بقيت تعاملني حلو من بعد يوم الجامعة، لما كان الموضوع مشابه لي. كنت بعاملك وحش أوي كده؟ مش أوي يعني، بس علاقتنا مكنتش حلوة إننا نقعد نتكلم مع بعض زي دلوقتي. مكنتش بتشوف نفسك وأنت بتقولي (برااا) ابتسمت بغيظ من تذكر إحراجها في ذلك الوقت. كنت حاسة إني قتلالك قتيل. الموضوع مكنش كده بالظبط. امال إيه؟ أنا عملتلك حاجة ضايقتك؟ كان سبب ضيقي هو إعجابي ناحيتك. قال ذلك ببساطة.
أومأت بتفهم، لكن توقفت باستيعاب ونظرت له بشدة بأعين تتسع من مقلتيها لفرط صدمتها لتلك الجملة التي اخترقت أذنيها. التفت إليها مؤكداً بإعينه الجدية، فزادها صدمة. ابتسمت، ضحكت وقالت: إعجاب؟!! بتتريق عليا مش كده. لم يرد عليها بينما كان ينظر إليها وهي تضحك. كان بيطردني عشان معجب بيا.
حولت الموقف من جدية إلى نكتة مبالغ فيها لكسر الحرج الذي هي عليه. لكن ما لا تريد تصديقه هي عينه الذي كان يتابعها ولم تلحظهم. ابتسم وهو يبادلها المزحة السخيفة كما ادعت هي، وكأنه لم يرد إحراجها أكثر من ذلك. لكن الحقيقة... الحقيقة هي أنه كان صادقاً في كل كلمة قالها. في المساء على السفرة كانوا يحظون بعشاء. لم تشاركهم "لينا" الجلسة. بادر "حسام" وقال: لينا فين؟ قالت "هاجر": رجعت من برا على السرير. قال "غسان": هي خرجت تاني؟!
قالت "هاجر": آه، فجأة كده بعد ساعتين من رجوعها قالت إنها خارجة. نظرت إلى ابنها وقالت: انتوا سهرتوا فين امبارح؟ أكيد مكنتوش عند دكتور "معتز" كل ده. قال "حسام": وإحنا في الطريق عرفنا إن فيه مشكلة في بيته والدنيا عنده بايظة. فضلت معاه لحد ما الصيانة جت وصلحوا العطل ومشينا.
أومأ بتفهم. كان لا يعلم أن نطلت عليهم أم لا، لكن يفكر في شقيقته وأين ذهبت مجدداً والنوم يأكل عيناها. يعلم أنها كسولة ولا تتخلى عن نومها إلا أن حلت كارثة. ما نوع الكارثة الذي جعلتها تترك نومها. في الليل كانت نائمة بهدوء تام، لكن ضمت ذراعيها حين أصابها شيء من البرد، لكن ازداد شيئاً فشيئاً. شعرت بالبرودة الشديدة. استيقظت وهي تبحث عن غطاء برغم أنهم في الربيع. ما كل هذا البرد المحتل في غرفتها.
وقفت، لكن جلت سريعاً ورفعت قدماها من على الأرض. لم تستحمل بشرتها الثلج الذي وقفت عليه. الأرض مجمّدة. بل الغرفة بأكملها درجاتها تحت الصفر. نظرت حولها بخوف، لكن توقفت أعينها بصدمة حين وجدت الكتاب معلقاً في الهواء. اتسعت عيناها على مصراعيها وازدادت ضربات قلبها خوفاً. وجدته يدور وكأن هنالك من يمسكه ويقلبه بين يديه. توقف فجأة. كانت خائفة من ما يحدث أمام أعينها وتكاد تجمد من خوفها وليس من البرد.
وقع أرضاً ليتوقف الزمن للحظة. حلت على ركبتيها تنظر إليه وهو مصاحب الأرض. شعرت أن البرودة توقفت، لم تقل، لكن لم تعد تزداد. أنزلت قدماها بحذر، وحين لامست الأرض وجدتها اعتيادية.
سارت نحو الكتاب بهدوء. التقطته فشعرت بدفئه وكأن هذا الكتاب روحاً مكنونة بداخله. حين تلمسه تصيبها مشاعر الحزن والكآبة. تشعر بالغدر والخيانه. مشاعر سيئة تجعل قلبها محبطاً. وكأنها تعرف قصته كاملة. لكن الحقيقة أنها لا تعلم ما بالداخل وما قصته. الأمر غريب. الغرائب اجتمعت على كاهلها.
كانت جالسة في غرفتها في الصباح مع كمبيوتر المحمول، تعبث بكلماتها وترسم بعض الشخصيات التي لم تتقن رسمتها. تسعد كثيراً حينما ترى آراء متابعيها. لقد ازداد عدد القراء على آخر فصل قامت بنشره. أصبحت قصتها رائجة. تعلو بعض الصفحات. ينشرون الضحكات "ميمز" حول الشخصيات فتضحك معهم. وتستشيط غضبها حين يتغزلون بـ "فرناس". يأخذون رسوماتها ويعدلون عليها بالجرافيك عبر "fan art". تعترف أنهم فنانين بحق وقلمهم يمتاز عنها.
لينا ممكن تجيبلي طلبات؟ قالت ذلك والدتها. كانت عائلتها على زيارة غداً وتستعد لضيافتهم. حاضر يا ماما. لملمت حاجتها وخرجت للتسوق. كانت تحب ذلك. الأمر فلم يكن شاقاً. إنها تعشق التسوق لوالدتها. كانت تحضر معلبات التونة وتقرأ مكوناتها إن كانت هي من ترغب بها. المدونة هنا. اتصدمت ونظرت للمتحدث واندهشت حين كان "معتز". بتعمل إيه هنا؟ نفس اللي بتعمليه. اتفاجأت لما شوفتك. بحسك تايهة يا "لينا". أنااا؟
بتتريق. ثم تقصد إيه بالمدونة؟ بطلة القصة اللي بتحكي مغامرتها. مش إنتي برضو؟ إنت مش سهل. ابتسم ونظر إلى العلبة التي بيدها. العلبة بالمقلوب. بتقرأى عكس. اتحرجت ووضعتها في السلة وقالت: مكنتش بقراها. عندكو ضيوف ولا إيه؟ عرفت منين؟ شايفك واقفة ناحية اللحوم. زيارة عائلية قبل شهر رمضان. أومأ بتفهم. نظر إليها قليلاً وقال: إيه موضوع الملك "فرناس"؟ نظرت له باهتمام لذكر اسمه. ماله؟ القصة متمحورة عليه. لأنه بكل كتابي في الواقع.
بتكلم عن كلامك عنه. باين إنك معجبة بشخصيته. ارتبكت قليلاً لكن ابتسمت وقالت: لو اتعاملت معاه هتحطلي أسبابي. أومأ بتفهم وقال: أعترفلك بحبي المرة اللي فاتت؟! امتلأت وجهها بالدماء وهي تتذكره، تابعها "معتز" ليرى تعبيراتها، فقالت: عشان أرجع. صمت، لكن رن هاتفه رد عليه. حاضر أنا جاي. قالت "لينا": وراك معاد؟ ندوة عن بحث كنت بشتغل عليه. تحبى تيجي؟ ينفع؟!!! لا، بس هعرف أخليكِ تحضري. ده عشان إنت "معتز" ولا ماسك تهديدات على الكل؟
ابتسم أشار على حاجتها وقال: هعمل مكالمة، استني عند الكاشير. ذهبت مع مشترياتها. أثناء إخراج المال لمعرفة المبلغ، رأت العاملة تضع بطاقة ائتمانية. استني. إيه ده؟ الفلوس في إيدي. بس الشخص ده اداني الكارت وقالي إنك تبع حضرته. نظرت للخارج رأته "معتز". تضايقت من تصرفه. أخذت البطاقة منها وأعطتها المال. ده الحساب. أومأ إليها. وضبت مشترياتها في الحقائب. انتهت حملتها. وحين أخرجت أنهى مكالمته حين رآها وتقدم ليحملها منهم.
