتلك كل لسان ممكن يجيب سيرتك بحرف.
فتدخل عمار الذي كان يتابع الحديث بأسف، وهو يحرك أنس لكي يغادر الغرفة.
***
- بس دا كل اللي حصل.
كانت تمارا تقص على ساجدة ما حدث بالأمس، فشعرت ساجدة بالحزن:
- يا حبيبتي كل دا يحصلها، ربنا ينتقم من اللي كان السبب.
فأجابت تمارا بالدعاء:
- يا رب! أنا مش متخيلة إزاي قدر يعمل فيديو زي دا وهو جايب مقاطع ومشاهد لمارا كانت ممثلاها.
فحاولت ساجدة أن تبث إليها الطمأنينة:
- بكرة الحقيقة تبان والناس تعرف إن الفيديوهات دي مش حقيقة متقلقيش.
فهتفت تمارا وهي تقف من جلستها:
- أتمنى يا ساجدة، الوضع شكله صعب.
قاطعهم دخول فاطمة وهي ترى ابنتها على وشك الخروج:
- رايحة فين يا تمارا؟
فأمسكت تمارا بحقيبتها:
- رايحة المستشفى عندي حالة وهخلص وأروح للمار.
فعقدت فاطمة يديها أمام صدرها:
- مفيش مرواح المستشفى.
فنظرت تمارا إلى ساجدة ثم إلى والدتها بتعجب:
- نعم ودا ليه؟!
فأجابت فاطمة بجدية:
- يعني اللي سمعتيه، المستشفيات مالية البلد، شغل مع ولاد المنياوي تاني لا، كفاية لحد كده مش هستحمل تاني.
فقاطعتها ساجدة باعتراض:
- فاطمة مش كده دا شغلها مش لعب عيال.
فصرخت فاطمة بعدما فقدت التحكم في أعصابها:
- وأنا مش هستحمل أكتر من كده، كفاية مش هنعقد لحد ما يحصل مصيبة زي زمان.
فتدخلت تمارا بتعجب:
- مصيبة إيه اللي بتتكلمي عليها؟
فنظرت ساجدة إلى فاطمة بخوف بأن تتحدث:
- مفيش يا بنتي أمك بس متأثرة من اللي حصل للمار، روحي أنتي شغلك وملكيش دعوة.
فبقيت تمارا تنظر إلى والدتها تارة وإلى خالتها تارة، فأمسكت ساجدة بيديها واتجهت بها نحو الخارج:
- يلا يا تمارا امشي أنتي.
فتحدثت تمارا بهدوء:
- أنا همشي بس لينا كلام تاني.
ثم غادرت تمارا فنظرت ساجدة لفاطمة بعتاب، فتحدثت فاطمة بغضب:
- متبصليش كده، كفاية أخوكي وعزمي اللي طلع فيه بينهم شغل.
فتحدثت ساجدة بصراخ:
- لا يوقفوا حياتهم عشاني صح! كفاية بقى كفاية، لو هتوصل إن تمارا تعرف كل حاجة عشان أنتي تسكتي هعمل كده، لو هتوصل إن سالم يعرف السر اللي متخبي هقول. أه.
أسرعت فاطمة نحو شقيقتها عندما رأت معالم الوجع على وجهها:
- ساجدة! مالك يا حبيبتي، اهدى خلاص مش هقول حاجة.
فحاولت ساجدة الحديث فأمسكت فاطمة بيديها ثم أجلستها على الأريكة من خلفها وهي تضغط على صدرها بخفة محاولة أن تخفف آلامها. فهتفت ساجدة محاولة أن تجمع الكلمات بفمها:
- ع علاجي.
فأسرعت فاطمة بإحضاره ثم أعطته لساجدة ثم تنفست الصعداء عندما رأت ملامحها قد لانت بعض الشيء فقررت الصمت والتحدث مرة أخرى في وقت لاحق.
***
سأل حمزة بعدم فهم:
- طيب ليه ظهرت ليها تاني؟
فأجاب سالم بعدما أخبر ابن أخيه ما حدث معه هو وساجدة بالماضي:
- خوفت لتكون بعتت تمارا تعمل في يونس زي ما عملت فيا.
فأكمل حمزة سؤاله:
- حتى بعد ما عرفت إنها شغالة معانا من زمان وإني أعرفها من أيام تعبها؟
فهز سالم رأسه، فسأله حمزة باستغراب:
- طب ليه كانت بتكلمك كأنك أنت اللي بعت اللي بينكم؟
فوقف سالم بحيرة:
- مش عارف ودا اللي هيجنني، إزاي قدرت تبيع كل اللي بينا وإزاي قدرت ترفض تهرب معايا، هان عليها ابني اللي قتلته؟
حك حمزة ذقنه بتفكير:
- كلامها وراه معنى تاني، الموضوع دا وراه سر، هو إيه معرفش بس متأكد إني هعرفه.
***
بداخل إحدى مراكز الشرطة، تحدث الضابط باحترام:
- إحنا جبنا حضرتك هنا عشان لازم المحضر يتقفل.
فرفع أنس إحدى حاجبيه بتعجب:
- محضر إيه اللي يتقفل؟
فشعر الضابط بوجود شيء خاطئ:
- أنسة لمار برة وهي هتتنازل عن القضية.
فخبط أنس بيديه على سطح المكتب:
- نعم!
دا على جثتها أمشي في الإجراءات يا سيادة الرائد وأنا هتصرف معاها.
ثم غادر ولم يعطه فرصة للحديث. كانت لمار تقف بالخارج عندما رأته، أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى فتقدم نحوها:
- عايزة تقفلي المحضر ليه؟
فنظرت له بغضب ثم أجابت بصرامة:
- حاجة متخصكش.
فأجاب أنس بجمود جعلها ترتبك:
- حلو نخليه يخصني.
فاعتدلت لمار في وقفتها ثم بلعت ريقها في توتر وهتفت محاوِلة استيعاب جملته:
- قصدك إيه؟
فوضع أنس يديه في جيب بنطاله ثم تحدث بثقة قد أربكتها أكثر:
- لا دي هتعرفيها بليل لما أجيلكوا، باي مؤقتًا.
في شركة المنياوي داخل مكتب عمار، قاطعته السكرتيرة الخاصة به:
- مستر عمار في واحدة مصممة تقابل حضرتك بره اسمها مها أبو العز.
فتحدث عمار بدهشة لم تفت السكرتيرة:
- مها ودي إيه اللي جابها؟
فأجابت السكرتيرة بعملية:
- تحب حضرتك أقولها إنك مش موجود؟
فاعتدل عمار في جلسته:
- لا دخليها بس لو ملك جت عرفيها إني معايا ميتنج.
فهزت السكرتيرة رأسها بطاعة ثم أدخلتها. ألقت مها التحية، ثم أشار لها عمار بالجلوس.
فركت مها يديها بتوتر عندما رأت معالم دهشته التي ما زالت بادية عليه من وجودها:
- طبعًا مستغرب من وجودي مش كده؟
فأجاب عمار بخجل:
- في الحقيقة آه خصوصًا إننا متقابلناش من أيام الجامعة.
فشددت مها على حقيبتها وهي تحاول أن تطلب منها الدعم:
- ملقتش غيرك قدامي عارفة ومتأكدة أنه ممكن يساعدني.
فشعر عمار بجدية الأمر من لهجتها فاعتدل في جلسته محاولًا التركيز معها هاتفًا بتساؤل:
- في إيه بالظبط؟
فحاولت مها الحديث:
- أنا واقعة في مصيبة من سنة، قابلت مهاب وحبينا بعض بس معرفش يجي يتقدملي، فضل يتحجج بظروفه لحد ما عرض عليا الجواز بس في السر.
صمتت لبعض الوقت فانتظر عمار أن تكمل حديثها فأكملت:
- في الأول كنت رافضة بس بعدها وافقت، كنت كل ما أقوله إمتى هنعرف الكل ويجي يتقدم لماما كان بيتهرب لحد من تلات شهور حصل مصيبة.
لم تستطع أن تكمل بسبب شهقاتها التي حاولت أن تكتمها، فوقف عمار عن مقعده ثم جلس أمامها محاولًا تهدئتها:
- إيه اللي حصل؟
فأزالت مها دموعها:
- عرفت إني حامل، خوفت أعرفه، وكلمته علشان نتجوز رسمي رفض وقالي إنه مسافر ومش عايز يكمل، فاضطريت إني أعرفه، وقتها قالي أنه أشوف حملت من مين ومشي وسابني.
فتحدث عمار بغضب:
- أنتي يا مها، أنتي تعملي كده! اللوم مش هيفيدك كفاية عليكي نفسك بس إزاي مفكرتيش في والدتك ها إزاي؟
لم تستطع مها الإجابة من بكائها، فحاول عمار أن يهدأ من نفسه ثم سألها:
- الورقة معاكي ولا معاه؟
فأجابت مها من بين بكائها:
- لا الورقتين كانوا معاه.
فخبط عمار بغضب على سطح المكتب:
- تكتبيلي كل المعلومات عنه والأماكن اللي ممكن يبقى فيها.
فهزت مها رأسها بموافقة:
- حاضر، طب وأنا أعمل إيه؟ أنا والله بفكر أروح أسقطه.
فصاح عمار بغضب:
- وتقتلي روح كمان؟ أنتي متتصرفيش أنا اللي هتصرف.
فسألت مها:
- طب إزاي؟
فتنهد عمار في حزن:
- هتجوزك بس هيبقي كتب كتاب بس.
رواية صراع الحياة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم محمد
في المساء، وصل أنس وشقيقه ووالده وعمه إلى بيت عزمي الشافعي.
كان خالد من افتتح الحديث وقطع هذا الصمت المخيم على المكان:
"ممكن تكون مستغرب من زيارتنا خصوصًا إن العلاقة مقطوعة بقالها سنين."
فتحدث عزمي في خجل:
"أعذرني يا خالد بس بقالنا سنين علاقتنا مقطوعة من أيام مؤمن أخويا ومن فترة ما بدأنا شغل مع الولاد."
فنظر سالم بتشجيع إلى خالد لإتمام حديثه:
"ممكن يكون اللي حصل زمان سبب إن العلاقة اتقطعتْ بس إحنا النهارده موجودين عشان ننهي دا وبطلب إيد بنتك لأنس ابني."
فنظر له عزمي وعلامة الدهشة كانت بادية على وجهه، فلم يكن بخياله أنه بعدما حدث أن يقوم بطلب يد ابنته:
"الحقيقة أنت فاجأتني، بس أنا مقدرش أوافق. أنا بنتي مش بيعة للصحافة ولا الفلوس."
فتدخل أنس مسرعًا محاولًا أن يصحح كلامه ويوضح عزمه على الزواج من لمار بأنه ليس بسبب ما حدث:
"لأ طبعاً. حضرتك ممكن تسمحلي دقيقة على انفراد؟"
فنظر له عزمي ببعض من التردد، لكن قرر بالاخير الإنصات إليه. فأشار له عزمي إلى الغرفة ليستطيع التحدث.
بالخارج، كانت تمارا ولمار تقفان بإحدى الأماكن تحاولان الاستماع إليهم.
تنهيدة خرجت من فم لمار تعبر عن مللها:
"أوف مش عارفة أسمع حاجة."
ألتفتت إلى ابنة عمها، رأتها تنظر إلى سالم بشدة. فقطعت شرودها عندما هزتها بيديها:
"إيه روحتي فين؟"
"هو كبير أه بس يمشي."
نظرت لها تمارا بغيظ:
"دماغك متروحش بعيد. أنا بس حاسة إن شكله مش غريب عليا، يعني ملامحه تحسي إننا شوفنا حد شبهه!"
نظرت لمار ثم تحدثت بحيرة:
"فعلاً أنا بردو لمحت دا."
فأمسكت تمار بيد لمار:
"بسرعة على الأوضة عشان عمو جاي."
فأسرعت الفتاتين إلى غرفتهما واتبعهم عزمي إلى الغرفة. فتحدثت لمار عندما رأت والدها يدلف إلى غرفتها:
"إيه سر الزيارة دي يا بابا؟"
فجلس عزمي أمام ابنته على طرف الفراش ثم هتف متسائلاً:
"أنتي عارفة إن معنديش أغلى منك ولا عمري هاخد قرار يخصك غير لما يكون في مصلحتك؟"
نظرت إليه لمار بنظرة يسودها التعجب والقلق في آن واحد:
"أيوه طبعاً، ليه حضرتك بتقول الكلام دا؟"
فأطرق عزمي رأسه إلى الأسفل بتفكير كيف يخبرها، لكنه عزم همته أنه سوف يلقي بهذا الخبر مرة واحدة في وجهها:
"أنس طلب إيديكْ وأنا وافقت."
فوقفت لمار من صدمتها على أثر ما ألقى على سمعها:
"إيه! إزاي حضرتك تاخد قرار زي دا؟ أنا مش موافقة."
فوقف عزمي ناهيًا الحديث:
"دا آخر قرار. خطوبتك انتي وأنس آخر الأسبوع. مش هلاقي أحسن منه أمن عليكي معاه."
ثم غادر. فالتفتت لمار إلى تمارا ومعالم الصدمة بادية على وجهها:
"إزاي ياخد قرار زي دا؟"
فأمسكت تمارا بيديها محاولة التهوين على ابنة عمها:
"لمار متعمليش في نفسك كده. أنس مش وحش ولو كان جه اتقدم لك قبل ما أي حاجة تحصل كان ممكن توافقي. صلي استخارة وحاولي تفكري."
