ما تخططون من اجله لن يحدث. وهل تعلم ما نخطط إليه؟ يكفي تلك الأعين التي أراها تبحلق بكم وتغفلون أنتم عن رؤيتها. هجر منه قال: ماذا تقصد؟ لم أفهم من حديثكم الكثير بشأن خطة نجاتك، لكن اعلم أنها ستنتهي بكارثة. لماذا تقول ذلك؟ ما سر مجيئك؟ إني لست سوى رسول. هل هذا ما تريد إخباري به؟ كلا، لقد ظهرت لأخبرك أني أعلم مكان الكتاب الذي تريده. طالعه بشدة قال: هل يوجد كتاب هنا؟ أجل. أين هو؟ تحركت "لينا"
وهي تستعيد رشدها قال: ليس الآن، استدعيني في وقت آخر. كيف أستدعيك؟ نادني. وكيف أناديك وأنا لا أعرف اسمك؟ "قسورة". قال ذلك والتفت، لكن توقف، أشار عليها قال: رفيقتك يطوفون حولها، انتبه لأنها ليست بمفردها. اختفى في لحظة إلى باطن الأرض وكأنما ابتلعته، ولم يعد أحد أمامه. سمع صوت عند الباب بأن هناك أحدًا يتجسس. ذهب، أمسك المقبض وفتحه سريعًا، وجد "فطون" واقفة تمسك فأسًا في يدها وهي ترتجف خوفًا.
حين رأته قالت: مولاي هل أنت بخير؟ لما تمسكين ذلك؟ ألا يوجد أحد معكن؟ نفى لها، فتركت ما في يدها، وكانما خيل لها أنها ستحميه من ذلك الدخيل. تخطاها وهو يتقدم من "شوار" المستلقي أرضًا. قالت بحزن: لا أعلم ما الذي أصابها. رأى نزيف أنفه فعلم ما أصابه، كان محقًا بشأن حاسة الشم لديه، إنها ضارة ويمكن أن تؤذي صاحبها. حمله. نظرت إليه قالت: مولاي، لا عليك، سوف أعينه على الدخول إلى غرفته. اذهبي إلى "لينا"، لا تتركيها بمفردها.
ذهب به. نظرت إليه، دخلت ورأتها مغشي عليها هي الأخرى. أحضرت كوب ماء وأنزلته بقطرات على وجهها قالت: ما الذي أصابكم جميعًا؟ فتحت عينيها، رأت وجه "فطون" التي قالت: أنت بخير؟ اعتدلت في جلستها وهي تنظر حولها وكأنما تبحث عن شيء ما. أتى "فرناس"، نظر إليها والتقت أعينهم ببعضها قال: أصابك بأذى؟ لم يكن حلمًا. تركتهم "فطون" بمفردهم وذهب إلى والدها. وقفت ذاهبة إلى النافذة وتنظر إلى الحقول المليئة من حولها.
قالت: لا زلت في غوانتاما. ما الأمر يا لينا؟ لقد رأيت منزلي. تذكرت منامها وطالما لا تزال عالقة فيه قالت: لقد كنت كالتائهة في مكان غريب لا أعرفه، شعور الضياع كان يملأني… شعور الضياع حول أمرك أنت يا "فرناس" فظهر لي منزلي…. وكأنما هو دليل ضياعي. التفت إليه وجدته بقربها قالت: هل يمكن أنها نبوءة؟ هل هناك شيء يقطن منزلي متعلق بك؟ هناك أمر خلفك يا "لينا"، أنت لست فتاة عادية. ماذا تقصد؟ ما علاقتك بالعالم الآخر؟ نظرت له،
من ما يعنيه قالت: أتسألني سؤالًا لا أعرف جوابه، أخبرتك بكل ما أعرفه.. لقد تم اختياري لإكمال مهمة. لا أتحدث عن عالمي، إننا لسنا سوى بشر مثلكم. تعجبت منه، أردف سائلًا: ما علاقتك بالجان؟ الجان؟!! تذكرت حضور ذاك الجني قالت: ماذا قال لك؟ تعابيرك تدل على أنك تعرف شيئًا هامًا. كان يتحدث بالألغاز. هل تحدثتم؟! قالتها بدهشة. أومأ وأكمل: هناك كتاب هنا مثلما استنتجتي، وهو يعرف مكانه. أين؟ لنسرع ونحضره.
لم يخبرني عن مكانه، قال في وقت لاحق. لماذا؟ هل هناك طريقة نستدعيه بها؟ أخبرني اسمه، لكن لن يحضر في وجودك… هذا ما عرفته. لماذا؟ هل يخشاني؟ لا أعتقد ذلك، وإنما يخشى من أشياء محيطة بك. نظرت حولها، فعن من يتحدث، لا يوجد. قالت: هل ستحضره عندما أغادر؟ أجل. ماذا إن كان كاذبًا؟ نظرت إليها، أردفت: هل تثق بجني؟ إنهم أشد خبثًا، أخشى أن يدبر لك مكيدة. لا تقلق، سأتصدى إليه. يبدو الأمر خطيرًا.
يجب أن أحاول، الخطر هو من يحوم حولي فلا يجب أن أنتظر الخطر ينهيني. زقفت أمامه محدقة به، قربت يدها من يده وهي تمسكها فتشعر ببرودته الشديدة قالت: انتبه. إذا وضع يده الأخرى فوق يدها قال بهدوء: سأفعل ذلك، ضعي هذا الخوف جانبًا. لا أستطيع، حاولت وفشلت… حينما ينتهي الخطر سألقي رأسي فوق كتفك وأخبرك أني مطمئنة. قالت ذلك، ابتعدت عنه وتركته يبحلق فيها من صفونها. هل تنويم "قسورة" لها جعلها هكذا؟
هل هو من جعلها ترى منزلها ليرغبها في العودة؟ نظرت حولها قالت: لماذا لم يستشعر "شوار" بوجود دخيل؟ لقد حدث بالفعل. وأين هو؟ في الطابق السفلي أمام باب غرفة. مسطح "شوار" على السرير والأرق يظهر على وجهه لكن يقاومه. وقف ملكه أمامه ويحاول إسناد نفسه لكن "فرناس" منعه قال: اتشعر بتحسن؟ أنا بخير، فقط كان تحذير بعدم الاقتراب، لم تكن هالة عادية شعرت بها من قبل.. كانت رائحة شاذة للغاية.