ابتعدت عنه وقالت: إيه اللي إنت عملته ده؟ عملت إيه؟! أخرجت بطاقته وأعطته إياها. علم سبب ضيقها. أخذها منها. ابتعدت عنه فأخذ الحقائب من يدها. قال: خليني أوصلك. أشار لها على سيارته. ذهبت معه. قال: مكنتش أقصد أي إساءة ليكي. حصل خير. المهم متتكررش.
فتح حقيبة السيارة ووضع حقائبها. شكرته ذهبت ليركبا. حين فتح "معتز" باب السيارة توقف حين رأى عجوزاً وقع أرضاً. ذهب لمساعدته. وفور أن تحرك من مكانه، انحرفت سيارة بسرعة قصوى أطاحت بالباب واصطدمت بالعمود. من فرط صدمته ظل واقفاً متصنماً بما رآه. اجتمع الناس حول الحادث وسائق السيارة عن سيره بذلك الجنون. لكنه ظل يرى باب السيارة المنتزع، وتخير نفسه مكانه لو أنه لم يتحرك لمساعدة ذلك العجوز لكان الآن... لكان ميتاً لا محالة.
التفت إلى "لينا" التي كانت مصدومة مثله. بحث عن العجوز بعينيه، لكن لم يجده. ذهب وهو يبعد الناس ظناً أنه بينهم. قالت "لينا": معتز! تعجبت منه. وحين كادت تلحق به، أوقفها اهتزاز قوي لحقيبتها. وحين ألقت نظرة، كان الكتاب الذي صاحبها. إنه هو. أتى لإرسالها إلى عالمها الخاص. رفعت وجهها لترى "معتز"، لكن توقفت حين رأت من يخطو بجانبها. لتجده ذلك العجوز. طالعته بشدة من وجوده هنا. كادت أن تلحق به لو أنها صعقت بضباب يلتصق بها.
شعرت بشيء خشن تجلس فوقه. فتحت عينيها لترى مكاناً غريباً أشبه لها باسطبل خيول. وحين سمعت زمجرة فرس علمت أنها أصابت. اعتدلت وسارت قليلاً لعدم فهم من وجودها هنا. رات "فرناس" أخيراً. ذلك الوجه الذي انتظرت رؤيته من جديد واشتقت لعودتها من أجله. ها هو أمامها الآن يقف عند حصان أسود حاد اللون ينتصف جبهته نقطة بيضاء على شكل نجمة. يبدو مميزاً مثل صاحبه تماماً.
كان يمسد على عنقه ويبدو أن الحصان رفيقه وليس حيواناً له. لم تعلم بأنه يميل للخيول، لكن يبدو لطيفاً. يبدو وكأنه رفيقك. كسر ما كان فيه. سرعان ما وضع يده على حزامه وقبل أن يعلو بسيفه عند عنقها، توقفت عيناه حين وجدها. فدهش من عودتها. "لينا". طال الغياب مثلما طال بقاؤك الملل الفائت.
اقتربت منه. زمجر الحصان وارتفع عالياً. خافت منه، لكنه أمسكه وربت على رأسه وكأنه يخبره لا خوف منها. هل يفهم ذلك الفرس أن الأغراب خطر عليه. لكنها ليست غريبة. اقتربي. هل أنت متأكد؟ لا أريد الموت الآن. أشار إليها فتقدمت بقرب منه بتردد، لكن انحنى برأسه قليلاً إليها. تعجبت كثيراً. فهي لا تفهم لغة الخيول. قرب رأسه منها. أشار "فرناس" إليها. رفعت يدها قليلاً تخشى أن يطيح بها أرضاً، لكنه تركها تربت عليه مثل صاحبه.
ابتسمت باستمتاع وهي تمسك على عنقه الصلب. هل هو يفهم؟ شعرت وكأنه خائف عليك مني. أظن ذلك. هل أبدو لك مخيفة؟ إنكِ أكبر مخاوفي. نظرت إليه من جملته. قاطعهم صوت من الخارج بوجود أحد. أسرع واقفاً خلف الحائط خشية أن يراها أحد. لتدرك أن أمرها قد فضح في ذلك القصر وعلم الجميع أنها "رزان". وقف جندي أمامه وقال: أرسل الملك نعمان خطاباً لجلالتك. حسناً. وقبل أن يغادر، قال أمراً: أخلوا ممر جناحي والخارج أيضاً. لا أريد أحداً هنا.
مطيع جلالتك. تأذن لي؟ غادر. لتخرج من مخبأها. باد سماعها لحديثهم. أظنني بالفعل أشكل خطر عليك. أنا الخطر بحد ذاته. قالها بلهجة غريبة. وحين التقت أعينهم. وقفت بقرب منه. هل الوضع جيد هنا؟ ألم يحدث لكِ شيء أثناء رحيلي؟ سيطرت على الوضع. لا داعي للقلق. لكن وجودكِ في القصر لم يعد آمناً. سأوفر لكِ مكاناً بعيداً عن أعين الناس. لن تكوني معي؟ صمت قليلاً، لكن قال: لكني لن أترككِ. أومأت بتفهم وتذكرت شيئاً قبل أن يغادر. أمسكت يده.
أريد أن أخبركِ بشيء مهم. الآن؟ حسناً، حينما نكون منفردين. لكني أخشي أن أغادر خلسة وأنت لست معي. تركت يده. فقال: لنذهب. ذهب، لكن وجدها واقفة في مكانها. التفت إليها بعدم فهم. فقالت: هل يمكننا البقاء هنا أكثر؟ أود خوض التجربة. فهم ما تقصده. قال: هل تستطيعين ركوب الخيل أم مشاهدة عبر التلفاز أيضاً؟ ابتسمت حين فهم ما في جعبتها. فقالت: لا تستهين بي. التلفاز وسيلة للتعليم أيضاً.
اقترب منها. نظرت له. أشار على الأسطبل التي تقف أمامه. أفسحت له بحرج ليفتح إلى حصانه الأسود ذو النجمة البيضاء وخرج باصطحابه. تبعته للخارج فلم تجد أحداً ولا بجانب المشاعل أية حراس. قالت "لينا": هل استأذنت منه؟ لا أريد أن يرميني أرضاً. أشعر بعدم تقبله لي. مد يده إليها وكأنه يقول لها هيا. أمسكت بيده وقالت: ألا يوجد حزام لأمتطي فوقه؟ لن يروق لها ذلك. عن من تتحدث؟ "عَثْق". نظرت إلى ذلك الفرس العربي الأصيل. قالت:
هل هي أنثى؟ وضع يده على خصرها ورفعها في لحظة كالدمية فأصبحت على ظهرها. نظرت له بشدة وكيف أمسك بها. دق قلبها وتحاشيت الاستماع له الآن. أخبرها بثني ركبتيها قليلاً والميل للامام واضعة يدها عند عنقه ولا أعلى قليلاً مع التشبث جيداً. أكد عليها بوضعيتها جيداً أن ركض بها. قلقت وأخبرته أنها لا تتقن الأمر. لكنه طمأنها حيث ربت على "عَثْق" لتتحرك رويداً رويداً. ابتسمت "لينا": أصبح الأمر مسلياً.
