يجلس يوسف جوارها على المقعد، عاجزًا عن فعل أي شيء لها. يتمسك بأمله العظيم بالنجاة، القرآن الكريم، يرتل الآيات بخشوعٍ ودموع تلألأت بعينيه. حتى انتهى من قراءة جزئين من المصحف الشريف دون كلل. حاول بكلماته الطيبة أن يبدد تفكيره السيء الذي أقحمه الشيطان في عقله، فزرع نور الإيمان بداخله وكسر عقل الطبيب المهني عنه.
كطبيب، يعلم أن نسبة نجاة الجنين لا تتعدى العشرين بالمئة بعد ما تعرضت له من نزيف حاد. وكرجل مؤمن، يعلم أنه لا محال أمام إرادة الله عز وجل. استند يوسف على ظهر المقعد وهو يضم مصحفه إليه، بينما لسانه يردد بإيمان:
"اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي، وذهاب حزني، وارزقني تلاوته بالوجه الذي يرضيك عني، واجعله نورًا في قبري، ومؤنسًا في وحدتي وانكساري، ونورًا لي على الصراط، وشفيعًا لي يوم القيامة، لا علي يا أرحم الراحمين." وضعه يوسف جواره على الكومود، ثم أخذ يراقب زوجته الغافلة باستسلام. فانتبه لها وهي ترفرف بأجفانها، تجاهد لفتح عينيها الثقيلة. نهض يسرع لها، يميل فوق رأسها، يبعد خصلاتها عن وجهها الشاحب،
يناديها بلهفة: "ليلى! برزت الصورة أمامها وبدت أكثر وضوحًا. تمعنت بعينيه المتورمة من البكاء، فنادته تستجديه بما مرت به: "يوسف! رفع أصابعها المحقونة بالكانيولا، يقبلها بحب وهو يهمس: "خلعتي قلب يوسف عليكي يا ليلى، إنتِ كويسة؟ لسه حاسة بأي وجع؟ هزت رأسها بالنفي، وطالعته بريبة وهي تستجمع قوتها لتلقي سؤالها التالي. ابتلعت ريقها الهادر ورددت بخوف: "البيبي؟ علم مغزى سؤالها المختصر، فقبض على كفها الرقيق وقال:
"لو وجوده خير لينا ربنا مش هيأخده مننا، لو آ... قاطعته بدموعها السائلة: "عايش ولا ميت يا يوسف؟ قطع حديثه وأجابها حزينًا: "معرفش، والمفروض إني أكشف عليكي دلوقتي عشان أحدد هتدخلي عمليات تاني ولا لأ." تزاحمت الدموع بمقلتيها، وصرخت بقهر: "تقصد إن لو مكنش في نبض هتعملي إجهاض؟! تساقطت دمعة عن عينه، أزاحها وقال برعشةٍ أصابت قلبها لرؤيته يبكي رغم جموده وصلابته التامة:
"ده قضاء ربنا ومنقدرش نعترض عليه يا ليلى، أنا محطوط في وضع صعب، ولو لقدر الله طلع كلامي الأخير اللي صح مش هقبل أسيب حد من المركز يعملك العملية دي وأنا موجود، مش لأني أكفأ واحد هنا، لإني هموت بره على الباب لو سبتك تدخلي من غيري." ومال على كتفها يترك دموعه تبلل وسادتها، بينما يردد بصوته المحتقن: "طول عمرك مؤمنة وراضية بقضاء الله، متفقديش إيمانك في اللحظة دي، عشان خاطري خليكِ صبورة ومؤمنة يا حبيبتي."
احتبست أي قهر داخلها، ورددت بندمٍ: "أنا آسفة يا يوسف، مقدرتش أحافظ على الطفل اللي كنت بتمناه، كنت مهملة وآ... منعها من استكمال حديثها حينما ضم شفتيها بكفه، وقال يجدد إيمانها: "كل شيء مكتوب يا ليلى." هزت رأسها بإيمان استحضره يوسف في قلبها بنجاحٍ. سحبت ليلى نفسًا طويلًا، وقالت بكل عزم: "إنهي التوتر ده وخدني أوضة الكشف."
تصلبت أوردته كأنها تخبره بأن يلقيها من الطابق الأخير. فإذا بيده تضم كتفها بقوة، مستبعدًا أن يخوض تلك اللحظة، التي لطالما كانت جزءًا من يومه المهني. ولأول مرة يشعر بألم المرأة التي تنتظر إجابته ببقاء جنينها أو بفقدانه نبض الحياة. وليكن صادقًا، يخوض الآن شعور المرأة والرجل معًا. سحبت كفها من يده ورفعته ليده الأخرى المتشبثة بكفها، تربت عليها بقوةٍ لا تعلم من أين استحضرتها: "وديني يا يوسف من فضلك." رد عليها بصوته الشاحب:
"خلينا لبكرة الصبح." رفضت اقتراحه وسحبت حجابها المنسدل جوارها على زاوية الفراش ترتديه: "لا دلوقتي." وتابعت بحزمٍ تذكره بكنايته: "من فضلك يا دكتور! استقام يجلس وهو يطالعها بتوترٍ. فانساق كالتائه يجر مقعدًا متحركًا من الخارج. حملها بكل خفة إليه، ودفعها بخطواتٍ متهدجة لغرفته. كم ود أن تطول به المسافة حتى لا يصل لها، ولكن لكل شيء نهاية وانتهى به بسحبه باب الغرفة.
وضعها على الفراش وجلس أمام الأجهزة التي برع باستخدامها على الدوام، ولكنه اليوم يتطلع لها بريبةٍ كأنه فقد ماهية استخدامها. نادته ليلى وهي تحبس كل ارتباك داخل جوفها: "يلا يا يوسف."
فاق من شروده وأومأ لها. سحب الجل الطبي يضعه عليها وهو يدعو داخله أن يلهمه الله الصبر والقوة، وأن يمر ابتلاؤهما. وضع الجهاز عليها، ودقق النظر في الشاشة من أمامه. تساقطت دموعه تدريجيًا، مما أكد شكوك ليلى. وكلما حرك الجهاز على بطنها الشبه منتفخ، كان يزداد قلقها وتوترها. ومع ذلك، لم تجرأ على سؤاله حتى يصب كل تفكيره على الجهاز.
