ازدادت ضربات قلبها من الكتفين العريضين والواقفة الشامخة المعتاد وقوفها، الأح نسيم الهواء خصلات شعره السوداء فأصابتها غصة قوية لرؤيته من جديد "فرناس". إنه قيد الحياة ليس ميت، إنه يقف أمامها الآن. كان سعيدًا لرؤيتها مجددًا تقف أمامه الآن، لكنها تنظر إليه بتعبيرات الصدمة لوقوفها مع حقيقة تدركها الآن، حقيقة مخيفة تتقبلها رغماً عنها. قال "فرناس" بتعجب: ما بك؟ هل انتظرتني بالفعل؟ تعجبت، نظرت إليه وقالت بضيق: لماذا؟
لماذا جعلتني أعود… طالعها مستغربًا. قالت بغضب: لما فكرت بي لدرجة أن كتابك عاود بالظهور؟ لا أفهم شيئًا. كنت سعيدة في عالمي ومرتاحة البال، لماذا فكرت بي الآن لأعود هنا من جديد؟ لماذا؟ أنت بخير. أدمعت عيناها بغضب: كنت بخير قبل رؤياك. نظر إليها. اقتربت منه مردفة: أشعر بالغضب وأنا واقفة معك، أشعر بالغضب فور عودة كتابك الأحمق ليعيدني إلى ذات السراب. سراب؟
أجل سراب، هنا سراب الهواء سراب أنت… أنت لست حقيقي، أنت لست إلا شخص ميت. قالها بغضب وصاحت به: اسمعت؟ أنت ميت يا "فرناس"، أنت لست موجود من الأساس. سالت دمعتها وقالت: ليتني لم أقابلك، ليتني لم أراك، ليت قدماي لم تدب أرضك اللعينة، ليتني لم أهوى القراءة يومًا لتقعني في فخك.. كل من عاد الكتاب… لماذا… لماذا ليعود الآن.. لماذا ليعيدني إليك؟ نظرت له من سكوته طوال حديثها، يستمع ويطالعها بأعين باردة ليقول أخيرًا:
هل تأتين حين أفكر فيك؟ أومأت له إيجابًا. قال: ستعودين بلا رجعة إذا هذه المرة، فأنا شخص لا وجود له.. ابتعد عني قدر الإمكان. نظرت له. أكمل بجدية: لن أتطفل عليك.. أعدك بهذا يا "لينا". ابتعد عنها وذهب، تاركًا إياها تبخق فيه. وضعت يدها على فمها الذي سيعلم بما لا يجب البوح به. التفتت ونظرت إليه وهو واقف بعيدًا عنها شاحبًا مهزومًا، لا تدري كيف قالت ذلك، كيف تحدثت وأخبرته بحقيقته.. كونه ميت.. كيف طاوعها.
بصقت ثم أخرجت غضبها وهو أكثر من سيتألم بها. مهما كانت حزينة، إنه الشخص الخطأ الذي أباحت له، زاء شعور لمعرفة حقيقته المؤلمة. هل صدقها؟ سارت تجاهه بندم. قالت: آسفة. كانت ملامحه خالية من التعبير، تساءلت بماذا يشعر، فأعادت أسفها عليه وقالت: لم أكن أقصد قول ذلك، أردت التخفيف عن حزني لكنني أخطأت.. سامحني أرجوك، آسفة. هل أنا ميت حقًا؟
أسكتها سؤاله. بل شعرت بقطعة حجر تتوقف في حلقها. نظر إليها وحين التقت أعينهم رأت ما بهم من خيبة وحزن مخفي. إنها فقط من تستطيع رؤيته. أثبتتها وكزة قوية ومشاعر فياضة مع احمرار أعينها بتلألؤ دموعها داخل جفونها، لا تذكر تحذير العجوز: "أفقي يا لينا إنه السراب". حاولت استعادة رباط جأشها. قال "فرناس": كيف سأموت؟ شعرت بحزن يعشش داخل قلبها وألم في بطينها الأيسر. ألم من ذاتها وألم من نبرته المسالمة. قالت "لينا": هل هذا يهم؟
أريد معرفة إذا كان سيقبض ملك الموت روحي أم سأقتل. عادت بتذكرها إلى ذلك المشهد، فأغمضت عينيها منعًا لتذكر. سالت دمعة من عينيها كانت دافئة متناقضة مع برودة الهواء، لكن أصابتها حرارة قوية. قالت بصوت يجهش بالبكاء: أحبك. طالعها من الكلمة الذي قالته، واستطاع سماعها بوضوح. اقتربت منه وأصبحت قريبة منه، عانقته فتوقف متفاجئًا من فعلتها الذي لم يتوقعها. شعر برقة جسدها من التصاقهم. بكت وتعالى صوت بكائها: "لينا".
دفنت وجهها داخل صدره وهي تحتضنه بقوة، تتشبه به بأظافرها بكل ما أوتيت به من قوة، تريد أن تشق صدره وتختبأ بداخله. لا تبتعد. ارتمت على كتفه بإرهاق وانكسار كبير داخلها، قالت بصوت ضعيف هامسة له: أحبك كثيرًا فلا تتركني.