نظرت "لينا" إليه بشدة، فهل كانت تلك الهالة من الجني أم فرناس نفسه؟ قالت "شوار": كان الخوف أن تتأذى جلالتك لكن سعيد أنك بخير. دع القلق لحالك، لا تعمل في الوقت الراهن. لم أشيخ بعد، لا زلت… إنه أمر. قالها بجدية، فأومأ له برأسه مطاعم. خرج وبصحته لينا. ابتسمت فطون وربتت على كتف والدها: مولاي يهتم لأمرك يا أبي، إنك عزيز لديه فلا تغضبه.
صمت شارداً في طيفه حتى بعد مغادرته، يتذكر حينما رآه واقفًا أمام عينيه وتلك الرائحة القوية تنبع منه، مفضحة هالته التي عبأت أركان غرفته بأكملها لشذوذها. يتساءل كيف تحكم في تلك الهالة الذي يمتلكها وأظهرها الآن. لقد كان واقفًا بجانبه بارتياحية، هل يمتلك القدرة على التحكم فيها؟ لم يجد قوة كهذه قبل.
تحت ذاك الرداء الأزرق الداكن يزينه أوساط النجوم الملتمعة، على اليسار ذلك الكوكب المنير ويبدو أجملهم، إنه القمر الذي لولا وجود الشمس لتصبح مجرد حجر معتم. تلك الانفجارات الكونية تجعلك تعجز عن الكلام أحيانًا. أسماء الليل رائعة في كل وقت، بالتأكيد لا يمكن لها أن تحقق أحلامنا، لكنها تستطيع إخبارنا بمدى صغر وتفاهة هذا العالم، ومشكلاتنا معه، يعطينا ذلك بعض البراح، يدفعنا للصدق مع ذواتنا بدرجة أكبر.
ارفع رأسك الآن، فوقك تمامًا لكن إلى الجنوب قليلًا، تأمل الجبال ألمع كوكبات السماء، ما يميزه هو تلك النجوم الثلاثة التي تصطف معًا. بالطبع لن تراه كما بالصورة المرفقة إلا في سماء حالكة، لكن رغم ذلك ترى نجوم الكوكبة بوضوح شديد حتى في أكثر المدن إضاءة. قالت بتنهيدة: ما أجمل سماء غوانتاما. كان "فرناس" يسير في الممرات، دخل إلى غرفتها لكن لم يكن لها أثر في ذلك المنزل الكبير.
تعجب إلى أين ذهبت، فهي لا تعرف شيئًا هنا، هل يمكن أنها عادت؟ طرق الباب ليقاطعه، التفت إلى "فطون" التي تستأذن، قالت: إنها هنا. أين كانت؟ رأيتها تجلس في المزرعة خلف سور المنزل. غادر المكان وتوجه إليها، رأى جسدها لا يزال موجودًا، تبحلق في الأعلى بكلتا عينيها في لحظة صفاء ركنت فيها كل توتر شعرت به جانبًا. جلس بجانبها. نظرت إليه من وجوده لينظر كلاهم للأعلى مع سقوط
ضوء القمر الطفيف عليها: المزرعة جميلة، مؤهلة لأن تكون مزرعة العائلة الملكية… لكن هل استطعت التأقلم فيها؟ ستصدقينني إن قلت وجدت الراحة هنا عن القصر. لا شك بذلك، فلقد رحمت من أعمالك، إنك مرفّهة الآن من حيث الهدوء والاسترخاء للنفس، لكنك عشت أميرًا الخدم من حولك يهتمون بك، ثم أصبحت ملكًا تحكم شعبًا بأكمله لديك مملكة وعرف يخضع عنده الكثير، ليس هين التضحية بكل ذلك في لحظة.
التفت بانظارها إليه قالت: إن خسر شخص جزءًا من ماله يحزن عليه كثيرًا، ماذا عن الذي خسر حياته؟ كونك أميرًا لا يجعلك ذلك تفتخر بذاتك، إنما الافتخار بالأعمال… لاكون صريحًا معك، مغادرة القصر هي بمثابة فصل روحي عن جسدي، لم يكن الأمر هينًا حينما رأيت نفسي بين الحقول هاربًا من ازدراء شعبي، لكن حين أخبرتني عن حقيقة قتلي.
أزاح شعرة للخلف مردفًا: لعنت هذا المُلك بأكمله، إن كان العرش هو من جعل أخي يكرهني لحد الموت لتركته قبل أن أتوج. لماذا تحبه كل هذا الحب؟ أخبريني أنتِ، لما تحبين أخاكِ؟ بدون سبب أحبه، حين ولدت وجدته بجانبي يتذمر علي دوماً لكن لا يحب التذمر على غيره، يضايقني لكن لا يسمح لأحد أن يمسني بسوء، حسام هو صديقي وأبي من بعد أبي ذاته. لا زلت تسألين عن حبي له؟
بلى، إن كان يكرهك واستطاع خداعك فلما علاقتكم كانت قوية لهذا الحد.. ألم تستكشف كذبه؟ داغر لا يكرهني. التفت بزاوية له بصدمة مما قاله: كل هذا ولم يكرهك؟ إنه حا.قد لا كار.ه.. لعله كان يخدعني ويمثل علي الحب بإتقان لدرجة أني لا أعلم متى تحول هذا الحب إلى كره.. إنه أخي الصغير، كان مرافقًا لي كظلي.. ينتظر لحظة خروجي من كل ديوان برفقة أبي ليسألني بفضول عن نقاشتنا وماذا نفعل. نظر إليها
بكلتا عينيه الجديتين قال: لقد كنت وحيدًا حتى أتى هو.. كان أقرب شخص لي، أقرب من أبي نفسه. عاد إلى جوف ذاكرته إلى ولد ذي الست سنوات يقف بجانب سرير يتوسطه طفل صغير يحرك كلتا ذراعيه وقدميه الصغيرتين. قرب يده منه ليجده يقبض عليها بقوة. رأى ظلًا كبيرًا يقف خلفه، التفت وجده أباه: أبي، انظر كيف يمسك يدي. ربت على رأسه قال: خرجت من غرفتك إذا.. دعني أعرفك.. إنه أخيك، يدعى "داغر". داغر.
صدر صوت، نظر إليه ابتسم وهو من لا يعرف للابتسامة طريقًا. كان قليل الضحك واللعب منذ صغره حتى أتى أخيه ليكبر شيئًا فشيئًا برفقته، يمسك يده دائمًا في كل خطوة يخطوها… كان الجميع يرى علاقتهم القوية منذ ولادة الأمير الثاني الذي أخرج الأمير الأول من غرفته ليلقي عليه التحية في كل صباح مع والده. لمست كتفه فعاد إلى اللحظة الذي هو فيها الآن، نظر إلى السماء بأعين بها بريق دمع خفيف لكن تلاشى في لحظة لشدة ثباته.