فجلست لمار على طرف الفراش بعدما فقدت طاقة في هذه الصدمة وكلمات تمارا تأكل تفكيرها.
***
كان حمزة قد استأذن بالمغادرة معتذرًا لأجل صغيرته التي تركها بالبيت.
بغرفة ليلى، أزالت الغطاء ثم جلست على الفراش عندما سمعت صوت بكاء الصغيرة بالخارج.
فحدثت نفسها بغضب:
"بيخلفوا ليه طالما هيسيبوا عيالهم؟ قومي يا ليلى دي طفلة مش هتعملك حاجة يعني."
فقامت بتكاسل نحو غرفة حمزة. هدأت الصغيرة عندما رأته. لم تستطع ليلي الاقتراب منها، بل الصغيرة من أسرعت إليها وتحدثت بخوف:
"ليلو أنا خوفت لما ملقتش بابي جنبي."
شعرت ليلي برجفة تسود جميع جسدها عندما اقتربت منها الصغيرة وقامت باحتضانها. فابتعدت ليلي عن الصغيرة ثم تحدثت وهي لا تنظر إليها:
"طيب اطلعي على السرير وحاولي تنامي."
فسألتها الصغيرة بنبرة يسودها البراءة:
"وهتنامي جنبي؟"
فلم تستطع ليلي أن تقسو على قلبها وترفض طلبها:
"أيوه."
فأسرعت الصغيرة إلى الفراش وتبعتها ليلي.
أثناء ما يحدث، كان حمزة يقف بالخارج يشاهد ما حدث. فشعر بأحد يضع يديه على كتفه، فأستدار.
ابتسمت زينب ثم تحدثت:
"متقلقش كل حاجة هتبقى تمام."
فاستند حمزة على الحائط بحزن:
"ليلى بتتعمد متتعاملش مع مرام ودي حاجة وجعاني."
فطبطبت زينب على كتفه:
"ليلى يمكن مش بنتي بس السنين اللي عشتها معاها قدرت أفهمها. ليلى حنينة، اصبر وخلي أملك في ربنا كبير."
***
هتف أنس بنبرة يسودها الصدمة على أثر ما ألقى على الآن على مسمعه:
"هتتجوز على ملك يا عمار!؟"
فوضع عمار رأسه بين كفيه:
"مش هيبقى أكتر من كتب كتاب مش عشان مها هي متستاهلش، عشان والدتها اللي ممكن يجرالها حاجة لو عرفت."
فأجاب أنس بنبرة يسودها الحِدة البسيطة:
"طيب وملك مفكرتش فيها لو عرفت اللي هتعمله؟ لأ ومين؟ مها! اللي كانت بتحبك أيام الجامعة؟"
فوقف عمار من جلسته محاولًا التهرب:
"سيبك مني أنا هحاول أتصرفْ. خلينا فيك وصلتوا لإيه؟"
فنظر أنس أمامه بشرود:
"هي معترضة وفكراني اتقدمت عشان اللي حصل."
فسأل عمار بنبرة يسودها الخبث:
"لو مش عشان اللي حصل أمال اتقدمت ليه؟"
فاستطاع أنس أن يلمح ما وراء سؤال عمار:
"مش اللي في دماغك."
فضحك عمار:
"تبقى كداب. شكلك وقعت ومحدش سمي عليك."
***
بالمساء، بداخل بيت الدمنهوري، كان الجميع يتناول طعام العشاء. فسأل خالد ابنه:
"جهزت كل حاجة لخطوبتك؟"
فأجاب أنس بنبرة يسودها التهذيب:
"أيوه يا بابا وكلمت كذا حد من الصحافة عشان يبقوا موجودين."
فهز خالد رأسه برضا. ثم نظر إلى حمزة ونقل نظره إلى ابنته ثم وجه حديثه إليها:
"اعملي حسابك كتب كتابك على ابن عمك مع خطوبة أخوكي."
فوقعت المعلقة منها بصدمة. فنظر لها حمزة محاولًا استكشاف ردة فعلها. فتحدثت ليلى بصدمة:
"حضرتك تقصد مين بالظبط؟"
فأجاب خالد بنبرة يسودها الجمود:
"إنتي وحمزة ابن عمك."
ابتسامة غاضبة ارتسمت على شفتي ليلى، وكأن لم تصدم طويلاً. فسريعًا ما تحول وجهها إلى الاحمرار الشديد من كثرة الغضب. جعلت كل من أنس وعمار الذين كانوا يجلسون على جانبيها يبتلعون ريقهم في قلق وخوف من أن تتصرف بتهور. وسريعًا ما أظهرت ذلك عندما هتفت بصوت يسوده الغضب، كأنه بركان على وشك الانفجار، وهي تنظر إلى حمزة الذي كان هو أيضًا يتطلع عليها محاولًا أن يستشف رد فعلها:
"بس أنا مش موافقة."
فقاطعها خالد باعتراض ونبرة يسودها البرود. لم تعجب زينب الذي قامت بالضغط على كفه محاولة أن تبث إليها اعتراضها:
"وأنا مأخدتش رأيك."
فوقفت ليلي بغضب، وعلى أثره قد وقع المقعد. فانتفض الجميع على أثر وقوعه. فوقف خالد من مقعده هو الآخر واقترب منها:
"يعني إيه؟ هتجوزني ليه غصب؟"
فهز خالد رأسه، فضحكت ليلي بسخرية. فوقف حمزة خلف خالد محاولًا التدخل:
"يوم ما تيجي تتكلم، تتكلم دلوقتي؟ طب كنت فين وأخوك بيحكم على ابنه أنه يسيبني قبل خطوبتنا بيومين عشان خاطر الفلوس ها؟ كنت فين؟"
ازداد ارتفاع صوتها بعض الشيء وزادت معه حدته:
"كنت وقتها فين؟ ما واجهتهوش ليه؟ آه صح، ما أنت وقتها كنت ماشي وراه في كل حاجة لدرجة إنك سبتله شركتنا لحد ما ضيعها."
كان رد خالد عليها ما كان سوى صفعة، لكنها لم تقع على وجهها. فقد كان لتدخل حمزة بينهم سبب في تلقي هو هذه الصفعة. فنظر الجميع إلى ما حدث ومعالم الصدمة بادية على وجههم. حاول خالد التحدث فمنعه حمزة وهو ينظر بطرف عينيه إلى ليلي التي رأها تحاول أن تمنع دموعها من السقوط:
"مش زعلان من حضرتك على اللي حصل بس مقدرش أسمح ولا أقف مكتوف وأشوف إن ليلى تتهان قدامي أو تتأذى وأقف ساكت."
أنهى جملته ثم وجه حديثه إليها دون أن يلتفت:
"ممكن تستنيني بره في العربية؟"
فأشار يونس إلى شقيقته لكي تغادر. وبالفعل غادرت.
نظر خالد إلى ابن أخيه بأسف:
"أنا آسف يا ابني أنا…"
فقاطعه حمزة بابتسامة:
"ولا يهم حضرتك. وبعدين يعني دي مش أول مرة. أمال لو مكنتش بحترم حضرتك وكنا نعمل العَملة ونجري نقول لسالم عشان مندربش."
فمسح خالد بكفه على خده الذي قد احمر بعض الشيء من صفعة:
"متستسلمش بنتي وأنا عارفها. بكرة تلين."
فهز حمزة رأسه بأسف وحزن على ما قد وصل إليه هما الاثنان ثم غادر.
كانت ليلي بانتظاره في سيارته تجلس في المقعد الأمامي. فوقف أمامها يتطلع عليها لثوانٍ ثم تنهد بصوت عالٍ، ثم فتح باب السيارة واعتلى المقعد وقاد السيارة في صمت تام.
***
أوقف حمزة السيارة أمام النيل. فتدرجت ليلي من السيارة فتبعه حمزة ووقف بجانبها. لم يتحدث بل انتظر بأن تبدأ هي بالحديث.
حاوطت ليلي جسدها بيديها ثم تحدثت وهي لا تنظر إليه:
"ليه عاوز تصعبها علينا؟"
فعقد حمزة حاجبيه ثم هتف بنبرة يسودها الألم لم تغب عن ليلي:
"أنا اللي عاوز أصعبها علينا ولا أنتي؟ أنا اللي مش قادر أسامح ومقسي قلبي؟"
فالتفتت له ليلي وهي تحاول أن تمنع نفسها من البكاء:
"أنا مش قاسية يا حمزة أنا لسه زي ما أنا، بس كل اللي اتغير إن قلبي وعقلي مش قادرين يتخطوا فكرة إنك سبتني واتجوزت. عقلي اللي كل ما يشوفك لازم يفكرني بصورتك وانت لابس البدلة وبنكتب كتابك على بنت عمتي، وقلبي اللي كان متعشم فيك وشايفاك الأب والأخ والصديق قبل ما تكون الحبيب."
فاقترب حمزه منها خطوة ومد يديه يمسح دمعة كانت قد خانتها وهي تتحدث، كأنها تعلن تمردها عليها. كأنها لا تريد الخضوع إلا أمام صاحبها فقط:
"مكنش بإيدي."
فأزالت ليلي يديه عنها ثم تحدثت بصوت عالٍ:
"قولي سبب واحد، سبب واحد يخليني أكمل معاك ويخليني أفكر في السماح؟"
فهرب حمزه بعينيه فهو لن يستطيع أن يخبرها:
"مش هينفع؟"
فأجابت ليلي بنبرة يسودها العند:
"يبقى أنت اللي بتخسرني بإيدك."
فهتف بتسرع ودون تفكير:
"علشانك."
فعقدت ليلي حاجبيها بعدم فهم:
"قصدك إيه؟"
فاستند حمزة على السور أمامه ثم تنهد بغضب، فهو لن يصمت أكثر من ذلك، يجب عليها أن تعلم ما حدث:
"اتجوزت حياة عشانك. بابا الأول هدَّدني إنه مش هيديني ورثي، فقلت له ميهمنيش. فقال يبقى هيكتب كل حاجة باسمي ودي هتبقى وصية ولازم تتنفذ على أساس إن أخواتي يكرهوني. بس بردو قلت له إني هعرفكوا كل حاجة واليوم اللي جيت عشان أجمعكوا فيه، هدَّدني بيكي إنه هيموتك."
نظرت له ليلي ومعالم الصدمة كانت هي المحتلة:
"أنا مش مصدقة اللي أنت بتقوله. كل دا ليه؟ علشان ورث حياة ميخرجش بره؟ أهي ماتت وورثها أنت وبنتها اللي أخدتوه."
فهز حمزة رأسه تأكيدًا على حديثها. التفتت ليلي إلى المقعد الذي كانت تسكن خلفها ثم اقتربت منه وجلست عليه في سكون. لا تصدق ما أُلقي على أذنيها الآن. لقد تحمل هذا السر بمفرده. ولم يقم بمشاركتها ما حدث، وهي ماذا فعلت؟ قامت بالضغط عليه أكثر.
***
أتى اليوم الموعود. قد أتم الحفل بإحدى القاعات. حضر المأذون وأتمم عقد قران حمزة وليلى، ثم إعلان خطوبة أنس ولمار الذي كان سببًا لحضور الصحافة.
وقفت لمار بجانب أنس ومن الجانب الآخر كانت تمارا تقف بجانبها تحذرها من فعل شيء جنوني يثير من غضب عمها.
أمسك أنس بيدها وهو يتحدث بابتسامة مصطنعة:
"افردي وشك شوية الناس تقول إيه غصبينك على الجوازة."
فابتسمت لمار ابتسامة صفراء:
"على أساس إن دي مش الحقيقة؟"
فوضع أنس الخاتم في إصبعها:
"بكرة يبقى كل حاجة بمزاجك يا قلبي."
فوضعت لمار الخاتم الخاص بشدة:
"شكلك بتحلم كتير."
تدخلت تمارا بالحديث لكي لا يطول أكثر من ذلك، مانعًا من أن يحدث مشكلة ما.
بعد انتهاء الحفل، أمسكت لمار بفستانها وهي تتجه إلى سيارة والدها. فمنعتها يد أنس بإكمال سيرها وهو يهتف متسائلاً:
"رايحة فين؟"
فحاولت لمار إبعاد يديه عنها لكن فشلت:
"رايحة العربية عشان أركب."
فأجاب أنس بجدية:
"مش عيب تروحي يوم خطوبتك مع والدك. على الأقل لازم أوصلك. مش هقولك نخرج مع بعض."
ولم يعطيها فرصة للاعتراض بل فتح لها باب السيارة لكي تجلس. فنظرت له بغضب وحاولت التحكم في أعصابها.
أثناء ما يحدث، كان حمزة وليلى يشاهدون ما حدث. كانوا يضحكون على مشاغبتهم:
"تفتكر أنس حبها؟"
فنظر لها حمزة بحب:
"اللي بيضحي يبقى بيحب."
نظرت ليلى إلى الجهة الأخرى بخجل عندما فهمت معنى حديثه جيدًا. فقاطعهم الصغيرة وهي تمسك بيد حمزة:
"بابي مرام عايزة تنام."
فحملها حمزة:
"بس كده حالا نروح وتنامي."
***
مر أسبوعان، وكانت طوال الأسبوعين ابتعدت تمارا تمامًا عن ملاقاة يونس. فكان شاغلها الوحيد هو البحث عن ما حدث في الماضي.