أخرجت كلماتها برجاء وتكتم صوتها. رفع ذراعيه وطوق عليها ليبادلها، متخطيًا الحواجز والحدود الذي يجب مراعاتها أمام ذلك الحب. انكسرت المعتقدات والعادات. في لحظة خالية الوفاض كان كل منهم مناقض المشاعر الذي خليت بهما. كان بيده القوية يربت عليها بحنان، جعل دمعة تسيل منها برغم شعور الراحة الذي هي فيه الآن. إنه يطمئنها من الموت الذي سيسلبه منها أم أنه عناق الوداع؟
إنها لحظة سرد القلوب مقدار خوفها من الفراق، خوف من القادم. القادم، ماذا سيكون؟ ابتعدا كلاهما عن بعضهم. ودت "لينا" أن يبقيها بين أضلعه أكثر من هذا.. للمدى البعيد. رفع كلتا يديه وأمسك وجهها برفق ليزيل تلك الدمعة الذي زالت لمساته كافية بأن تجعلها تنسي العالم أجمع أمام لحظة معه. قال "فرناس": إياك والبكاء وإن كان بسببى: آسفة على جرح مشاعرك، لقد تفوهت بالهراء. لم يرد عليها لكن تنهد وهو يسند جبهته على جبهتها، مخترقًا
عينيها بأعينه الرمادية: هل كان مشهدًا موجعًا؟ لم تجب عليه لكن استطاع الشعور بحزنها. تنهد وقال بقوة: أخبريني عما عرفتي تلك المرة. هل تثق فيما تطلبه مني؟ لم أكن لأقوله لك إن كان لدي ذرة تردد. هيا أخبريني. مهمتي كانت التدوين. أعلم ذلك. لا تعلم، لأنها لم تكن تدوينًا عاديًا بل كانت قصة حياتك لتدوين مقتلك. من أخبرك بهذا؟
إنه ذات العجوز، جعلني أرى وأتأكد أن عالمك ليس حقيقيًا… أننا في حقبة من الماضي، "غوانتام" الآن أصبحت غابة لا يحكمها أحد. الدماء تملأها والجرائم تعم.. إنها غير صالحة للحياة. صمت قليلاً لكن استعاد رباط جأشه: ماذا رأيتِ؟ طالعته من سؤاله، فهل حقًا يسأل ذاك السؤال؟ كيف قُتل؟ أصابتها وكزة بحزن يتناشر في خلاياها. قالت: رأيت ما لم أستطع تحمله، لكنني أدركت كم أنني قوية. قربت يدها منه لتتشابك أصابعهم. قالت:
لم أكن لأراك ثانيًا، اختفى الكتاب. طالعها بشدة. أومأت له لتكمل: رفضني، بسبب ما فعلته وتغيير الأحداث.. لقد كنت سببًا كبيرًا في انقلاب شعبك عليك، ستموت على أنك خائن.. سيجمعون على قتلك.. كان عقاب فعلته عدم رؤيتك واختفاء الكتاب. كيف عدتِ إذا؟ لقد عاود بالظهور، لا أعلم كيف ولماذا.. لكنني سعيدة لهذا الأمر، إن كان الأمر انقلب ضدك فلم يعد هناك تضحيات ولا شيء تخسره. كما استطعت تغيير الأحداث سنغير هذا الأمر أيضًا.
نظرت له قالت: لن تموت. هل حدث كهذا سيتغير؟ سيتغير، يجب أن يتغير لأني لن أستطيع تحمل عدم وجودك. ساعدني في هذا. كيف؟ احمِ نفسك، لا تدعه يقتلك. هل مت ضعيفًا لهذا الحد؟ ألم أقاوم؟ لم تفعل ذلك لأنك قتلت قبلها من معرفة الفاعل. طالعها مستغربًا لتردف: مهما حدث لا تسلم نفسك للموت لأجله. عدني بذلك. من يكون؟ نظرت إليه من سؤاله ونبرة الريبة. قال: من الذي سأموت على يده وأكون خاضعًا له وهو يقتلني؟ أخيك.
صمت دون أي ردة فعل نبعت على وجهه، تقبل الأمر كحجر ثقب قلبه وقال بذات النبرة الهادئة دون أي رد فعل لصدمته: كيف سيقتلني؟ لماذا لم تنصدم من معرفة الفاعل؟ إنه بالفعل القادر على قتلي. الأمر مؤلم وتقبل الحقيقة واجب لمعرفة القادم. تنهد بحزن داخلي: كنت أحيا من أجله. قبضت على يده بقوة من قوة ثباته وامتلأت عينيها بدموع بدلًا منه. قالت:
إياك وأن تتنازل عن حياتك، هناك شخصًا يريدك معه.. حياتك تهمه وبشدة فلا تظن أن لا فائدة من وجودك، إن روحك ثمينة. كانت تتحدث عنها بصيغة المجهول. أكملت: إنك لن تترك له نفسك، لا تدعه يقتلك أرجوك. أكان هو من يدبر لقتلي وفعل كل ذلك؟ إنه وراء كل شيء، الحوادث المدبرة… المكائد وتسريب خبر وجودي في قصرك، إنه الفاعل في ثورة الشعب. صمت ولم يقل شيئًا. قالت:
كان يجب أن تعرف، حتى لا يعاد ما حدث.. سنغير الأحداث لن تستسلم له، وإن اضطررت لقتله افعله. نظر إليها بشدة. قالت بتأكيد: اقتله وأنهِ الأمر. اقتل أخي؟ أي أخ هذا، إنه شيطان.. لقد قتلك بكل وحشية دون أن يهتم بك.. رأيته بأم عيني، جعلت نفسك ضعيفًا أمامه وأنت قادر على أن تقتص منه. صدمتك وحزنك من خيانته تجعله قويًا أمام ضعفك. لا أريد عودة ما جرى. صمت دون أن يعطيها ردًا على كلامها وكأنما كانت تتحدث مع الهواء. قالت:
ستفعل ذلك صحيح. ماذا يعني هذا الصمت المهيب؟
لن أسمح لك يا "فرناس"، لا تفعل ذلك بي وتدعه يقتلك، إن كنت معك الآن، فأنت قادر على تغيير الأحداث كما تغيرت. كنت ستموت ملكًا أم أنت الآن ستموت بصفتك خائنًا لن يحزن عليك أحد. سيرونه بطلًا أم أنت سيرونك مجرمًا. لن أسمح لك بفعل ذلك بي، ليس بإرادتك وكيفما تشاء. طلبت منك ألا تبتعد عني… قلها.. عدني أنك لن تتركني وستكون بخير. أنا لا أعلم حتى متى سأغادر ومتى سأعود لكن أود البقاء وعدم تركك، لذلك أعلمني أن حين أعود في المرة الثانية أمي سأجدك حيًا. أنت لا تقدر خوفي وزعري بفقدانك، هناك أمل بأن تعيش كباقي ثائر البشر. لما تصمت وتخيفني منك؟
إن مت فأنت أول من سأفكر به وأخاف من ألا أراك ثانيًا، لذلك لن يحدث لي شيء. إذا عدني. ألا تثقين بي؟ لا، لا أثق بحبك لأخيك لذلك عدني. أعدك. وهنا سكتت حينما حصلت مرادها. لم تهدأ لكن تطمنت لوعده الذي تعلم أنه لن يخلفه. مولاي. التفت فورًا للصوت، وجدت رجلاً يرتدي ملابس المزارع ويمسك حقيبة يملأها بالثمار. طالع "لينا" الذي طالعه بشدة مستغربًا من يكون: هل لديك جلالتك ضيفة؟ قال "فرناس": أجل، ستكون معنا لموعد عودتها.