هربت عليه بحنان قالت: داخل هذا الهدوء انكسار كبير… الحقيقة مؤلمة وتقبلها صعب، خلف هذا الصمود جرح كبير.. لا يمكنني قول أنني أشعر بك لكن.. لكن يمكن أن أخبرك أنني سأكون بجانبك دومًا. بتلك الكلمات البسيطة كان لها أثر طيب داخله، الصدفة التي ألقتها أمامه كانت محسومة لتجعلها سببًا في رغبته المستمرة أن ينظر إلى تلك العينين فقط، تزيح هي أسى قلبه وطيبته الذي لم تكن سببًا فيها.
سقطت دمعة جعلتها تحزن للغاية، اللعنة عليك يا "داغر" لو رأيت كم هذا الحب للبنت ذاتك.. بلى لقد رآه وتغافل عنه، إنه إبليس. ضمته إليها مواسيًا إياه، ربتت عليه لكن شيئًا أوقفها وتوقفت جميع الأصوات من حولها ولم تعد تصغي سوى لشيء واحد. قال بنبرة هادئة: أشكرك يا "لينا". وضعت يدها على فمها ولم تبتعد عنه بل قربت أذنيها من أيسر صدره، نظر إليها بتساؤل من ما تفعله لتقول: لا يوجد نبض. عقد حاجبيه مستغربًا، فهو حي أمامها.
حركت أذنيها عن منتصف صدره لعل قلبه يختفي من بين أضلعه، تبحث عن صوت الضخ أو استشعار جسدي لكن لم يكن سوى السكون. ابتعدت عنه وهي تنظر إليه قالت: لماذا قلبك لا ينبض وأنت لا تزال تتنفس؟ ألقت نظرة عليه لبيه قالت: هل رئتيك لا تعمل أيضًا؟ لكنني أشعر بالضخ الدماء، كيف تقولين هذا؟ لا يوجد أي نبض يدل على أنك حي مثلي. تبادلا كلاهما النظرات. جلسون في المنزل بينما "شوار" يقترب للمرة الثالثة من "فرناس" والأخيرة تنظر له بتوجس.
قالت "لينا": هل سمعت شيئًا؟ أخبرتك أنني لا أسمع سوى نبضات قلب. كيف يعقل هذا، لماذا أنا لا أسمع شيئًا؟ لنسأل "فطون" إذن. نظرت إليها وقبل أن تقترب من "فرناس" قالت سريعًا لتبعدها عنه: لا، لا داعي لذلك. عادت "فطون" لوقفتها عند المدفأة قالت: لعل المشكلة في مسامعك. قالت "لينا": لا يوجد خطب بي، ما تتغافل عنه أذني هو صوت قلبه فقط. قال "فرناس": الخطب فيك أنت يا "لينا"، أنك الحقيقة هنا. سكتت، فهي لا تريد قول ذلك، ضمت ذراعيها
وهي تجلس أمامه قالت: إنني أبصر بالواقع الذي غير موجود أنت فيه. قال "شوار": عن أي واقع تتحدثين وما كل تلك الألغاز في حديثكم؟ وضعت ذراعيها فوق عينيها وهي تتنهد تنهيدة عميقة، قالت: هذا يعني أن حدث مقتل ملككم أمر محتم. كانت صدمة كبير لهم مما سمعوه قال: ما الذي تقولينه؟ نظرت هي لفرناس الذي نظر إليها متفهمًا ما تقوله ويعي جيدًا قال: هل هذا نبأ بأن لا مفر من النجاة؟
ليس نبأ وإنما إشارة لتجعلنا نسعى لكي ينبض هذا القلب من جديد. بينما المزارع وابنته يبحلقان بهم بعدم فهم. التفت إليهم قالت: ما مدى وفائكم لملككم؟ متعجبًا من سؤالها الغريب، قال "شوار": لو انتهى بي الأمر مطعونًا فداءً له فلن أتردد. انتقلت سكينًا من طبق الفاكهة ومدت يدها إليه فاندهشوا منها كثيرًا. قالت "لينا": لتطعن نفسك إذا. قال "فرناس": ما الذي تحاولين فعله؟
أخذ "شوار" السكين ونظر إلى ملكه وطالما ينتظر إشارة منه لإطاعتها. قالت "لينا": أعطه الأمر بذلك، فالحياة غالية لن يطيع أمري وحدي. نظر إليه، أومأ إيجابًا ليرفع السكين ويصب بها جسده لكن توقف قبل أن يمسه السن الحاد، تعجبوا ونظروا إليه وهو متوقف دون أن يفعل شيئًا. كان يضغط بكل قوته لكن السكين لا يقترب من جسده البتة وكأن هناك حائلًا لا يرى بالعين يمنعه من فتك جسده. قالت "فطون": أبي.
قال "شوار": إنني أحاول، هناك من يمسك بالسكين بدلاً مني. اقتربت "لينا" منه وأخذت السكين من يده، وضع يده على أنفه مع اقترابها، قالت: لا داعي لأن تبرر، صدقك متضح لنا جميعًا. نظر إلى "فرناس" قال: مولاي. قال "فرناس": لم أشك بك قط…. لكن وراء طلب "لينا" مغزى سنفهمه الآن. قالت "لينا": أردت أن أختبر إخلاصه. قالت "فطون": إن كان مولاي يثق بنا فمن أنتِ لتشكين بنا؟
قالت "لينا": أنا من رأيت ما لا تراه أعينكم، الثقة لا أعترف بها منذ ذلك الحين حتى لا ألحق الأذى به.. كان علي الاطمئنان منكما لكي أغادر هادئة البال. قال "شوار": اعتذر على ما بدر من ابنتي من أسلوب غير لائق. لا بأس، أتفهم شعورها. هل تأذن لنا بالرحيل مولاي؟ أومأ له، غادر وهو يتلاشى "لينا" حيث دار من خلف المنضدة كي لا يشم رائحتها. قالت "لينا": ألا زالت هالتي قوية؟ قال "شوار": ازدادت حينما فعلتيها.. تفوح منك رائحتها بشدة.