مرت خمسة عشر دقيقة، كانت الأطول عليها على مر حياتها. انتظرته يتحدث، حتى وإن صدمها بخبر مؤسف، ولكنه كان صامتًا بشكلٍ أوصل لها الإجابة دون الحاجة لسؤاله. دموعه وبصره الذي لا يحيد عن الشاشة يشتتها. استجمعت ليلى شجاعتها مرة أخرى وسألته برعبٍ: "يوسف؟ صوتها فصله عن التحديق عن شاشته، فنقل بصره لها ثم عاد يتطلع قبالته. يرفع صوت نبض الجنين الذي أحيا نبض قلبها كليًا إليه، وخاصة مع نطقه الحماسي:
"موجودة وزي الفل، وشكلها هتطلع عنيدة ودماغها ناشفة زي أمها! مالت برأسها للخلف تسترخي بمنامتها كليًا ودموع فرحتها تنهمر دون توقف. تلقت الآن خبر حملها بأنثى، مع فرحة بقائها على قيد الحياة. ولسانها لا يتوقف عن نطقه التلقائي: "اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظمة سلطانك! ابتسم وقال بإيمان:
"مهما طالت خبرتنا بالمجال بتيجي حالات تفاجئنا وتزيد من إيماننا بربنا عز وجل. وبتفضل مقولة متنقلة على لسان الأطباء عن الحالة المستحيلة اللي ربنا من عليها. فالظاهر إننا هيكون لينا حديث مشابه عن كرم ربنا ولطفه معانا ومع نجاة بنت دكتور يوسف دكتور النسا والتوليد! توقفت عن البكاء وسطوع الاسم المختار يبرق أمامها، فاستطعم لسانها مذاق الاسم بفرحة: "نجاة! أومأ برأسه لها، فاستطردت بسعادة: "إسم جميل." وبمزح قالت:
"وأكيد مش هراجعك فيه يا دكتور." ضحك وهو ينحني ليحملها: "إنتِ لو دماغك العنيد ده يلين وتبطلي تراجعيني في حاجات كتيرة كان زمان عندنا نص دستة عيال يا قلب الدكتور! وتابع وهو يمضي بها للخارج مستبعدًا المقعد المتحرك، كأنما حصل على طاقة نشاط أهلته لحملها الآن: "هرجعك أوضتك، الممرضة مستنياكِ بالأكل والهدوم. تأكلي وتأخدي أدويتك وتغيري وترتاحي. أنا قافل موبايلي ومدبس جمال تدبيسة زمانه بيدعي عليا بسببها."
أحاطت رقبته خشية سقوطها، وسألته باسترابة: "تدبيسة إيه؟ وضعها على الفراش، وقال وهو ينصب عوده: "سيف ودي تدبيسة سودة! وتابع وهو يشير للممرضة بالاقتراب: "أكلك وأدويتك وهرجع أحكيلك كل حاجة، بس أكلمه الأول."
أومأت برأسها بتفهمٍ، فعاد يسحب بابها من خلفه، يعود للمكتب مجددًا. يستخدم هاتفه الملقي بأحد أدراجه، فتفاجئ بستين مكالمة من جمال، وخمسة مكالمات من عمران. ينتهي بها تسجيل صوتي خشِي فتحه، فوضع سماعته وهو يستعد لسماع لسانه السليط، وقد صدق حدسه حينما استمع لعصبيته البالغة:
"أنا عايز أعرف إنت شايل أمه ليه وإنت قافل القافلة السودة دي، ده أنت جوه العمليات وبتخلي الممرضة ترد بدالك. افتح الزفت ده وطمني، جمال قالي على اللي حصل مع سيف ومع دكتورة ليلى، طمني الأمور تمام ولا إيه، متقلقش على سيف جمال عينه عليه. أنا حجزت على طيارة لندن، بكرة هكون عندك، آيوب هيركب الساعة 11 وأنا طيارتي بعده بساعتين، ومتقولش لجمال حاجة عشان هيركب قبلي. ولما أوصلك يا يوسف هعرفك إزاي تطنش مكالماتي وإنت بالظروف دي، وإزاي أصلًا تخبي عني اللي مريت بيه ده كله، عمومًا الحساب يجمع، ولكل حساب رصيد، يا ويلك من وقت النفاذ!!
***** توقف بالسيارة أسفل المبنى القابع به مسكن الإيجار، يجاوره بالمقعد الأمامي "جمال"، الذي استعد للهبوط وهو يشير له بحزمٍ: "يلا يا بشمهندس اركن واطلع." أعرب "سيف" عن استيائه بكلماتٍ ساخرة: "أصرت تيجي توصلني وأنا اللي معايا عربية، طيب قولي إنت هتروح إزاي؟ أخبره بابتسامةٍ صغيرة وهو يستعد للهبوط: "متشغلش بالك بيا، هوقف تاكسي أو هاخد أي مواصلة." رد عليه بدهشةٍ: "طيب وليه كل ده، ما أنا معايا عربيتي، هوصلك وأرجع!
شدد على كلماته بحزمٍ غير قابل للنقاش: "سيف أنا مسؤول عنك مسؤولية كاملة قدام يوسف. مكنتش أتمنى أسيبه بالظروف دي، بس انجبرت لما طلب مني أكون جنبك ومعاك. يوسف مش مطمن عليك ولولا اللي حصل لمدام ليلى كان هو اللي هيكون بدالي معاك هنا، فأرجوك اتصرف بعقل ومتحطنيش في موقف محرج معاه، من فضلك! ضم أعلى أنفه بيده، وردد بيأس من محاولة إقناعه: "حاضر يا بشمهندس، هركن وأطلع." منحه جمال ابتسامة صغيرة، وقال قبل أن يتجه للرصيف:
"لو حبيت تخرج في أي مكان اتصل بيا وعرفني، يلا تصبح على خير يا سيڤوو." ابتسم رغمًا عنه، ورد عليه بلطفٍ: "وإنت من أهله إن شاء الله." صف سيف سيارته وصعد للأعلى، بينما صعد جمال لإحدى سيارات الأجرة، يعبث بهاتفه باحثًا عن رقم رفيقه يحاول الاتصال به لمرته الحادية والستون. وما أن وجده يجيب حتى صاح بلهفةٍ: "طمني يا يوسف؟ تغاضى عن سؤاله وقال بقلقٍ: "سيف يا جمال! هدر بعنفٍ: "طمني الأول، أنا من ساعة ما وصلت وبرنلك موبايلك مقفول!
أفصح يطمئنه: "الحمد لله ربنا غمرنا بكرمه ولطفه، وعدت مرحلة الخطر." عادت أنفاسه بصورتها الطبيعية، وهمس بصوتٍ خافت: "الحمد لله." ثم رفع صوته إليه: "ربنا يكملها بالستر والبرنس اللي حيرنا ده يشرفنا على خير." ضحك وهو يصحح له: "لا برنسيسة وهسميها نجاة! هتف فرحًا: "ما شاء الله تنور على الكامل وعريسها موجود." ابتسم وقال بسرور: "وأنا موافق من دلوقتي، المهم طمني على سيف، وعُمران اتصلحتوا؟! أجابه باستفاضة
لتفهمه سبب قلقه المرتاب: "متقلقش، إديته مفتاح شقتك المفروشة، وإنت عارف إن محدش يعرف عنها حاجة فهو بأمان. مفرقتوش من لما نزلنا من الطيارة، حتى أخدته معايا عند عمران وآيوب رغم إنه كان رافض، ولسه طالع الشقة من شوية." تنهيدة عميقة وصلت إليه، وصدى صوته الهامس: "الحمدلله." واستطرد ينبهه برجاء: "أنا أصريت عليك تنزل معاه عشان تخلي عينيك عليه يا جمال، يمان ده مخيف ومش سهل، الله أعلم قصته انتهت ولا لسه!