انحنى لها الرجل. قالت سريعًا: لا لا، ماذا تفعل؟ إنني عبدة مثلك. عبدة؟ جميعنا عباد الله. قال "فرناس": هل هناك شيء يا "شوار"؟ شممت رائحة دخيل، لذلك أردت الاطمئنان.. اعتذر عن المقاطعة. غادر مستأذنًا لتلتفت إليه في حيرة: من يكون؟ قال "فرناس": إنه مزارع. ناديك بمولاي؟ أظننت أن الجميع تحالف ضدي، لا يزال هناك من يكنون الإخلاص لي. هل نحن في مزرعته إذا؟ كلا، إنها ملكي. طالعته بدهشة. أردف:
لم نعمل بها لكن المحصول يتصدّر للعائلة الملكية.. "شوار" إنه حارس وفلاح يرعاها. هل هو فقط من يدير تلك المتاهة؟ يعمل لديه أتباع كثر لكن أعطاهم عطلة وأخلاها فور زيارتي بسبب تدهور المملكة في الأوضاع الأخيرة. هل أتيت لهنا لأن القصر… سكتت تنهدت. قالت: حسنًا، لا يهم. من معك؟ إنني بمفردي، يتردد "بردلة" بزيارة ليخبرني بالمستجدات لآخر ما وصلنا له. عن ماذا؟
أريد أن يعرف أن الشعب أن "رزان" لم تعد بل شخص آخر لم يرتكب إثمًا، أريدهم أن يعرفوا الحقيقة ليس من أجلي ولكن لأجل عائلتي.. بدأوا في مقتهم بسبب الملك الذي تمرد من بعد تاريخ من رثاء. آسفة، فأنا من تسببت في كل هذا. لنرى حلاً فيما نحن فيه، ونعمل على تغيير كافة الأمور. كيف ستجعلهم يصدقونك؟ إنهم يكرهونني أشد الكره مما فعلته فيهم سابقًا.
هناك أتباع قمت بزرعهم بين الشعب ليهدئوا ثورتهم منك، لا أعلم لكن نسبة تغيير عقول المدنيين منك ضئيلة. ما دمت أنت حيًا، فالأمل موجود. تبادلا كلتا النظرات إلى أن تورطت وجنتيها. وقال: أتمكث هنا بمفردك. أين "داغر"؟ يتردد علي من وقت لآخر. أظنه يفكر في حلول أخرى حول تغيير القتل إلى إعدام، لابد أنه يود أن يقلب الجيش هو الآخر عليك لأنك ما زلت قويًا به، لا يعلم أنك لا تقوى بأحد وأنك قوي بذاتك. تنهدت وأردفت:
إن كان يعلم حقيقتك لفر هارباً ولم يقدر على الوقوف أمامك، لعله كان سيعيد التفكر في قتلك خوفًا منك. وهل تخافين مني؟ أبدًا. لأنك لم تري ما يخيفك مني بعد. ماذا عنك، إن أظهرت "رزان" الشريرة التي بداخلي؟ أظهرتها. أجل نسيت، وقتها قمت بتهديدي أن أتحكم بها وإلا لانقلبت علي. لا أحتاج إعادة التحذير إذا. أما زلت عند ذلك التهديد؟ تريد قتلي؟ وقتها سأقتل "رزان". اللعنة، إنه يظل جسدي. تتمنين أرواحًا خالدة. نظرت له بضيق ثم قالت:
ما علينا، بردو هقول تاني.. لو أظهرت لك أنا اللي يخوفك.. لم يكن ليفهم لولا جملتها الأخيرة. اقتربت منه قالت: أم ستقول أنا لا أخاف؟ لقد واجهت جنيًا أمامي. لا علاقة للخوف بك. لماذا؟ أبدو ضعيفة لهذا الحد؟ الخوف ينبع من القلب وقلبي ممتلأ بحبك. ابتلعت كلامها، فكانت جملته كفيلة بأن تقعها على هاوية أوتار قلبها. لا تريد أن تشيح عينيها عنه فتستفيق من غفوتها، تكاد لا تصدق أنه يقف أمامها الآن.
