الفصل 3 | من 25 فصل

رواية سرداب غوانتام الفصل الثالث 3 - بقلم نور

المشاهدات
19
كلمة
5,485
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

رفع الرجل العصا وبيضربها. صرخت غابينه: "انتظر أرجوك، إنها متعبة حقًا." قلقت لينا عليها وقالت: "ابعدي عشان متعاقبيش انتي." قالت غابينة: "أرجوك، لحظة ستشرب وتعود. ثانياً، انظر لها، لو كان بإمكانها الوقوف لفعلت، لكن جسدها ضعيف." صاح الرجل بغضب: "أمرتك بالابتعاد." قالت غابينة بخوف: "أرجوك، شربة ماء صغيرة لتعيدها لوعيها. إنها ضعيفة على ذلك العمل، لن تتكرر، أوعدك. شربة واحدة فقط لا غير."

كنت أسمع الحديث ولا أرى جيداً، سوى أطياف، لكن غابينة تعرض نفسها لضرب معي. على الرغم من خوفها منهم كما رأيته البارحة، إلا أنها تساعدني. شعرت بماء يلامس شفتي، فتحت فمي بلهفة وعطش شديد، فنزلت ماء إلى حلقي الجاف، ثم توقفت الماء. فتحت عيني وكنت قد استعدت بعض الطاقة. أسندتني غابينة. قالت بصوت منخفض: "أسرعي أرجوكي، ليمر اليوم على خير."

شعرت بخوفها وقلقها أن ينقض ذلك الرجل علينا. عدت وحملت الصخرة وكنت متعبة، فأنا لم أشرب ما يكفي من ماء، بل كانت شربتان صغيرتان لا أكثر. هل سوف أستطيع الإكمال بذلك الجسد الضعيف؟ لطالما أخبرتني أمي أني لا أصلح حتى في أعمال المنزل. فلتنظريني يا أمي وإلى حالتي. كنت أعمل بتعب وإرهاق، وكلما رأيت الرجل ينظر إلي ويرمقني بنظرة مخيفة جدًا، أتذكر تلك العصا وضربته والألم والاختناق الذي شعرت به، فأشد على نفسي وأسير رغمًا عني.

انتهى اليوم. وقفنا لنأخذ العملات وجاء دوري. أعطاني عملة نقدية واحدة، ليس مثل الجميع اثنين. علمت أن بسبب ما حدث اليوم لم أكن قادرة على التحدث. أخذتها وذهبت بصمت. "معك كم مال؟ "لا أعلم، فأنا لا أعرف تلك العملات كم تساوي." "أعطيني." أخرجت ما لدي، وهي عملة اليوم وعملة البارحة المتبقية. "حسناً، سأكمل لكِ من معي. هيا."

ذهبنا إلى ذلك المطعم، وتشممت رائحة الأكل وشعرت بالشهوة الشديدة وأريد أن آكل تلك اللحوم وتلك الأكلات. جاءت غابينة وكانت زودت لي مالاً من معها لتشتري لي خبزاً. لم أعلم بدونها ماذا كنت سأفعل.

جلسنا في مكاننا، وعندما أسندت شعرت بألم مكان الضرب. أكلت الخبز بشراهة وسرعة، كنت أشبه كالحيوان المتشرد الذي ليس له صاحب، الذي فور أن يلقى له قطعة خبز، يلتقطها على الفور ويركض بها. وأنا آكل، نظرت إلى نفسي، وسالت من عيني دموع بحزن، أخفضت رأسي من ما أنا عليه وهذا الكابوس البشع. "لينا.. لماذا تبكين؟ "ماما وحشتني أوي." "م... ماما؟ ماذا؟ لا أفهم." "أمي.. أبي.. أخي، اشتقت لهم كثيراً." "هل لديكِ عائلة؟ أومأت برأسي.

"لماذا جئتي لهنا وتركتيهم؟ "سُلبت منهم." "كيف هذا؟ صمت ولم أتحدث. "لماذا لا تعودي لهم؟ "لو كنت أستطيع لعدت بدون تردد. أنا لا أعلم شيئاً، أنا تائه." "أين هي بلدك يا لينا؟ "ليست هنا، إنها بعيدة.. بعيدة جداً، في عالم آخر، في زمن آخر، وتوقيت آخر." "هل أنتِ حقاً من عالم غيرنا؟ نظرت لها وأومأت برأسي. قلت: "يبدو كذلك." انتظرت أن تضحك بسبب الجنون الذي أقوله، لكنها لم تفعل. "وكيف جئتي لهنا؟