بدأ بالتحديد ثم ركض بها. انصدمت وتشبثت به. لم يعد مسلياً أبداً. أمسكت به. وجودها يعلو عنها. كادت أن تقع لو عدم أمسكها بعنقها جيداً. ثنت ركبتيها ومالت بجذعها للأمام كما أخبرها وامسكت به بخوف. وحين قفز بها وقعت. لكن هناك من أعدلها وتوقفت "عَثْق" فور رؤيته "فرناس" أمامه. نظرت إليه بشدة ولم تصدق أنها لا تزال بخير. نظرت إليه ونظرت للخلف. فكيف وصل لهنا بتلك السرعة؟ إنها مصدومة مثلي. سرعتك تضاهيها. أنتِ بخير؟
أعتقد هذا. فقط رأسي يدور وبشدة. نظرت للارض لتنزل. مد يده إليها. تشبثت به. قفزت الفرسه لتقع من فوقها. أمسكها، لكن ارتمت فوقه. انطلقت صهيل منها وكانما تضحك عليهم. تألمت. وحين فتحت عينيها رأت يدها صدره المستلقي عليه. دق قلبها وبقوة شديدة من وضعها ذلك. رفعت عينيها فقابلت أعينه الرمادية التي تنظر إليها. امتلأ وجهها بالدماء، لا تعلم من الخجل أم من الحر.
لمس وجهها بأناملة. شعرت بأن قلبها سيتدحرج من صدرها. أبعد شعراتها لينظر إلى شفتايها التي تورّدت. اقترب منها، أغمض عينيه بهيام. وفور شعورها بأنفاسه الحارة، أفاقت وابتعدت عنه سريعاً وهي تعتدل باستقامة. لا يزال وجهها في حالة انفجاريه، لكن قالت بهدوء: أعتذر. كان هذا بسببها. تعمدت إيقاعي. اعتدل وانفض ثوبه. قال: لا بأس. يبدو أنها تحمست أكثر من اللازم.
نظر إلى "عَثْق". أتت ووقفت بقرب منه وهي تعني رأسها إليه. طالعتهما "لينا" قليلاً. قال "فرناس": لنذهب. غادرت. تبعته وهي تنظر إلى الفرسة بحنق من حبها الذي نزلته من "فرناس". كان يسير بها ولم يكن أحد سواهم يعبر. الممر خالياً تماماً إلى طريق جناحه. لكن كان هنالك من يقف عند الباب. التفت وكان "بردلة" الذي نظر إليها بشدة ظناً عودتها. انحنى قال: مولاي، مجلس الوزراء ينتظرك. أتيت لرؤية جلالتك عن سبب تأخيرك إن كان هناك خطب ما.
قال "فرناس": أين "داغر"؟ أرسل لي مرسلاً عن عودته يوم غد من رحلته. "سينمخ". بإمكانك الرحيل. غادر. دخل إلى جناحه. تبعته، لكن ألقت نظرة على "بردلة" الراحل، ثم دخلت بضيق. لم أكن أريده أن يراني. تعجب منها. قال: من تقصدين؟ وزيرك. أشعر بالريبة تجاهه. بل تجاه الجميع. أخبريني ما يدور في رأسك. كادت أن تتحدث لولا طرق الباب. ذهبت لتختبأ. دخلت امرأة حاملة ملابس على يديها تنحني أمامه: طلبتني جلالتك.
لقد كانت "صفية". تفاجأت والتفت إليها. وجدتها تضع ملابس نساء على المنضدة. قالت: هل عاد؟ قال "فرناس": أجل. سأرسلها لقصر "جارينا". خذ حذرك مولاي أرجوك. لا أريد أن يتسرب أمر عودتها. لن تهدأ أنفسهم هذه المرة. ساحرص على ذلك. غادرت و"لينا" متفاجئة وبشدة. قالت: ما علاقتك بها؟ أظن أنني أخبرتك قبل رحيلي أنها تعرف بأمري.
أخبرتني قبلها عن ما رأته. وبالفعل اكتشفت من تكونين، لكنها لم تخبر أحداً. أتيت إلي لتحذرني، لكنني أخبرتها أمي أعرف بكل شيء. قالت بدهشة: يبدو أنها تحبك. لم تكن هي من أفشى سري. كان هو ذلك الأمر الذي أردت إخبارك به. بشأن ماذا؟ أت تعلم أن "رزان" محاربة من عالمي؟ نظر إليها بشدة. أومأت له. قالت: لم تكن أية محاربة. إنها أخت صديق لي. شعرت بذلك حين نظرت في عينيها. هل قابلتها؟
عند لحظة إعدامها اصطحبني أبي وسألني عن شعوري تجاهها. هل تمتلك يقين جيد؟ ماذا أخبرته؟ تذكر وهو واقفاً بجانب أبيه ذلك اليوم، حيث رأى شخصاً بجانبها ينبع منه هالة سوداء يستطيع رؤيتها بوضوح، لكن تلاشت فور أن اشتعلت النيران من عليها. "أخي". كانت تلك الكلمة اخترقت أذنيه بصوتها الضعيف المليء بالشجن. استمع سماعها لحسته القوية ليجد هالتها القبيحة تتصفى وتصبح كالغيمة البيضاء. تذكر ماذا قال يومها جيداً: "شيطان". تفاجأت كثيراً.
قالت: هل كانت سيئة لهذه الدرجة؟ لم أكن أقصدها هي. عن من تتحدث إذا؟ كان متجسداً بها شيطان. لعله الغرور من أوصله لذلك. يجعل الأنفس تزامن شيطاناً أجيناً. أقامت بتغيير الأمر لتضايقها في الحديث عنها. تمتلك أعداء حولك. هناك شخص آخر أفشى أمري واصطحب الشعب للقصر. لم أكن أنا هدفه بل أنتم. نظرت له قليلاً وأردفت: أعتقد أنه ذاته الذي يود أن يقتلك. قلت آخر جملة بخوف. قال: هل تشكين في "بردلة"؟ وأخيك؟ نظر إليها بشدة. قالت:
لا تفهمني خطأ. أشك بالجميع. لكنهم من يعرفون أمري. إن لم تكن "صفية" إذاً أحدهم. إنهم يعرفون أمري باكراً. لماذا انتظروا تلك المدة لينالوا مني؟ صمتت. فهي لا تملك الإجابة. قالت: هل تثق بهم؟ إنك تتحدث عن أخي. تريدين أن أخونه؟ و"بردلة"؟ إنه صديقي. خضت معارك وهو برفقني. حارب ببسالة ولم يتنازع عن واجبه يوماً. أخبرتك بما أعرفه. من مَن تحملين تلك المعلومات؟ من هنا. أشارت على عقلها. وقالت:
هنا يكمن الكتاب الخاص بك. يعني إشارات وأشعر به وكأنه روحاً مني. وأنا الآن أشعر بالتشاؤم، لذلك خائفة. هل تشعرين بالخوف من أجلي؟ نظرت إليه. فهل يسخر منها؟ كيف لا تشعر بالخوف وهناك من يريد لقتله. قالت "لينا": إن من يريد قتلك يسعى الآن لتفكيك بينك وبين شعبك لتكون فريسة سهلة وينقلبوا عليك و... و ماذا؟ يقتلونى! أخبريني إن كنتِ خائفة علي وسأطمئنك. أجل خائفة. ابتسم بهدوء. وقال:
لا أحد يستطيع قتلي. تفهمين ذلك. يمكنهم انتزاع السلطة، لكنني حي. لكن سآخذ حذري وأفكر فيما قلت له بشأن "بردلة". أشكرك. قالتها بامتنان. وقبل أن يغادر، سألته: هل سأبقى في جناحي؟ يبدو كذلك. إلا أن تذهبين من هنا. لا تخرجي لأي سبب كان. أكد بتحذيره لها وغادر. لم تكن لتتهور كالمرة الفائتة.
بقيت في الجناح. التقط الفستان الذي أحضره وارتدته، ثم وضعت ملابسها جانباً وهي تنظر من النافذة قليلاً تتذكر الحشد الذي كان هنا آخر مرة يطالبون بها. كانت مرعوبة وقتها. أكن ماذا إن تكرر ما حدث؟ ماذا إن أمسكوها؟ هل ستعذب مثلما عذبت "رزان"؟ سيصلبونها ويحرقونها حية. ألمها التخيل. لكن تتذكر أنها فعلت الكثير في ذلك الشعب أيضاً. لم يكن الأمر هيناً. يلقبونها بالمحنة ويعلقون أنها محنة أخرى عادت ويودون التخلص منها.