لكن رأت شخصًا يقترب من بعيد. كانت امرأة ترتدي ملابس بسيطة وتحمل أغصان في يدها. لم تراها منذ أن وفقت. هذا يعني أن ظهرت للتون. نظرت إليه قالت متسائلة: هل يحق لأي أحد التجول في مزرعتك؟ نظر إلى ما تقصده. وقفت بقرب منه قالت: مولاي، عرفت بحضور ضيفتك لهنا، أتيت لسؤالك هل أعد الطعام لكما؟ نظرت إليها، فكانت جميلة رقيقة الملامح والوجه. قالت: هل أنتِ من تعدين له الطعام… ماذا تفعلين له أيضًا، ترتبين غرفته… تضبين ملابسه و…؟
"لينا". قالها "فرناس" ليفيقها من أسئلتها المتعددة حيث كانت المرأة تنظر إليها بريبة. قال: اذهبي الآن يا فطون. أومأت له، غادرت مبتعدة عنهم. قالت: أتتعرفها؟ إنها "فطون" ابنة "شوار" الذي رأيته منذ قليل. هل قريبة منك؟ نظر إليها من سؤالها. قالت: أين "صفية"؟ لماذا لم ترافقك لهنا؟ كلفتهم بالبحث عنها لكن لم يجدوها، اختفت مع. تذكرت ذلك اليوم وقلق. قالت: الم تعد حقًا، هل يمكن أنها… أتعلمين أي شيء؟
ذلك اليوم تعرضنا للهجوم من قبل رجال، قامت بتشتيتهم عني لأهرب لكنهم كانوا خطرين.. لقد قتلوا السائق أمام أعيننا، هل يمكن أنهم.. هل يمكن أنهم آذوها؟ ظهر الضيق على وجهه. أنبت نفسها قالت: لا شك أنه "داغر" من كان يلحق بي، لا أعتقد أنه مسها. إن كان قتل أخيه هل سيهتم بحياة مربيته؟ مسكت ذراعه وكأنما لا تجد ما تقوله. قالت: أنا آسفة، حياة ناس كثير بتنتهي بسببى… اعتذر لك عما بدر مني. لستِ المذنبة يا "لينا"، سعيد بعودتك سالمة.
ألم تندم على ظهوري يومًا، يكفي كره شعبك إليك. لقد جئتِ تدونين قصتي لكن أراكِ تحاربين لعدم إنهاء تلك القصة، لم أندم بل تمنيت لو أنكِ ظهرتِ باكرًا لعلى أقضي وقتًا أكثر معك. لست أقل من من يعيشون هنا لخمس مئة عام. قالتها بابتسامة وهي تنظر إليه. صدر صوت نداء مرتفع: مولاي. كان ذلك "شوار". قالت: ما الأمر؟ ابقَ بالداخل.
ذهبت ونفذت ما قاله إليها. ألقت أنظار عليه وجدت خيلًا يمتطيه شخصًا يقف أمامه وينزل، لقد كان "داغر". احتضنه خافت كثيرًا لكنه لم يكن سوى عناق، ظنت أنه سيخرج سيفه ويطعنه به الآن. ربت عليه "فرناس" بصدر رحب. قال: لما التأخير؟ قال "داغر" بابتسامة: ليس بيدي، تعلم لا أمانع من ترك البلاد أجمع والمكوث معك، أكن لدي مهمة من أجلك سأكملها. ما هي تلك المهمة؟ أن تعود ذاك الملك الذي يهتف شعب غوانتام باسمه. ابتسم، ربت على كتفه قال:
سيحدث ما دمت أنت معي. مصدومة من حديثه معه وكأنه يجهل حقيقة من يقف أمامه. التفت "داغر" نحوها، اختبأت فورًا خلف الحائط وهي تجمع قبضتها تتخيل وجهه الذي تريد أن تلكمه. قال "فرناس": إلى ما تنظر؟ لاحظت شبحًا أحد. لا يوجد شبح غيري هنا. نظر له من ما يعنيه، أما هي فقد ألمها قلبها من مقصده. قال "داغر": هل عادت؟ من تقصد؟ "لينا". لا، لم يحن الموعد بعد. أومأ بتفهم وهو يلقي بضع نظرات على المنزل. قال "فرناس":
أخبرني عما يدور في البلاد. لم تهدأ الأوضاع حتى الآن لكن أعمل على حل الخلافات. أين "بردلة" لم يأتِ من أسبوعين؟ لا أعلم عنه شيئًا، أمه يعيق مسعاي.. يعلق على خطوة وأخذها وأيضًا الجنود.. يريد اكتسابهم بدلاً مني. إنه الوزير. وأنا قائدهم، هذه مهمتي وأنا أعلم مصلحة البلاد وكيف ستنتهي الكارثة هذه لتعود لعرشك كما كنت. هل هناك ما تفكر فيه؟
أشعر وكأنه يريد أن يعمل بمفرده، لعله يريد ضم الجيش برفقته لينقلب ضدنا. أخشي حدوث شيء كهذا. هل ممكن أن يفعلها؟ لم أعد أثق في أفعاله، أتيت لأخبرك بهذا وإني سأتكفل بأمر كل شيء… حان الوقت لتعتمد على أخيك وتستريح.
ابتسم ابتسامة هادئة تمتلأ بفجوة عميقة. عانقه ليبادله، وكأنما آخر عناق له. لا يزال يحمل شكًا بأن ذلك العناق مزيف. ابتعد عنه، ينحني إليه باحترام، امتطى حصانه وغادر بعدما ودعه. اختفى من أمام ناظريه. اختفت ابتسامته عالقًا في كلامه. تنهد وقال: ما نوع الراحة التي تريدها يا "داغر"، أهي الراحة الأبدية؟ شعر بشخص يقف خلفه. التفت، كانت "لينا" تنظر له بأعين معاتبة. قال "فرناس": لماذا خرجتِ؟ تأكدت من رحيله. لما الحزن في عينك؟
هل تريدني أتقبل حقيقة كهذه؟ ابقَ بعيدًا عنه، لا نعلم متى سيغدر بك. لقد وعدتك. لكن الخوف لا يزال يحلق فوقي. حين عانقته تخيلت وكأنّه يقوم بقتلك… إنها فرصة لتصليح القادم، لتكن معي حيًا ولست ذكرى. تمسك بتلك الفرصة ولا تتساهل. لا نعلم متى سيغدر بك هذه المرة. ألا يوجد عواقب لما سيحدث؟ تذكر كلامي العجوز عند سؤاله "إياكِ تغيري حدث يا "لينا" لأنه سيعود بعواقب كبيرة". قالت وهي تنظر إليه:
لا أعتقد أن هناك خسائر أكبر منك، لذلك لا أهتم بحجم العواقب. موتك هو أكبر عقاب لي. ابتسمت، كانت تلك ابتسامة نابعة من قلبه حقًا. خجلت منه وتغاضت النظر إليه. قالت: لنا جميعًا، لا أتحدث بصيغة شخصية. رأته ينظر إلى سقف المنزل. التفتت على ما ينظر. قالت: ما الأمر؟ لندخل.