"لا أعلم، لكني أظن الأمر له علاقة بذلك الكتاب." "أية كتاب؟ "كتاب غريب، عليه لغة غريبة، ورمز مثل الذي رأيته على العملات. إلى هنا." "رمز... أي رم..... أتقصدين هذا؟ قامت بإخراج عملة من معها، وأظنها أثمن من العملات الذي يعطونها لنا، فكانت ذهبية. رأيت الرمز. "أجل، هو." "إنه رمز خاص بمملكة غوانتام." "مملكة؟ "أجل، إن ذهبتِ للقصر سترين ذلك الرمز." "أي قصر؟

"قصر المملكة الخاص للملك فرناس، إنه من يحكم بلادنا غوانتام. لا شك بأنك لم تريه." "ومن أين لي بأن أراه؟ وهل ملك مثله يستحق رؤيته؟ يجعل العبيد مستمرين حتى الآن ويعاملون مثل تلك المعاملة وقسوة هؤلاء الضخماء عليهم." "لا تقولي هذا على ملكنا." قالتها بغضب وحدة. "حسناً، كما تشائين." "أظنك سترينه عما قريب، عندما يأتي يوم الغيام نراه." "وما هو يوم الغيام؟

"إنه يوم تكون السماء مليئة بالسحب الممتلئة بالماء، من ثم تهطل علينا ونخزن تلك الماء لحاجتنا. إنه يوم يحتفل فيه الجميع. ستشاهدين إحدى احتفالاتنا العظيمة." تعجبت كثيراً، فهل هم ينتظرون الأمطار ليأخذوها ويخزنونها كماء لهم؟ أليس لديهم أنهار أو أي شيء؟ لا يستدعي احتفالاً للمطر. قلت بسخرية: "رائع. هل سأبقى هنا للأبد لأراه؟ "إنه ليس بعيد. انظري." أشارت بيدها على السماء. رفعت وجهي ونظرت على ما تشير. "أترين تلك السحب؟

إنها قريباً ستنفجر. أنتِ محظوظة، فقد أتيتِ في نهايتها، وستشاركينا ذلك اليوم." لما كل تلك الضجة على الأمطار؟ أعلم أنها جميلة، وأنا كذلك أحبها بشدة، لكن ليس للاحتفال والشرب. قلت بتغيير الموضوع: "لننام، فأنا متعبة بشدة."

مددت بجسدي ويدي خلف رأسي الذي يؤلمني. الصباح، كنت متضايقة من نفسي، لكن ليس بيدي حيلة. أصبحت أشبه المتسولين الذين ينامون في الشوارع ولا لديهم ديار تأويهم. أرتدي ملابس فظة كالرجال تماماً، لكن هذا أفضل حتى لا يتطلع بنا أي رجل من هؤلاء الأوغاد.

في اليوم التالي، أيقظتني غابينة من نومتي المتعبه. أفاقت وذهبت معها إلى ذلك العمل المجهد الذي يحتاج لجسد قوي وبضخامتهم وليس بأحجامنا وضعف جسدنا. وبدلاً من أن يرقوا علينا وعلى حالتنا، يمسكون عصيان في أيديهم ويضربون من يخطئ. ما تلك القسوة والوحشية؟ وكيف أطلب الرفق لعبيد جيد؟ أنهم يعطونني مالاً ويدعوننا نذهب ثم نعود لهم، فالعبيد يذلون بشدة. لكنني لست عبده، ولن أكون أبداً. إنهم فقط يظنون ذلك، أما أنا فحرة نفسي.

كنت أعمل بتعب وغابينة تحسني على السرعة والتماسك حتى لا يحدث مثل البارحة. وبالفعل، لا أريد أن أتذكر تلك العصا وضربتها وملامستها لجسدي. ويعطونني عملة واحدة ولا تكفي لشراء خبز مثل البارحة، وتزودت لي غابينة لأكل. لا يجب أن يحدث ذلك اليوم أيضاً. انتهى اليوم بسلام، لكن جسدي ليس بحال جيد أبداً. ذهبنا واشترينا الخبز وجلسنا في مكاننا ونأكل، وتسيل من عيني دموع بصمت وأنا آكل بطريقتي تلك وأتذكر عائلتي ورفاهيتي. كم كنت في نعيم!

كيف أصبحت هكذا؟ كيف دخلت لهذا العالم أصلاً؟ إنها خيال، كل ما يحدث خيال، ولا أستطيع تصوره. أقرأ الكتب والروايات وأحبها، إن كانت خيالية، والآن أصبحت من ضمن تلك الروايات. إن ما يحدث يقودني إلى الجنون. وأتذكر ما حدث في المكتبة والكتب والرفوف المعلقة في الهواء والكتاب وأوراقه التي شكلت دوامة. ما هذا؟ أشعر بالخوف من تذكر ما رأيت.