رائحة من؟ الساحرة. نظرت له ارتبكت لكن قالت: إنك تخيفني بكلامك. عن إذنكم. خرجا الاثنان وتركوهم. تنهدت وجلست لترجع عيناها لتلك النظرات التي تثقبها. أشاحت وجهها قالت: صدقني كنت أفعل هذا لاختبار صدقهم، كنت خائفة أن يأتي الغدر منهما حينما أغادر غوانتاما. وجدته أمام عينيها بتلك الأعين الرمادية التي تثقب قلبها لا عينيها. قال "فرناس": ماذا فعلتي غير ذلك؟ لم أفعل شيئًا. هل استخدمتي قدرتك عليه؟
تذكرته وهو يسعى لإدخال السكين بين أحشائه، ابتسمت قالت: أجل… لقد كان أنا. وضعت يدها على فمها بدهشة قالت: لِأصدق، هل تحكمت بها؟! لقد أمرت بفعل شيء وأطاعتني عيني الثالثة أمرتها بالتوقف فتوقفت…. هذا أمر رائع. ضحكت من حماسها وكأنما فعلت إنجازًا. قال "فرناس": لينا. ما رأيك بي، يبدو أن تلك القوة مذهلة بالفعل. نظر لها من عينيها التي تسود مع ابتسامتها المريبة، قالت: التحكم بها يجعلك مميزًا… مميزًا أكثر.. مميزًا عن الجميع.
لينا. نظرت له من ندائه ونظراته له ابتسمت قالت: ما بالك؟ لا تفعلي ذلك مجددًا. هون عليك، كان الأمر مزحة. لينا. قالها بجدية وأكمل: لا تستعمليها ثانيًا، أخبرتك أنك تكونين مجرد بشرية عادية. تتكلم وكأنني أصبحت ساحرة بحق. إنها تجعل المرء كذلك. إنك كثير القلق. لا تمرحي بها، أخبرتك من عدم استخدامها لكن أراكِ لم تصغي إلي. اعتذر، أنا فقط خشيت أن يؤذي سيد "شوار" نفسه لذلك الأمر بي بإيقافه هكذا. ماذا رأيتِ إذا؟
كان يعافر من أجل إثبات خلاصه لك… إنه جدير بالثقة بالفعل. ابتسم، نظرت له تورّدت وجنتيها وأدارت وجهه قالت: لا تنظر لي بتلك الأعين المريبة… ذكرني حينما نعود لعالمي أن أضع لك عدسات لاصقة. رفع حاجبيه باستغراب، قالت: إنها عدسة توضع على العين ويمكنك اختيار أي لون تريده فيصبح لك لون عين جديد. أرى أنك تعانين كثيرًا من عيني… هل أقتلعها؟ نظرت له بخوف، فالتقطت بأعينها ابتسم وكأنما تلك النظرة الذي أرادها.
قال: لم يكن الأمر بهذا السوء. إنك جريء أيها الملك. لم أمارس جرأتي معك بعد، إنك استثناء. ابتسم وظهرت حمرة طفيفة على وجنتيها لكن اختفت ونظرت له قالت: مهلًا، هل تقصد أنك مارستها على غيري؟ هذا ليس من طبعي، إنني جدي مع الجميع إن كنتِ تقصدين الجواري.. لكن تمنيت من تظهر لي الجانب الحماسي. هل… تتحدث عني؟!!! أشارتها على نفسها بتساؤل، فكانت نظرته جدية معها فسكتت محاولة إخفاء ابتسامتها لكن تلاشت إلى ألم مميت وانكمشت على جسدها
ليلاحظ تعبيراتها قال: أنتِ بخير. وحين لمسها شعر بسخونة شديدة وكأن دماغها تغلي من الداخل، رفع عيناه إليها لتقول بتأكيد: إنه موعد رحيلي، كأن العودة هي العقاب لي بسبب ما أفعله… يروننا خطيئة: من هم؟ لا أعلم لكنني سأكتشف، المرة القادمة سأكتشف كل شيء لك… لكن اجعلني أعود، ما دمت حبًا هنالك سبب لعودتي… لتبحث عن الكتاب يا "فرناس"، إنه مفتاح الخروج. تتكلمين بثقة.
أثق بي دائمًا، فالكتاب هو من يرشدني لذلك لا تقلق وثق بي… سوف أعلم الحقيقة، ستخرج من هنا في المرة القادمة… سأخرجك وأن يكون هناك مرة قادمة للعودة. لينا… أحاطها ضباب وكأنها تسلم تحت الأرض، قال "فرناس": لن أستطيع قتله. مسكت بيده بقوة وكأنما سمعت ما يقوله، أردف وهو يتخيل أنه ينظر إليها: لكني لن أُقتل، سانتظرك.. أينما كنتِ. تلاشت يدها الممسكة به ليصبح أمامه فراغ كامل وإعلان عودتها لعالمها.
نظر إلى مكانها مفكرًا في كل كلمة قالتها قبل أن تغادر. أشرقت الشمس وطلع نهار معلنًا بداية يوم جديد، تمر "فطون" في الطرقة وتصعد في الطوابق باحثة عن "لينا" التي لم تجدها في غرفتها والمنزل بأكمله حتى طابق الملك وغرفته كانت خالية. قابلت أباها أثناء نزولها قالت: ليست بالأعلى، أعتقد أنها في المزرعة فهي تتجول بها كثيرًا. لم يكن هناك أحد سوى مولاي. هل سألته عنها إذا، أين ذهبت لعله يعرف الإجابة؟ سألته وكانت إجابته أنها غادرت.
غادرت؟! أليس رحيلها خطرًا؟ أخبرني أنها في مكان آمن لذلك لا داعي لقلقنا.. لقد عادت لموطنها. هل هي من بلاد مجاورة، ظننت لا عرق لها؟ ضعي الفطور للملك، لا داعي من الانتظار ما دامت قد رحلت. هل مولاي يريد أن يأكل، منذ أن أتت السيدة "لينا" إلى هنا وأصبح شريد الذهن أكثر من ما كان. لا دخل لنا، أطيعي الأوامر فقط إن أكل أم لا مولاي حر في رغبته. حسنًا يا أبي كنت أستفسر فقط، الفضول يباغتني.
اكبحِ فضولك إذن، لا يمارس على ملك غوانتاما. أبي…. هل سيعود مولاي إلى عرشه أم أن النهاية لن ترضينا؟ لن يعود لأنه لا يزال ملك، إن نسي هؤلاء الناس مهابة البلاد منا، تشهد له أرض غوانتاما بأكملها. سكن الليل وحل الهدوء المظلم، كان ذلك الفرسه السوداء ذو النجمة البيضاء في منتصف جبهته وكأنها جزء من سماء الليل سقط في اختلال ما. تحركت أذناها بسماع صوت، فهم يمتلك حاسة سمع قوية.