في الصباح، بمنزل عمار، أخرج ملابسه استعدادًا لكي يذهب إلى العمل. كانت ملك تجلس على طرف الفراش ومعالم الشرود كانت بادية على وجهها.
فنظر عمار لحالتها، فهو لاحظ تغيرها منذ فترة ولكن لا يجهل السبب.
تحدث عمار بنبرة يسودها التساؤل:
"إنتي كويسة يا حبيبتي؟"
فهزت ملك رأسها بمعنى نعم، ثم قررت أن تسأله فهي لن تستطيع الصمت أكثر من ذلك:
"مها كانت بتعمل عندك إيه من فترة؟"
فتوتر عمار وحاول الهروب:
"أبدًا كانت جايه في شغل. هدخل ألبس عشان اتأخرت."
بقيت ملك كما هي على وضعها تجلس على الفراش. فهي تعلم عمار جيدًا، فقبل أن يكون زوجها وحبيبها فهو صديقها الوحيد. ترى بملامحه الحزن منذ فترة وتهربهُ منها.
قاطع شرودها هو رنين هاتفه المستمر. فسمعت صوت عمار يسمح لها بالإجابة على الهاتف. فقامت من الفراش بكسل وأجابت على الهاتف وفتحت مكبر الصوت. فسمعت صوت من الجانب الآخر يجيب مسرعًا.
فأتاها صوت مها من الجانب الآخر وهي تهتف من بين بكائها:
"عمار الحقني ماما عرفت كل حاجة. عرفت إني حامل ومقدرتش أستحمل ووقعت مني وأنا أخدتها على المستشفى. ألو ألو عمار أنت سامعني."
انزلق الهاتف من يد ملك على أثر صدمتها ونزلقت معه دموعها، بينما عمار كان يقف خلفها وعلامات الصدمة على وجهه.
***
وضع يونس كوب الحليب على المنضدة ثم تحدث:
"هتسكتي لحد إمتى؟"
فعقدت نيرة حاجبيها بعدم فهم:
"مش فاهمه أسكت على إيه؟"
فأجاب يونس بجدية، فقد استمرت طوال الأسبوعين بزيارته والذهاب معه إلى النادي وطبيبه الخاص به:
"هدفك اللي ورا وقوفك جنبي وزياراتك طول الفترة الأخيرة دي."
فوقفت نيرة بتهرب:
"وفيها إيه؟ مش ابن عمي، أنا مش فاهمه قصدك؟"
فضحك يونس بسخرية:
"هسهل عليكي. طول الأسبوعين كنتي بتحاولي تقربي مني وتكسبي ثقتي تاني. أو بمعني أصح عايزة تقولي نرجع لبعض بس بشكل تاني مش كده، وأنا ياستي موافق."
فارتسم على وجه نيرة ابتسامة النجاح. بينما ارتسم على شفتي يونس ابتسامة يسودها الخبث.
رواية صراع الحياة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم محمد
ضربات قلب مسرعة، خوف، توتر، صدمة، صمت يخيم المكان.
أقترب عمار فرجعت ملك خطوة إلى الخلف وهي تهتف بنبرة يسودها الصدمة والانهيار:
-قولي إن اللي سمعته دا غلط، قولي إنك مخونتنيش؟
فأجاب عمار بنبرة يسودها الصدق:
-والله أبداً، وعد هفهمك كل حاجة بس ألحقها.
فتحدثت ملك بصوت عالي:
-لو خرجت هترجع مش هتلاقيني.
فأمسك عمار يديها في حيرة لن يستطع أن يتكررها ولن يستطع أن يغادر ويخلف كلمات زوجته:
-إفهميني، لازم ألحقها. مامتها في المستشفى وأنتِ سمعتي بودكْ، خليكي في بيتك وأنا هرجع وأفهمك كل حاجة.
فألتفتتْ ملك إلى الجهة الأخرى باعتراض ولم تنظر له، فغادر عمار مسرعاً وهو يشعر بالقلق.
***
أمام بيت عزيز المنياوي كانت تمارا تودع لمار. وضعت لمار الحقيبة بجانبها ثم ألتفتت إلى تمارا وهي تتحدث:
-بس أنا شايفة بعدك عن يونس تصرف مش كويس، ومفيش سبب إنك تقطعي معاه طول الفترة دي، غير سبب واحد وهو إنك خايفة؟
فرهتف تمارا بنبرة يسودها التهرب:
-هخاف من إيه؟ يونس مكنش أكتر من حالة والعلاقة اتطورت وبقينا أصحاب.
فضمت لمار يديها أمام صدرها وهتفت بجدية:
-كدابة، تمارا أفتحي قلبك للدنيا تاني، كفاية قفل لحد كده. طارق يستاهل إنك تزعلي عليه بس هو دلوقتي عند ربنا وربنا يعلم إزاي أنتِ بتحبيه، بس هو خلاص معدش موجود. لازم تكملي حياتك ومتقفيش على كده.
فنظرت تمارا إلى ما خلف لمار:
-ربنا يسهل، أخلعْ أنا بقى قبل ما المعركة تبدأ.
فلم تفهم لمار معنى كلمات تمارا، فأشارت تمارا إلى ما خلفها. فالتفتتْ لمار وصدمت عندما رأت أنس يأتي نحوهم، شعرت بالتوتر.
وقف أنس ثم ألقى التحية:
-صباح الخير يا دكتورة، أخبارك إيه؟
فابتسمت تمارا:
-صباح النور، أنا الحمد لله، هستأذنكوا بقى عشان متأخرة.
نظرت لها لمار بغيظ. فنظرت لها تمارا وهي تحاول أن تكتم ضحكتها ثم ركبت سيارتها وغادرت تاركة لمار بمفردها مع أنس تلقي بعقابها.
ألتفت أنس إلى لمار ثم وضع كفه في جيب بنطاله وهو يهتف بتساؤل:
-مش عيب لما تسافري من غير ما تعرفي خطيبك وجوزك المستقبلي؟
فأجابت لمار بنبرة تحاول أن تتصنع فيها البرود لكن بداخلها تشعر بالقلق والتوتر، فهي تعلم جيداً أنها أخطأت لكن لن تتنازل له وتعترف بخطئها:
-والله أنا متعودتش أستأذن من حد، وبعدين عندي شغل، عندك اعتراض؟
فأقتربْ أنس فابتعدت لمار بحذر. فأشار أنس بصعوبة بأمر:
-يبقى تتعودي، عشان مبحبش مراتي تروح في حتة من غير ما أعرف. دي شنطتك مش كده؟
فنظرت لمار إلى الحقيبة بعدم فهم من سؤاله:
-أيوه، ليه؟
فحمل أنس الحقيبة فحدثت لمار مسرعة:
-أنتَ واخدها ورايح فين؟
فتحدث أنس بتعجب مصطنع:
-الله، بشيلك الشنطة عشان أحطها في العربية. يلا بسرعة بقى عشان منتأخرش في الطريق.
نظرت له لمار بصدمة من جملته. فهو من الواضح أنه سوف يقوم بإيصالها. ثم تبعته مسرعة عندما رأته يهتف بصوت عالي باسمها.
***
كان يركض بين طرقات المستشفى أسرع نحوها عندما رأها تجلس على المقعد وتبكي. فتحدث وهو يلهث من بين أنفاسه:
-إيه اللي حصل؟
فوقفت مها ثم أسرعت نحوه وارتمت في حضنه:
-الحقني يا عمار، ماما بتموت، أنا السبب، أنا السبب.
فأبعدها عمار عنه ثم ساعدها في الجلوس على المقعد. حاول عمار التحكم في قلقه والسؤال عما حدث:
-إيه اللي وصلها كده، فهميني؟
فحاولت مها التحدث من بين بكائها:
-معرفش، عرفت منين إنك متجوز واتخانقت معايا. وبعدين قالتلي: "دا خاين وهيتجوز عليا مراته، إزاي تسمحي لنفسك تتجوزيه". مقدرتش أسكت أكتر من كده وعرفتها الحقيقة كلها. وبعدها لقيتها وقعت مني في الأرض.
مسح عمار على وجهه في صمت، فلم يستطع التحدث. فهو لم يصل إلى ذلك الخائن الذي تركها وسط الطريق بمفردها. قاطع شرودهم عندما رأوا الطبيب يخرج من الغرفة.
فتحدث الطبيب بعملية:
-للأسف الحالة صعبة واضطرينا ننقلها العناية المركزة.
فتحدثت مها بنبرة يسودها الهلوسة والبكاء:
-أنا السبب، ماما حصلها كده بسببي.
فحاول عمار تهدئتها لكنها ذهبت إلى عالم آخر مغيبة عن ما يحدث حولها.
***
وقف يونس فنظرت له نيرة باستغراب. فهتف بلهجة يسودها الأمر ولم تستطع نيرة الرفض، ففضولها قد غلبها:
-قومي نروح مشوار الأول.
فتبعته نيرة دون أن تسأله. استقل يونس سيارته وجلست نيرة بجانبه. كان الصمت يحل على المكان لحين توقف يونس أمام إحدى العمارات. فنظرت نيرة باستغراب:
-إحنا رايحين فين؟
فتح يونس باب السيارة وامرها بلهجة صارمة:
-انزلي، وهتفهمي كل حاجة فوق.
فتدرجتْ نيرة من السيارة وتبعتْ يونس ثم صعدوا بالمصعد ووقف في الطابق الرابع، ثم دخل إلى إحدى المنازل. وقفت نيرة في حيرة من وجودهم هنا بهذا المكان.
ألتفت لها يونس بعدما أغلق الباب وتحدث بجدية:
-كنتي مستنية تسمعي مني كلمة: "يلا نرجع لبعض"، مش كده؟
فأجابت نيرة بعدم فهم والقلق يتسرب إلى جسدها:
-مشْ فاهمة؟
فضحك يونس بسخرية:
-فكراني لسه يونس بتاع زمان اللي ميعرفش حاجة. يونس اللي كان بيبقى شايف خيانتك وساكت.
فتحدثت نيرة بصدمة:
-أنت بتقول ايه!
فأشار لها يونس بالصمت:
-أنتِ اخرسي خالص، معملتيش حساب للدم اللي بينا وجاية تضربيني في ضهري.
أخرج هاتفه ثم فتحه على بعض الصور:
-إيه؟ مش دي صورك مع الخاين التاني، أعز صديق ليا؟ اتفقتوا هتقتلوني إزاي؟ ولا لسه؟
فحاولت نيرة السيطرة على دموعها وشرح له الوضع وهي تهتف بنبرة يسودها الكذب:
-محصلش والله، أنا اتغيرت وكنت هسيب أي اتفاق بينا بس هو بيهددني.
فختف يونس بصوت عالي فهو لا يصدق، فهي مازالت تكذب بعدما علم كل شيء:
-وقبل كده ها، واتفاقك ومقابلاتك ليه وأنتِ مخطوبة ليا؟
فأجابت نيرة من بين بكائها:
-ندمانة والله العظيم، أنا مش وحشة يا يونس. كل ذنبي إن مطلوب مني حاجة مليش دخل فيها. أب مزرعش في بنته غير الحقد والكره والتكبر. أب بيبص دايماً لحاجة مش من حقه، وبيحاول يثبتلي بكل الطرق إن دا حقنا.
فوضع يونس يديه في جيب بنطاله:
-لو ندمانة بجد يبقى تسمعي كلامي في اللي هقولك عليه.
فتحدثت نيرة بلهفة كأن حديثه كطوق نجاة لها:
-هعملك كل اللي أنت عايزه.
فعقد حاجبيه ثم سألها:
-قوليلي الأول مصطفى ماسك عليكي إيه بالظبط؟
نظرت نيرة إلى الأرض بخجل. فتحدث يونس بغضب:
-واضح إنك نسيتي إنتي من عيلة مين بالظبط. وقبل العيلة نسيت إن في حاجة اسمها حلال وحرام.
***
تحدثت لمار بملل:
-كان ممكن نسافر بالطيارة وكان زمانا وصلنا أسرع من كده؟
فأجاب أنس بنبرة يسودها البرود:
-مبحبش السفر بالطيارة كتير، عندك سناكس ورا عشان لو مفطرتيش.
فنظرت لمار إلى المقعد الخلفي ثم نظرت أمامها مرة أخرى:
-مش جعانة.
فأجاب أنس بعدم اهتمام:
-أنتي حرة، أفتحي لي حاجة أشربها أنا.
فنظرت له لمار بغيظ، ثم فتحت له إحدى المشروبات:
-أتفضل، ولا تحب أشربك بالمرة؟
فأجاب أنس بنبرة يسودها الاستفزاز:
-مش بسوق، وبعدين يعني أنتي زوجتي المستقبلية مش حد غريب.
فتحدثت لمار باستهزاء:
-أحلامك كتير، ممكن توقف العربية وتشرب نفسك.
فمدت لمار يديها بالمشروب فأخذه منها خوفاً من أي تهور قد تفعله.
***
خرج الطبيب من غرفة مها فتحدث عمار بقلق:
-طمني يا دكتُور عليها؟
فتحدث الطبيب بحزن:
-للأسف الجنين في مرحلة الخطر، لازم نعمل لها عملية إجهاض. حضرتك جوزها.
فأجاب عمار بشرود:
-لا، آه جوزها.
فتحدث الطبيب بعملية:
-طيب حضرتك في ورق لازم تمضي عليه عشان نقدر نعمل العملية.
فهز عمار رأسه بحزن ثم ذهب مع الطبيب لكي يمضي على الأوراق المطلوبة.