زال عندي يقين ولو بقليل أني في حلم وسينتهي. أجل، فمستحيل أن يكون هذا حقيقياً. كتاب يطفو، كتاب يفتح من تلقاء نفسه، كتاب يهتز، كتاب تطير صفحاته، ولحن غريب ما زلت أتذكره حتى الآن وكأنه كان ينبع من داخل ذاك الكتاب. لينتهي هذا الحلم أو الكابوس سريعاً، فقد أصبح مخيفاً وسيء. أريد عائلتي وعالمي، وليست أرض الجحيم تلك.

مر شهر على ذلك المرارة، وكنت أعمل بجهد وأبذل طاقة كبيرة في ذلك العمل وحمل الصخور. كانت ملابسي تتشقق من إجهادي وتعبى. كانت غابينة تحسني على المثابرة من أجل الطعام والتحمل. وجسدي بدأ عليه النحافة أكثر مما هو عليه، وتغير جلدي بسبب درجة الحرارة وضوء الشمس القوي علينا، وشعري الذي تقحرت حالته ويريد الاعتناء. لكن أنا أريد من يعتني بي، فأنا كلي أصبحت في حالة مزرية في ظرف أيام فقط. فماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل سألتقى بعائلتي؟

هل سأعود لهم ولعالمي ولحياتي؟ هل يوجد هنا أحد على تلك الأرض يستطيع مساعدتي يرسلني إلى عالمي كما أرسلت لهنا؟ اللعنة عليكم جميعاً.. اللعنة عليك أيها الكتاب البغيض، ألقيت بي في بلاد غريبة وزمن آخر وعصر غير عصري، لا أعلم فيه شيئاً غير العمل والأكل والنوم. ولو أن غابينة لم تكن معي، لكنت مت. فهي تواسيني وتساعدني إن حدث لي شيء في العمل وتداري علي من هؤلاء المتوحشين. انتهينا من العمل، أخذنا المال وذهبنا. "ماذا بكِ يا لينا؟

"متعبة.... متعبة كثيراً." "سوف نأكل الآن لتتحملي، فمعنا مال لنشتري طعاماً شهياً مثل الذي تذوقته." لم أكن مبالية. اقتربت مني وقالت بمزاح: "ستحبين طعامنا كثيراً لدرجة أنكِ ستريدين البقاء." ابتسمت بسخرية، فما هذا الذي سيجعلني أريد البقاء على تلك الأرض الجافة؟

على حسب ما علمت أنهم ليس عندهم أنهار أو أي شيء يشربون منها. أنهم يأتون بماء من بلاد أخرى ويشترونها. وذلك يوم الغيام لن تصدقوا، يأتي بعد 30 سنة. أي أن لا أمطار تأتيهم غير قضاء تلك المدة ويحتفلون بذلك. الملك يحفر حفر قاع ويعيد تنظيم الأبار للاستعظام ليخزن الماء ليوم الغيام هذا، ويتمنون أن يأتي عليهم من وسع من أجل أن يكفيهم. لكن كيف 30 سنة سيقضونها بمياه أمطار؟ أتمزحون؟

أتساءل كم أعمار تلك الناس، فغابينة في التسعينات وتقول أنها صغيرة. كان هذا الأمر يضحكني عندما أتذكره، فهي بمثابة جدتي. كنا نسير متجهين للمطعم، وكان هناك يحفرون في الأرض ويقيمون شيئاً. "يجهزون ليوم الغيام، إنهم رجال الملك." قالتها غابينة عندما لاحظت أنظاري عليهم. "فهمت. إنه يفكر بكم كثيراً."

"إنه أفضل ملك مر علينا، فكنا على وشك الموت لولا ظهوره وأخذ ديوننا من بلاد أخرى لامتداد الماء، وقام بإصلاح ما حدث من جفاف في غوانتام، جعلها تقف مرة أخرى ورد إلينا الحياة. وها الآن يجهز آباراً ويقيم من جديد لتخزين المياه لنا." نظرت للسماء. قالت: "أتمنى أن يكون الأمطار كثيرة فتملأ أرضنا." كنت أستمع لها، لكن سمعنا صوتاً مرتفعاً. التفتنا ووجدنا رجلاً ضخماً في يده جربال ويركض خلف ولد صغير وينهره. "هيا لنذهب."