عشان خاطري يا جمال متسبهوش." أكد له بحب: "أمانتك في رقبتي يا صاحبي، متشلش هم حاجة، كفايا التوتر اللي إنت عايش فيه، ربنا يطمن قلبك يارب." =اللهم آمين، ها بقى طمني اللي بينكم اتحل إنت وعمران ولا مستنين نزولي؟ قال وهو يتحسس آثار اللكمة: "هو إتحل الحمدلله بس مقابلته مكنتش ولابد أوي يعني." تساءل بقلقٍ: "إزاي؟ أخبره من بين ضحكاته:
"قابلني ببوكس معتبر، وكل ده عشان اتأخرت بسفري مع إنه مديني الرخصة وقالي متنزلش من غير مراتك وابنك." سعل يوسف بشدةٍ، ولفظ برعب: "ده لسه مهددني من شوية عشان كنت قافل موبايلي! =رن عليك كام رنة؟ _وخمسة وفنشها بريكورد من ساعة ما سمعته وأنا مرتبك وحالتي مش ولابد! =رنله بسرعة قبل ما تلاقيه الصبح في وشك! انفجر يوسف ضاحكًا، وقال: "قالي كده فعلًا." صاح جمال بعصبية بالغة: "نعم، هو أنا جايله عشان يسافر!!
اتصل وراضي غروره باعذار يلخص الحكاية بدل ما وشك يبقى خريطة ومنبع الحكايات كلها." سيطر على ضحكاته بصعوبة، وقال متصنعًا الجدية: "طيب أنت متعصب ليه يا جمال!! هدر منفعلًا غير مباليًا بالسائق المنزعج من حديثه المستمر منذ صعوده للسيارة: "أنا مصدقت دماغه لانت، ورجع يتقبل وجودي، يقوم يسافر لندن تاني!! أنا مصدقت اتجمعنا وإنت أول ما تطمن على الدكتورة ليلى حصلنا، لان بصراحة وجودك هناك مبقلوش لازمة." =إنت شايف كده يعني!!
_أيوه شايف الصح وببلغك بيه، كفايا غربة بقى يا يوسف، كفايا!! =تمام أنا هعمل كل اللي تقوله الا حاجة واحدة. _اللي هي؟ =إني أكلمه، ده ما هيصدق أرنله هيهزقني يا جمال وأنا نفسيًا غير قابل للتهزيق! انخرط بنوبة من الضحك، وفاه بشماتةٍ: "تستاهل بصراحة عشان تقفل موبايلك أوي." اقترح بمكرٍ شيطاني: "طيب ما تخليك جدع وتكلمه إنت وتقوله إني كلمتك وطمنتك؟ تلاشت ضحكاته وصاح متقمصًا دور المتذمر:
"يا أخي خلي عندك دم، بقولك قابلني ببوكس خلع وشي، ومصدقت الدنيا تصفى بينا، عايزه يعمل فيا إيه تاني يا دكتور الحالات المتعسرة!!! = خلاص يا عبحليم، اتنيل على جنب وأنا هظرفه ريكورد سريع أطمنه على الدنيا وهقفل التليفون بعدها شهرين تلاته. أغلق جمال الهاتف ومازالت الفرحة تضيء وجهه المنير، غفران عُمران له كانت من أسمى أمنياته، وها هو ينالها بعد تعبٍ وإرهاق. ******
استكان "آدهم" جوار "عمران" بهدوءٍ، بينما عقله يصارع كلمات "يونس" الأخيرة إليه. أخر ما يريده أن يخسر آيوب، ولكن ما سيحدث سيرغمه على خوض مرحلة فراق بينهما إن لم يستوعب الأمر سريعًا. راقبه من أسفل نظارته السوداء بدهشةٍ، هل يعقل أن يلحق به دون أي سؤالًا وتحدٍ شرس بينهما؟ مال إليه يسأله بريبة: "أنت كويس؟ أفاق على سؤاله المطروح، وقال يجيب: "كويس، ممكن تفهمني بقى إحنا بنعمل إيه هنا؟ سحب زهرتين من باقة الورد، وقدمها إليه:
"عشان تعرف بس إني عامل معاك الواجب." تطلع أما بيده باستغراب، وتساءل: "ده إيه؟ وما كاد يجيبه حتى هوى صوتها الرقيق، مخترقًا أضلعه كنسمة باردة مرت بيومٍ شديد الحرارة: "آدهـم!! استدار للخلف وهو يتمنى أن لا يكون يتوهم وجودها، فإذا بها تدنو منه بنظراتها الفاتنة، تطالعه بشوقٍ وخجل. تردد لسانه وابتسامته الساحرة تغزو وجهه: "شمس هانم." زم عُمران شفتيه ساخطًا، ولكز كتفه يخرجه من شروده:
"بقالك ساعة واقف متنح، وبتفكر تحضنها إزاي، بختصرلك الوقت والمال والتفكير وبقولك مينفعش! وتخطاه يضمها إليه، قائلًا بابتسامته الهادئة: "نورتي مصر والدنيا كلها." تعلقت به وهتفت بشوق: "وحشتني أوي يا عمران، إنت حتى مبقتش ترد على مكالماتي! مال يهمس لها بخبث: "مكالمات الاطمئنان إن الهدية وصلت ولا لا، اتطمني موصلتش ومش هتوصل." ابتعد تطالعه بغضب، فعاد يضمها وهو يتابع:
"التقل صنعه، مينفعش تهاديه بشيء بدون مناسبة، وعلى الرغم إني أتمناها متجيش بس للأسف جاية، وعيد ميلاد الظابط البلطجي ده قبل فرحكم بيوم." تعلقت به بشدة وهتفت بحماس بعدما أرضتها كلماته: "إنت لست سيء للغاية أخي العزيز." كبت ضحكته وابتعد يحدجها بنظرة جادة، ثم قال بخشونة متعمدة: "فين علي وفريدة هانم، فين مايـا؟ رددت وعينيها تراقب صمت آدهم الغريب: "علي وأنكل أحمد بيجيبوا الشنط، ومامي وفاطيما ومايا ورايا."