***
دق حمزة مكتب ليلي فأذنت له ليلي بالدخول. ارتسمت على شفتي ليلي ابتسامة صغيرة عندما رأته يدخل. جلس حمزة على المقعد أمامها ثم هتف متسائلاً:
-هقاطعك عن حاجة؟
فأجابت ليلي بالنفي:
-لا أبداً، في حاجة؟
فوضع حمزة هاتفه أمامها:
-بصراحة عاوز منك مساعدة، كنت بقدم لمرام في مدرسة جديدة وقدامي مدرستين ومش عارف أختار بينهم.
فمدت ليلي يديها تلتقط منه الهاتف ثم نظرت إلى المدرستين وهتفت سائلة بتفكير:
-أشمعنى المدرستين ألماني؟
فأجاب حمزة وهو يلعب بقلمه:
-ممكن عشان عارف الدنيا ماشية فيه إزاي. متنسيش إني كنت بذاكرلك رغم إني كنت فرنسي وأنتي ألماني.
فتذكرت ليلي هذه الفترة من طفولتها عندما تركتهم والدتها وغادرت إلى عالم آخر. كان حمزة هو من يهتم بها، ويعتني بدراستها. فوالدها كان حزيناً على فقدانه لزوجته وشقيقها كان في عالم آخر، فوالدته كانت بمثابة عالمه كله وعانى الكثير بعدها. فاقت من شرودها ثم اختارت واحدة من المدرستين:
-دي أحلى، خصوصاً تركيزهم في اللغة عالي.
فأجاب حمزة بنبرة يسودها التوتر:
-بس متنسيش إن في امتحان للأم والأب وطبيعي هعوز أراجع؟
هتفت ليلي بنبرة يسودها الدعم وبث الطمأنينة:
-متقلقش، أنا معاك.
فوقف حمزة ثم فتح الباب لكنه التفت مرة أخرى قبل أن يغادر ونادى لها. فرفعت ليلي رأسها له ونظرت له باستفهام. فتحدث حمزة بنبرة يسودها الحب:
-شكراً إنك معايا.
فشعرت ليلي بشيء يغزو قلبها فاخفضت رأسها في خجل. فابتسم حمزة ثم غادر.
رواية صراع الحياة الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريم محمد
وقف عمار بالخارج أمام غرفة العمليات لا يعلم كيف يتصرف، أيذهب لتفقد والدة مها أم يبقَي أمام غرفة العمليات أم يذهب إلى زوجته التي عنده أهم من الجميع الآن. يقع في مأزق لا يعلم كيف يتصرف، قرر الذهاب إلى مسجد المستشفى ليقوم بصلاة ركعتين ويطلب العون من الله.
مر سواد الليل، ومع طلوع أول شعاع نور، وقف عمار عندما رأي الطبيب يخرج من الغرفة.
"طمني عليها يا دكتور؟"
فأجاب الطبيب محاولا بث الطمأنينة إلى قلبه: "اطمن المدام بقت كويسة، في ممرضة هتفضل معاها عشان لو احتجتوا حاجة."
ثم ذهب الطبيب، وبعد مدة من الوقت تم نقل مها إلى إحدى الغرف.
***
وقف بغضب وهو يحاول أن يتحكم في غضبه: "يعني إيه أخُدك وأسافر."
فحاولت نيرة السيطرة على خوفها وجلست في برود مصطنع: "طيب وأنت متعصب أوي كده ليه؟"
فأجاب مصطفى بنبرة يسودها التوتر: "أنا بتكلم عشان لو حصل حاجة ومقدرتيش تتصرفي."
فتحدثت نيرة بثبات: "لا اطمن، إحنا مسافرين أسبوع وهنرجع نعمل الفرح على طول، وأنا هعرف أزاي أمشي شغلي كويس طول الفترة دي. ركز أنت في شغلك اللي بتلعبه في الشركة من وراهم."
فالتفت لها مصطفى ومعالم الدهشة كانت بادية على وجهه، فقد صدم من معرفتها بما يفعله: "أنتي عرفتي إزاي؟"
فوقفت نيرة وأمسكت حقيبتها: "مش أنت لوحدك اللي عارف كل حاجة، متنساش إني أنا كمان نيرة المنياوي."
***
نظرت إلى نفسها بنظرة رضا عبر المرآة، ثم أخذت حقيبتها لكي تغادر. لكن عندما فتحت باب الغرفة، كان أنس على وشك أن يدق الباب.
وضعت لمار يديها على صدرها كرد فعل، فقد تفاجأت من وقوفه أمامها: "أنس خضتني!"
فتحدث أنس بنبرة يسودها المزاح: "دا أحلى أنس سمعتها في حياتي."
فتحدثت لمار بنبرة صارمة محاولة مداراة خجلها: "مش هنقضي النهار كله قدام الباب، عندنا شغل."
فنظر أنس إلى ما ترتديه: "حلو إنك عارفة إننا عندنا شغل، فادخلي غيري عشان ننزل."
فنظرت لمار إلى ملابسها بتعجب: "ما أنا جاهزة."
فحك أنس ذقنه بحيرة وهو يتطلع عليها من أعلى إلى أسفل: "اممم، عايزة تنزلي بالبتاع اللي مش ملبوس دا؟"
فهتفت لمار بعدم فهم: "نعم؟!"
فدفعها أنس نحو الغرفة: "لا متتنحيش كده على جثتي لو نزلتِ كده."
بعد مدة من الوقت، كانت لمار تسير بجانب أنس وهي تحاول السيطرة على غيظها، فهي لا تصدق أنه جعلها تقوم بتبديل ملابسها. فلم يتدخل أحد في يوم في اختياراتها ولا يعرضها، فما يفعله بها يجعلها تشعر بالاستغراب وشعور آخر غريب يطفو على قلبها.
توقفوا عندما سمعوا صوت أحدًا ينادي على أنس، فالتفتوا على إثر مناداتها، فكانت فتاة. اتجهت مباشرة نحو أنس وقامت باحتضانه، فنظرت لهم لمار ببعض الغيرة والتعجب من تصرف الفتاة.
هتف أنس بدهشة من وجودها: "أسيل! أنتي بتعملي إيه هنا؟"
فأجابت أسيل بنبرة يسودها الدلع: "بقي دا سؤال تسألهولي أول مرة أشوفني بعد السنين دي؟"
فارتسمت على شفتي أنس ابتسامة خجلة: "عندك حق، بس استغربت من وجودك هنا."
فتحدثت أسيل وهي تتلاعب بإحدى خصلات شعرها: "عمومًا يا سيدي، أنا موجودة هنا في لجنة المهرجان. إيه رأيك نقضي اليوم سوا."
فتدخلت لمار في غيظ وهي تمسك بيد أنس الذي كان منصدم من فعلتها: "معلش، أصل إحنا مش فاضيين، عندنا شغل. مش صح يا حبيبي؟"
فهتف أنس وهو ينظر نحو لمار ومازالت الصدمة بادية عليه من فعلتها: "ها، آه. عن إذنك يا أسيل، أشوفك بليل في الحفلة."
غادروا، ولكن عندما ابتعدوا عن نظر أسيل، حاولت لمار أن تبتعد وتترك كفه، لكن أنس رفض أن يتركها.
فهتفت لمار بنبرة يسودها الغيظ: "سيب إيدي."
فغمز لها أنس بمزاح: "والله أنتي اللي مسكتيها بمزاجك، يبقى هسيبها بمزاجي."
***
تحدثت مودة بملل: "واحدة جاية تقابل ابن خالتها، أجي أنا معاها ليه معرفش؟"
فأجابت تمارا بقلق وهي تنظر إلى باب المطعم فقد تأخر عن موعده: "قولتلك مش عاوزة ياسر يفهم غلط، مش معنى إن طلب مني خدمة إني بسمح له بالدخول في حياتي، فجبتك عشان أقفل الباب ده خالص. أهو جه."
أقبل ياسر عليهم وكان على وجهه يعمه علامات الجمود، فازداد قلق تمارا: "ها يا ياسر، طمني عملت إيه؟"
فتحدث ياسر بعدما أزاح المقعد وجلس عليه ثم أخرج بعض المستندات: "لما كلمتيني عشان أعرف كل الشغل القديم اللي بين عيلة المنياوي وعيلتك، وإحنا اكتشفنا شغل كتير."
فقاطعت تمارا حديثه: "وأنا قولتلك إني كنت متأكدة من ده، أنا عاوزة أعرف علاقتهم كانت إزاي؟"
فمد ياسر ببعض الصور: "فعلًا علاقتهم كانت قوية لدرجة إن خالد المنياوي كان صديق والدك من زمان، مش بس من الجامعة، لأ، من الطفولة. ولما إنتي طلبتي تعرفي لو في حاجة، انتهت علاقتهم. اكتشفت إن علاقتهم فضلت مستمرة لحد مثلا قبل ما أتولد بفترة صغيرة بشهور مثلا."
فتفحصت الصور جيدًا لحين وقفت أمام إحدى الصور، كانت لوالدها وخالد المنياوي وبجانبهم يقف محمود وخالتها تقف بجانبه. من إحدى الصور لا تظهر جيدًا، ولكنها لاحظت شيئًا فسألت بلهفة: "معاك بقيت صور الحفلة دي؟"
فابتسم ياسر: "يبقى أنتِ لاحظتي اللي أنا لاحظته، وهو التاريخ اللي موجود على الصورة."
فتدخلت مودة بعدم فهم: "أنا مش فاهمة حاجة."
فأجابت تمارا بتفكير: "خالتو عندها صورة ليها وهي حامل في طارق في الشهر الخامس في نفس الحفلة دي، وكانت دايما بتوريها لنا، والتاريخ هنا مكتوب عشرة مارس، وطارق عيد ميلاده في شهر أكتوبر."
فأكمل ياسر حديثه: "عشان كده أنا مسبتش الموضوع. لو افترضنا فعلاً إن طارق كمل التسع شهور، كان هيتولد في أغسطس. فلجأت لماجد صاحبه عشان أقدر أشوف الورق اللي في المستشفى اللي اتولد فيها، وطلع طارق كان اتولد في يونيو."
وضعت تمارا رأسها بين كفيها محاولة ترتيب الأحداث، فهي تشعر بالحيرة: "أنا مش فاهمة حاجة. طب ليه خالتو تسجله كده؟"
فسأل ياسر بنبرة يسودها الجدية: "فصيلة دم طارق كانت إيه؟"
فحاولت تمارا التذكر: "كانت O."
فأكمل ياسر: "وعمتو فصيلة دمها O، بس الغريب كان في فصيلة دم عمو محمود AB. يعني مستحيل طارق يبقى O لو كان العكس وعمتو هي اللي AB، كان طارق في الوقت ده O."
فتحدثت تمارا بصدمة محاولة أن تكذب ما وصل إليه، فكل الطرق تؤكد على ذلك: "يعني إيه طارق مش ابن عمو محمود؟"
فنظر ياسر وعلامات الأسف كانت بادية على وجهه: "للأسف، دي الحقيقة."
فتحدثت تمارا بانهيار: "لا، مستحيل ده يحصل!"
فأمسكت مودة بيد تمارا لكي تهدأ، فأكمل ياسر حديثه: "اللي أكد كلامي ماجد وقتها سألني ليه، فحكيت له، وطلع طارق الله يرحمه قبل ما يموت كان بيدور ورا الموضوع ده."
***
على الجانب الآخر، كان حمزة بداخل غرفة مكتبه بالبيت. وقف مسرعًا عندما قرأ ما تحتويه هذه الأوراق، ثم أسرع إلى الخارج. قابلته ليلى فأوقفته عندما رأت حالته: "حمزة، في إيه؟ في حاجة حصلت؟"
فنظر إلى المكان بتفحص: "سالم! سالم فين؟"
فتحدثت باستغراب من لهجته: "جوه في الليفنج، هو في حاجة؟"
فأسرع حمزة نحو الغرفة، فقطع سالم حديثه مع خالد عندما دخل حمزة.
بلع حمزة ريقه بصعوبة وحاول التحدث: "سالم، في حاجة حابب أوريهالك بس توعدني إنك تتماسك؟"
فنظر سالم إلى خالد وأخذ القلق يتسرب إليه: "إيه الورق اللي في إيدك ده؟ وحاجة إيه اللي عايز تقولها؟"
فتجاهل حمزة حديثه ثم سأله: "تقدر تفتكر إمتي عرفت إن ابن حضرتك اتوفى؟"
فتحدثت ليلى التي كانت تقف خلفه بنبرة يسودها الصدمة: "ابن! ابن مين سالم؟"
فسأله سالم بقلق: "أنت وصلت لحاجة مش كده؟"
فتجاهل حمزة سؤاله هذا أيضًا: "رد عليا يا سالم، أرجوك."
فأجاب سالم وهو يحاول أن يتذكر: "آخر مايو، أول يونيو. ليه كل الأسئلة دي؟"
فنظر حمزة إلى الأوراق في خوف على عمه مما هو مقبل على أن يخبره به.
فتدخل خالد هذه المرة وسأل بنفاذ صبر: "ما تتكلم يابني، قول في إيه؟"
فتقدم حمزة وأمسك بيد عمه: "سالم، طارق..،"
فصمت حمزة، فنظر له سالم بنظرة رجاء بأن يكمل حديثه، فقد وصل إلى أقصى درجات القلق: "اِحم، طارق احتمال يبقى ابن حضرتك."