لا تعلم لماذا ذكرت أخيه له. وتعلم حبهم الشديد لبعض. حيث دافع عنه من ذلك الجندي الذي كاد أن يقتله. لكنها أرادت أن تكون مصدقية. لكن إن كان "داغر" فلما أخبره أن يسلمها لهم. بل كان متضايقاً من حمايتها خشية على أخيه. لو كان المقصود كان سيدعمه على إبقائها. حل المساء عليها وهي باقية في جناحه. وقفت تنظر إلى الشرفة تريد الوقوف فيها، لكن تخشى أن يراها أحد فتصبح كارثة.
فتح الباب. ذهبت لتراه، لكن لم يكن هو بل أخاه الذي نظر إليها من وجودها. عدتي إذا. ماذا ترين؟ ماذا تفعلين هنا؟ أين مولاي؟ ذهب إلى المجلس ولم يعد إلى الآن. أومأ بتفهم. وقال: جيد. أود أن أتحدث معك. اقترب منها ووقف أمامها. قال: إن كنتِ خائفة على "فرناس" فالأفضل أن ترحلي من هنا. أخبرني أنه سيرسلني إلى قصر... أقصد أن تبتعدي عنه إلى الأبد. صمتت حين قال ذلك. تنهد وقال:
اسمعيني جيداً يا "لينا". لا أحمل أي ضغينة تجاهك، لكن أخي هو من يهمني. لم ترين ما حدث المرة الفائتة. تم عقاب من دخل إلى القصر مستأذنين بالطبع، لكن ظل الشعب غاضباً بشأن ما حدث وعدم حصولهم عليكِ جعل ذلك هدفاً لهم. إن تسرب خبر عودتك سيكون أخي هو المتضرر الأكبر. إنه ملك مسؤول عن رعيته. لكني لست بخطر. المهم ما يعتقده الأخريون. أنه لن يتركك. واثق في حمايته لكِ. لذلك أخبركِ أن تبتعدي أنتِ. أتريديني أن أهرب؟
إن استطعتِ فلتفعلي. سكتت عند قوله ذلك. قال "داغر": حينما يعود أخبريه بعودتي. قال ذلك وغادر. بعدما ترك كومة حيرة فوق رأسها. فكرة الابتعاد عنه تضايقها. حتى أنها عاشت في قصر بعيدة عنه، فكيف عدم رؤيته مجدداً. ثم أنه المسؤول عن عودتها بإختلاق حدث. إن ابتعدت لو تعود. وإن عادت سيعيدها هو في ذات المكان الذي يكون فيه. لمجرد أنه فكر فيها ستجد نفسها لجاتله كما أخبرها العجوز وكما حدث معها اليوم. إنها مرتبطة به.
فتح الباب. اختبأت سريعاً. كان الحاشية يضعون الطعام على الطاولة. نظرت إليهم وهو يتوددون. أين مولاي؟ أشرف على عملك فقط. سيبرد الطعام. إن برد حمل له الجديد الساخن. انتهوا وغادروا من الغرفة. عادت مكانها ونظرت إلى الرائحة الشهية. تخشى أن تكون سر طعامهم شعوذة ما، أو عفريتاً عبث في النكهة. بعد بضع دقائق فتح الباب. كادت أن تختبأ، لكن رأته فشعرت بالأمان. نظر إليها. قال: لما تقفين هكذا؟ أتأخرت. كنت فين كل ده؟
لقد أجلت اجتماعاً هاماً لأعود إليكِ. سكتت، لكن ابتسمت خفية. جلس على الطاولة شاركته الجلسة. قالت: "داغر" أخبرني أن أعلمك بعودته. عاد إذاً. نظر إلى ملامحها لذكر اسمه. قال: ما بكِ؟ لا شيء. هل قال لكِ شيئاً ضايقك؟ لا. فقط أخبرني بما قلته لك وغادر. لماذا لا تأكلين إذا؟
أكلت معه. ترك الجلسة فجأة. نظرت إليه. رأته يدخل إلى ركنته الخاصة. عادت إلى طعامها وهي تقلب بتلك الملعقة الفضية. شعرت بخطواته القريبة. وجدت ذراعيه تمتد نحوها. نظرت إليه وتفاجأت حين وجدت قلادة. نظرت إليه فتعانقت أعينهما. أزاحت شعرها وتركته يلبسها إليها. قالت: ما المناسبة؟ لا يوجد مناسبة. عاد إلى جلسته. لكن مرت هي إلى القلادة ذات ماسة حمراء على شكل قلب. قالت: أشعر وكأنني رأيت هذا الحجر من قبل.
تذكرت تلك الفتاة التي رأيتها عند مكتبه مع الحجر المنحوت. نظرت إليه بشدة. هل صنعتها من أجلي؟ يبدو كذلك. ابتسمت وعادت بنظارها إلى القلادة التي زينت رقبتها. وخصوصاً ذلك الحجر الماسي البراق. لمجرد تخيله وهو يصنعه من أجلها يجعل قلبها يرقص على نغمات نبضاته. كان ينظر إليها وهي تأكل ثم تنظر إلى القلادة فيبتسم عليها. انتهت وجبتهم وأخبرها بمغادرته. عرفت أنه سيقابل أخيه. لم تتحدث، لكن سألته: "فرناس" أين سأنام؟ قال بهدوء:
السرير أمامكِ يا "لينا". لكنه سريرك. لا تقل إنني سنتشارك السرير مثل الغرفة. مستحيل أن يحدث هذا. لم أكن لأقول هذا. نامي ولا تقلقي. لكن... لو كنت أريد إيذاءك لفعلت. اعتذر. لم أكن أقصد ذلك. غادر وتركها. فتضايقت من كلامها. أن يكون أحزنه. نامت على سريره لتغوص في مرتبته. لامست وسادته وألقت برأسها فوقه. ابتسم على تلك الراحة من هذا السرير. إنه سرير ملكها.
أمسك قلادتها مجدداً بتأمل لحجر الياقوت كما عرفته منه. لم تراه من قبل ولم تتخيل أن يكون حجراً بذلك الجمال. يستحق المبلغ المضاهي في عالمها للحصول عليه. داخل جناح خاص كان "داغر" يمرر ممحاة عن نصل خنجره. فتح الباب. التفت وكان "فرناس". انحنى حين رآه. قال "فرناس": كيف كانت الرحلة؟ ازداد عدد المتمردين. سيطرت على الوضع. لكن أخشى أن يزداد. المهم عودتك سالماً. ابتسم إليه. قال: أخشى من عدم عودتك قائد جيشك أم أخيك؟
الاثنان نفس الشخص. أخي. صافحه بعناق. بادله بمحبة. لكن "داغر" تبدلت تعبيراته. نظر إليه. قال: ما بك؟ لما لم تخبرني أنها عادت؟ عادت اليوم في الصباح. ألم يعلم "بردلة" أيضاً؟ بلى. لقد رآها. عجباً. ظننت أنه لا يعرف. لم يتحدث عنها أو يخبرني بوجودها. هل يستدعي الأمر إخبارك يا "داغر"؟ حذرتكم من الحديث عنها. لا أريدك أن تتأذى. أنا أقلق من وجودها بجوارك، والآن هي في جناحك. إذاً هل قلت لها كلاماً ضايقها بشأن خوفك ذاك؟ هل أخبرتك؟
لم تخبرني. استنتجت الأمر من كلامك. لم أقل شيئاً سوى أن تكون حذرة وتخاف عليكِ مثلما أنتِ خائفة عليها. أومأ بتفهم. ربت على كتفه. قال بجدية: ألم أخبرك أن تهتم بنفسك ولا تقلق حيالى. تنهد كي لا يعارضه. وأومأ إليه مطاعاً بعدم تكرار ذلك النقاش. أخذ منه الخنجر ودسره في حزامه جيداً. قال: لا تكن عازلاً لدقيقة واحدة. أعداؤك ينتظرون الفرصة. نظر إليه "داغر". قال: "فرناس" أصبحت تشبه أبي. إنك تشبه أكثر مني.