كانت غابينة المتحدثة. ذهبت فتبعتها وأنا أنظر للولد. وجدت الرجل أمسكه وصاح فيه بغضب ورفع جرباله عليه. "لينا، لا شأن لنا." كانت غابينة تحدثني، لم أستمع لها. ضرب الرجل الطفل بقسوة، فصرخ بتألم. لم ألحق به، لكن ما أن اقترب، سحبت الطفل من يده بقوة. كان جسده بارد ويرتعش ويبكي. نظر لي وقال: "أنتِ كيف تتجرأين؟ "كيف تتجرأ أنت على ضرب ولد بذلك الشيء وبتلك القسوة؟ "إنه لص! أي ولد هذا؟

يسرق مني طعام كل يوم وقد طفح الكيل، وها هو الآن سرق وجاء ليأخذ المزيد." نظرت إلى الطفل، كان يبكي. "ابتعدي أيتها الحمقاء." اقترب مني ليأخذ الطفل، فأبعدته قبل أن يمسكه. "قلت لك لا تلمسه." "إذاً، سآخذك أنتِ." نظرت له بخوف. فنظر له نظرات حقيرة شبيهة له. عدت للخلف بالولد. قلت: "ماذا تريد؟ "هل ستدفعين؟ صمت، فلا أعلم ما مقدار المال الذي يريدونه. نظرت للولد، ثم أخرجت المال الذي معي، وكان كل ما لدي. هل سيكفي؟ قلت:

"سأعطيك غداً الباقي." نظر لي، ثم نظر إلى المال وأخذه. ونظر للولد وذهب. كان الجميع ينظر لنا. "ماذا فعلتي؟ نظرت للصوت، كانت غابينة. قالت: "أجننتِ؟ أعطيتيه جميع مالك! كيف ستأكلين؟ إنكِ متهورة! اذهبي واطلبي المال منه." "وأدعه يضرب الولد؟ "إنه من سرق." "ليس سبباً كافياً لضربه بتلك الوحشية، وبتأكيد لديه سبب." نظرت للولد، وكان يقف بقرب قدماي وشبه ملتصق بها. جلست على ركبتي، نظرت له. "لماذا تفعل ذلك؟

ألا تعلم أن السرقة خطأ كبير؟ "بلى." قالت غابينة بسخرية وضيق: "أرأيتِ." نظرت لغابينة، ثم نظرت للولد. قلت: "بما أنك تعرف، لماذا تسرق؟ "شقيقتي تضور جوعاً، وإن لم أحصل على طعام لن نأكل، وإن لم نأكل سنموت." تعجبت من فصاحة ذلك الولد وكيف طريقته في الحديث، ويبدو عليه النضج. حزنت عليه وعلى حالته، لكن ليس معي مال آخر لأعطيه له. تذكرت كريم وكيف يحبني، ذكرني بأخي الذي اشتقت له. سالت دمعة من عيني. ابتسمت ومسحت دمعتي.

"اذهب لأختك ولا تسرق، اعمل واجني المال، فيبدو عليك القوة وأنك رجل، أليس كذلك؟ "أشكرك." ابتسمت ابتسامة خفيفة له، فذهب. نظرت له وهو يذهب. "سنتناول خبزاً بسببك يا لينا." "ليس معي مال حتى للخبز." "وهل تظنين سأتركك بلا طعام يا غبية؟ نظرت لها وإلى ما قالته، كانت غاضبة. ابتسمت عليه. مانت واقفة، لية بتتحرك؟ لقيت حد بيمر جنبها، كانت رجليها مش قادرة تتحرك وابتسامتها اختفت من إلى إلى حست بيه.

لفيت وهي تنظر إليه، وحسيت بحرارة تجتاح جسدي وكأن شعله بتأكيد جواها. قالت غابينة: "أنتِ بخير؟ لم ترد عليها وهي دايخة. "لينا." "جسدي، أشعر بحرارة.. لا أشعر بيدي، وكأنني طيف." "ماذا؟! "إنه كشعور ذلك اليوم.. داخل المكتبة." "هل حالتك سيئة؟ هل نذهب إلى الحكيم؟ لم أتحرك، كان جسدي بالفعل وكأنه صنم. ثم وجدت رؤيتي تتلاشى وضباب يحيط.