شعر بحاجتهما للحديث، فانسحب من بينهما بهدوءٍ. دنت شمس إليه تتعمق به كأنها تود أن تكتشف ما به، وحينما وجدته يطالعها بثبات، قالت: "مالك يا آدهم؟ مش مبسوط إنك شوفتني؟ رد عليها بابتسامة يجاهد لزرعها: "مبسوط طبعًا يا شمس، أنا بس اتفاجئت مش أكتر." وتابع وهو يبحث عن عمران: "أخوكِ فين؟ أشارت للباب الزجاجي قائلة: "دخل يشوف فريدة هانم." هز رأسه بتفهمٍ، ومال يحمل عنها حقيبتها البينك الصغيرة، ثم وضع بيدها الزهرات مبتسمًا:
"حمدلله على السلامة شمس هانم." بالرغم من جمود مقابلته، الا أنها منحته ابتسامة رائعة ورددت باستعلاء مصطنع: "ميرسي كابتن آدهم." اتجه آدهم للسيارة بالخارج، يتصنع أنه يضع الحقيبة بصندوقها، بينما عقله يكاد يتجمد من كثرة زحام أفكاره. بمجرد سفر آيوب وعودته سيقام حفل زفافه، وبعدها ستُكشف الحقيقة، كيف سيتقبلها آيوب؟ لا يريد خسارته أبدًا.
رفع يده ليسحب رافعة صندوق السيارة ليغلقه، ولكن تفاجئ بها تقف من خلفه، وعلى ما يبدو بأنها تناديه منذ فترة. استدار إليها، بينما تقول بدهشة: "بنادي عليك مش سامعني؟ رفع بصره التائه إليها، ظهورها الآن بمثابة المنارة التي اهتدى بها. استغل غطاء صندوق السيارة الخلفي كستارٍ إليهما، جذبها إليه يضمها بقوة، وهو يهمس لها بارهاق: "تعبت يا شمس، تعبت وحاسس إني ولأول مرة ضعيف." لفت يدها من حوله مندهشة من فعلته، ورددت بصدمة: "آدهم!!
**** حمل إحدى الباقات وبحث بلهفة عنها، يود أن يراها ليضمد شوقه النازف إليها. رآها توليها ظهره وعلى ما يبدو تتحدث مع زوجة أخيه. أسرع إليها يحاوطها من الخلف ويدور بها بسعادة جعلتهما محط الأنظار. تفاجأت مايا بجسدها المرفوع، فانحنت للاسفل فوجدته يحملها، تعلقت به وهي تردد بعدم تصديق: "عُمران." همس لها ومازال يحملها: "حبيب قلبه! وحشتيني!
_وإنت وحشتنا كلنا يا طاووس، بس أستأذنك تنزل البنت وتلم نفسك إحنا في القاهرة مش لندن يا روميو! قالها أحمد بسخرية ضاحكة، بينما تتبعه أنظار عمران الذي تفاجئ بجميع من حوله يتطلعون لهما بانبهار، حتى أن معظم كاميرات الهاتف سجلت تلك اللحظة! *** دث مفتاحه بباب شقته، حاول مرارًا فتحه ولكنه لم يستجيب. اندهش جمال من الأمر الذي اتضح له كليًا حينما تسلل له صوت صبا: "انزل نام تحت يا جمال!!!
كان يشعر بأن هدوءها غريبًا، والآن أفصح له عما أخفته بجعبتها. عاد جمال يطرق الباب متحدثًا بصوتٍ حرص على انخفاضه: "صبا افتحي الباب ده وبلاش جنان، أنا مش نازل من لندن عشان نحل مشاكلنا هنا! أتاه صوتها المتحدي: "اللي عندي قولته يا جمال، انزل تحت عند ماما آشرقت وأوعى تفكر تعتب الشقة دي طول ما أنا فيها، والا وقسمًا بالله لأخد ابني وأمشي ومتعرفلي طريق." مال بجبينه يستند على الباب، وقال بارهاقٍ:
"وبعدين معاكِ يا بنت الناس، مصرة تقسي قلبك عليا، مش شفعتلكيش انتقامك مني طول الفترة اللي فاتت؟! يا صبا أنا عملت كل حاجة عشان تسامحيني وملجأتش لحجة إني مكنتش في وعيي. اتحملت نتيجة حقد نعمان الغرباوي ودفعت التمن غالي، سكت واتقبلت كل حاجة عشان كان جوايا احساس كبير بالذنب تجاهك، عاتبت نفسي على الأيام اللي فاتت ولقيت إني كنت ظالم أكتر ما كنت مظلوم." واستطرد بحزنٍ جعل قامته تنحني:
"ودلوقتي خلاص استكفيت من البعد والهجر، عايز أكون جنبك وأعوضك وأعوض نفسي عن كل اللي شوفته، صبا أنا مش عايز أقلب في اللي فات وأفكرك بغلطاتك واللي أولها نظرتك لصاحب عمري، مش عايز أئنبك في مقارنة ما بين حياته المترفية وحياتي اللي قضيتها مكسور وأنا شايف أمي طالع عينها عشان تربيني أنا وأخواتي، كل راجل وله شخصيته وأنا ظروف حياتي اللي عملت مني الشخصية دي، أنا مش وحش أوي يا صبا."
ونصب عوده يتجه لدرج المبنى الجانبي وهو يرفع صوته لمن تقف خلف الباب، يفضحها ظلها المنسدل من أسفله: "من أول ما اتجوزنا محدش علم بمشكلة حصلت بينا، نزولي لأمي تحت هيكشف إن في مشكلة بيني وبينك وأنا مش هقبل بده، خليكي في بيتك وأنا هفضل هنا لحد ما تحني وتفتحيلي بابك وقبله تفتحيلي قلبك من تاني! رددت بتعصبٍ وعند: "مش هفتح يا جمال حتى لو قعدت عندك طول الليل."
وتركته وغادرت وبقايا ابتسامة ألم تتشكل على شفتيه، مهما مضت الدقائق كان يرى ظلها يدنو من الباب تتفحصه من العين السحرية، تتأكد من أنه مازال يجلس. ابتسامة مشاكسة تشكلت على فمه، أتظنه يتحدث عبثًا! نزع جمال عنه جاكيته، ثم وضعه على الدرج من خلفه ومال برأسه يستند عليه، بينما عينيه لا تفارق السقف بشرودٍ.
مضت ساعة كاملة ومازال صامدًا، حتى فقدت كافة آمالها بأن ييأس ويهبط للأسفل. توجهت لغرفتها وهي تحاول أن تصطنع عدم مبالاتها به وبنومه الغير مريح، بأجواء باردة ليلًا مثل ذلك الموسم الخريفي، ولكن قلبها الخائن لم يتقن دور القسوة. اتجهت للباب تحرره وتطالعه بنظرة غائرة بالدموع، حينما وجدت النوم يغلبه لدرجة لم يشعر بها. اتجهت إليه تناديه بضجرٍ: "جمال!