أتقصد الوجه أم روح القيادة؟ أريده أن يراني الآن هل أصبحت كفؤاً أم لا زلت؟ انظر في المرآة ستجد الإجابة. ابتعد عنه ليتركه. أوقفه. وقال: ماذا تنوي أن تفعل بها؟ من يدري. دع الأحداث تأخذ مجراها. كانت تلك جملتها الذي ترددها إليه. غادر. ظل "داغر" ينظر لطيفه. قال بجدية: لن تكون الأحداث لصالحك.
في سكون الليل الهادئ كانت نائمة بارتخاء. لامسها طيار ريح خفيف يحمل رائحة تتعرف عليها. سمعت صوت نهيم البومة الواقفة عند الشرفة وكأنها تطرق بابها. فتحت عينيها لتجد نفسها في مكان غريب محاط بجبال عالية صلبة متصخرة. ترى قمته تصل إلى ناطحات السحاب. نظرت إلى الأرض كانت رمال ذهبية اللون، وكأنما فتات ذهب تخطو فوقها. أين هي؟ إلى أين انتقلت؟ ما هذا المكان؟ لينا.
سمعت صوتاً يناديها. التفت حولها. رأت شخصاً يقف بعيداً عنها لم تراه، لكن تستطيع تمييز هيئته. فرناس. سارت تجاهه وكأنما تسلب إليه شيئاً فشيئاً. ثم ركضت إليه حين وجدته يبتعد. لينااا. اختفى الكون الذي كانت فيه في لحظة. وحين أبصرت بأعينيها الواقعية رأت نفسها واقفة فوق سور الشرفة. انتفضت فزعاً من هول الارتفاع. كادت أن تقع، لكن يده انتشلتها سريعاً لداخل. وكان "فرناس". نظرت إليه وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة.
ما الذي كنتِ ستفعلينه؟ هل كان حلماً؟ نظرت حولها. أنها لا تزال في قصره في غوانتام. ناديتك كثيراً. ألم تسمعي؟ كان النداء منه إذاً. قالت: سمعتك، لكن كان صوتاً داخلياً. لم أدري بالواقع. صدقني.
صمت وتذكر حين استيقظ على صوت وراها تفتح الشرفة وتذهب لهناك. كان قد حذرها من الذهاب لهناك. وحين ناداها لم تستمع إليه. ذهب إليها لتجدها تكمل سيرها. نداها مجدداً دون جدوى. ارتفعت بقدمايها ووقفت فوق السور. انصدم وركض إليها وصاح بها تلك المرة في اللحظة الأخيرة. قالت "لينا": ماذا حدث؟ كدتِ تلقين بنفسك لو لم تفيقي. ارتجفت خوفاً ونظرت إلى السور. فتلك المرة الأولى التي تسير وهي نائمة. قالت: هل كان ذلك انتحار أم حلم؟
أمسك يدها استقامت ودخلت معه. عادت بجلستها على السرير وهي تستلقي. قالت: أعتذر. لم أكن أقصد ما فعلته. والوقوف بالخارج. أنتِ بخير؟ أظن ذلك. عودي لنومك. خائفة. أن يتكرر ما حدث. سأحميكِ وإن كان من نفسكِ. تعمقت عيناها به. نظرت خلفه. قالت: هل نمت على الأريكة؟ تنهد منها. قال: لم أشارككِ السرير. استريحي. ابتسمت. رأت بزوغ الفجر والليل ينقشع على بقائهم سوياً. اللعنة. إنه اليوم. قال ذلك وذهب ليقفل النافذة. قالت:
هل تكره رؤية الشروق؟ أحبه، لكن ليس في كل الأيام. يتحتم علي البقاء بعيداً لحظة طلوع الشمس. لماذا؟ هل تحترق؟ ذهب إلى الشرفة وفتحها مجدداً. وقال: أتجدد؟ لم تفهم ما قاله. لكن نظرت إلى السماء مع شروق الشمس. وقفت لتقترب منه. رأت شيئاً جعلها تتأمله لبرهة. جلده ينقشع ويتشقق ويهر من أسفله كجلد حية مدفون داخله، لكن يلمع كبريق ماسي. وقفت أمامه نظرت إلى وجهه. قالت: تبدو كاللؤلؤ. كيف يحدث لك هذا؟
في منتصف السنة مع بداية الشهر الآخر قرص الشمس تكون في أشعته تحت الحمراء أقوى فتتعمد على بناء النصف الآخر من جديد. تقصد نصفك النار وليس الطين. والدتك كانت من الجن الأحمر. نظر إليها. أردفت: قرأت أن أشعة تحت الحمراء يكمن الجن منها، لذلك لا نستطيع رؤيتهما. أقفلت الشرفة. التفت إليه. قالت: ألا تنوي إخباري عن أمور يوم القيام؟ من تترصدين بالضبط؟ كل شيء، لكن سأحدد. من يُعدم ذلك اليوم؟ شيطان.
أعلم بعضكم إليه وتهليلكم بموت بعضه، لكنني أتحدث بجدية. ماذا فعل لتقول عليه شيطان؟ لا، إنه شيطان. تشنج لسانها. وقالت: ش... شيطان. لكنه نزف. رأيت دمائه. كيف ين شيطان ومذلول هكذا؟ ذلك الجسد الذي رأيتها كان لساحر "المقيان". "المقيان"؟ لن تسري إن عرفت. لذلك كان هذا لقبه. كان يتسلط على إحدى الشياطين ومارس الكثير. حيث تسلط عليه شيطانه وخضعه إليه. كيف تعرف؟
أخوض نقاشاً وأرى صوت من يتحدث معي. يوم القيام يُعدم فيه شيطان المقيان وساحره. وكيف تُعدم الشيطان؟ ألا تخشى منه؟ لا يصبح شيطاناً بدون قواه. تُسلب برمال الكبريت الأحمر. رمال ماذا؟ عادت بذاكرتها إلى ذاك اليوم الذي انقضت عليها أفعى. رأت العجوز يهاجمها بغبار وجهها ويركض بها بعيداً. معقول ذلك؟ كان الرمل ذاته الذي يقصده "فرناس". لكن إن كان هو... اتصدمت حين أدركت أن الأفعى لم تكن سوى شيطان رجيم.
طرق الباب بضع طرقات. ذهبت "لينا" مختبئة. سمح له بالدخول. وكان "بردلة". مولاي، العربات جاهزة لقصر الصيد. أومأ إليه بتفهم. قال: تأكد من المعدات حتى آتي. أومأ له مطاعاً وغادر. هل تثق في "بردلة"؟ أخبرتك أنه صديق قبل أن يكون تابعاً لي. مجرد سؤال. أتثق به؟ أثق به. لا زلتِ تظنين أنه من يفعل ذلك ويريد قتلي؟ إنني أستبعد احتمال شقيقك، لكنني لا أستطيع استبعاد الاثنين. لما أنت بارد هكذا كلوح الثلج؟ عندما ترخي تفكيرك يستريح عقلك.