سمعت أصوات أعرفها جيداً، كان قربه مني، قريباً مني كثيراً. فتحت عيني ببطء، وكان بها غشاوة، أقفلتهم، ثم فتحتهم ثانياً، وجدت أطياف لثلاثة أشخاص واقفين وينظرون لي. "سأكلم الدكتور أقوله إنها فاقت." "لينا... كان هذا صوت أمي، أجل، أنا أعرفه جيداً. كانت نبرتها حزينة. ابتسمت بسخرية وقلت بتعب: "حلم تاني." "لينا، أنتِ بخير."

كان هذا صوت أخي. حزنت من سماعه، فكم اشتقت له واشتقت لأصواتهم جميعاً. أقفلت عيني، استسلمت للنوم لأعود للواقع الذي أنا عليه. فتحت عيني بعدما شعرت بأحد يوقظني. نظرت، وجدت شخصاً يرتدي معطفاً أبيض، وكانت رؤيتها محسنة قبل أن أغفو، فوجدت عائلتها. قالت لينا: "ماما." قالت هاجر: "نعم يا حبيبتي." "أنتِ معي؟ "أيوة." "هاتي إيدك." مدت يدي لها، أمسكتها على الفور وشعرت بدفء جسدها. "أنتِ حقيقة." نظروا لي بتعجب واستغراب.

قالت: "يعني إيه؟ "أنتِ حقيقة، أنا رجعت." "بتقولي إيه يا لينا؟ مش فاهمة." قال غسان للطبيب: "شكراً يا دكتور، نقدر نمشي." "آه." قالها وهو ينظر لها بتعجب، ثم ذهب. أسندها حسام، قال: "يالا عشان نرجع البيت." ابتعدت هاجر عنه. "أمسكت يدها على الفور." قالت: "لا، متسبنيش، خليكي معايا." "أيه اللي حصل معاكي يا لينا؟ مالك يا حبيبتي؟ "كابوس يا ماما، كان مخيف أوي. المهم خليكي معايا، مش عارفة إذا كنت في حلم وإني لسه هناك." "هناك فين؟

... تعالي يالا، مش هسيبك أنا معاكي أهو." أسندتني أمي، وكنت أرتدي ملابس عادية كلملابسي، وليس كما كنت هناك. خرجنا من المشفى. فتح أخي لي السيارة. دخلت أنا وأمي، ثم ذهب وجلس بجانب والدي. وصلنا، نزلت من السيارة ممسكة بيد أمي. رأيت منزلي، كنت أشعر بالحزن والسعادة، فقد عدت إلى منزلي. أجل، عدت أخيراً. أتمنى ألا يكون حلماً...

أحلم بالحقيقة من الخيال. دخلت غرفتي وجلست على السرير. ذهبت أمي وجاءت معها طعام. نظرت لها بشدة، فكنت جائعة جداً وأتضور جوعاً. أعطتني الطعام وأكلت. أكلت بشهوة وفجع وجوع كبير. كان شكلي ليس لطيف، لكن لم أهتم بشكلي. قلت: "آسفة، أنا جعانة أوي بقالي كتير ما أكلتش أكل زي ده، وكمان أكلك يا ماما." "لي؟ وإنتي كنتي فين الأربع أيام دول؟ نظرت لكريم بشدة، ومن آخر كلمة قالها: "أربع أيام؟

"أيوه، سألنا عليكِ عند صحابك أو في أي حتة ممكن تروحيها، بس ملقناكيش، وبلغنا عليكِ." "لقيتوني فين؟ "في مكتبة، اتصل بينا الأمن، قال إنه لما فتح انهاردة الصبح، لقاكي على الأرض وكان شكلك غريب." "غريب؟! "أيوه، كنتي لابسة لبس غريب جداً يا لينا. إنتي كنتي في مسرحية؟ صمتت، فلا يوجد رداً لما يحدث لها. "لينا، إنتي سامعانا؟ "نعم يا ماما." "كنتي فين يا حبيبتي وشكلك اتغير كده ليه؟ وإيه العلامات اللي عليكي دي؟ "علامات إيه؟

قال أبي: "علامات ضرب وكدمات عليكي، حد ضربك؟ قولي." قال حسام: "إنتي اتخطفتي؟ عذبوكي؟ كانت أسئلة كثيرة وهي مش قادرة تستوعب حاجة. كنت أنظر لهم بشدة وأقلب كلامهم. الحارس وجدني، وكنت في الحالة التي أنا عليها هناك، وعلامات الضرب الذي لا تفارق جسدي حسب ما قالت أمي، وشكلي المتغير. إذا لم يكن حلماً، كان كل شيء حقيقياً. مثلما سلبت من هنا وذهبت لذلك العالم، عدت لعالمي ثانياً. لكن كيف عدت؟ وكيف سُلبت هكذا؟