ذهب تبعته وجلست بالداخل. نظرت إلى المنزل البسيط، ليس براعة القصر، إنه منزل ريفي لمزرعة جميلة. الأجواء هنا دافئة للغاية، رائحة الخضرة.. الهواء النقي هنا يملأ المكان. كانت جالسة عند المدفأة تنظر إلى النار واللعب الذي يلامس بشرتها وتستمع به. تشردت لبضع لحظات حلق لوح خشب متفحم بنار من تركيزها. وضعت يدها على عينيها سريعًا وابتعدت من هناك. اقترب منها وجلس على الكرسي المقابل لها: هل تعبثين بالنار؟
أبعدت إصبعين عن عينيها ورأته ينظر إليها. أشارت على منتصف جبهتها قالت: تلك العين هي من تعبث لست أنا. لا تزالين تواجهين صعوبة في فرض سيطرتك عليها؟ لا أريد السيطرة، فهي ليست دائمة لي. أتمنى زوالها قريبًا.. إنها نذير شؤم.
قاطع جلستهم دخول "شوار" مستأذنًا. انحنى إلى ملكه وضع مشروبًا ساخنًا على الطاولة. وهو يسير بوجهه، لاحظت ذلك "لينا" من عدم إلقاء أعينه عليها. وقفت لتأخذ فنجانًا. وضع يده إلى أنفه فور اقترابها منه وابتعد عنها. نظرت له. قال "شوار": انسيت، ابقَ بعيدة، فرائحتك نفاذة. أتت "فطون" اقترب منه بقلق: أبي، أنت بخير؟ أمسكت "لينا" ملابسها. قالت: هل رائحتي سيئة؟ لماذا تضع يدك على أنفك.. إنني أضع عطراً. قال "فرناس":
ألم أخبرك أنه يستشعر هالة من حوله؟ لا زلت لم أفهم شيئًا. قال "شوار": هالتك القوية هي سبب نبع رائحة شاذة منك، لا أستطيع التنفس في حضورك لشدة قوته. نظرت له بدهشة. قالت: هل فعلاً تمتلك حاسة شم قوية؟ نظرت إلى "فرناس" وهو يشرب شرابه. قالت: ماذا عن مولاي، كيف تقترب منه وهالته أقوى مني؟ مولاي لا يمتلك ذات الهالة خاصتك. نظرت له بشدة. قالت: تقصد أنه شخص عادي وأنا غريبة الأطوار هنا؟ قالت "فطون":
لا شك بذلك ما دام أبي يتعامل مع جلالته بارتياحية فلا ضرر منه. نظرت إليه باستغراب شديد. قالت: آسفة لم أقصد إيذائك، أنا مدهوشة من تلك القوة الذي تمتلكها.. لا شك بأنك محظوظ لتهب قدرة كهذه. قال "شوار": إنها لعنة. كيف تقول هذا؟ إنك قادر على معرفة أي دخيل إليك، تستطيع معرفة مع من تتحدث وهالته وحجمها.
ذلك الأمر يجعلني أتقيأ أحيانًا، حاسة الشم القوية ليست مفيدة في كل شيء، ما يزيد عن حده ينقلب ضده. واجهت الكثير من الضرر والأرق من خلال تلك القدرة، شاب شعري ولا زلت أحاول التأقلم معها… ليس كل ما هو مميز جيد، ليس كل ما هو فائق مفيد. صمتت وكأنها ترى في كلامه مثالًا لمعاناتها. إنه يتحدث مع أكثر شخص سيفهمها. أعطتها "فطون" الفنجان. قالت: سيساعدك على الاسترخاء. صورتها وأخذته منها. أخذت شرفة كبحت فمها إلى أن غادروا.
وأخذت ممحاة وبصقته بها: أي هذا؟! نظرت إلى "فرناس" الذي أنهى نصفه. قالت: باين أنه عجبك. لا تحبين الشاي الأخضر؟ شاي أخضر، كويس أني عرفته عشان مجربش أشربه تاني. لاحظت تفكيره الزائد. قالت: فيما تفكر؟ في القادم. علينا أن نفكر لحل. بشأن ماذا؟ بشأن تغيير مسار قصتك والهروب من ذاك الواقع. اخلدي للنوم أولاً وغدًا نفكر في حل. لا أريد النوم. الراحة واجبة وإن كان للتفكير السليم. تريدين البقاء بمفردك؟ قالتها باستنتاج. وقفت قالت:
سأتركك لاستيعاب حقائق اليوم، أعلم أن الأمر صعب لكن.. مهما يحدث لا تشك بي، لا تكن العاقبة هي شكك وتنهي كل شيء. لما تقولين هذا؟ أعلم بكل ما يجول في رأسك، أنا الآن أقرأك كتابًا مفتوحًا بعدما عرفت حقيقتك وحقيقة أمري حيال تدوين قصتك. نظرت حولها. قالت: أين غرفتي التي سأنام فيها؟ اختاري أي ما يعجبك. أي غرفتك أنت؟! نظر لها من سؤالها. أشار بإصبعه. ذهبت إلى الغرفة التي بجانبها وفتحتها. قالت:
يمكنني النوم هنا، أريد أن أكون قريبة منك. ابتسم بقلة حيلة منها. قال: لن أختفي. أخشى حدوث هذا، تذكر أنط من قاطعت حديثنا وأخبرتني أن أخلد للنوم ونا معرضة للسلب في أي لحظة. لن تعودي فعقلي لا يتوقف عن التفكير فيك. احمرت وجنتيها. دخلت ودعته بأعينها، وقفت الباب خلفها لتذهب إلى السرير وتستلقي فوقه بتعب. نظرت إلى السقف أعلاها. أغمضت عينيها بسلام.