***
قاطعه الطبيب من شروده: "أستاذ عمار، والدة زوجتك فاقت وحابة تشوفك."
فاخذته الممرضة إلى غرفة نبيلة. كانت تنام على الفراش وكان يظهر عليها التعب والإرهاق. تقدم عمار منها ثم جلس على المقعد بجانبها ثم أمسك يديها في إشفاق وحزن لما وصلت إليه: "حضرتك كويسة؟"
فحاولت نبيلة التحدث: "آسفة يا ابني، ظلمتك، وأنت كتر خيرك كنت واقف جنب بنتي."
فقاطعها عمار: "حضرتك بتتأسفي على إيه، أنتي زي والدتي. ولو كان على غلطة مها، مها غلطت وكان الشيطان متملكها، وهي محتاجة وقفتنا كلنا جنبها لأنها للأسف خسرت ابنها."
فرفعت نبيلة رأسها إلى الأعلى: "إنا لله وإنا إليه راجعون. دي جزاتها يابني اللي بيحصل في الضلمة لازم يكون نتيجته كده. اوعدني يا ابني لو جرالي حاجة متسيبهاش، مها ملهاش غيرك."
فأسرع عمار بالحديث: "بعد الشر عليكي، إن شاء الله حضرتك هتقومي منها وهتبقي أحسن."
فحاولت نبيلة من شدة التعب: "اوعدني يا ابني، اوعدني."
فتحدث عمار باستسلام: "اوعدك."
فتمتمت نبيلة بالحمد: "الحمد لله، كده أقدر أنام وأنا مرتاحة."
ثم أغمضت عينها، فبقي عمار بجانبها لبعض الوقت، لكنه شعر بسكون أنفاسها، فاقترب أكثر، فحاول إيقاظها: "طنط، طنط حضرتك سمعاني."
لكنه شعر بانقطاع أنفاسها، فصرخ بصوت عالٍ: "دكتور، دكتور بسرعة!"
فأسرعت الممرضة وخلفها الطبيب وقاموا بفحصها، وبعد الانتهاء من الفحص خرج الطبيب وتحدث بأسف: "البقاء لله."
فردد عمار بصوت خافت: "إنا لله وإنا إليه راجعون."
رواية صراع الحياة الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريم محمد
دخل إلى البيت ثم صعد مسرعًا إلى غرفته لكنه لم يجدها، فبحث عنها في جميع أنحاء البيت حتى وقف أمام إحدى الغرف وكانت مغلقة من الداخل.
هتف عمار برجاء:
- ملك أنا عارف إنك هنا، أرجوكي افتحي. هفهمك كل حاجة عايزة تفهميها.
فمسحت ملك دموعها ثم قررت أن تفتح الباب. اقتربت منه ثم قامت بفتحه، وأعطته ظهرها. فدخل عمار وأمسك بيديها وجعلها تجلس على الأريكة وجلس بجانبها. ثم قام بقص عليها جميع ما حدث. أنهى حديثه بأسف:
- طنط نبيلة اتوفت، و مها خسرت ابنها. ولما فاقت وعرفت الخبر مستحملتش. مش عايز أكمل لوحدي معاها، مش عاوزها تفهم غلط أكتر من كده، محتاج مساعدتك.
أغلقت ملك عينيها. رغم حزنها على ما مرت به مها، لكنها لم تستطع التحكم في الغضب تجاه زوجها:
- جاي تطلب مساعدتي دلوقتي؟ كنت فين من الأول وأنت رايح تتجوزها عليا؟ ها، كنت فين يا عمار؟
فوقف أمامها وهتف بنبرة يسودها الندم:
- أنا عارف إني غلطت لما فكرت كده، بس قلبي مكنش ممكن يقدر ينفذ القرار ده.
فأجابت ملك من بين بكائها:
- كفاية إن عقلك فكر فيه.
فشدد عمار على يدها وهو يأخذها بين أحضانه:
- وعمر قلبي ما يقدر ينفذه.
بعدت ملك يديها عنه:
- تقدر تطلع بره على ما أغير هدومي. ومتفتكرش إن الموضوع اتقفل على كده.
فنظر لها عمار بنظر أسف. تنهيدة حارة خرجت منه بصوت عالٍ، ثم نظر إليها مرة أخيرة. عندما رأى أنها مصممة على قرارها، قرر الخروج والتحدث في هذا الأمر في وقت لاحق. في الوقت الحالي، يجب أن يذهب معها مسرعًا إلى المستشفى.
***
ألقت تمارا الورق أمام خالتها ثم تحدثت بانهيار:
- قولولي إن الكلام ده كذب؟
فأمسكها ياسر لكي تهدأ قليلاً، فخالتها مريضة ولن تستطيع تحمل غضب تمارا:
- تمارا اهدي، مش كده؟
فابتعدت عنه تمارا في غضب:
- سيبني، ردي عليا. طارق كان ابنك صح؟
أتت صوت من خلفهم:
- ما تردي، قولي لها إن طارق كان ابني.
التفت الجميع إلى الباب، فكان سالم من أجاب على هذا السؤال.
هتفت ساجدة بهمس:
- سالم!
فتقدم سالم نحو ساجدة ووقف أمامها في غضب:
- خبيتي عني ابني طول السنين دي؟ خليتيه يعيش مع أب تاني؟ أنا مش متخيل قدرتي تعملي كده إزاي؟
فتحدثت ساجدة دفاعًا عن نفسها:
- ابنك إيه اللي جاي تدور عليه بعد السنين دي كلها؟ ابنك اللي سبته وسبت مراتك وطلقتها؟ جالك قلب ترميني من حياتي عادي جدًا؟ جاي بعد السنين دي كلها تسأل عليه؟
فصاح سالم بنبرة يسودها الغضب والحزن:
- أنا اللي خرجتك من حياتي، أنا اللي سبتك في نص الطريق. أنتي السبب في كل ده. لو كنا سافرنا مع بعض ورجعنا بعد ما تخلفي، وقتها أبويا ممكن يتقبل إننا اتجوزنا. إنما أنتي بكل سهولة رفضتي إنك تسافري معايا.
فأشارت ساجدة إلى نفسها بحيرة:
- أنا اللي رفضت؟ أنا؟ مش أنت اللي يومها بعتلي وقولتلي إنك مش هتقدر تسافر معايا ومش هتقدر تزعل والدك؟
فهتف سالم بعدما حل وجهه الدهشة:
- أنا يومها روحت هناك واستنيتك، ومحمود جه واداني جواب منك وأنتي قولتيلي إنك مش هتقدري تسافري وطلبتي الطلاق مني.
توقف لثوانٍ وهو يشير بإصبعه على نفسه ويهتف بنبرة يسودها الصدق:
- وأنا رفضت وبعتلك معاه وقولتلك إني هسافر فترة وراجع، وقتها ممكن تكوني غيرتي رأيك. وبعدها بتلت شهور محمود بعتلي وقالي إن الولد مات وإنك مصرة على الطلاق. طلبت منه أقابلك بس أنتي رفضتي.
جلست ساجدة على المقعد في صدمة فكل هذا لم يحدث:
- يعني إيه؟ يعني مش أنت اللي سبتني وهربت؟ يعني مش أنت اللي طلبت الطلاق؟
رفعت ساجدة رأسها إلى سالم وهي تحاول أخذ أنفاسها:
- يعني محمود خدعنا طول السنين دي؟ ابني مات وهو زعلان بسببي؟
شعرت ساجدة بصعوبة في التنفس وثقل جفنيها. حاولت الثبات لكنها ذهبت إلى عالم آخر.
***
كان يجلس على المقعد أمام المدفأة وبين يديه كوب من القهوة. وما حدث بالأمس يعود أمام أنظاره.
بعد ما أودعت تمارا لمار، ظلت لبعض الوقت تفكر في حديث لمار. فجاءت بخاطرها فكرة وأسرعت في تنفيذها. دقت على يونس واتفقت معه على مكان لكي تراه. وبالفعل أتى يونس إلى المكان في الزمان المحدد بينهما. جلست تمارا أمامه في توتر وحاولت استجماع قوتها لكي تتحدث:
- آسفة إني جبتك من غير معاد، بس في موضوع مهم حابة أتكلم معاك فيه.
فأجاب يونس بهدوء:
- ما حصلش حاجة، المهم موضوع إيه؟ خير.
ففركت تمارا يديها بتوتر:
- النهاردة حد قالي "متضيعيش وقتك ولا مستقبلك وابصي وراكي كتير". وأنا قولتلك قبل كده ربنا بيحطنا في مواقف وابتلاءات عشان بيحبنا، وده بيزيد من قوة إيماننا.
فهز يونس رأسه بتأكيد. فأكملت تمارا وهي تحاول عدم النظر إلى يونس لكي لا تشعر بالخجل:
- طارق كان بنسبالي الحياة. عمره في يوم قدر يخسر مكانته في قلبي. كان صعب عليا أتقبل فكرة إنه مبقاش موجود. يعني إيه مبقاش موجود؟ يعني لما الدنيا تزعلني هجري على مين؟ يعني لما أغلط مين هيصلح لي غلطي؟ مين هيهتم بالحاجة اللي بحبها؟
صمتت لثوانٍ ثم أكملت محاولة أن تشرح ما كتمته وتعانيه بداخلها منذ سنوات:
- كل الأسئلة دي كانت بتدور في دماغي طول السنين دي. لحد من فترة قدرت ألاقي إجابة. يمكن بعد موته كان جوايا خوف، بس مؤخرًا بدأت أطمئن. طول السنين دي كنت بحاول أستوعب إنه مات لحد ما تقبلت الفكرة. عمر حبي لطارق ما يقل، رغم إن قلبي بدأ يطمئن لغيره ويحب غيره.
قالت تمارا آخر جملتها وهي تنظر إلى عيني يونس مباشرةً. فهم يونس معنى كلامها جيدًا، الذي جعله سعيدًا وحزينًا في آن واحد. سعيدًا لشعورها بنفس المشاعر التي يكنها إليها، لكنه حزينًا بما سوف يخبرها به.
أكملت تمارا بخجل:
- الشخص ده كان أنت. أنا مش مستنية منك إجابة. أنا...
قاطعها يونس بحزن:
- تمارا، أنا هتجوز نيرة كمان أسبوع.
أنهى جملته محاولًا كتم ألمه، خصوصًا بعد نظرتها التي رآها الآن. رفعت تمارا رأسها بصدمة. سرعان ما أدركتها فوقفت لكي تغادر:
- أنا آسفة لو سببت لك مشكلة. ربنا يسعدك. عن إذنك.
فحاول يونس منعها من المغادرة لكنه لم يستطع.
فاق يونس من شروده عندما وضعت نيرة أمامه علبة صغيرة الحجم.
فنظر إليها في استفهام فتحدثت:
- ده الدوا اللي مصطفى اديهولي. ده بيبدأ بهلوسة وتعب وسخونية، وواحدة واحدة بينتشر في الجسم ويموت.
فنظر إلى علبة الدواء بشرود. فقاطعته نيرة بنبرة يسودها التساؤل:
- مش شاكك فيا؟ يعني غريبة، مصدق كلامي؟
فوقف يونس أمام المدفأة وهو يضع يديه في جيب بنطاله:
- مفيش بينا حاجة اسمها ثقة. بس متنسيش إنك ركبتي الكاميرا قبل ما تتكلموا، يعني عارف كل حاجة.
***
وقف الجميع عندما خرج الطبيب. تحدث سالم بخوف:
- طمني يا دكتور؟
فتحدث الطبيب بعملية:
- قولت قبل كده، الانفعال غلط عليها.
فقاطعته تمارا ببكاء:
- يعني هي مش كويسة؟
فحاول الطبيب أن يبث إليها الطمأنينة:
- اطمني، هتبقى أحسن. عن إذنكم.
تحدثت فاطمة بهجوم:
- قولي، عايز مننا إيه؟ جاي بعد السنين دي كلها ليه؟ اختي كانت هتضيع مننا تاني. كفاية زمان كانت بتضيع بسببك.
لم ينطق سالم بحرف. حاولت تمارا إبعاد والدتها عنه:
- حمزة خد عمو من هنا دلوقتي وهنبقي نتكلم بعدين.
فتفهم حمزة حديثها، وفي الحقيقة رأى أن هذا أنسب شيء يجب أن يفعله:
- يلا يا سالم خلينا نمشي.
فذهب معه سالم إلى الأسفل. وقف حمزة أمام السيارة ثم نظر إلى مبنى المستشفى، ثم إلى عمه:
- سالم، ارجع أنت مع السواق. هشوف حاجة وهرجع وراك على طول.
***
جلس عمار أمامها وجلست ملك بجانبه. وكانت مها تتوسط الفراش تنظر إلى الفراغ بصمت:
- مينفعش اللي أنتِ فيه ده يا مها، لازم تفوقي. ممكن تكوني خسرتي الجنين عشان مكنش بطريقة ترضي ربنا، وطنط ده كان عمرها. ربنا دلوقتي بيديك فرصة تصلحي كل حاجة قبل معادك. فكري في كلامي. دلوقتي لازم أمشي عشان الدفنة.
نظر عمار إلى زوجته التي بدورها وقفت هي الأخرى وجلست بجانب مها. ثم خرج عمار. كان الطبيب على وشك الدخول فسأله عمار باستفهام:
- طمني يا دكتور، الحالة اللي هي فيها دي هتفضل كتير؟
فأجاب الطبيب بنبرة يسودها الأسف:
- اطمن، ده رد فعل طبيعي. إحنا هنخليها تتابع مع طبيب نفسي وبإذن الله هترجع تتكلم تاني.