ماذا تعني؟ ألا تهتم بما سيحدث قادماً؟ أقول لك إن هناك من سيقتلك. ليفعل ذلك. إن استطاع. إنك مغرور. لكن أتعلم الشيء الذي يريحني قليلاً هي قوتك بدون استخدام نصفك الآخر. أنت قوي كفاية وذكي. أتساءل لماذا لا يمكنني أن آخذك معي؟ لما أنا فقط من يأتي إليك؟ لماذا؟ نظرت له بعدم فهم. أكمل. قال: لماذا تريدين أخذي معكِ؟ توترت. وقالت: لأن هنا خطر عليك. أنت تحميني، فلما لا أحميك؟ ابتسم. تعجبت منه. قالت: تسخر مني؟
انتبهي لنفسك. سأطيل الليلة. تعجبت ولم تفهم. أخذ ردائه وغادر من الجناح. رفعت يدها تجاه الشمس وتدرك تميزه عن سائر بشر، لكنه بشرى مثلها. "أنا أحبك". تذكرت اعترافه لها. لكن تعامله معها لا يزال عادياً. لم يختلف، لم يفتح الأحاديث، لم يعرف جوابها. ألقى قنبلته داخلها، تاركاً إياها تنفجر بها مراراً. تريد أن تسأله إن كان يفتعل حدثاً أم أنه صادق. باتت في حيرة من أمره مجدداً.
ظل اليوم بأكمله لم يعد. كان الحاشية يدخلون يضعون طعاماً ويخرجون. كانت جائعة، لكن تتأمل أن يعود كالبارحة. الجناح أصبح معتماً. تشعر بهالة سوداء تحلق في المكان وتتجاهلها عمداً. فتح الباب. تلك المرة ودخلت "صفية". بحثت عن "لينا" بعينيها. قالت: أمي أنا. لا تقلقي. خرجت إليها وطالعتها. رأت الخوف قليلاً في عينيها مثلما رأيته في عيني ذلك الجندي الذي كان أول من أفشى قدرتها. قالت "صفية":
أردت إخبارك أن مولاي لن يعود اليوم. إن ذهب إلى قصر الصيد يعود متأخراً. لذلك كلي. الخدم يعودون بالطعام كما هو ويتساءلون لماذا أرسله. متى سيعود؟ لا أعلم.
ذهبت وبقيت في مكانها كما كانت. أكلت تلك المرة. ظلت عيناها مستيقظة تخشى النوم. فتقول نفسها أثناء الحلم والواقع. عقدت يدها على السرير بوشاح الرأس. سمعت صوت نهيم البومة. رأت واقفة عند الشباك. أفزعتها واطمأنت قليلاً. تتذكر صوتها ليلة البارحة واتت بحظ سيء فوق رأسها. كانت بيضاء وعيناها كأعين القطط الحادة، تنير في الظلام الدامس ويبدو كالقمر بين السماء. ابتسمت وهي تنظر إليها: إزاي مخلوق جميل يرمزوا ليه بالنحس.
ظلت تنظر إليها وكأنما تراها هي بالتحديد. ثم حلقت بعيداً. نظرت "لينا". دق قلبها بضع نبضات فاتربت بالقلق. في منتصف الليل امتلأت الضوضاء المكان. الصوت يرتفع شيئاً فشيئاً. هناك حشد كبير يقترب. حشد بوجودها متهجماً وأنفاسهم الغاضبة تشعل مشاعلهم الذي في أيديهم بدلاً من النار. إنهم هم النار الذي تريد أن تأكل مسعاها. كانت عيناها تضيق بانزعاج من ما تراه في نومها. لينا.. لينا أفيقي. استيقظت ورأته أمامها. نظرت
إليه ومن معالمه الغريبة: "فرناس" أخبروني أنك لن تعود. لا يوجد وقت. لنذهب. سحبها معه. تألمت من يدها ليرى العقده. قالت: خشيت أن يتكرر ما حدث. قام بفك العقده. وهي تنظر إليه بتعجب. قالت: هل حدث شيء؟ توقف فجأة. ثم تحولت إحدى عينيه إلى الأحمر القاتم. ارتعبت منه. وجدته ينظر إلى الباب. ثم عادت عيناه إلى طبيعتهما. لنسرع هيا. ما الأمر؟ أخبرني. الوقت لا يسمح للحديث يا "لينا". لقد اقتربوا. من هم؟
أمسك يدها وأخذ بها سريعاً للخارج وهي لا تفهم ما سر عملته بل ما سر قلقه. فور خروجهم قابلا "داغر" و"بردلة" الذي أتيا ركضاً. قال "بردلة": مولاي ماذا يحدث؟ لما أمرتنا بالعودة الآن؟ لقد علموا بوجودكِ. انصدمت وطالعته بشدة. قال "فرناس": بضع دقائق ويكونون هنا. قال "بردلة": هل تستطيع اختلاق حدث لتعود؟ نظر إليها حين نظر إليه. قال: لا أعلم إن كانت ستعود أم لا، لكنهم يعلمون أنها هنا. لن يتوقفوا حتى وإن كان أمراً مني. قال "داغر":
ماذا تنوي أن تفعل؟ لا تقل لي أنك ستهرب بها. صمت. لكن سمعوا صوتهم المرتفع. رأوا شخصين يركضون عبر الممر متجهين إليهم. رفعا "بردلة" و"داغر" سيوفهما، لكن انحنيا فوراً. وكان جنديان. مولاي، الشعب. الشعب اجمع مجتمع بالخارج ويريدون اقتحام القصر إن لم تأذن بدخولهم. قال "فرناس": امنعوهم. لكن لا تؤذوا أحداً. أومأ له مطاعاً وركضا سريعاً. التفت "داغر" إلى أخيه من الكارثة الذي هم فيها. ذهب ب"لينا" وقف في وجهه. هل ستذهب معها؟
الجميع سينقلب عليك. حتى الجيش مخلصين لك، لكنهم لن يخاطروا بعائلتهم. إنهم من الصعب أيضاً ويكنون لها نفس الضغينة. إنها ليست "رزان". إنهم من لا يفهمون ذلك. قال "بردلة": تمتلك خطة مولاي؟ سأخرج بها من هنا. لا أستطيع تركها. وإن اكتشفوا غيابك سيعلمون أنها كانت في حمايتك كل هذا. وأنك خدعتهم. صدر صوت صياح مرتفع في آن واحد. خافت "لينا" ونظرت إليه. قال: احموا أنفسكم.
أخذها وغادر بها وهو يركض بها عبر الممرات الذي يحفظها كاسمه. إنه القصر الذي عاش به سنوات يتنقل هنا وهناك ويقيم المخابأ سراً. سحب أحد المشاعل انحنى إلى الأرض أخرج خنجره وثقبه به الأرض وبدفع واحدة ارتفعت غطاء وظهر نفق من الأسفل. مد يده إليها. قال: التقطي نفساً عميقاً. لا يوجد هواء في الأسفل. أمسكت به وعبأت رئتيها بالهواء ونزلت معه. كان المكان ظلمة حالكة لا ينيره سوى الشعلة.
تباطأت قدماها حين أفرغت ما في جعبتها وتريد هواء. نظر إليها: اسرعي. أومأت له بصعوبة. سحبها خلفه. صعد إلى السلم وحاول رفع الغطاء، لكن كان عالقاً وهي تختنق. جمع قبضته ودفعه بقوة. فتح من مكانه. خرج سريعاً وأمسك بها لتأخذ أنفاسها سريعاً حين استقبلت الهواء. شعرت بأنها ستقتل حتماً. قالت: ما كان ذلك؟ نفق يطل خارج القصر.
نظرت حولها. وجدته السور خلفها وأنها أصبحت بالخارج بالفعل. التفت الناحية الأخرى. انصدمت حين رأت النيران مشتعلة في القصر وصيحة قوية. ازداد مع غضبهم ويريدون إحراق من فيه. إنهم هائجون. ماذا يفعلون؟ هل سيحرقون القصر؟ سيقتحموه بالفعل ويدفعون بقوة ليكسروا باباً خلق من الحديد الصلب الذي يحتاج إلى نيزك لكسره. إنهى أمرك يا "فرناس". لقد استهانت بالوضع. لكنه خطير. تخلى عن كل هذا من أجلها ولأنانيتها لم تبتعد عنه.