رأت شخصًا مجهولًا يقترب منها، يرتدي رداء فوق ملابسه يضع القلنسوة على رأسه لتخفي وجهه. تراجعت قليلًا لكن الحبل المعقود في سور المزرعة لم يجعلها تستطيع التحرك أكثر من ذلك. لمسها كادت أن تزمجر لكنه قال: اهدئي، إنه أنا. سكنت في مكانها حين استنشقت رائحته جيدًا، رفع القلنسوة لترى وجه "فرناس". أحنت رأسها إليه، قال: لدينا مهمة يجب أن تنفذ قبل بزوغ الفجر.
فك قيدها وفي ثوانٍ أصبح فوقها، لينزل القلنسوة على وجهه من جديد، ربت عليها لتنطلق به مبتعدة عن المزرعة في ثوانٍ لشدة سرعتها كما معروف عنها القفز بمثابة قفزة فهد يصارع الفريسة لانتشالها.
كانت تركض ركضًا بين أشجار الغابة كركض الوحوش في البرية دون توقف، كان "فرناس" يمتطيها ببراعة دون أن يهتز بل أمسكها بيد واحدة وجعل الأخرى في الهواء، أخرج عدة خناجر يضعها ويرمي ليصيب شجرة في المنتصف، أخرج الآخر وأصاب اثنتين متتاليتين، لينطق أخيرًا باسم: قسورة، أظهر الآن. خرج رمح أسود من الأرض اختل توازن "عثق" لكن ثبتت نفسها، لكن اتسعت عيناها حين رأت ذلك الكائن ذو البشرة السوداء والقرنين الذان يتوسطان رأسه وأنيابه
الذي يكشر عنها قال: ما الذي تنوي أن تفعله يا هذا، أتريد قتلي؟ صهلت صهيلاً مرتفعًا، أمسكها "فرناس" من عنقها لكنها هاجت في حضور جني أمامها. وقف قسورة أمامهم قال: هل تمارس ذكائك علي، ماذا إن قتلت لك تلك الفرسه الآن؟ أتظنني سأسمح لك؟ كاد أن يقع من حركتها لكن أمسك بها بقوة، قبض على وجهها محتضنًا إياها وأمسك عنقها بقوة وهو مائل قال: اهدئي، "عثق" سيدك معك. سكنت ونظرت له وهو يثقب عينيها، فهتأت مطيعة أمره.
اعتدل ليعود إلى ظهرها من جديد. نظر إلى من يقف وينظر له بالشر قال: أين الكتاب؟ أتظنني سأدلك عليه؟ كان هذا اتفاقنا، ألم تقل ذلك قبل البارحة؟ وهل مقابل مساعدتي هو قتلي أيها الهجين؟ لن أقتلك. ماذا تسمع؟ استدعائك لي في مكان محشو برائحة لعنة قاتلة. لا أثق في جنسكم الخبيث. ابتسم بسخرية وقال: عن من تتحدث وهنالك نصف آخر داخلك ينتمي إلينا.. هل كانت مساعدتي لك سر تخونني، فكر قليلًا ما الذي سأستفيده من خداعك؟
ماذا ستستفيد من مساعدتي؟ سأجني الكثير. لم تقل لي مقابل. المقابل ليس منك. من من؟ إذا لم يعطه جوابًا اختفى وأصبح فوق جزع الشجرة كالقرد المتعلق بمخالبه الحادة قال: لا يهم، لكن لن أساعد شخصًا خائنًا. لم أخونك، لا أحمل ضغينة لك. هل تتذاكى علي؟ الخناجر معبأة بالكبريت الأحمر مع لعنة تقتل أجناس النار، لقد وضعتها على ثلاث أشجار لتكن الهالة مفعلة لحرقك، هذا في حال خداعك لي.. أنا لا أثق بك وأعلم أن لا عهد لكم لهذا أؤمن نفسي.
لا أصدقك. لو كنت أريد قتلك لاستدعيتك في نصف ثلثي الشجر كان هذا كفيلًا بإنهاء مسيرتك. صمت "قسورة" ونزل على حوافه ليطيح بأوراق الأشجار أثناء هبوطه، تقدم منه قال: ما مقدار معرفتك عنا وعن اللعنات تلك؟ هل خيل لك أني جاهل أمركم، كنت أدرس ما يتعلق بعالمكم لأني سأختلط بكم حتمًا، كان أبي يستدعي السحرة ليعلموني لعنات تفوقوني عليكم غير القوة الجسدية. هل تقول هذا لتخيفني؟ كلا، لا حاجة لي بإخفاتك حضوري يكفي. ابتسم
وحك شعره الكثيف البني قال: إنك تدرك الكثير عنا بالفعل، لا أشم رائحة خوف أتغذى عليها منك.. لكن لا تكن فخورًا بذاتك، أنت لست ندًا لنا أيها الطين. نظر إلى "عثق" وقال: لنرى كم يستطيع فرسك اللحاق بي. انطلق من أمامهم كالطيف، ربت "فرناس" عليها لتنطلق فورًا خلفه. كان "قسورة" يتجول بين الأشجار على طريق واحد لكنه يود تشتيتهم ولم يعرف أن "فرناس" يمتلك أعين صقرية ترى بوضوح وإن كان شهابًا. التوتت رقبة "قسورة" للخلف وكأنها منفصلة
عن جسده بل الجسد حر طليق: لا يبدو عاديًا بالنسبة لسرعته، ما نوع هذا الحصان؟ إنها مميزة من الخيول الأصيلة، كانت بطبيعتها لا تقبل من يمتطيها أو فرض سيد لها بل اختارت هي سيدها بنفسها. اختارتك إذا، هل فرضت سطوك عليها الم ترفضك كما فعلت مع غيرك أم فهمت وقتها أنك من النبلاء؟
لا أدري، لكنها لم تنفرني برغم جديتي في أن تكون ملكي، قلق أبي علي أول مرة امتطيتها لكن عدت بها كما كانت بل كحيوان أليف يصحب صاحبه، أدركت أنها ليست مغرورة لكنها لا تجعل أي شخص يقترب منها إلا إذا اختارته هو. أخطأت في صياغتك، أنها لم تجد الأحق بركوبها، كانت تريد شخصًا قويًا مثلها لذلك قبلت بك كسيد… نظر إلى "عثق" وأكمل: أنها مغرورة بالفعل لم تقبل إلا وعلمت حجم قوتك التي تفوقك على البشر.. لكن كيف اكتشفت هذا؟
تمتلك الحيوانات حاسة قوية. لا أؤمن بذلك حتى أرى، لكن رأيت كيف تحولت لرؤيتي. ابتسم بخبث وهو يثقبها بعينيه لكنها كانت تثقب الطريق بعينيها متفادية النظر إليه، ليكمل طريقه شاقًا إياه بين الطرف لكن سحب "فرناس" جواده لتتوقف "عثق" عن الركض مرة واحدة. قال "قسورة": لماذا توقفت؟ قال "فرناس": أتأخذني إلى قومي وهم يبحثون عني؟ لا حاجة لي بتسليمك لهم، إنني أدلك على ما تريده. أين الكتاب؟ لا يزال بعد بضع أمتار، هيا لا نمتلك وقتًا.