لم يستمع إليها، فانحنت إليه وما كادت بهز جسده حتى صفنت بمعالمه التي لطالما عشقتها، شعره الأسود الذي طال عن طوله الطبيعي فزاد من وسامته، لم يكن ليتركه يومًا، ذقنه المتوسطة، عينيه المطبقة خلف رموشه الطويلة، كل شيء يجذبها إليه. أفاقت من عاطفتها تناديه ويدها تحرك ذراعه: "جمال فوق." فتح مُقلتيه ببطءٍ، فوجدها قبالته، منحها ابتسامة وهو يهمس: "مهنتش عليكِ؟ تساقطت دموعها عن عينيها، وبألمٍ أجابته: "مهنتش، بس أنا هنت قبل كده."
قربها إليه يحيط وجهها بيده، بينما يعيد خصلاتها خلف أذنيها: "مش صحيح، عمرك ما هنتي ولا هتهوني على قلبي، أنا بحبك يا صبا." ودنى إليها يقربها منه، ونبرته الرقيقة تستهدف حصونها: "بحبك ومش عايز في دنيتي غير رضاكِ، من أول ما عنيا لمحتك دفنت تفاصيلك جواها، وكأنها عارفة إنك هتخصيني وهتكوني ملكي." بدت مندهشة من سماعها لحديثه، أيعقل أن يخرج عن صمته بعد تلك السنوات؟
مازال يضم وجهها إليه، أصابعه تزيح أي دمعة تتدفق عنها، ابتلع ريقه بتأثرٍ بقربها وسألها بقلبٍ يرتجف من سماع الإجابة: "إيه اللي بقى جواكِ ليا يا صبا، الحب ولا الكره؟ يطول بها الصمت ومُقلتيها غارقة بحدقتيه، فقربها يستند بجبينه على جبينها وهو يعيد سؤاله لها بتعب: "إتكلمي متسكتيش، لسه بتحبيني؟ اعتصرت عينيها بينما رأسها يهتز باجابتها المؤكدة بحبه، توسل لها بضعفٍ يجتازه: "انطقيها عشان خاطري." تعالت شهقاتها المتآلمة، وبخفوتٍ
ردت: "مقدرتش أكرهك… آآ.. أنا بحبك أوي." اتسعت ابتسامته وهتف بحب وهو يضمها بقوةٍ: "يا روح قلبي! تعلقت به بينما ينساق بها خلف عاطفته ونيران شوقه، فوجدها تستقبله بكل ترحاب. مضت دقائق إضافية بينهما، فاذا به يهمس بمرحٍ: "لو الحاجة آشرقت قفشتنا على السلم هتطردنا في الشارع بتهمة فعل فاضح بالطريق العام."
تعالت ضحكاتها تباعًا وهي تؤكد له، بينما يضم كفها بين كفه، حتى عاونها على النهوض، وقبل أن تخطو خطوة واحدة، انحنى يحملها بين ذراعيه، فأحاطت رقبته تتطلع له بدهشة. لقد تغير كليًا عما كان عليه، أصبح أكثر تعبيرًا عما كبت داخله من مشاعر لها، بل أصبح أكثر جراءة!!
ولج يغلق بابهما، وكأنه يتعهد لها بداية علاقة مميزة بينهما تغلق كل الأنين السابق لهما، وقد صدقت بحديثه ومنحته الثقة والاطمئنان، دافنة خلفها كل رغبة ثأر، بعد أن شعرت بأنه يحاول تعويضها عما حدث بينهما، بينما تقنع ذاتها بأنه لم يكن بوعيه. ******
ذراعيه القوية تلتف من حولها، ومازال يدور بها. كلمته المحببة لقلبها كلما نادته تغلغلت داخلها. أحاطت يديه وحاولت الاستدارة إليه لرؤيته. أدارها إليه ولم يفلتها، فأدمعت عينيها وهي تراه، بينما يقول بسعادةٍ: "وحشتيني يا بيبي." وجذب الباقة المسنودة على الحقيبة، يقدمها إليها مضيفًا: "الورد للورد." تحررت عن صمتها أخيرًا قائلة بغضب: "مش عايزة منك حاجة، نزلني وابعد عني." أحكم يديه من حولها، ومال يهمس لها:
"حبيب قلبي شكله زعلان مني وواخد على خاطره." _عُمران!! ناداه علي بحزمٍ، مضيفًا: "نزلها الناس بتتفرج علينا! انحنى يتركها أرضًا واستدار لأخيه متلهفًا للقائه، فضمه وهو يصيح بشوقٍ: "دكتور علي! ابتسم علي وضمه بحبٍ، فاتسعت عينيه دهشة حينما استمع لهمسه: "سكلك موزنتشهاش قبل ما تيجي زي ما نبهتك، عموما أنا موجود فتقدر تنسحب." لكزه بضيقٍ وعدم تصديق: "إيه اللي بتقوله ده."