كانت تركض معه. قابلا "داغر" و"بردلة" الذي أتيا. ولن يستمعوا لتحذيره. قال "بردلة": العربات من هنا مولاي. أبعدت يدي منه. توقف "فرناس" ونظر إليها. قالت: سوف أقابلهم. ضاقت عيناه. قال: ليس هناك وقت. هيا. أبعدت يدها بحدة. وقالت: ماذا تفعل؟ أنت تخاطر. أتحجم ما تفعله. سوف أقابلهم وانتهى الأمر. سأخبرهم أنني لست "رزان". وهل تظنين أنهم سوف يتركونك؟ كنت قد فعلت ذلك قبلك، لكنهم لن يتركوكِ غير وهم يطفون بتراب جسدك فوق الجبال.
شعرت بالخوف. لكن تماسكت. قالت: إنك متهور. ماذا عنك؟ إنك تخسر حياتك. قاطعهم مجيء جندي راكضاً وهو يلهث: الشعب هائج. سيقتلون الحراس إن لم يفسحو لهم. أمسك يدها. نظرت له. قال: لا تضيعي ما فعلته هباءً. التفت إليهم. قال: دافعوا عن أنفسكم. فور ذهابي افسحو لهم للدخول. قال "داغر": مولاي، ألن تعود؟ لا أظن ذلك. تضايقت. الجندي أعطى له تحية مخلصة وهو ينحني على ركبتيه. جميعاً فداءً لك مولاي.
نظر إلى أخيه وأعينه المتعلقة به. أخذ "لينا" وذهبا. كانت عربات بحراسة تنتظرهم. طلت امرأة من تحدي العربات بقلق. وكانت "صفية". مدت يدها إلى "لينا" لتركب، لكنها ظلت متمسكة بيده. نظرت إلى الأرض. رأت الأحجار تتزحزح وكأنما زلزال يضرب الأرض. قال "فرناس": سألحق بكِ. هيا. انطلق بوقت قوي. التفت ليجد فرساً يركض كالفهد والنجمة البيضاء تعلو جبهته. كانت "'عتق" مع جندي. قام بإخراجها.
مولاي، سيكسرون الباب. هناك أربعة أصيبوا. يجب أن نفعل شيئاً. قالت "صفية" بحدة: هيا يا "لينا". كانت مرتعبة. رأته يذهب. أمسكت به. نظرت إلى يدها إلى تتشبث به. قالت: إلى أين؟ هل ستذهب إليهم؟ أتريد حمايتهم وأنت أول من سيقتلونك إن عدت إليهم؟ إنهم في خطر بسببى. أعطوني وقتاً لأخرجك الآن. جاء دوري. نفت له. قالت: سيقتلونك. لماذا لا تفهم؟ ألا ترى؟ إنهم وحوش. لا تذهب. علي ذلك.
أبعد يده عنها. نظرت إليه بشدة. كادت أن تنزل من العربة، لكن انطلق السائق بها. لا تنتظر. نظرت إليه وهو يمتطي حصانه واختفى لحظة. وتبعه "بردله" والجندي. كانت خائفة عليه كثيراً. نظرت إلى السائق وهو يسرع مبتعداً عن هناك. يسير في الطرقات الخالية. ابتعدت عن هناك كثيراً واختفى الصوت. قال "لينا": هل سيكون بخير؟ قالت "صفية": آمل هذا. في لحظة رأت سكيناً بجانب رأسها. اتسعت عيناها ونظرت إليها برعب بأن هناك من أطلق عليها.
قالت "صفية" بصدمة: اسررررع. ضرب السائق الحصان فانطلق سريعاً. لكن صهل حصان عالياً حين رشق بجسده سكيناً وتوقفت العربة وصارت تتدحرج. هنااااك. ارتجفت خوفاً وطلت برأسها. وجدت فرقة خلفها ملثمين وجوههم. لا شك بأنهم تبعوها من هناك طوال الطريق. نزل السائق وأظهر سيفه متصدياً لهم. سحبتها "صفية" سريعاً. قالت: لنخرج. ذهبت معها سريعاً. رأتهم يقاتلون السائق الذي كان فقط يخلق لهم وقتاً ويعلم أنهم سيقتلوه. لا تدعوها تهرب.
ركض اثنان خلفها ودفعا الحراس أرضاً. اركضي. سأحاول تشتيتهم عنكِ. لكن... قالت بغضب: اسرعي. لا تتسببي بالمصائب أكثر من ذلك. وكانما واجهتها بالحقيقة. فهي لا تفعل ذلك حباً بل ولاءً إلى "فرناس". ركضت وتركتها تتصدى لهم. أخرجت خنجراً. قالت: أتستقون على أمري؟ نظروا إلى بعضهم. رأوا "لينا" من بعيد وهي تهرب. ليست من تقف أمامكم. إنها هناك. أحضروها. قالت "صفية": لن يعبر أحد.
ركض اثنان. أمسكت بهم، لكن هناك من ضربها على رأسها بقوة. فجلست على ركبتيها وارتمت والدماء تسيل منها. فتحت عينيها بضعف. رأت شخصاً يقف أمامه يقول ببرود: لماذا تعترضين طريقهم؟ ولاؤك يستحق كل هذا. لم تكن تستطيع الوقوف. رأت الرجال ينحنون إليه بخضوع. وحين كشف عن وجهه اتسعت عيناها بصدمة. تصدمت بالشارع من شدة رفضها. التقطت أنفاسها بإرهاق. سمعت صوتاً. التفت بخوف. رأتهم خلفها. ها هي.
ركضت سريعاً تبعوها وكأنما لا يتعبون مثلها. تعبر بين الأشجار لعلها تضلهم عنها ومرتعبة. خلع حذائها أثناء رفضها، لكن لم تهتم به وظلت تخطو فوق الأرض تدهس أشياء حادة وتتألم. أسندت بيدها في محاولة لالتقاط أنفاسها ورأسها يدور من شدة التعب. رأتهم اقتربوا منها. حاولت الركض لم تستطع، فصارت مستسلمة.
انخرطت قدماها ووقعت على المنحدر لتدحرج وينجرح رأسها وتستلقي أرضاً. تراهم يقفون من الأعلى يبحثون عنها. وإن نظروا لأسفل لجروها معهم. تسللت الدماء إلى رأسها وشعرت بسخونته لتعلم أنه موعد عودتها. "فرناس" ماذا حل بك؟ فتحت عينيها وجدت نفسها في الطريق أمام "super market". لقد عادت. عادت إلى عالمها أخيراً. لكن الآن برغم حالتها تلك تريد العودة. اعتدلت وجرح رأسها ممتلئ بالتراب.
فرناس. لن يتركوه. لقد ذهب إلى الموت بقدمه. اللعنة. تريد العودة. تريد الذهاب إليه. ركضت على أقدامها المجروحة وكأنها تريد القفز إلى ذلك العالم. أوقفت سيارة. نظر إليها ومن ملابسها أعطته عنوانها سريعاً فذهب. دعت ربها أن يكون بخير. دعت أن تعود له ويكون سالماً. فكر فيا أرجوك. فكر فيا عشان أجيك. ظلت تتمنى أن تسلب إلى مكانه الآن. أن يحدث أي شيء ويلقي بها الكتاب للداخل. وصلت إلى منزلها. ترجلت دون أن تعطيه مالاً. خرج. وقال:
يا آنسة، الحساب. رنت الجرس. فتح الباب لها. وكان أبوها. نظر إليها بشدة من هيئتها. "لينا". رأت "معتز" خلفه الذي طالعها بصدمة. دخلت سريعاً إليه. وذهب أبوها إلى السائق معتذراً وأعطاه أجرته. قالت "لينا": معتز. فين الشنطة بتاعتي؟ شنطتك؟ أيوه. فين بسرعة. قالت "هاجر": كنتِ فين يا "لينا"؟ وأي الدم اللي في رجلك ده؟ قالت "لينا": قولي الشنطة فين يا "معتز". قال "معتز": أديتها لوالدتك.