غادر الطبيب. فكان عمار على وشك مغادرة مبنى المستشفى لكنه قابل شقيقه وهو يدلف.
فسأله حمزة بتعجب من وجوده:
- عمار، بتعمل إيه هنا؟ وبقالك يومين مختفي فين؟
فقص عليه عمار ما حدث مسرعًا محاولًا أن يختصر عليه. فتغ حمزة بنبرة يسودها الغضب واللوم:
- كل ده يحصل ومتعرفنيش؟
فتحدث عمار بنبرة يسودها التعب والإرهاق الذين كانا ظاهرين على ملامح وجهه بوضوح:
- أهو اللي حصل. مكنتش عارف أتصرف إزاي. المهم، قولي أنت بتعمل إيه هنا، شغل ولا إيه؟
فتحرك حمزة وهو يتحدث:
- لا، ده موضوع كبير. نحضر الجنازة ونقعد وهحكيلك كل حاجة.
***
على الجانب الآخر، في المساء، كان أتى معاد الحفل. كانت تقف لمار بفستانها الأحمر الهادئ الذي يخطف الأنظار، وبجانبها يقف مراد صديق أنس. كان الغل والغيظ هي الحالة المسيطرة عليها، بينما مراد كان ينظر إليها تارة وإلى أنس تارة أخرى.
فتحدث بنبرة يودها التلاعب:
- للدرجادي بتحبيه؟
فانتبهت لمار إلى حديثه:
- أحب مين؟ أنس!
فوضع مراد يديه في جيب بنطاله بثقة:
- عايزة تفهميني إن عينك اللي متشالتش من عليه من ساعة ما الحفلة بدأت وهو راح وقف مع أسيل دا مش حب؟ ولا عايزة تفهميني إنك بتحاولي تكتمي غضبك وغيرتك بضغطك على إيدك لحد ما احمرت من كتر الضغط إن ده برضه مش حب.
خبأت لمار يديها خلف ظهرها بارتباك ثم هتفت بنبرة يسودها الكذب:
- لا أبدًا، أنا بس متضايقة علشان المفروض إني خطيبته والكل عارف ده وهو سايبني من أول الحفلة.
فابتسم مراد على كذبها الواضح ثم هتف بنبرة يسردها الجدية:
- عارفة، ممكن تكون علاقتكم بدأت غلط وده اللي مخليكي زعلانة شوية، بس لو ده مكنش حصل، ممكن وقتها أنس مكنش اتحرك ولا اعترف بحبه ليكي.
فنظرت له لمار بصدمة من حديثه. فأكمل حديثه موضحًا:
- متبصليش كده. ممكن أنس مقلهاش صريحة، بس تصرفاته كلها بتقول إنه بيحبك. يعني مثلًا، هو حاليًا بيطلع نار وهاين يجي يقتلني. الحيوان بيغير عليكي مني.
فنظرت لمار إلى أنس فقابلتها نظراته الغاضبة. فلم تبعد أنظارها عنه، ولكنها أمسكت بيد مراد فتحرك أنس نحوهم مسرعًا. فتحدث مراد بصدمة عندما أمسكت بكفه:
- إنتي بتعملي إيه؟
فتحدثت لمار بنبرة يسودها التلاعب:
- بثبت لنفسي حاجة. يلا نرقص.
لم تكمل حديثها عندما أمسك أنس بيديها وأبعدها عن صديقه:
- لمار، فيه إيه؟
فتحدثت لمار ببرائة مصطنعة:
- أبدًا، حابة أرقص فقولت لمراد يجي يرقص معايا.
فتحدث أنس بعصبية خفيفة:
- عايزة ترقصي يبقى تعرفيني وترقصي معايا.
فأكملت لمار حديثها:
- وأنت مكنتش موجود طول الوقت واقف مع الملزقة اللي هناك دي.
سريعًا ما أدرك أنس غيرتها:
- قصدك أسيل؟ عمومًا، أنا جيت أهو، يلا نرقص.
فرفعت لمار كتفيها بلا مبالاة:
- لا، خلاص مش عايزة أرقص.
فنظر لها أنس بتلاعب:
- خلاص، يبقى أروح أرقص مع أسيل طالما أنتِ مش عايزة.
فتحدثت لمار مسرعة:
- مين دي اللي مش عايزة؟ أصلًا الأغنية دي بحبها. يلا نرقص.
ثم قامت بشده، فتبعها أنس وهو يغمز صديقه. فضرب مراد كفًا على كف باعتراض.
***
- باشا، اتأكدنا من كل حاجة.
أتت صوته من الخلف، فالتفت مصطفى بالمقعد:
- وصلت لإيه؟
فأكمل الرجل حديثه ملقيًا على سمعه ما وصل إليه:
- اتأكدنا إن الطيارة وصلت لندن وحاليًا هي موجودة معاه في بيته.
فتحدث مصطفى بأمر:
- خلى الرجالة بتوعنا اللي هناك ميشيلوش عنيهم من عليهم. طمني، الشحنة هتوصل إمتى؟
فأجاب الرجل:
- يومين بالكتير وهتوصل، بس فيه مشكلة. عرفنا إن يونس لغى كل التوكيلات الشحن معاد حمزة.
فنظر مصطفى بشرود:
- طيب، روح أنت وأنا هتصرف.
رواية صراع الحياة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريم محمد
ظل صامتًا لبعض الوقت، لم يستطع كيفية بدء الحديث، فهو يجلس أمامها لما يقرب لعشر دقائق صامتاً.
أخذ نفساً وحاول عدم النظر إليها:
"لما حبينا بعض ووالدي رفض جوازنا، وقتها محمود كان دايماً يقولي اشتري أبوك، الحب بيتعوض. ولما اتجوزنا من وراه، تاني يوم كان عنده علم بخبر جوازنا، منين معرفش؟ وقتها قلت ممكن فضلت أخويا عرف وعرفه."
توقف لثوانٍ ثم أكمل حديثه متذكراً أشياء قد حدثت في الماضي ولم يحصل على إجابة لحدوثها، ولكن الآن الإجابة لديه:
"ولما حملتي كنت خايف عليكي أكتر من اللي في بطنك، خوفت يهددني بيكي، خوفت ياخد ابني. كان أسلم حل وصلنا له الهروب، نمشي من هنا ونبني حياتنا بعيد. مفكرتيش إزاي إني ممكن أرجع في كلامي يومها؟"
فأجابت ساجدة وهي تتذكر ما حدث:
"وقتها مكنش عندي القدرة إني أفكر، محمود صدمني بخبر إنك باعت معاه جواب وبيقولي سالم مش هيقدر يهرب وقرر يختار والده. وقتها معرفتش أعمل إيه."
اخفضت رأسها وهي تهتف بنبرة يسودها الألم:
"بعد ما ولدت طارق، طلبت منه يدور عليك، قالي إنه مش عارف يوصلك. ولما شوفت الأخبار إنك مسكت فرع ألمانيا، كنت على وشك إني أتواصل معاك وأعرفك إني ولدت، بس هو مدنيش فرصة. لقيته جايلي ومعاه ورقة طلاقي منك، وقتها مسألتهوش وصلك إزاي، رغم إنه كان بينكر ده."
فأكمل سالم حديثه بنبرة يسودها الأسف:
"ولا أنا مقدرتش أفكر. لما وصلي جواب على إنه منك وبتطلبِي فيه الطلاق، مقدرتش ألاحظ إن ده مش خطك من كتر عصبيتي. إحنا الاتنين غلطنا، بس أنتِ على الأقل مخسرتيش ابننا وعاش في حضنك. مماتش وما يعرفش أمه مين."
قال سالم آخر جملته بألم، فشعرت ساجدة بألمه، فاعتدلت في جلستها وتحدثت بتوتر:
"اطمن."
فرفع سالم رأسه باستفهام، فأكملت ساجدة حديثها:
"طارق ميت وهو عارف إنك والده. معرفش عرف إزاي، بس قبل موته بفترة لقيته دخل عليا بورق وبيقولي إن محمود مش والده. وقتها عرفت إن الحقيقة مش هقدر أخبيها أكتر من كده، وحكيتله كل حاجة."
حاول سالم استيعاب حديثها:
"طب ليه مجاش ودور عليا؟ طيب أنتي ليه محاولتيش تقوليلي الحقيقة بعد ما كبر؟ ندمتي لما خلتيني فاكر إن ابني ميت؟ كنت أستاهل العقاب ده طول السنين دي؟"
أنزلت ساجدة رأسها بأسف وهي تمسح دموعاً قد زرفتها. فرأف سالم وعلامات الحزن أصبحت جزءً منه، وكان على وشك مغادرة البيت.
بينما كانت تمارا التي كانت تتابع هذا الحديث من بدايته، فابتسم سالم عندما رآها تقف خلفه، فهتف:
"ممكن أطلب منك طلب؟"
فهزت تمارا رأسها، فأكمل سالم حديثه:
"ممكن تحكيلي كل حاجة عن طارق وتوريني صورته؟"
فمسحت تمارا دموعها وهزت رأسها بموافقة:
"بس كده، من عنيا."
فمسح سالم على رأسها وقال بهمس وصل إلى تمارا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة بيأس. فرغم علمه أن هذا القلب الثاني قد قرر بنفسه الابتعاد عنها، ما زال مقتنعاً أنه ما زال يحبها:
"قلبك قدر يوقع قلبين من عيلة المنياوي."
***
"لازم نظهر النهاردة، جهزي نفسك."
قالها يونس بلهجة آمرة موجهة إلى نيرة، فها هو قد مر أكثر من أربعة أيام ولم يتحرك مصطفى، ولكن أتى خبر إليه بوصول الشحنة وسيتم تحريكها إلى مخازن شركته. فسمح بها حمزة مع اتفاق مع بعض من عناصر الشرطة.
فسألته نيرة:
"طيب ومصطفى هيبقي مستني خبر مني؟"
فأعطاها يونس هاتفها:
"هتبعتيله مسج قدامي إننا راجعين بكرة وإنك منتظمة على العلاج وبدأت أتأثر جامد، وإنك عايزة ورق التنازل بكرة عشان تخليني أمضي عليه بعد الفرح."
فأخذت نيرة الهاتف منه ثم قامت بمراسلة مصطفى وقامت بإرسال كل ما أخبرها به يونس. ثم أعطت له الهاتف مرة أخرى. ثم سألته:
"مطلوب مني حاجة تانية؟"
فأشار يونس لها بالنفي:
"لا، ياريت تجهزي بسرعة."
***
في الصباح، فتحت تمارا باب الغرفة بهدوء. كان سالم يغفو على الفراش. فبالأمس أثناء حديثه مع تمارا كان قد تأخر الوقت، فاصرت عليه تمارا النوم بغرفة طارق. فقبل سالم بعد إلحاحها عليه. دقت تمارا على باب الغرفة المفتوح لكي لا تدخل إليه، ففاق سالم.
ابتسمت تمارا ثم تحدثت:
"صباح الخير يا عمو، آسفة إني صحيت حضرتك، بس عرفت من خالتو إنك مبتتأخرش في النوم، والحقيقة بقينا الظهر فقلقت، وقلت أطمن على حضرتك."
فاعتدل سالم في جلسته وهو يمسح وجهه من آثار النوم:
"صباح النور. في الحقيقة بقالي كتير منمتش كده."
فأكملت تمارا حديثها:
"الحمام عند حضرتك جوه، على ما تخلص أكون حضرتلك الفطار."
قاطع حديثهم رنين هاتف سالم، فأجاب عليه. فانتظرت إلى أن ينهي مكالمته بعدما أشار إليها بالبقاء.
أغلق سالم هاتفه وقد تغيرت ملامحه إلى الجمود. فسألته تمارا باستفسار فقد شعرت بالقلق:
"في حاجة يا عمو؟"
فنظر إليها سالم:
"لا أبداً، طالبني في البيت عشان اتأخرت."
ثم أكمل حديثه بنبرة يسودها الحزن على هذه الفتاة وابن شقيقه الذي من الواضح لن يليق به السعادة:
"كتب كتاب يونس ونيرة بليل، فمضطر أمشي."
حاولت تمارا تغيير الحديث:
"طيب حضرتك أفطر وبعدين أمشي؟"
فمسح سالم على رأسها بحنان:
"متعوضة في مرة تانية."
***
في المساء، كان يونس يقف أمام المرآة ينظر إلى نفسه، فقاطع شروده دخول ابن عمه.
وضع حمزة يديه على كتفه:
"أنس معرفش يجي، بس بكرة الصبح هيكون هنا."
فهز يونس رأسه، فأكمل حمزة حديثه:
"أنت كويس؟"
فتحدث يونس بنبرة يسودها الشرود:
"مش عارف إزاي قدرت أكسر قلبها بالطريقة دي؟"
فربت عليه حمزة:
"بكرة هتعرف كل الحقيقة وهتسَامحك."
فهتف يونس بنبرة يسودها التمني:
"أتمنى."
فتحرك حمزة نحو الباب:
"طيب المأذون وصل، يلا خلينا ننزل."
***
على الجانب الآخر، كانت تجلس بغرفتها، فهي لم تستطع مسامحة والدتها وخالتها. فهي لم تتقبل فكرة أن يعيش الإنسان حياته في كذبة، ولكنه لم يكن أي إنسان، كان حبيبها وزوجها.