أبعده جانبًا وهو يخطف باقة من الزهور المتبقية، ويرنو تجاه فاطمة، رفعه إليها قائلًا في سرورٍ: "حمدلله على السلامة فاطيما هانم." اندهشت من نبرته ولكنها التقطت الباقة منه، تجيبه على استحياء: "الله يسلمك يا عُمران." وضع الباقة إليها وقال بفخرٍ اعتراه:
"حسام قالي على كل اللي، عملتيه طول الفترة اللي فاتت، حقيقي أبهرتيني يا فاطمة، وشكلي كده هحتاج تكوني مكاني في الشركة الفترة اللي، جاية عشان أحقق أمنيتي المركونة وأخد جولة حول العالم كام شهر." لكمته مايا بباقة الزهور وهي تصرخ به: "هو انت لسه ناوي على السفر!! ضحك أحمد وأضاف شامتًا: "ناوي يغلبنا وراه في بلاد الله، إديله يا مايا، الوقح ده تمادى فيها ومحتاجله وقفة." اختطف منها الباقة وضمها بين ذراعيه يهمس لها بتحذير:
"حبيب قلبه صوته وإيده علوا على جوزه، ومحتاج إعادة تربية من أول وجديد! ابتلعت ريقها بارتباكٍ، فاستطرد بخبث: "انحرفتي يا مايا في الكام يوم اللي بعدتهم عنك!! هزت رأسها تنفي تهمته، بينما تتجه عينيها تستغيث بغوثها: "علي إلحقني! سئم منه ومن تهديداته التي تلاحق أي فرد من العائلة كأنه بلطجي عالمي. اتجه إليه يبعد يده عنها وهو يصيح من بين اصطكاك أسنانه: "تسمح! أبعد عمران يده عنها وقال ببسمة ماكرة:
"هتطلع معانا الاوضة كمان ولا إيه؟ _عُمـران! صوتها الرقيق انتشله من مشاكساته المعتادة، استدار، للخلف فوجدها تعود من مرحاض السيدات برفقة إحدى الخادمات المرافقات لها، وعلى ما يبدو بأن السفر أتعبها. ترك كل شيء وأسرع لها يهتف بسعادة: "فريدة هانم! اندثت بين أحضانه تمنع دمعاتها بالهبوط، ريثما هرمونات حملها تجعلها سريعة البكاء تلك الأيام. شعر برجفتها فأحاطها بقوةٍ وهو يتساءل بقلق: "ماما إنتِ كويسة؟
هزت رأسها بخفةٍ، وابتعدت تطالعه بحب، بينما تشير بعينيها على ما ترتديه: "إيه رأيك بالجيب؟ انخفض بصره تلقائيًا لتنورتها، فوجدها طويلة تصل لقدميها على غير عادتها. ارتسمت ابتسامة جذابة على شفتيه وقال: "جميل بس الجاكت هو اللي ضيق حبتين، أكيد مضايق كمان البيبي، بس متقلقيش أنا عامل حساب مايا بملحفتين كبار ومزود واحدة احتياطي لحضرتك." شددت بنبرتها الحازمة: "ولد!!! هدر بخبث وهو يقنعها بما قال:
"هنا الحاجات دي بتتحسد يا فريدة هانم، لازم تداري نفسك على قد ما تقدري، وبعدين فين اتفاقنا على الحجاب؟!!! أجابته بحزنٍ: "وكان جزء من اتفاقنا إنك تساعدني بالشوبنج بلبس محجبات راقي، سبتني ونزلت مصر، من غير ما حتى تعرفني! انحني يقبل يدها ورأسها بحنانٍ: "آسف يا حبيبتي، عارف إني خليت بوعدي بس من دلوقتي أنا رهن إشاراتك، هنعمل شوبنج من اللاب للصبح، كل اللي، تحتاجه فريدة هانم أوامر وعليا التنفيذ!
ابتسمت وهي تعود لتحتضنه هامسة ببكاء انسدل منها رغمًا عنها: "البيت من غيرك جحيم يا عمران، عمرك ما بعدت عني بالشكل ده، لما كنت بتسافر في شغل كنت بترجع نفس اليوم على أول طيارة، المرادي سافرت ومهتمتش بيا ولا حتى بمايا." ربت على ظهرها بحنان وقال بنبرة لمسها الحزن: "كنت محتاج للفترة دي، اللي عدى انتهى أوعدك عمري ما هبعد تاني." ورفع الباقة إليها يغمز برماديته بمشاكسة:
"مش هنلاحق على معجبينك هنا يا فريدة هانم، فأيه رأيك تأخدي الورد وأطلعلك الملحفة؟ حدجته بنظرة مغتاظة، وجذبت ما بيده تخبره بعنجهيةٍ وهي تعدل قبعتها السوداء ولاثام يدها الأسود: "هاخد الورد بس، وهخرج من هنا مع جوزي." ووضعت معصمها بيد أحمد الذي اتسعت ابتسامته، وخرج بها يردد: "وجوزك مش مصدق إنه رجع بلده المرادي مجبور الخاطر ومعاه جوهرته اللي فقدها من سنين." تابعها عمران وهما يخرجان للسيارة بنظرة متعصبة و،
ورفع من صوته الساخر: "خف من النحنحة لتخبط في شباك العربية قبل ما تدخل من الباب يا أحمد باشا! وجده يلتفت إليه يشير بلسانه ساخرًا منه، فجز عمران على أسنانه وهدر: "خلصنا من نعمان الغرباوي والدور عليك يا جوز الهانم! وحينما استدار تفاجئ بعلي يرمقه بنظرة ساخطة، فرسم ابتسامة باهتة وقال: "أبو علوة ليك وحشة والله." دفع إحدى الحقائب التي يدفعها تجاهه وأمره بصرامة: "خرج الشنطة بالعربية." هز رأسه في طاعة وأشار لما بيده:
"هات شنطة كمان أخرجها." ببسمة خبيثة قال: "لا كفايا عليك الشنطة دي." تعجب من نظرة الخبث التي لم تعهدها أعين أخيه، فرفع ذراع الحقيبة المتحكم بسحبها، فاذا بعلي يأمره مجددًا: "لا هينكسر، شيلها أفضل." تعجب مما يقول، ورغم ذلك طبق ما قال، فتوسعت مقلتيه صدمة، وأسقطها عن يده يتساءل بدهشة: "دي تقيلة جدًا، فيها إيه دي يا علي؟ أجابه ببراءة مصطنعة: "شوية كتب نادرة، مستحيل هلاقيها هنا."
وارتدى نظارته السوداء، وأشار لزوجته وزوجة أخيه بالخروج للسيارة ثم لحق بهما يربت على كتف أخيه قائلًا: "فين عضلاتك اللي بتتفاخر فيها!! لو فارقتك استخدم لسانك الوقح، طوله هيساعدك." وتركه وغادر يكبت ضحكاته من احتقان وجه عمران الذي كاد أن يحمل الحقيبة ويدفعها فوق رأس علي، فحملها ومضى خلفه بتأففٍ ووعيد.
استقبلهم آدهم ببسمة لم تصل لقلبه المتألم، وأعين شمس الباكية تراقبه، كانت تود أن تعلم ما به ولكنه رفض الإفصاح عن الأمر، وحديثه لم يكن إلا مبهمًا للغاية، على وعد أنه سيقص لها بالوقت المناسب. *** وصلت سيارتين للكمبوند الخاص بأحمد الغرباوي، وفور صعود الجميع لغرفهم، خرجت فاطمة للشرفة تتطلع للمنظر الساحر من أمامها بسعادة. أحاطها علي وضمها إليه، يسألها بفضولٍ يفسر حالتها الواضحة: "مبسوطة؟
مالت تستند على صدره وهي تجيبه بفرحةٍ: "جدًا يا علي، الفترة اللي قضيتها في مصر مقدرتش أنساها، ناسها طيبين بشكل مش طبيعي، وبعدين مقابلتنا الأولى كانت هنا إنت ناسي ولا إيه؟ قبل أعلى رأسها وقال: "عمري ما نسيت حاجة تخصك يا فطيمة." استدارت إليه تقابله بنظرة عاشقة، وقالت: "بالرغم من الحالة الغريبة اللي كنت فيها الا أني كنت بحس بالاطمئنان من أول ما مسكت حالتي من الدكتورة يارا، بس كنت خايفة إنك تسافر وتسيبني."