وذلك الشعور الذي شعرت به وتلك الحرارة الغريبة. وأخي قال أربعة أيام... هل غيبت أربعة أيام فقط؟ بينما أنا هناك قضيت شهراً أو أكثر. كيف إذاً أربعة أيام؟ كيف؟ "قولي اللي حصل وكنتي فين عشان نبلغ ومين اللي عمل فيكي كده؟ نظرت له. قلت: "مهما، مش من هنا يا بابا." "مش فاهم." "يعني أنا ما كنتش معاكم هنا، ما كنتش هنا، ومعرفش أنا كنت فين أصلاً." "إزاي يعني؟ "كنت في بلد تانية غريبة، وكأني في عالم تاني غير ده."

ضحك أخي. نظرت له بشدة وظل يضحك. "بتقولي عالم تاني، عالم تاني إزاي يعني؟ الكتب جننتك يا لينا." أتعلّمون أنها المرة الأولى الذي يسخر فيها أخي ولا يصدق قولي بشيء؟ دائماً يصدقني، حتى وإن كنت كاذبة، يصدقني. أدرت بوجهي بحزن. "لينا، ممكن تقولي لنا الحقيقة وكنتي فين ومين اللي عمل فيكي كده؟ "أنا قلت الحقيقة، ما كنتش هنا، وإلا كان زماني جيت. واللبس كان حقيقة، كنت لابساه هناك. والضرب اللي عليا اتعرضت له وأنا هناك."

"طب اهدى، هأتصل بالدكتور عشان يشوفك." كانت تلك الجملة نزلت علي كصاعقة، التي تخترق أذناي وتجعلها غير قادرة على سماع شيء آخر. إنها أمي! أتصدقون؟ هي من قالت ذلك. إنها تظنني مجنونة، لا تصدقني. جميعهم لا يصدقوني. "ماما، إنتي بتحسبيني اتجننت؟ صمتت ولم ترد. ليتني لم أتفوه بالحقيقة لهم، الذي جعلتني بهذا الشكل أمامهم. خفضت رأسي بحزن. قلت: "اخرجوا، عايزة أقعد لوحدي." "مش إنتي قولتي عايزانا نقعد جنبك؟

"غيرت رأيي، عايزة أبقى لوحدي." نظروا لي بشدة ووقفوا وذهبوا. نظرت لهم وقد أغلقوا الباب. أنزلت قدمي من على السرير ووقفت أمام المرآة. أدرت بوجهي، وكان عليه علامات الصفع الذي كنت أتعرض لها وأنا عبده هناك عندما كنت أخطئ. أبعدت أكمام ملابسي، وكان عليها كدمات من أثر الصخور والركلات حين أقع بدون قصد.

حالتي مزرية حقاً. ذهبت وأخذت حماماً دافئاً يفيقني من ما أنا عليه، وأدور بعقلي إلى ما حدث. خرجت وجففت شعري وقمت بتمشيطه، وذهبت للنوم. فأنا متعبة، وإن نمت من هنا لغداً، لن يكفي. توقفت في مكاني بصدمة، واتسعت عيناي وارتجفت خوفاً من الكتاب الذي على منضدتي. إنه ذلك الكتاب الملعون. عدت للخلف بخوف، فأصدمت بالمكتب، وقعت وصدر ضجيج. فتح الباب، طلع منه أخي ومن خلفه والداي. اقترب مني: "إنتي كويسة؟ وقعتي كده إزاي؟

نظرت له بخوف ومدت ذراع وأشارت بإصبع السبابة على المنضدة. "ال..الكتاب." نظروا على ما أشير. "كتاب إيه؟ ذهب أبي للمنضدة وأمسك الكتاب. قال: "ده." قلت بصوت مرتفع وخوف: "سيبه يبابا، متلمسهوش." نظر لي أبي باستغراب وأعاده ثانياً، وكانوا يرمقوني بنظرات غريبة لم أفهمها. قلت: "مين جابه هنا؟ "محدش جاب حاجة، إنتي بس اللي بتجيبي الكتب دي على البيت." "مجبتش حاجة، مش أنا." "إزاي مش إنتي؟ هيكون مين اللي جابه؟

"مش عارفة، خدوه، خدوه من هنا، مش عايزة أشوفه. خرجوا من البيت." قال كريم: "اهدئ، إيه؟ "بقولك خدوه بعيد عني." أمسك أخي الكتاب. قال: "أوديه فين؟ "المكتبة اللي لقيتوني فيها، هو من هناك." أومأ برأسه وذهب، بينما كنت خائفة على أخي من ذلك الكتاب وأن يسلب هو الآخر ويرا الجنون الذي قلت عليه. مر وقت، كنت جالسة في غرفتي. سمعت صوت الباب. ذهبت بسرعة، لكن لم يكن أخي. كان عامر ابن عمي، الذي عندما رآني اقترب مني سريعاً. قال بقلق:

"لينا، كنتي فين؟ إيه اللي في وشك ده؟ نظرت له وأحرجت. "عامل إيه يا عامر؟ نظر لأمي الواقفة. قال: "الحمد لله." "إنت عرفت منين؟ بابا قالك؟ "لا، أنا كنت رايح الشغل، مريت على القسم، قالوا لي إن المحضر اتقفل، فجيت على هنا." "طب تعالى اعقد واقف ليه."

ذهبنا وجلسنا، وكنت لا يجب أن أتركه وأذهب، فهو جاء للاطمئنان علي. لكنه كان يسألني أين كنت، تلك المظاهر، ولا أستطيع الرد، فاود الانسحاب من تلك الجلسة. سمعت صوت الجرس. استأذنت وذهبت بسرعة. فتحت الباب وابتهجت عندما وجدته أخي. أسرعت إليه. "رجعته؟ "آه." قالت أمي: "طب يلا عشان ناكل."

ذهبنا وجلسنا على المائدة، بينما عامر مانع وأخبرنا أنه عليه أن يذهب، لكن أبي وأمي منعوه. كم اشتقت لجلستي تلك، وكانت المرة الفائتة حلماً، مجرد وهم. أخذت أكل وأملأ معدتي، فكنت ما آكله الخبز، خبز فقط. جلسنا في غرفة الضيوف مع عامر، والذي سعد والداي بحضوره. وأخي ينظر لي من وقت لآخر، فيعلم أن عامر جاء إلي ومتضايق بعض الشيء، لكن لا يظهر ذلك.

ذهبت لغرفتي ودرست ونمت باكراً بدون القراءة في أي كتاب، فأنا أصبح لدي بغض وكره تجاه الكتب من الآن، وسأسكبهم عما قريب.

استيقظت في الصباح. نظرت حولي بسرعة ولهفة. وما إن رأيت أني في غرفتي وأنام على سرير، أخذت أنفاسي. صليت وبدلت ملابسي ومشطت شعري، وكان تظهر العلامة التي على وجهي. لم أعرف ماذا أفعل. نظرت لمستحضرات التجميل والمساحيق، فهي بإمكانها إخفائها. أخذت ووضعت عليها، حتى لم تعد موجودة. أنزلت شعري قليلاً على وجهي بالجانب حتى لا يظهر شيء. أخذت دفتري وخرجت وشاركت عائلتي الفطور. "استنى عشان هوصلك." كان المتحدث حسام.

قلت: "هعرف أروح لوحدي، متجننتش لدرجة إني معرفش أروح جامعتي." نظروا لي وإلى كلامي، وكذلك أخي. فكنت حزينة من سخريته علي من البارحة، فهو يجب أن يصدقني، وأبي وأمي كذلك، وإن كذبني الجميع، يصدقوني هم. على كل حال، انتهى ذلك الأمر، لا داعي بأن يصدقوا أم لا. فلن أتفوه بتلك الخرافات ثانياً، فإنها قد انتهت، وأنا بين أرض الواقع الآن.

تذكرت دكتور معتز عندما أخبرني ذلك اليوم أن أحضر باكراً حتى لا يتعصب، وأنا لا أريد أيضاً التعرض للإهانة. يكفي إهانتي وسخريتي لنفسي. ذهبت إلى الجامعة. دخلت المدرج وكان الدكتور لم يأتي بعد. جلست ووضعت دفاتري. "بصوا مين هنا." نظرت إلى من يتحدثون، كانت يارا ورفيقاتها. نظرت أمامي ولم أعرهم اهتمام. "وحشتينا." "في اليومين اللي مجيتيش فيهم، ضحكنا." قالت يارا: "هنضحك كمان شوية، الصبر."

جمعت قبضتي وتمالكت نفسي. أخذت نفساً عميقاً أزيح غضبي. ثم دخل دكتور معتز، وقف ونظر لنا، ثم وجدته ينظر لي أنا تحديداً. لم أفهم نظراته تلك. "طبعاً، إحنا عارفين إن اللي مبحضرش ليا محاضرة واحدة، ميحضرليش تاني." وكان يتحدث وهو ينظر لي. تعجبت، وهل يقصدني أنا؟ "سمعتيني يا دكتورة؟ بالفعل، حدثني. وجدت الجميع ينظر إلي. "بس أنا مكنتش ا... "اخرجي فوراً."