اقتربت من شرفتها ثم نظرت إلى السماء وهي ترتسم على شفتيها ابتسامة يأس وحزن، وكأنها تراه أمامه. فما زاد حزنها أيضاً حينما تأكدت أن طارق كان يعلم بهذه الكذبة واضطر أن يتحمل حزنه وحده. في الواقع، هي لا تعلم من أين تبدأ في عد أحزانها. فهناك هذا الآخر الذي قام بكسر قلبها مرة أخرى وسيتم زواجه اليوم.
اغلقت الشرفة ثم ذهبت لكي تتوضأ وتصلي ركعتين إلى الله. وبعد انتهائها من صلاتها جلست مكانها وظلت تقرأ وردها لحين غفت مكانها.
***
في الصباح الباكر، على الجانب الآخر أمام الفندق الذي كانوا يمكثون فيه، قام أنس بوضع الحقائب داخل السيارة. ثم التفت إلى لمار وسألها:
"في حاجة ناقصة؟"
فأجابت لمار وهي تهز رأسها بنفي:
"لا."
فقاطع حديثهم قدوم أسيل:
"كويس إني لحقتكم."
فالتفت أنس سريعاً إلى لمار لكي يرى رد فعلها، وكان الغضب والغيرة واضحين على وجهها. فابتسم أنس بتصنع:
"أسيل، في حاجة؟"
فأسرعت أسيل باحتضانه:
"قلت أودعك قبل ما تمشي."
فابتعد أنس عنها عندما قامت لمار بفتح باب السيارة وقامت بالدخول ثم أغلقته بغضب. فتدخل مراد الذي كان يقف يشاهد هذا الموقف:
"أسيل، في حد بينادي عليكي جوه عند الاستقبال."
فعقدت أسيل حاجبيها باستغراب:
"بجد؟ طيب هروح أشوف في إيه وهرجع بسرعة، أوعى تمشي."
بعد مغادرتها، همس مراد بجانب أذن أنس:
"عد الجمايل يا عم، وخف شوية عليها عشان كده كتير."
فارتسمت على وجه أنس ابتسامة حب لصديقه، فقام بجذبه إلى أحضانه وضمه:
"ربنا يخليك يا صاحبي."
فدفعه مراد إلى السيارة:
"طب اخلع قبل ما ترجع تاني، دي لزقة."
فأسرع أنس في خوف مصطنع:
"لا وعلي إيه."
***
بداخل بيت المنياوي بمكتب سالم، كان يجلس الجميع وأمامهم يوضع جهاز التنصت. وقف حمزة عندما سمع مصطفى يعطي الإشارة لرجاله بدخول البضاعة إلى مخازنهم.
فتحدث خالد بأمر إلى عمار:
"عمار، متسبش أخوك وخلوا بالكم من نفسكوا."
فتبع عمار شقيقه حمزة، بينما كانت ليلي تقف خارج المكتب والقلق يتزايد بداخلها وتقوم بالدعاء. فتحدث عمار موجهاً حديثه إلى شقيقه:
"حمزة، هستناك بره."
فخطى حمزة نحو ليلي بحب، فتحدثت بتوتر:
"رايحين دلوقتي؟"
فأجاب حمزة:
"أيوة، ممكن أطلب منك طلب؟"
فهزت ليلي رأسها بمعنى نعم، فأكمل حمزة حديثه:
"ممكن تخلي بالك من مرام؟"
فنظرت ليلي إليه وهي تحاول ألا تبكي:
"حاضر."
فخطى حمزة خطوتين ثم رجع إليها وقام باحتضانها مسرعاً، فشدت ليلي على حضنه.
بالخارج، كانت ملك تقف بجانب عمار وهي تفرك يديها:
"خلي بالك من نفسك."
فالتفت إليها عمار محاولاً المزاح:
"مش كنتي مخصماني وقال إيه متكلمنيش يا عمار؟"
فضربته ملك في غيظ:
"تصدق أنا اللي غلطانة، خلينا متخاصمين."
فضحك عمار ثم ضم وجهها بين كفيه:
"هو إحنا نقدر على خصام القمر؟"
فقاطعهم خروج حمزة:
"عمار، يلا."
فتحدثت ملك مسرعة:
"لا إله إلا الله."
فقبلها عمار على خدها مسرعاً وهو يجيب قائلاً:
"محمد رسول الله."
***
بداخل، كان يونس وسالم وخالد ما زالوا يستمعون إلى جهاز التنصت. دخلت نيرة بعدما دقت الباب وجلست على المقعد في توتر.
فاتهم صوت مصطفى يتحدث عبر هاتفه:
"يبقي ابعت الرجالة تقطع على أنس أخوه الطريق..."
فشهق الجميع بخضة، ولكن أشار يونس إليهم بالصمت عندما أكمل مصطفى حديثهم:
"ونفذ خطف الدكتورة تمارا حالاً وتجبهالي."
وقف يونس مسرعاً ثم أخذ سلاحه الخاص. فوقف خالد أمامه يحاول منعه:
"يونس، أنت هتفضل هنا، مش هتتحرك من مكانك."
فصاح يونس بغضب:
"سالم، رن على مراد خليه يبعت رجالة من الأمن ويحصلوا أنس."
أنهى جملته ثم غادر. بينما أسرع سالم بطلب مراد، ولم يلاحظ الجميع تسلل نيرة خلف يونس.
رواية صراع الحياة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم محمد
داخل السيارة كان الهدوء هو المسيطر على الجميع.
قُطع عندما قامت سيارتين بالوقوف بمنتصف الطريق.
فوضع أنس يديه أمام رأس لمار خوفاً من أن يحدث لها شيء بسبب وقوفه المفاجئ.
سألت لمار ومعالم الخوف كانت بادية عليها:
"أنس مين دول؟"
فأزاح أنس حزام الأمان:
"معرفش. خليكِ هنا وأنا هنزل أشوف مين دول."
فأمسكت لمار في ذراعيه بخوف:
"لا أنت مش هتنزل من هنا، حاول ترجع بالعربية لورا."
حاول أنس أن يرسم ابتسامة محاولاً أن يبث إليها الطمأنينة:
"متقلقيش، هشوف عايزين إيه وراجعلك."
قاطعهم خبط أحد الرجال على الزجاج:
"انزل لي يا بني هنا."
فهتفت لمار من بين بكائها:
"أنس علشان خاطري متنزلش؟"
فابتعد أنس عنها ثم قام بوضع كفيها على خديها وهو يهتف أمراً:
"لمار أنا هنزل ومهما حصل متنزليش، اقفلي على نفسك. تلفوني معاكي أهو، رني بسرعة على مراد إحنا مش بعاد عن الفندق."
ثم تركها ونزل.
أغلقت لمار مسرعة على نفسها وهي تحاول أن تهاتف مراد.
سريعاً ما أجاب عليها:
"أنس أنت فين؟ ارجعوا بسرعة في..."
تحدثت لمار بنبرة يسودها البكاء قد وصلت إلى مراد:
"مراد ألحقنا."
فأجاب مراد محاولاً أن يبث إليها الطمأنينة:
"لمار دقيقة وهكون عندك، خليكِ معايا على الخط، احكيلي إيه اللي بيحصل."
كان بالخارج أنس يحاول التحدث معهم:
"طيب أنتوا محتاجين إيه؟ فلوس نقدر نتفق؟"
فضحك أحدهم باستهزاء ثم اقترب من أنس وأمسك بياقة قميصه:
"لا الفلوس دي خليهالك أنت."
ثم قام بضربه.
حاول أنس الدفاع عن نفسه وقام بدفعه بعيداً عنه، لكنهم الكثرة تغلب.
حاول حماية وجهه ولكنه لم يستطع.
قلت طاقته عندما قام أحدهم بطعنه.
وسريعاً ما ابتعد عنه الجميع عند رأوا بعض السيارات التي تأتي نحوهم، فأسرعوا إلى سيارتهم وغادروا المكان.
نزلت لمار من السيارة عندما رأتهم يغادرون واتجهت نحو أنس الذي يفترش الطريق.
جلست على الأرض ورفعت رأسه ووضعتها على رجليها.
تحدثت وهي تمسح على وجهه:
"أنس علشان خاطري رد عليا، أنت كويس مش كده؟ مش هيحصلك حاجة. علشان خاطري خليك أقوي، أنا مش هقدر أكمل لو جرالك حاجة."
فتح أنس عينيه بهدوء وحاول التحدث:
"كان لازم يحصل لي حاجة علشان أشوف خوفك ده؟"
فمسحت لمار دموعها:
"أنت كويس صح؟ إيه اللي بيوجعك؟ حاسس بإيه؟"
فضحك أنس ضحكة خفيفة:
"من كتر الوجع مش حاسس بحاجة."
رفع يديه محاولاً مسح دموعها:
"والله العظيم بحبك."
فبكت لمار.
فأكمل أنس حديثه:
"يعني بقولك بحبك تقومي معيطة؟"
فارتسمت على شفتي لمار ابتسامة من بين بكائها وهي تهتف بنبرة يسودها الحب:
"وأنا كمان بحبك."
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ركن يونس سيارته بعيداً عن المكان وتسلل بهدوء إلى الداخل.
ولم يشعر بتتبع نيرة لكنه التفت عندما سمع صوت مصطفى من الخلف وهو يمسك بنيرة:
"يا أهلا وسهلا والله وشرفت المكان يا يونس بيه."
ثم نظر إلى نيرة وتحدث بنبرة يسودها الغل:
"واضح كده إنه كان بيتلعب بيا والبيه صاغ سليم قدامي أهو."
سمع يونس صوت تمارا يأتي من داخل الغرفة.
فنظر مصطفى إلى ما ينظر إليه:
"متخافش، قلت التجميعة الحلوة دي متبقاش ناقصة حد. حبيبة القلب جوه."
شد مصطفى نيرة إلى الغرفة التي تحتجز بها تمارا.
فتبعه يونس بحذر:
"سبهم الاتنين وخلينا نتفاهم مع بعض."
فترك مصطفى نيرة على الأرض بعنف:
"لا أطمن، محدش هيطلع عايش من الأوضة دي."
فتحدثت تمارا بغضب:
"أنت عاوز مننا إيه؟ ليه الأذى ومحدش فينا عملك حاجة؟"
فتحدث مصطفى بصوت عالٍ:
"صوتك ميعلاش، وفرى عصبيتك يا دكتورة. معلش هاجي على نفسي وأجاوب على أسألتك قبل ما تموتي. من ناحية إن محدش فيكم أذاني، فاهلكم أنتم الاتنين أذوني."
فنظر جميعهم إلى بعضهم باستفهام محاولين فهم كلماته.
فأكمل مصطفى حديثه:
"خالتك وعمكوا كان السبب. زمان بسبب خالتك وعمك محمود اضطر يسيب مراته وابنه علشان خاطر عيون خالتك."
فشهقت تمارا بدهشة:
"عمو محمود كان متجوز!؟"
فأكمل مصطفى حديثه متجاهلاً دهشتها:
"واتجوزها وربى ابنها، ورمى ابنه في الشارع حتى لما عرف إن مراته أم ابنه ماتت."
توقف لثواني ثم صاح بنبرة يسودها الغضب:
"مهنش عليه يتطمن هو فين ولا عايش فين. ولما ابنه راحله طرده وقاله بالحرف: 'معنديش استعداد أخسر مراتي وابني'، وبعت ابنه لأخت مراته ومسألش عليه في يوم. لحد ما وصل خبر موته. مكنش ينفع يموت بالساهل كده من غير ما ياخد عقابه."
فتحدث يونس محاولاً أن يسيطر على صدمته هاتفاً بتساؤل:
"الولد ده أنت!؟"
تجاهل مصطفى سؤاله هو أيضاً:
"الولد ده قرر ينتقم منهم، هما السبب، هما اللي حرموه من الأب والأم. وبدأ يدرس ويقرب من أكتر شخص قريب لسالم المنياوي ويعمل كل حاجة علشان يكسب ثقته. وبعد ما اتخرج اشتغل مع ابن المنياوي. حط رجله على أول سلمة، وكان أول حاجة لازم يعملها يعرف المغفل اللي عايش طول عمره بحضن واحد فاكره أبوه. ومش بس كده، خلص عليه خالص."
توقف لثواني ثم اتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة:
"شوفتوا كنتوا أغبية إزاي وفاكرين طارق ميت عادي في شغل. لا اطمني، مرتحتش غير لما شوفته ميت على إيدي."
جلست تمارا بصدمة على الأرض.
فأسرع يونس نحوه وهي تهتف بنبرة يسودها الصدمة:
"ليه ليه تعمل كده؟ أنت السبب!؟"
فتحدث يونس بقلق:
"تمارا فوقي، خليكي معايا."
فقاطعهم مصطفى بنبرة يسودها السخرية:
"معلش هقطع عليكم المشهد. لو كان عندي وقت كنت اتفرجت على المشهد الرومانسي لعصافير الحب. قلت خالتك هتحصله بس طلعت قلبها جامد، مكنش قدامي غيرك. نيجي بقى ليونس بيه، نقطة ضعفه كانت نيرة وهي متتوصاش، عرفت كويس أوصلها. وقلت مبعتكوش لوحدكوا، لازم ابعت معاك أخوك وخطيبته، وإن شاء الله ابن عمك يحصلك، يا ياخد مؤبد."