على هاوية جبل مرتفع تقف تحت سماء مغيمة سوداء، ضباب كثيف يحيط بها يعدم الرؤية من شدة كثرته. رأت نفسها محلقة بين هواء لا غير. نظرت لأسفل انفزعت وعادت للخلف فورًا. تدحرجت حجرة ووقعت. تأخر وقت سقوطها من شدة الارتفاع.
التفتت وهي تنظر حولها لتعرف أين هي لكن لا يوجد مخرج أو دليل رشاد. سارت بحذر لعلها ترى أحدًا ما لكن لم يكن هناك غيرها. كانت ستقع حينما تعثرت بشيء ما. نظرت إلى الأرض رأت شخصًا مقتولًا. ابتعدت بأعين متسعة لفرط خوفها. شعرت وكأنها دهست شيئًا. التفتت رأت امرأة مقتولة أخرى. انصدمت وابتعدت بذعر وحين انقشع الضباب رأت الأرض ملطخة بالدماء من جثث كثيرة محاطة بها.
شعرت بأن قلبها سيتوقف. ركضت بخوف ونظرت خلفها وهي تسرع لتبتعد من ذلك الجحيم. وقعت أرضًا من تعثرها بشخص ما. اعتدلت بخوف وحين نظرت توقفت من تصنم خشبها واتساع بؤبؤ عينيها من الصدمة التي اعتارتها من ذلك الوجه الذي تراه أمامها. كان ذلك "فرناس" الذي كان قتيلًا كغيره. اقتربت سريعًا منه ممسكة إياه: فرناس، افتح عينك.. فرناس، رد علي.
لمست وجهه لترى دماء التصقت به من يدها. نظرت إلى يدها بصدمة وجدتها مغترقة بدماء. رفعت عينيها إليه بشدة فمن أين أتت تلك الدماء؟ نظرت بجانبها لتجد ذاك النهر ظهر من العدم. وحين طالت بوجهها رأت مشهدًا لها في يدها فأس يتقطر من دماء غزيرة وتمسك بشخص قتيل بين يديها لا تدب الروح فيه. كانت الصدمة وجه "فرناس" الذي أصابها بهول جعل قلبها يكاد يتوقف فزعًا. فتحت عينيها حين شهقت بقوة وكأنما عادت الروح لجسدها بعدما سلبت منها: لااااا.
انتفضت وهي تعود للخلف وكأنه لا تزال تركض. نظرت حولها إلى الغرفة لتجد نفسها في نفس المزرعة. إنها هنا.. كانت على السرير تحلم. إنه كابوس، كابوس. رفعت يديها لكن لم تجدها ملطخة بالدماء كما راتها. لا يوجد فأس، لا يوجد جثث محيطة بها. أمسكت رأسها من ما رأته ولا تزال ترتجف. سمعت صوتًا أفزعها. رفعت رأسها لترى تلك البومة البيضاء التي تنظر إليها بكلتا عينيها شديدة السواد. هل هي ذاتها الذي تراها أثناء مكثها في القصر؟
تظهر في كل كابوس تراه. إنها نذير شؤم لها. في كل مرة تسمع صوتها يكون هناك كارثة ستحدث. قالت "لينا": امشي، أنتِ السبب.. جاية لي، ما وركيش غيري. أمسكت الوسادة ودفعتها نحو النافذة لعلها ترمش أو تهتز خائفة لكن لم تتزحزح مما أثار ريبتها. زحفت على يديها وجدتها تحرك رأسها معها وكأنما لا ترى سواها: أنتِ.. لا تستمعي إليهم، يحاولون الإيقاع بك. اتسعت عينيها حينما تحدثت لها وصرخت صرخة هزت جدران المنزل بأكملها.
انتفضت فطون النائمة بنعاس ونظرت حولها. خرجت لترى أباها أمامها والقلق يشوب وجهه: ما الذي يحدث، أنتِ بخير يا ابنتي؟ أجل أبي، الصرخة ليست مني. هل يعقل أن ضيفة مولاي أصابها مكروه؟ ذهب سريعًا ولحق به بقلق. قابلا "فرناس" في وجههم الذي أتى سريعًا. نظروا إليه ذهب متجاهلاً أي أحد. فتح الباب بقوة عليها وجدت على الأرض في زعراق. اقترب منها سريعًا لمسها. انتفضت لتنظر إليه. قال: اهدئي، هذا أنا. ف..فرناس. ماذا أصابك؟
رفعت يدها وهي تشير. نظر سريعًا تفاجأ من هذا الطائر الأبيض. قالت "فطون": تبدو مخيفة، لما تقف عند النافذة هكذا؟ قال "شوار": فطون ليس الآن. قال "فرناس": ما الأمر يا لينا، ماذا بها.. هل قمتِ بالصراخ خوفًا من طائر؟ نفت له وهي تمسك بيده بقوة وتقبل عليها لتبتلع ريقها وهي تنطق أخيرًا: لقد تحدثت. رفع أحلى حاجبيه مستنكرًا كلامها، بجلقز بها في ذهول من قولها ذلك. قالت برجفة:
لقد تحدثت مثلنا، حدثتني كباقي البشر.. تلك البومة تحدثت معي. نظر "فرناس" إليها والتفت إلى البومة التي لم تغادر. تثقبه بأعينها وهو الآخر طالعها لثوانٍ. سرعان ما فردت جناحيها وحلقت بعيدًا عن المنزل بأكمله. أقفل "شوار" النافذة مغطيًا إياها بالستائر، لكن أعينه ظلت على طيف تلك البومة. عاد إلى من تقبض على يده قال: لينا، لم يعد هناك أحد… انظري إلي.