ضمها بقوة وقال بعشق: "والحمد لله ربنا لم شملنا وبقيتي حرم دكتور علي الغرباوي! تعلقت به وقالت على استحياء: "بحبك ومش عايزة حاجة من الدنيا غير قربك مني يا علي." اسدلت شفتيه عن ابتسامة مشرقة: "وأنا مش عايزك غير قريبة باستمرار يا روح قلب علي! ****
سحب ساعته الموضوعة على الكومود يتفحصها، ثم تطلع لمايا الغافلة بين ذراعيه. حملها عمران برفق ووضعها على الوسادة، ثم تسلل من جوارها يجذب قميصه، ومن ثم اتجه لإحدى الحقائب يجذب ملابسه. ولج لحمام غرفته يغتسل، وخرج يتسلل للخروج. ما أن لمس مقبض الباب حتى وجدها تناديه: "على فين يا بشمهندس؟ ضم شفتيه معًا بغيظ، واستدار لمن فعلت إضاءة الغرفة، تربع يديه معًا وتقابله بنظرة حادة. اتجه إليها يجلس قبالتها وقال:
"الفجر قرب يأذن نازل أصليه بالمسجد يا حبيبي." دنت منها نظرة لساعة الحائط وقالت باستهانة: "لسه ساعة عن الفجر يا عُمران، ممكن تفهمني بتخبي عني إيه، أنا خلاص تعبت من التفكير! أعاد خصلاتها المتمردة خلف أذنها، وانحنى يجذب مئزرها الشتوي، يعاونها على ارتدائه ويدثرها بحنانٍ هدأ من ثورتها رغمًا عنها. ثم جلس قبالتها يطالعها بنظرة غامضة، أنهاها بقوله الجاد:
"في أصعب الأوقات اللي مرت بيه علاقتنا مشكتيش فيا يا مايا، فأوعي عقلك يصورلك إني بعمل حاجة غلط وأنا بعيد عنك، أنا بطبعي مبحبش الخيانة، فتأكدي إن عيني عمرها ما تخونك بنظرة واحدة لغيرك، وإن قلبي عمره ما علت دقاته لست غيرك." أسرعت تبرر له: "مقصدتش اللي في دماغك، بس نزولك مصر مرة واحدة، مدتك اللي، طالت عن يومين زي ما قولتلي، وفجأة قرارك بالاستقرار هنا، ودلوقتي بدل ما تفرح إننا اتجمعنا بتتسحب وعايز تخرج!!
نهض يتجه للبراد الصغير، يحمل إحدى زجاجات العصائر، يسكب منها بكوب زجاجي، وعاد لها يقدمه إليها: "اشربي واهدي يا مايا، شدة الأعصاب دي وحشة عشانك إنتي والبيبي." هزت رأسها نافية بعناد: "مش عايزة أشرب حاجة، ولا عايزة أسمعك تاني، اخرج براحتك مش فارق معايا." وولاته ظهرها وهي تعصف دموعها بوجع، لا تعلم ماذا أصاب زوجها بالتحديد. ترك ما بيده وتمدد خلفها يحيطها برفقٍ، يربت عليها رغم رفضها الصريح لبقائه جوارها،
فدفعته وهي تهدر بعصبية: "روح مشوارك اللي بتتسحب عشانه وش الفجر." سيطر عليها بقوته ومنعها عن دفعه، قائلًا باستنكار: "أنا ممانعتش أقولك أنا رايح فين وماشي بدري ليه، مايا أنا مش عايزك تزعلي من شيء مش مستاهل، زعلك ودموعك تهمني وميهونوش عليا حبيبتي." وبلطف تابع: "ممكن نتكلم شوية وبعدها لو ليكِ حق هعمل اللي يراضيكِ؟
استدارت إليه تتطلع له بحزنٍ، وجلست بمحلها كالطفلة المطيعة. منع ابتسامته من الانفلاج واستقام جوارها يسحب العصير مجددًا، قابلته بنظرة عناد وغضب، فقال ببرود يصطنعه: "البصة دي ترعب أي حد بس للأسف يا بيبي متأثرش مع عُمران الغرباوي! ومرر يده على شعرها كأنه يروضها: "حبيب قلب جوزه هيعقل كده ويسمع الكلام، عشان اللي بينا ميقلبش زعل بحق وحقيقي، أنا مراعي لكل حالاتك وتقلباتك وبحاول أهدى وأعقل فبلاش تستفزيني يا مايا!
سحبت الكوب منه ترتشفه على مضضٍ، ثم ناولته إياه دون أن تنتهي منه. زوى حاجبيه يتفرس بالكوب، فقالت باستياء: "اتكلم بقى يا عمران معتش قادرة أكمله!! طالعها بنظرة مشاكسة وقال: "بس أنا كلامي عهد! زفرت بغضبٍ، فضحك وهو يلف الكوب يرتشف من محلها وهو يردد: "هساعدك تنفذي أوامري!
ارتشف نصف الكوب ووضعه جواره فابتسمت رغمًا عنها، وما أن عاد إليها حتى تلبست رداء الغضب والاستياء مجددًا. طالعته باهتمام لسماع ما سيقول فوجدته يضمها مجددًا وهو يهتف في مرحٍ: "تعالي في حضني عشان تهدي خالص وتسمعيني بقلبك مش بدماغ الستات النكدية اللي مستحوذة عليكي الوقتي." دفعته عنها وبعصبية صاحت: "هتتكلم ولا آ…" تلتت إصبعها المسلط بوجهه، فسحبته وزفرت بيأس: "قوم اخرج يا عمران مش عايزة أسمع منك حاجة." تغاضى عما قالت،
وردد بهدوء: "لما وصلت هنا كنت تايه ومهموم، اللي عمله جمال مكنش سهل عليا حتى لو حاولت أبين عكس ده، كنت فاكر إن مفيش دوا لوجعي، بس كل ده انتهى بمجرد وصولي حارة الشيخ مهران." اعتدلت بجلستها تنصت إليه حينما شرع بالحديث، فتابع وهو يتطلع لها عساها تراقب الراحة التي تغمر رماديته فور الحديث عن مكانٍ ارتاح به:
"وبالاخص المسجد اللي الشيخ مهران مسؤول عنه، لما بصلي فيه بحس براحة وسكينة صعب أوصفهالك، كمبوند عمي بعيد عن الحارة مسافة نص ساعة سواقة، عشان كده أنا خارج بدري لاني مش عايز أصلي في أي مسجد وخلاص، عايز أروح المكان اللي برتاح فيه يا مايا، ومحبتش أضايقك وإنتي راجعه من سفر والارهاق باين عليكي." وأضاف وهو يقترب منها: "لسه مش مصدقاني؟ هزت رأسها بنفي وقالت: "عمري ما شككت في كلامك عشان مصدقكش." وببسمة مشرقة قالت:
"أي مكان هيريحك هحب إنك تكون موجود فيه، قوم عشان متتأخرش على الصلاة، وحاول ترجع بسرعة عشان هتقضي اليوم ده معانا هنا." قبل أعلى رأسها واجابها بحب: "مش هتأخر بإذن الله." وجذب الغطاء يعاونها على التمدد: "ارتاحي وحاولي ترجعي للنوم عما أرجع." هزت رأسها في طاعة وضمت الغطاء إليها بابتسامة صغيرة، وتابعته وهو يرحل بحب، حتى غفت محلها مطمئنة. ******
وصلت سيارة عُمران لحارة الشيخ مهران، صفها وأتجه للمسجد مسرعًا. ابتهجت معالمه حينما وجد الشيخ مهران يجلس جانبًا يقرأ بمصحفه الشريف، مثلما اعتاد أن يراه قبل كل صلاة. دنى إليه يردد ليلفت انتباهه: "السلام عليكم." انتهى من قراءته ورفع رأسه يتأمله ببسمة بشوشة: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لو فاتك صلاة الفجر معانا النهاردة كنت هزعل." استند على يده ونهض يتجه به للسماعات الخارجية للمسجد:
"بما إنك وصلت بدري، فذكر الناس بصوتك اللي مش هيتنسى ده." منحه ابتسامة ممتنة لما يحاول الشيخ زرعه فيه، فالتقط منه السماعة وبدأ يردد الابتهالات مثل ذلك اليوم الذي فاض حزنه على رفيقه، ولكنه اليوم أفضل حالًا.