أحضرتها إليها. انتشلتها سريعاً وفتحتها، لكن لم تجد ما تريده. قالت: الكتاب فين؟ فين الكتااااب! قال "غسان": هو في إيه يا "لينا"؟ كانت خائفة عليه وكأنما تريد إنقاذه. تريد فقط البقاء معه. قال "هاجر": "حسام" خده. هو فين؟ في أوضته؟ ذهبت سريعاً ونظروا إلى بعضهم باستغراب. دخلت على أخيها وكان خارجاً بالفعل. اندهش حين رآها. رجعتِ إمتى؟ إيه اللي حصلك ده؟ الكتاب فين؟ حطيتهولك في أوضتك على المكتب.
تنهدت بضيق وذهبت إلى غرفتها. لكن توقفت حين لم تجد شيئاً على المكتب. فتحت الدرج، لكنها كانت خالية من وجوده. فين يا "حسام"؟ دخل وراها تهرول باحثة عنه. قال: راح فين؟ كان هنا. يعني إيه كان هنا؟ مالك في إيه؟ أنا لازم أرجع. لازم. بعثرت السرير وتلقت بأغراضها أرضاً وتبحث جاهدة للعثور عليها. وقلبت غرفتها رأساً على عقب. راح فين؟ هووو فييييين؟
نظروا إليه. كانت لا تهتم بجروحها عن البحث عنه. لا تجده وكأن الأرض انشقت وابتلعته. إنه لا يتركها. لماذا الآن؟ أليست صديقته؟ ألا يعرف أنها تناديه الآن؟ أين هووو... ترجوه أن يظهر. ترجوه أن يعيدها لهناك. هل اختفى؟!!!! أمسكت رأسها بضيق وخوف. لمستها "هاجر". انتفضت ونظرت إليها. الجرح اتلوث. الكتاب. قال "حسام": هدور عليه في البيت كله بس اهدى.
سكتت. نظروا إليها. غادر "معتز" وكان متضايقاً من رحيله. لكن وجب عليه ذلك. لقد أحضر حاجياته فور رحيلها وأخبرهم أنها ذهبت إلى مكان. حين عرف أنهم لا يعرفون بسرها. تبعه "حسام" إلى الخارج. قال: شكراً يا "معتز". ممكن لما تبقي كويسة تكلميني. نظر إليه قليلاً. أومأ إليه. أخذ سيارته وغادر. كانت "هاجر" تضمد جرح ابنتها ووجهها المتسخ من التراب. قالت: روحتي فين الصبح؟ الصباح؟
لقد غابت لأربع ساعات فقط. فرق الصباح عن الليل. ماذا عن الثلاث ليالي هناك. تذكرت تحذيره لجنوده بعدم المساس بأحد. لما هو مهتم بهم لهذه الدرجة؟ لو علم هؤلاء الشعب خوف ملكهم عليهم لما فعلوا هذه الحماقة. بل نعتوه بالخائن. قال "حسام": إيه اللي حصل هناك؟ قال "لينا": حصل كتير. انتهت والدتها. وقالت بقلق: "لينا" في إيه؟ حد إذاكي؟ دورولي على الكتاب يا ماما أرجوكي. حاضر.
خرجت وتركتها. وظل أخوها. كانت جالسة القلق لم يهدأ. ذهبت أخرجت كمبيوتر المحمول برفقة قلمها الإلكتروني. جلست على مكتبها. وكان يتابعها باستغراب. بتعملي إيه؟ هينزل جزء جديد النهارده. ممكن أول ما العجوز يشوفه أعرف أقابله. هسيبله رسالة في الجزء. هو هيعرفني.
لم يناقشها. ربت إليها محاولاً التخفيف عليها بما لا يفهمه وذهب تاركاً إياها بمفردها لتنهي الفصل سريعاً. أخبرت أخاها أن يحدثهم ليتوقفوا عن الإرسال له بموعد الفصل الجديد وأنها تممه بالفعل. ظلت جالسة إلى العاشرة صباحاً تفكر فيه وفيما حدث معه. خرجت إلى والدتها وسألتها إن كانت عثرت على الكتاب. لكنها نفت بمعنى لا. استقبلت رسالة. وكانت من "معتز" الذي يسأل عن أخبارها. لم تعلم هل نزل الفصل أم أنه قلق عليها حين رآها البارحة.
رن هاتفها. ظنته هو. لكن كانت "سهيلة" التي تسأل عنها. إنتِ فاضية دلوقتي؟ تقابلا في المقهى. وجلست مع صديقتها التي لم تقابلها منذ انتهاء امتحاناتهم. سألتها عن ما حدث في رأسها. فلم تتحدث، لكن رأت في يدها مجلة. قالت "لينا": إيه ده؟ قالت "سهيلة": شفتي الحلقة الجديدة؟ هي نزلت؟ أيوه من نص ساعة كده. روحت على طول أجيبها وقرأتها في الطريق. تساءلت إذا كان العجوز قد قرأها أو التقى أي رسالة منها. الكاتب لو موت فرناس، هقتله بجد.
مش هيموت. قالتها بأنفاس. التفت الناس إليها. وتفاجأت "سهيلة". قالت: اهدئي يا "لينا". كلنا بنتمنى كده. بس إنني مش شايفة الأحداث اتقلبت إزاي. بجد لازم الحلقة الجديدة تنزل في أسرع وقت. عايزة أعرف اللي هيحصل وقلقانة في نفس الوقت. حلقة جديدة إزاي وأنا قاعدة هنا؟ قالتها بشرود وهي تبكي همومها لنفسها بضيق. وضعت رأسها بين يديها. أين الكتاب؟ أين العجوز؟ هل تترك لهم وقتهم؟
لكن الكتاب لم يكن يفارقها. بل كانت ترتعش منه وهو يزاملها في أي وزمان ومكان. ليس في المنزل ولا معها. هل اختفى بحق؟ تخشى أن يكون خلل اختفاء الكتاب أمر سيء خاص بـ "فرناس". أو أن يكون مكروه قد أصابه. كانت عائدة إلى المنزل تسير وتجر قدماها خلفها. رأسها متزاحمة بالأفكار. لكن توقفت حين اصطدمت بأحد. اعتذر. بقيتِ تاخدي من لهجتهم. توقفت والتفتت سريعاً لتجده هو. امسكت به كي لا يهرب وتشعر بالأمل لرؤيته. قالت: قريت الرسالة؟
هل كانت تلك النبوءة حول نهاية القصة أم أن هناك أحداث أخرى؟ قالت "لينا": عرفت اللي حصل أكيد. الشعب عمل ثورة ودخلوا القصر. هو قدر يهربني بس معرفش حصله إيه. أنا عايزة أرجع والكتاب مش معايا ومعرفش راح فين. مش هترجعي. تعجبت كثيراً. وقالت: إزاي؟ الكتاب رفضكِ يا "لينا". يعني إيه؟ يعني رفضني. مش هتشوفيه تاني. شعرت بتلك النبضة الخائفة. قالت: لي.. لي مش هشوفه تاني؟ حذرتك تمشي على الأحداث وبس ومترتكبيش غباء. صاحت بانفعال:
أحداث إيه دي اللي أسيبه يموت عشانها؟ اقتربت منه وأردفت: مستحيل. مرجعش تاني. فين الكتااااب؟ أنا لازم أرجع. كان بيحبسني هناك زي "رزان" بس ميخرجنيش. وانتِ عايزة ترجعي ليه؟ هيقتلوه. كل ده بسببى. قول لي أرجوك هو عايش مش كده؟ محصلوش حاجة. رجعني هنا. أمسكها بحدة. وقال: فوقي يا "لينا". ده ميت. لم تعد تمتلك حق الرد بعد ما قاله. تركها تبحلق به. قالت: قولت إيه؟ عايزة ترجعي عشان واحد ميت. مش عايش أصلاً. ميت؟ إزاي؟
أنا لسه سايباه. عشت معاه وكنت...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!