ذهب بسرعته لحقت به "عثق" من تلقاء نفسه لكن زادت سرعتها لكي لا يرى أحد وتمر من خلف المنازل لتجنب العاملين في الحانة. نظر "فرناس" إلى الطريق الذي يعرفه وإلى أين يؤدي. توقفوا عند نهر منعزل عملاق يجرفه شلال من الأعلى محاطًا بأشجار عالية. توقف رويدًا ونظر إلى أين وصلوا، نزل مرة واحدة واقترب من النهر متأملًا إياها. أصبح "قسورة" بجانبه قال: هيا أيها الملك، أرني إلى أي مدى يمكنك حبس أنفاسك. هل الكتاب في النهر الأسود؟
أجل، إنه أسود بالفعل بما يحمله من خفايا. نظر "فرناس" إلى الأسفل اقترب "قسورة" ونظر مثله ليلتفت إليه قال: هل أنت خائف، أم لا تستطيع السباحة؟ خلع ردائه وكشف عن وجهه ليقفز داخلها. اقترب الآخر ملقيًا نظرة أخيرة على الموجات المترددة، امتدت بأذنه وكأنه يسمع صوت حركات أسفل الماء. التفت وانفض ثيابه ليجد الفرسه في وجهه بأعين حادة ابتسم قال: لا تقلقي لم يمت لا يزال يسبح.
تحت الماء كان "فرناس" لا يرى شيئًا بسبب ظلام الليل الدامس، كاتم أنفاسه ويسبح إلى العمق متجاهلًا كيفيه الصعود بعد فراغ رئتيه وكل ما يركز فيه هو عدم خروجه بيده فارغة وإيجاد من يبحث عنه. لكن كلما سبح رأى السواد أكثر من السابق، شعر بتفريغ ما في جعبته قرر الصعود لكن توقف حين سمع لحنًا في صدى أذنيه: أكمل.
التفت إلى هذا الصوت لكن لم يكن هناك أحد غيره، يثق بأن هناك من تحدث إليه، ثقبت عيناه انعكاس ما رأى شيئًا ما ليسبح تجاهه سريعًا ليجده كتابًا. التقطه سريعًا لكن احمرت يده بطريقة مريبة وكأنها تتحول إلى لهيب نار، وضعه مجددًا في مكانه ليطلع قميصه ويمسكه به ليجد قلادة تسقط منه. التقطها فورًا من برز الاهتمام الذي اشتعل في عيناه، رفعها ناظرًا إلى ذلك الرمز الذي يتدلى منها، سعر ليظهر الماء حلقه ويختنق أشد اختناقًا.
أسرع بالخروج من هناك وهو يسارع شلل صدره الميت لكن العمق كان أعمق بكثير حيث لم يستطع التحرك أكثر من هذا. مد ذراعيه ليشعر بالغثيان شعر بيد خشنة تمسك بيده ليسحبه بقوة دفعة واحدة وينطلق به للأعلى ليخرجا من النهر ويلقي به أرضًا ليسعل بقوة باصقًا الماء العالق في حنجرته. اقتربت "عثق" منه وهي تراه يناجي روحه العائدة التي كادت أن تغادره.
سند بزراعيه وعضلاته تبرز منه، رفع عينيه إلى من أخرجه من هناك وكان "قسورة" الذي انفض ذراعه المبتلة وكان شديدة السواد كجلد الأفعى قال: اللعنة، كدت أفقد ذراعي. نظر إلى "فرناس" وإلى نصفه العاري، اقترب منه بتوجس قال: مهلًا، لما أنت عاري.. هل قابلت حورية بحر بالأسفل، ويلك لقد ظننتك تموت، لا أعلم أنك في أسعد لحظاتك: كيف.. رفع عينيه وأكمل: كيف دخلت لهناك؟
أقصد النهر، لقد مدت ذراعي إليك كي لا يبتلعني لجوفه لكن لولا الرياح لاختفيت بسببك. لماذا خاطر؟ إذا لم يرد عليه، وقف أمامه وأردف: لما فعلت هذا، من المفترض أن تغادر فور إرشادي على الكتاب وليس التأكد من سلامتي. لا حاجة لي بسلامتك أيها الهجين فقد أشفق عليك، والآن لنفترق. انتظرت. توقف من ما قاله وجده يعتدل ليخرج قلادة كان يقبض عليها بقوة نظر الآخر إليه نظرة ثاقبة. قال "فرناس": تعرف صاحبتها، إنها من بني جنسكم.
تفتت القلادة نظر إليها ليجدها تحولت إلى رماد أطاح به الهواء ليقبض على آخر ما تبقى منها دليلًا على أنه رأى قلادة كهذه بالفعل. قال "قسورة": إنها ليست سوى وهم. ماذا تقصد؟ إنها غير حقيقية، مثلك….. والآن يجب أن أرحل. إنني مدين لك. أعلم هذا. أشكرك لإنقاذك لي. لم يكن بإرادتي فلا داعي لشكرى. لم يفهم ما قاله لكنه سحب إلى الأرض واختفى ليصبح بمفرده. اقتربت "عثق" إلى ذلك القميص المبتل لتشمشم وترى كتابًا داخله.
أتى وتأمله بضع لحظات اقترب منه لكن تذكر تحول يده حينما لمسه، نظر حوله لياخذه ملتفًا بقميصه وارتدى ردائه وغادر على جواده بسرعه القصوى مبتعدًا من ذاك المكان بأكمله. جلس على كرسي المكتب ولا تزال قطرات الماء تسقط من شعره الفحمي، عينه تثقب الكتاب الموضوع أمامه ذاك الرمز رمز مملكته والكتابة الأخرى هي رموز غوانتاما ذات اللغة الأصيلة الذي درسها من معلمه الملكي.