فصاحت تمارا بغضب لم تستطع أن تصمت:
"أنتَ واحد حيوان ومريض، إحنا ذنبنا إيه؟ أحب أقولك والدك هو السبب، هو اللي فرق بين خالتي وجوزها علشان يتجوزها، هو السبب في كل حاجة بتحصل؟"
فأجاب مصطفى بغضب مماثل:
"وأنا ذنبي إيه أمي تموت من التعب ومنلقيش جنبنا أب وزوج عشان متجوز خالتك؟ ذنبي إيه أتحرم من حب أبويا وحنانه وخوفه واتحرم من حياتي كلها؟"
استغل يونس انشغال مصطفى بالحديث مع تمارا ثم رفع مسدسه على رأس مصطفى:
"ارمى اللي في إيدك وخلينا نتكلم. أولاً أنس دلوقتي في أمان. ثانياً الشحنة داخلة بمزاجنا وزمان البوليس في طريقه عشان يقبض عليك."
فضحك مصطفى.
فنظر له يونس نظرة يسودها القلق من أن يفعل شيء متهور:
"لا جدع وطلعت بتعرف تلعب."
فهتفت نيرة مسرعةً عندما رأت مصطفى يخرج سكين صغير من جيب بنطاله:
"حاسب يا يونس."
فأمسكها يونس بيديه محاولاً أن يبعدها عنه.
ونجح في إبعادها.
فأسرع مصطفى نحو المسدس وقام برفعه باتجاه يونس.
فأسرع يونس بالوقوف أمام تمارا لكي يحميها.
بينما أسرعت نيرة نحوه عندما رأت المسدس موجه نحو يونس.
فخرجت الرصاصة إلى طريقها مباشرةً.
تزامن وقت خروجها مع وصول رجال الشرطة.
سقطت نيرة على الأرض.
فجلس يونس بجانبها.
و أسرعت نحوها تمارا وهي تشعر بالصدمة.
فصاح بها يونس لكي تفعل شيئاً.
فقامت بإزالة القميص الخاص بنيرة وقامت بالضغط على جرحها محاولة إيقاف الدماء.
فتحدث يونس بنبرة يسودها الغضب والحزن:
"ليه عملتي كده؟"
فابتسمت نيرة بألم:
"دي أقل حاجة ممكن أقدمهالك."
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في المستشفى وقف الجميع أمام غرفة العمليات.
كان فضل يجلس بصدمة مما حدث.
وكانت ملك تحتضن ناهد التي لم تكف عن البكاء والمشاجرة مع فضل واتهامه بأنه سبب ما حدث.
أما عن خالد وسالم وزينب، فالجمود والصمت هم المسيطرون عليهم.
بداخل إحدى غرف المشفى كان الطبيب قام بخياطة جرح يد يونس.
وكانت تمارا تجلس أمامه بإرهاق وصدمة مما حدث.
فقطع يونس هذا الصمت وهو يهتف بتساؤل:
"أنتِ كويسة؟"
فرفعت تمارا رأسها محاولة جمع الكلمات:
"أنا بحاول أستوعب اللي حصل."
فوقف يونس ثم امسكها من كتفيها محاولاً أن يبث إليها الطمأنينة:
"أطمني، كابوس وخلص."
أبتعدت عنه وهي تهتف بنبرة يسودها الارتباك:
"يلا نخرج وأنت روح أطمن على مراتك."
كان على وشك اخبارها لكنها لم تعطيه فرصة للحديث.
فتبعها.
صادف خروجهم مع وصول ساجدة وفاطمة.
أسرعت تمارا نحوهم.
فسألت ساجدة بنبرة يسودها القلق وهي تطلع عليها من أعلى لأسفل:
"أنتِ كويسة؟"
فأجابت تمارا:
"اطمني، أنا كويسة. إتأخرتوا ليه على ما جيتوا؟"
فأجابت هذه المرة فاطمة وهي تأخذ ابنتها بين أحضانها:
"الدنيا مقلوبة تحت صحفين ومعرفناش ندخل منهم، دخلنا من باب الطوارئ."
فهزت تمارا رأسها بتفهم.
ثم اتجهت نحو لمار وأخذتها بحضنها.
خرج الطبيب.
فوقف الجميع.
فتحدث الطبيب بعملية:
"اطمنوا يا جماعة، هما شوية جروح صغيرة والجرح اللي في بطنها اتخيط، مش محتاج أكتر من إنه يتغير عليه والراحة."
فأجاب عليه خالد شاكراً:
"شكراً يا دكتور تعبناك معانا."
فأجاب الطبيب بنبرة يسودها العملية:
"على إيه يا خالد باشا، دا شغلي وربنا يطمنك على بنت فضل باشا."
أقتربت تمارا من ناهد ووقفت أمامها ثم نزلت إلى مستواها:
"ممكن حضرتك تبطلي عياط وتقومي معايا؟ مكان حضرتك مش هنا، تعالي نصلي ركعتين."
فنظرت لها ناهد بتردد فهي لا تستطيع أن تغادر من خوف من أن يحدث شيء.
فتدخل عمار بالحديث:
"اسمعي كلام تمارا يا ماما، ووعد لو وصل خبر هطمنك."
فتبعتها ناهد بدون مجادلة، وذهبوا إلى مسجد المستشفى وأدوا صلاتهم ثم جلسوا لقراءة القرآن لمدة من الوقت.
أتت ليلى إليهم وهي تبكي.
فشدت ناهد على كتاب الله بخوف من سماع خسارة ابنتها.
تحدثت ليلى بسعادة ولهفة:
"حمد الله على سلامة نيرة يا طنط، اطمني الدكتور طمنا إنها هتبقي كويسة."
فسجدت ناهد على الأرض.
وقامت تمارا باحتضان ليلى بسعادة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
أغلقت مذكراته ثم وقفت أمام نافذة غرفتها.
فها هو قد مر أكثر من أربعة أشهر وهي منقطعة عن أي أخبار تخصه.
لا تفعل شيئ سوى العمل.
اغمضت عينيها ثم ابتسمت.
فكان أكثر شيء أسعدها هو رجوع علاقة ساجدة وسالم بعدما حدث بينهم عتاب طويل.
وتحسن علاقة لمار وأنس.
وأكثر شيء أحزنها عندما علموا بخبر وفاة مصطفى عندما حاول الهروب من رجال الشرطة أثناء القبض عليه.
فهو ليس بمذنب، هو فقط قد ظلم بهذه الحياة بسبب أب لا يعرف للأبوة شيئ.
تنهدت بصوت عالٍ وهي تتمتم بالرحمة إليه.
ثم خرجت إلى الخارج ثم نادت بصوت عالٍ على والدتها:
"ماما أنا خارجة."
فأجابت فاطمة:
"متتأخريش وأنتِ راجعة."
فقبلتها تمارا:
"حاضر سلام."
بعدما تأكدت من مغادرتها أمسكت فاطمة هاتفها مسرعة:
"أيوه يا ابني هي خرجت أهي."
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
شعرت بوجوده فهي لا تخطأ أبداً.
حاولت عدم الالتفات ولكن ازدادت ضربات قلبها عندما سمعت صوته.
أغمضت عينيها لتحاول السيطرة على ضربات قلبها ثم التفتت.
كان يقف يضع يديه في جيب بنطاله وعلى وجهه ابتسامة:
"كنت عارف إني هلاقيكي هنا."
تجاهلت تمارا كلماته وسألته:
"إيه اللي جابك هنا؟"
فتقدم يونس خطوة نحوها:
"بتهربي مني طول الشهور اللي فاتت دي ومش عارف أقابلك."
فبعدت أنظارها عنه ثم هتفت بنبرة يسودها الارتباك:
"بهرب؟ هرب من إيه؟ أنا مش فاهمة إيه إصرارك إني أقابلك."
فتحدث يونس وهو يتقدم نحوها.
فرجعت تمارا إلى الخلف في توتر:
"ممكن مثلاً في سر لازم تعرفيه؟ اعتراف طال أوي علشان تسمعيه؟"
فهتفت تمارا محاولة التهرب من أنظاره وكلماته:
"اعتراف إيه؟ لو سمحت يا بشمهندس أنا مش حابة أتكلم في حاجة. ارجع لمراتك وبيتك."
فهمس يونس بحب:
"بحبك."
فأجابت تمارا بصدمة:
"إيه!؟"
ضحكة خرجت من فمه عندما رأى صدمتها.
فهتف بخفوت:
"تحبي أقولهالك تاني؟ بحبك. أصل أنا قررت أسمع نصيحة حد كده قالي إن الحياة مافضلش فيها كتير ولو معشناهاش دلوقتي هنعيشها أمتي؟"
فتحدثت تمارا بتوتر:
"أنت بتقول إيه؟ أنت ناسي نيرة؟"
فضحك يونس بشدة:
"ماهو لو كنتي ادتيني فرصة أقابلك كان زمانك عرفتي الإجابة. أنا ونيرة متجوزناش أصلاً."
فنظرت له تمارا بدهشة:
"إيه!؟"
فأكمل يونس حديثه:
"مش وقته أسئلة، تعالي معايا بسرعة."
لم يعطها فرصة للحديث ثم قام بشدها نحو سيارته وقادها نحو هدفه.
وقفت السيارة أمام بيت عائلة الشافعي.
فنظرت له تمارا باستغراب:
"انت جايبني بيتنا ده ليه؟"
فدفعها يونس بخفة نحو البيت:
"ادخلي وأنتِ تعرفي."
خطت تمارا نحو البيت.
كانت والدتها تقف أمام الباب وبجانبها ابنة عمها.
نظرت خلفها كان يونس يقف مكانه ولم يتحرك.
أسرعت لمار بشدها وهي تتحدث بسرعة:
"يلا بسرعة، مفيش وقت."
فتحدثت تمارا بعدم فهم:
"ماما، لمار هو في إيه؟"
فمسحت فاطمة على وجه ابنتها وهي تبتسم وتحاول عدم البكاء:
"روحي يا حبيبتي ربنا يسعدك."
فدفعت لمار تمارا نحو إحدى الغرف:
"مش وقته عياط، قدامنا حاجات كتير، ادخلي خدي شاور بسرعة علشان تلبسي."
بعد مدة من الوقت وقفت تمارا بمنتصف الغرفة:
"لا بقي أنا عايزة أفهم في إيه. قولتيلي ادخلي إلبسي الفستان ده لبسته، اقعدي ألفلك الطرحة قعدت، وعايزة تحطي ميك أب كمان. مش هتلمسِي وشي غير لما تفهميني في إيه؟"
فابتسمت لمار:
"اصبري خمس دقايق بالظبط."
فتحدثت تمارا بنبرة يسودها الغيظ:
"يا لمار..."
فقاطعتها لمار وهي تأمرها بتصنع:
"تمارا هي كلمة واحدة، اقعدي."
جلست تمارا بطاعة.
أنهت لمار عملها ونظرت لها بحب:
"ما شاء الله طالعة زي القمر، تعالي معايا."
فتبعتها تمارا بعدم فهم.
كان الظلام يعم المكان.
عندما خطت تمارا أول خطوة نحو الخارج تسلط النور عليها.
فسارت تمارا بحذر.
ولكن توقفت عندما رأت يونس يقف أمامها.
ابتسم يونس عندما رآها ثم تحدث:
"كان في سؤال فضل إجابته متعلقة. الشخص اللي بقي بنسبالك الأمان والسند بيحبك هو كمان. الشخص ده شاف فيكي الأم والأخت والصديقة والحبيبة. شاف فيكي القلب اللي هيقدر يحتويه وهيحن عليه وقت ما الدنيا تقفل بابها في وشه. الشخص ده موجود النهاردة وبيقولك تتجوزيني؟"
نظرت تمارا إلى والدتها.
فهزت فاطمة رأسها بمعنى نعم.
فمسحت تمارا دموعها قد انزلقت من مقلتيها وهي تهز رأسها بالموافقة.
فاقترب يونس منها بسعادة وقام بإخراج خاتم من جيبه وساعدها في ارتدائه.
وأخرج خاتم آخر له.
فساعدته تمارا في ارتدائه.
ثم قام بتقبيل يديها وابتعد عنها وهي يتطلع عليها بنظرة يسودها.
لكن ابتعد عنها عندما التفت الجميع حولهم وقام بالمباركة.
قاطع حديث الجميع سالم:
"اسمعوني كلكو، فرح تمارا ويونس هيبقى مع لمار وأنس."
فأمسك أنس بيد لمار.
فوضعت لمار رأسها على كتفه.
أكمل سالم وهو يقترب من ساجدة:
"وفرحي أنا وساجدة."
فأسرعت تمارا نحو خالتها وهي تحتضنها بسعادة:
"مبارك يا أحلى ساجدة في الكون."
فهمس حمزة لليلى بجانب أذنيها بنبرة يسودها الحب:
"بقولك إيه ما تحني عليا العبد لله ونعمل فرح مع الناس اللي بتفرح دي؟"
فكانت ليلى على وشك الاعتراض.
فأكمل حمزة حديثه:
"متقوليش كفاية كتب كتاب بس، أنا عاوز فرح."
فهزت ليلى رأسها بطاعة.
وقفت تمارا تنظر إلى الجميع بحب.
يوجد برأسها جملة واحدة؛ بأن هذه الدنيا مثل الرياح تأخذك من مطب إلى آخر، لكن مطب عن آخر يفرق.
عند وجود شخص بجانبك يساعدك على تخطي هذه الصعوبات تكون الصعوبات أسهل.