أمسك وجهها. التفت إليه. أحضرت "فطون" مياه وأعطتها إياها لكنها دفعتها فوقعت أرضًا. نظروا إليها من ردة فعلها: لا أريد ماء، لا أريد شيئًا. قال "شوار": هل نتركك بمفردك، ألا تريدين أحدًا بجانبك؟ قال "فرناس": اهدئي يا "لينا"، عودي إلى نومك. لا أريد النوم، لا أجد راحة في نومي، كل ما هو هنا غريب.. هنا كل المعاناة، إن بقيت هنا سأجن. مسح على رأسها برفق فسكنت بين يديه. قال: سيحدث ما تريدينه، لا يوجد داعي لخوفك. هل أبدو قاتلة؟
لستِ كذلك ولن تكوني. تنهدت وهي تخفض رأسها وقد همدت ثورتها. تلك الثورة التي جعلت منها شخصًا في حالة من اللا وعي. الكوابيس مؤلمة لحجم غرابتها وبحجم مصداقيتها لمخاوف حدوثها. هل هو مجرد كابوس أم نبوءة من ما سيحدث؟ مع انقشاع الليل وشروق الصباح معلنًا بدء يوم جديد، كانوا يجلسون بصمت من حادثة ليل البارحة. كان "شوار" يجلس على كرسي بعيد عن "لينا" التي كانت صامتة ولم تكثر في الكلام. أتت "فطون" وضعت لهم الشاي الأخضر. قالت:
مولاي، هل أعد لك الطعام؟ لا داعي لذلك. نظرت إلى أبيها، أشار لها فذهبت معه. خرجا من المنزل وذهبوا إلى أشجار تمتلئ بالثمار. قال: ساعديني على جمعها. أزمأت له مطاعم. قالت: هل تعمدت بقول ذاك لنتركهم؟ نحن نخدم جلالته وليس لنا أن نتدخل بأموره، لعلها تريد التكلم وتمتنع من بقائنا. ما أقصد أننا نستطيع مد يد العون، ما قالته البارحة بشأن إخراجه من هنا أعتقد أن لديها حلاً ليعود ملكنا كما كان وتنتهي تلك الثورة.
لا أحد يعلم متى وكيف ستنتهي، نريد السلام باكرًا. لن يحدث ذلك بدون الملك "فرناس". أقلق بشأن الغزاة إن رأوا تفكك البلاد ينتهزوا الفرصة. لا تكثري الحديث يا فطون وأكملي ما جئت بك لأجله. تنهدت ومدت يدها بالقفص ليضع ثمار الفاكهة الناتجة التي تتلألأ مع أشعة الشمس الساقطة عليها. ساعدته على تجميعها لينهوا العمل باكرًا. تحت ذلك الصمت المهيب لا تزال تخفض رأسها شارده بما يملأ أفكارها ولا تستطيع أن تفاض ذاك التشويش. تحدثت أخيرًا
قالت: هذا العالم غريب، عقلي لا يستوعب ما أراه.. لا أستطيع تحمل تلك الأرض. تريدين العودة؟ بك، لن أعود خالية الوفاض. لا أفهم ما تعنيه. أريد وضع خطة. رفعت عينيها إليه أردفت: كفى هربًا، يجب أن تغادر من هنا. تعجب من كلامها إلى أن قالت بجدية: تغادر من غوانتام، ستغادر من هذا العالم. هل يمكن حدوث ذلك؟ صمتت وضاقت عينيها. قالت:
السؤال هنا كيف.. خطر لي ذلك الأمر البارحة. إن كان الخطر عليك هنا، إن كانت دماؤك وروحك ستسلب هنا، الغدر الذي يلاحقك، مصيرك المشؤوم هنا ولا نعمل كيف نعمل على تغييره، هل هي حمايتك.. لكن من مَن.. من قدر محتوم. "لينا"، أخبريني بما تريدين قوله. كما أنا أسلب من عالمي إلى هنا، لا شك بأن هناك طريقة لأسلبك معي. أتى صورة الكتاب في ذاكرتها. قالت: لما الكتاب لا يأتي معي لأرضك؟ أخبرتيني في القصر أنكِ رأيتِ الكتابة الغوانتية قبلًا.
أومأت إيجابًا. قالت: كانت داخله، لقد فتح مرة واحدة داخل المكتبة ولم يفتح مجددًا. هل استطعتِ رؤية ما مدون؟ لم يكن واضحًا، كانت شبيه بالاسم لا أستطيع قراءتها. تستطيعين رسمها.. عليكِ فقط التذكر. ماذا رأيتِ بالتحديد؟
صمتت وهي تعتصر ذاكرتها. استحضرت صورة أمامها فور فتح الكتاب وذلك الوهيج الذي ظهر منه. من جملة مشتعلة، أوقعت الشاي وبللت أصابعها قبل نسيان ما رأته وكتبت فوق وسادة بتلك الأصابع المبللة. اختفت الصورة من ذاكرتها. فتحت عينيها وكأنما كانت لحظة استرجاع تم محلها في لحظة. قال "فرناس": لما توقفتِ؟ حاولت استعادة بعضها. قالت: لا أتذكر أكثر من هذا، ترجم قبل أن تجف.