أمسك بريشة مغرقة بالحبر الأسود ليرسم فوق ورقة سوداء الرمز مع تجميع الأحرف الملتصقة به ليلقي به مع انتهائه: غفران! تساءل في نفسه إذا كان معنى الكتاب هو تكفير خطايا، هل يقصده هو؟! ما الذنب الذي ارتكبه ليكون كتابه بهذا الاسم، يثق بأنه يحكي عنه وعن أعماله وحياته وكيفية مقتله، لكن الاسم.. "غفران" ما الإثم الذي ارتكبه؟
قرع الباب التفت "فرناس" إلى الصوت والأقدام التي تقف هناك بتوجس هناك، وضع الكتاب في أحد الأدراج وغادر مكتبه فتح الباب ويده الأخرى تمسك خنجرًا مدببًا من الحواف. كان شخص يقف أمامه ملثم وجهه لا يحمل سلاحًا ولا متأهبًا بل مسالمًا، لينحني على إحدى ركبتيه ويده على صدره بإخلاص لتحية محارب. قال "فرناس": من تكون؟ كشف عن وجهه معلنًا هويته قال: مرحبًا مولاي، إنني وزيرك المخلص "بردله". كنت تبعث لي رسول، ما الذي أتى بك؟
كان الأمر يستدعي حضور لأعلمك بنفسي كل ما هو جديد…. رفع عينيه له قال: هناك خائن مثلما قلت وكان الخائن هو الأمير "داغر". لم تتبدل ملامحه لكن أشار له بالدخول ليجلسا سويا بعدما أذن له ملكه بذلك قال: أخبرني بما لديك.
لقد عملت على ضم صفوف الجيش ذو المراتب العالية إلينا، أنهم لا يحملون أي ضغينة شيئة تجاهك مولاي لأنهم شاهدوا أعمالك وأوامرك.. جميع شعبك سبب بغضهم لك هي "لينا" وإعلانك خائنًا لهم بسبب حمايتها لذلك تسلميها سيحل الأمر. لم تأتِ لتقول لي هذا. كلا بل أفعال "داغر" المريبة. ماذا فعل "داغر"؟
أنه يكتسب ثقة الشعب على حسابك، أي يبرئ نفسه من ما فعلته ويخبرهم أنه لن يدع الأذية تلحق بهم وإن كان من أخيه الملك، تقرب من الشعب بسبب ندواته بينهم برفقة الجنود، الناس تضعه محل ثقة كونه قائدًا لجيش الدولة والوضع وكأنما يسوء.. حينما ناقشته على أفعاله انتقضني ووضعني محل اتهام بتسليط الضوء على أوامر وأن أبتعد لكنني لم أطع الأمر طالما هذا في صالحك مولاي لن أطيع الأمير "داغر". كيف ترى الأمر يا "بردله"؟
أنه ينوي انتزاعك من العرش ليتولاه بدلاً منك… المُلك مسعاه يجب أن نتصدى له. لا تقف في وجهه فتصبح عدوًا له. عدوك عدوي. قالها بجدية فالطالما كانا أصدقاء وليس علاقة ملك بو.زير بل الإخلاص أعمق بكثير. قال "بردله": تتذكر القسم الذي وضعته على نفسي عند تتويجي وزيرًا للدولة (أتعهد بالخلاص بحياتي وفاءً لك ثم الخلاص لدولتنا العالية لتكن بمكانة أفضل)
… لقد عينت كوزير لك لكن لو لم تكن أنت الملك لما وافقت على تغير رتبتي بل ظللت حارسك الشخصي. شكرًا. رفع وجهه حينما سمع شكرًا من ملكه لكنه كان شكر صديق لصديقه رآه مبتسمًا قال: لم تخذلني يومًا، كنت دائمًا محل ثقتي بك.. لذلك لن أتنازل عن حياتي إنها أثمن عند الكثير مما ظننت. ماذا تقصد مولاي؟ لا يهم. أشرقت الشمس وهم "بردله" برحيل لسفك قيد حصانه التفت إلى "فرناس" قال: كدت أن أنسى. أخرج
رسالة ملتفة بشريط قال: وجدتها في مكتب الأمير، لم أفهم واجهتها لكن أظنها مهمة. ما بداخلها؟ خريطة. تعجب لكن لم يفتحها قال: سأرى إن كنت أستطيع ترجمتها. أومأ له وقبل أن يمتطي جواده رأى فتاة من بعيد ترتدي فستانًا قرويًا وشعرًا جميلًا كانت "فطون" التي نظرت إليه وإلى "فرناس" الذي التفت إليها ليرى على ماذا يتطلعان. انحنت إليه وأكملت سيرها. قال "بردله": من تكون، هل تعيش هنا؟ إنها ابنة "شوار".
كان يتأملها بتوجس وهي تلتفت إليه لحين غرة وتعود إلى موضعها بخجل. قال "فرناس": ألا تنوي المغادرة؟ ا.. أجل مولاي، أستأذن. انحنى إليه وامتطى حصانه وغادر المزرعة بأكملها. ألقى "فرناس" نظرة على ما في يده وعاد للداخل ليفتحها ويقم بفردها وكانت مخططًا. تمعن النظر بها باستغراب لكن توقف حينما رأى شيئًا مشابهًا، كانت شكلًا مألوفًا له. خرج من المزرعة وذهب إلى الباب الرئيسي وكان هناك جرس مميز الشكل.
اقترب منه ونظر إلى ما في يده ليكتشف أنها ليست مخططًا وإنما خريطة لمزرعة التي يقطن بها الآن. ماذا تفعل بها يا "داغر"؟ صمت باستدراك ليرى المخارج ممحية بل ملقى عليها حبر أسود، تنهد وقال: حان الوقت إذا. أتى "شوار" إلى مكتب "فرناس" الذي كان واقفًا عند النافذة حم حمم ليعلمه بوجوده فالتفت إليه قال: جيد أنك جئت. لماذا طلبتني مولاي؟ أريد منك مغادرة المزرعة. رفع عينيه الخافضة مبحلقًا
به بشدة قال: عذرًا، أقصد لماذا تطلب مني مغادرة المزرعة، هل حدث خطب ما؟ لم يحدث شيئًا. لم يصدر مني خطأ، أخبرني مولاي لعلني ارتكبته دون قصد فأنا إنسان خطاء. "شوار" إنك لم تفعل شيئًا، لم يكن خطأك بل هذا قرار من تلقاء نفسي. لكن لماذا؟! ما خلف قرارك هذا مولاي؟ نظر إليه انحنى إليه قال: استمحيك عذرًا لم أكن أقصد التشكيك في قرارك لكن أريد معرفة السبب. غادر المزرعة برفقة ابنتك، هنالك خطر على حياتكم إن ظللتما هنا. خطر؟!