كانت نبرته تلك مهينة جداً. شعرت بالحرج الشديد وتجمعت دموع داخل عيني، لأول مرة. أصبحت حساسة زيادة. حاولت أخفيها. سمعت قهقهات منخفضة، وأعلم من يكونون. أخذت دفاتري وذهبت. نظرت إلى معتز بغضب. نظر لي هو الآخر، ثم التفت وخرجت. "طب اهدئ، متزعليش." كانت تلك صديقتي سهيلة وتحاول تهدئتي، فأنا على وشك البكاء. "إنتي كنتي فين صحيح؟ صمت ولم أرد، فلم أجد جواباً، كنت ضائعة. يالا السخرية.

"معلش، إنتي عارفة إنه دكتور كده، وهيكسفك قدامهم كلهم. فبتحضري ليه؟ "مكنش بإيدي إني أغيب عن محاضراته، أكيد مش هفرح وإني جاية عشان أتهان كده قدام الكل." "أمال مجتيش ليه؟ صمت ولم أتحدث، فلا أجد جواباً. كنت حبيسة لبلاد العجائب تلك. "أنا هروح له." "تروحي لمين؟ "دكتور معتز." "آه، مش كل شوية يهيني كده، مش هحضر له تاني ويشيلني المادة زي ما هو عايز، وهرد عليه ومش هسكت له." "استني عشان متزوديش الموضوع، ممكن يحطك في دماغه."

"هو لسه هيحطني؟ ذهبت ولم أعرها اهتمام. وجدت يارا وأصدقائها ينظرون إلي ويبتسمون بسخرية. لم أهتم بهم وأكملت طريقي للداخل، وسألت أحد عنه وعلمت أنه في مكتبه. فتحت الباب بدون أن أستأذن. نظر لي: "إنتي إزاي تدخلي كده؟ "أنا عايزة أعرف إيه مشكلتك معايا يا دكتور معتز؟ "مشكلة إيه؟ "معرفش، أنا اللي بسألك." وقف ببرود ونظر إليها. قال: "اخرجي يا لينا." "لي؟ كل شوية تكسفني قدام الكل. المرة اللي فاتت قولتلي متتأخريش، ومتأخرتش."

"على أساس إنكِ جيتي يومها. أنا قولت متتأخريش، بس إنتي غيبتي. معنديش وقت أضيعه." وقفت قدامه بغضب. قالت: "إنت مبتديش لحد أسبابه. أنا مكنش بأيدي إني محضر عشان أسمع كلامك السخيف زي النهاردة." نظر لها وهي تقف أمامه مباشرة. قالت لينا: "لو كنت أقدر كنت جيت ووفرت عليك تعبك في إهانتي." "وأيه اللي منعك؟ "لأني مكنتش هنا، أنا ك... صمت ولم أكمل كلامي، فكنت سأقول عن السخافات التي ستجعلني محض للسخرية أكثر مما أنا عليه.

"متكمليش، ولا بتدوري على سبب تقوليه؟ بصيت في عينه. قالت: "مش مضطرة أقولك أسبابي، لكنك مضطر تحط للناس أسباب يا دكتور. لو كنت تعرف إن أنا معمول لي محضر وبييدوروا عليا في الأيام دي، إنت بتحكم بظنك، وده هيتعبك كتير، لأن الظن عمره مكان الحقيقة. زي ما إنت فاكر إني محضرتش عشان أنا مش عايزة أحضر، إنت متعرفش أنا كنت فين ولا حالتي كانت إيه. تقدر تشيلني المادة، مبقاش فارقة معايا عشان أنا مش هحضر أي محاضرة ليك تاني."

نظر لي قليلاً، التفت وذهبت، وتركته وأنا أشعر بالراحة، لأنني صببت عليه الكلام الذي أردت قوله. كنت واقفة أوقف سيارة لتقلني للمنزل. وأثناء وقوفي نظرت بجانبي، وجدت معتز. ولا داعي بتلقيبه بدكتور بعد الآن. نظر لي، أدرت وجهي، ثم توقفت سيارة، ركبتها وذهبت. دخلت أوضتها ومسحت المكياج من عليها. بس وقفت مكانها بصدمة، وعينها ترتجف خوفاً وزعر، وهي شايفة انعكاس ذلك الكتاب الملعون في المرايا...

سراب غوانتامتكملة بارت٣تفاعل وهنزل واحد كمان بليل💗 •

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...