أخذها منها وقرأ ما كتبته. كانت غير مجيدة الكتابة جيدًا ولا يتفهم لكن يحاول إلصاق الأحرف ببعضها: "يد خاطئة انتزعنا سوادها وكفرت ذنبها". عقد حاجبيه مستنكرًا. رأت ملامحه التي كانت مثلها. قالت: ما معنى هذا، عن أي خطية وعن أي ذنب يقصد؟ لم أفهم شيئًا لكن الجملة تتحدث بصيغة نحن.. من يقصد الكتاب؟ لاحظت ذلك أيضًا. أتت جملة العجوز في أذنيها: "فرناس هو شخص ميت خلدنا قضيته تكريمًا له". قالت بتساؤل:
كان العجوز يتحدث دائمًا بصيغة الجمع، حولك وحول القدر التي امتلكها.. لا أعلم من يقصد ولا من خلفه لحد الآن لكنه شخص مريب. هل تثقين به يا "لينا"؟ أنقذني في الكثير من المرات. لا أعتقد أنه يحمل شرًا لي. صمت لأنه لم يستنتج شيئًا زائدًا. قال: هل هو من أرشدك إلى الكتاب؟ أظنه معي بكل خطوة. هل يمكن أن يخبرني بحل لأعيدك معي؟ إن كان يمانع من تغيير حدث موتي، هل تعتقدين أنه سيخرجني من عالمي؟ الكتاب يفعلها لا نحتاج إليه.
صمتت. نظروا إلى بعضهم. قالت: الكتاب.. إن كان لا يأتي معي لكنه يرسلني إليك فهل هناك كتاب هنا أيضًا يعيدني؟ إن كانت ظنونك صحيحة فأين يمكن أن يكون؟ يجب أن نبحث عنه ونجده. كتمت أنفها بيدها وهي تلتفت حولها. استنشقت أنفها رائحة بيض عفن مع رائحة حريق جعلت رئتيها لا تريد استنشاق شيء آخر: في ريحة وحشة قوي، هي حرقت الأكل ولا أي. وضع يده على فمها يمنعها الحديث. نظرت إليه باستغراب. قال: لسنا بمفردنا، هناك من يتصنت على حديثنا.
التفتت بأعينيها. قالت: لا أرى أحدًا هنا. سمعت صوت ضحكات مخيفة أصابها فزع وقشعريرة بدنها خوفًا، حين كانت قريبة من أذنيها. رأت ظلًا كبيرًا يظهر من خلفها وحجب جسدها بأكمله من ضخامته. التفتت وبحلق فيه برعب حينما كان ذلك الجني الذي حاول قتلها في القصر لولا تصدي "فرناس" إليه. قال بابتسامة أظهرت أنيابه الحادة: كيف الحال أيتها المدونة؟ كانت متصنمة من هول ما تراه. وقف "فرناس" وقال: ابقَ بعيدًا عنها.
وضع يده على رأسها لترى مخالبه المخيفة. انحنى بوجهه لترى عيناه. صرخت بخوف ودفعته لكن أمسك ونكزها بإصبعه فتوقفت. أغمضت عينيها وارتمت أرضًا. قال: برغم ما تملكه تظل بشرية. نزلت يد قابضة عليه لكنه تجنبها فورًا ليرى الآخر تحولت إحدى عينيه إلى اللون الأحمر القاتم وبرز جسده. قال: لا أريد خوض قتالًا، لقد نومتُها فقط لنتحدث. في المزرعة كانت تحمل الأقفاص المعبئة. قالت: سأغسلهم وأعود إليك.
صدر صوت صراخ. التفوا سريعًا إلى المنزل. استنشق "شوار" رائحة نفاذة. قال: هناك دخيل. انتشل الفأس لحقت به وتركت ما في يدها. دخلا إلى المنزل رأوا "فرناس" يقترب منه بقلق لكن توقف مع اتساع عينيه بصدمة من تلك الهالة التي مزقت الصالة قبل أن يخطو خطوة أخرى مقتربًا منه. وقع أرضًا حين لم تحمله قدماه. اقتربت ابنته قلقة بشدة. رأت دماء تسيل من أنفه. قالت: أبي، ماذا بك؟ داخل الغرفة جلس على كرسي وهو يضع قدم فوق الأخرى. قال:
ما ذنب هذا العجوز ليقتل على هالتك القوية التي فعلتها. حين مد يده نحوها انقض طيف نحوه فاختفى وأصبح خلفه. لكنه كان عند "لينا". حملها ليضعها على الكرسي في ركن الغرفة بعيدًا عنهم. التفت إليه في لحظة أصبح أمامه واصطدم به في الحائط وهو يمسكه من عنقه. وقبل أن يباشره في الهجو، رفع يديه المدببة. قال: ما الذي أتى بك؟
ويحك يا رجل، لن تكون مقابلة جيدة إن أكملت على هذا المسار. لم أحضر للأذية لكن إن لم تبتعد ستحل الأذية على الجميع. قالها بتهديد ونظر إلى المنزل. قال: القتال هنا سيجعل المنزل كومة رماد، لنخلق حديثًا بأفواهنا. تركه وعادت عيناه إلى طبيعتهما وكأن ذلك إعلان لموافقته. قال: قل ما عندك. ما تخططون من أجله لن يحدث. وهل تعلم ما نخطط إليه؟ يكفي تلك الأعين التي أراها تحدق بكم وتغفلون أنتم عن رؤيتها. قال متعجبًا: من تقصد؟
لم أفهم من حديثكم الكثير بشأن خطة نجاتك، لكن اعلم أنها ستنتهي بكارثة. لماذا تقول ذلك، ما سر مجيئك؟ إني لست سوى رسول مرسل إليك. هل هذا ما تريد إخباري به؟ كلا، لقد ظهرت لأخبرك أني أعلم مكان الكتاب الذي تريده. طالعه بشدة. قال: هل يوجد كتاب هنا؟ أجل، إنه قريب منك وليس منها. أين هو؟ يتبع….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!