ماذا تعني بذلك.. هل تقصد أن هناك من سيحاول قتلك؟ حياتي عرضة للقتل في أي وقت. وهذا ما أقصده، نا معك لأحميك مولاي.. أتريدني فور بروز الخطر أعطيك ظهري وأفر هاربًا… لقد قطعت وعدًا للآنسة "لينا" ألا أتركك وأحميك بروحي. لا أحتاج من يحميني، أتراني غير كفيل بنفسي… من لا يستطيع حماية نفسه لن يستطيع حماية شار بأكمله.
حاشا أن أقصد التقليل منك، لكنني لست جبانًا، دعني أمكث معك وإن كنت قلقًا على "فطون" فسوف أرسلها إلى خالتها، إنها تحبها وتتمنى فقط زيارتها. "شوار": دعني أقف بجانبك، إن أصابك مكروه لن أستطيع رفع رأسي مجددًا. إنه أمر. صمت حينما قال ذلك بجدية تامة فساد الصمت بينهم انحنى بإطاعة وقال بنبرة تملاها قلة الحيلة: أمرك مولاي. على ضوء شمعة خافتة تنير أركان الغرفة من الظلام الدامس المخيم بالمكان.
أجواء الليل الخافتة لم يظهر القمر اليوم بسبب غيوم السماء المزعجة لتكن الأجواء بدون ضوء واحد ينير ما يخفيه المستقبق. كانت أعين تراقب من بعيد وفور أن أخذت الإشارة تحركت باتجاه المزرعة الهادئة، واحد اثنان ثلاث بل خمس رجال تظهر بنيتهم قوية ملثمين وجوههم، دخلوا من البوابة ولم يكن هناك حارس واحد فقط كونها المزرعة التي يقطنها الملك. شخصيات.
توقفوا عند الباب ونظروا إلى بعضهم ليخرجوا سيوفهم وصدر صوت النصل الحاد ليدفع أقواهم الباب ويكسره عن مكانه ودخل متأهبًا لكن لم يكن هناك أحد، التفت إليهم وأشار لهم بالدخول وفور تحركهم طار ذلك الرجل وكأنما إعصار أطاح به ليرتمي أرضًا أمامه. نظروا إليه بأعين تملأها الصدمة نظروا إلى الداخل لم يرو أحدًا من الظلام الذي يحل بالمكان. دخل أحدهم قال المرتمي أرضًا: احترس، إنه بالداخل.
امتدت يد بقوة لكن تفاهات الرجل وأمسك لكن بدفعة واحدة ألصقه بالجدار ليتألم بشدة. أمسك الآخر مصباحًا للكشف عن سلك الوجه الذي يقبع خلف الظلام وكان هو مقصدهم. إنه "فرناس" الملك الذي سيغتال اليوم. تخطاهم شخص وكان أشدهم سرعة و فور اقترابه منه أنهال "فرناس" عليه صدا بسيفه المتين المصنوع من أجود أنواع الفولاذ. نظر إليه الرجل بحنق ودفعه بعيدًا عنه لكنه ركله بقوة ليتقدم منهم.
عادوا للخلف ونظروا إليه وكأنهم يدركون أنهم يفوقهم قوة ويتساءلون كيف اكتشف أنهم أتوا ليقتلوه. قال "فرناس": سوف أعطيكم فرصة لنجاة مقابل إخباري بمن أرسلكم؟ انطلقت صافرة من أحدهم ظهروا ثلاث من أعلى السقف والآخر فوق الشجرة والثالث خلفه يحملون أقواسًا ويصوبون عليه. نظر إليهم وكيفية تخطيهم لكن لا مجال للهرب لا توجد فجوة، إنه محاصر من جميع الاتجاهات. هناك سيافين وثلاث رماة يهددونه بالتمزق فورًا. أغمض
عينيه لكن أتى صوت والده: "عش كبشريًا وإن مت فمت كبشريًا أيضًا". قال الرجل: اعذرني مولاي، لا نفشي أسرار أسيادنا… لتمت بسرعة رجاءً. اقترب منه بسيفه الحاد فتوقف وجسده مرتجفًا من الخنجر الذي خرج من حنجرته. رفع "فرناس" عينيه الرمادية التي تكاد تكون بيضاء اللون، الدماء تملأ وجهه أطلق الثلاث أسهمهم فورًا وانقض الآخرون بسيوفهم ليمسك جسده ويجعله درعًا خلفه ويركل الآخر في رقبته بقوة ليقف خلف وتطلق السهام نحوهم دون أن تصيبه.
توقف الرماة بصدمة كونهم قتلوا رفقاءهم ليمتلكهم التوتر. انطلق خنجر بسرعة قوية نحو الرامي أعلى المنزل ليرتمي أرضًا. نظروا إليه بشدة ومن أعينه التي تملأها القهوة: إنه أنت.. جندي السماء، لقبك في الحروب التي قدتها وانتهكت صفوف العدو. أعين حادة تملأها القوة قال: من… يكون… سيدكم؟
لم يتحدث أفواههم وقبل أن يقو بتجربة نصبه عليهم رأى ظلًا خلفه تصدى لتلك الضربة قبل أن تكال عليه لكنه دفعه ونزل بسيفه ليجرحه في كتفه وينزف الدماء، تألم ونظر إلى ذلك من يقف أمامه انقض عليه بسرعة عالية تصدى "فرناس" إليه برغم قوته المهدورة، كان الآخر سريعًا حركة خفيفة وقوية، ينزف جرحه تارة ويدافع تارة لكن أطاح سيفه ووقع أرضًا بعيدًا عنه نظر إليه بشدة.
انتفض جسده دفعة واحدة، نظر بصدمة إلى ذلك السيف الذي اخترق نصفه الأيسر لينظر إلى تلك العلامة فهو يعرف صاحب ذلك السيف جيدًا، مهارة التمويه يعرف مبدعها. رفع عينيه والألم يغزو عيناه ليرى أعين باردة تملأها الشر والبرود الجامح. جلس على ركبتيه ليقترب الآخر منه بضع خطوات أمامها. أخذ "فرناس" نفسًا مختنقًا هو ينظر إليه قال: داغر. أردت رؤيتي وها قد أتيت إليك. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!