توافد الكثيرون للمسجد قبل موعد الصلاة، فرحة بسماع صوت عُمران الذي بات محببًا إليهم، حتى يونس وآيوب توجها سريعًا للمسجد، وعلى بابه وقف إيثان يلتقط فيديو تفصيلي لعمران ولعدد الرجال الجالسون من خلفه، حتى إقامته للصلاة والمصلين، ونشره على صفحته الخاصة، فنالت استحسان عدد مهول من المشاهدات والمعجبين.
مرت الساعات وأتت الساعة المحددة لمغادرة آيوب لطائرته المتجهة إلى لندن. وبالرغم من ذهاب إيثان ويونس وعمران رفقته، الا أن سدن أصرت كل الإصرار لاتباعه، فصعدت جواره بالخلف بسيارة عمران، ومن خلفه إيثان ويونس. صف عُمران السيارة جوار المطار، وقال دون أن يستدير إليه: "هدخل الشنطة وهشوف يونس." إشارة منه أن يبقى بالسيارة برفقة زوجته قليلًا ليودعها، فمنحه آيوب ابتسامة ممتنة، وتبقى برفقتها ينتظر مغادرته. وما
أن غادر حتى قال بمشاكسة: "مكنش له لازمة إنك تيجي معايا يا سدن." تطلعت إليه بدموع وقالت: "إنت ليه مش حجزتي ليا معاكي، أنت سايبني هنا ومش راجع تاني آيوب؟ مال بجلسته لها، يهتف باستنكار: "إيه الهبل ده؟! أنا رايح تلات أيام امتحن وأرجع يا سدن، وبعدين إحنا مش سبق واتكلمنا في الموضوع ده كتير، وقولتلك أني مستحيل أبعد عنك! فركت أصابعها بارتباكٍ وقالت: "أنا حاسس إنك اتورطت بيا آيوب." ضحك حتى أدمعت عينيه وقال:
"تبقى أحلى ورطة في حياتي." وضم كفيها إليه بحب، أرغمها على رؤيته بعينيه: "سدن إنتِ مش حاسة بحبك جوايا؟ متقوليش إنك مش شايفة اللي الكل شايفه." انهمرت دموعها على خديها، ورددت بحشرجة ذبحت حلقها: "محتاجة أطمن." ضمها إليه وقال بعشق: "إيه الضمانات اللي تطمنك وأنا مستعد ليها، لو سفرك معايا هيطمنك هنزل حالا أحجزلك تذكرة معايا." ابتعدت عنه على استحياءٍ وقالت: "لا، كلميني كل يوم لحد ما ترجعي وأنا هطمن." تعالت
ضحكاته الرجولية وفاه بحنق: "ترجعي!! أنا بسبب المؤنثات اللي عندك دي هاجر بلا عودة يا أخ." لكزته بقوة وبعنف قالت: "متقدرش تعملها هقطعك بسكينة الملوخية بتاعتك حاج رقيا." تمادت ضحكاته بعدم تصديق: "اللهم صلي على النبي، الحاجة رقية أجادت التربية قولًا وفعلًا." ابتسمت بخجلٍ، بينما مال يقبل أعلى رأسها وهو يهاتفها بحب: "خليكِ هنا لحد ما عمران يرجع يوصلك، متنزليش من العربية." هزت رأسها في طاعة، فاستكمل يودعها:
"استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه." قالها وهبط على الفور حتى لا يرى دموعها. ولج للمطار فتفاجئ بوجود سيف وجمال برفقته يقبض على كفه كالشرطي القابض على المتهم، ويغفو على المقعد من خلفه. زفر سيف بتعصب وحركه بعنف: "بشمهندس!! انتفض جمال بنومته وقال يفرك عينيه: "آيوب وصل؟ أشار بضيق على من يراقبهما بتعجبٍ، وقال بنفور؛ "ممكن تسبني بقى، ولا أشاورله من غير ما أسلم عليه؟ فك حصاره وهو يجيبه بابتسامة تعمد أن يستفزه بها:
"لا طبعًا يا سيفو سلم وودع وإحضن للصبح لكن تتنقل هنا ولا هنا من غيري هزعلك." زفر بانفعال وتركه واتجه لآيوب الذي سأله باسترابة: "هو أنت عملت إيه بالظبط؟؟؟؟؟ زفر بسخطٍ وقال: "أنا مظلوم صدقني أخويا وصاحبه اللي أوڤر شوية، سقف المصنع وقع على رجالة يمان الكلب فرتكه هو وهما ذنبي إيه معرفش!! أحاطه بنظرة مشككة، فتابع سيف بعدم اهتمام:
"فكك خلينا في المهم، تخلص امتحانات وتجري على أول طيارة راجعة مصر، أنا مش نازل عشان تروح إنت مش بنهرج هنا!! منحه ابتسامة جذابة وقال: "متقلقش همتحن على السريع وراجعلك نعيش مغامرات هنا بمصر وبالمرة تحكيلي حكاية سقف المصنع المهجور ده." مرر يده على خصلات شعره متصنعًا عدم سماع الجزء الأخير من حديثه، فأعاد آيوب كلماته ضاحكًا: "مغامرات دكتور سيڤو حقنة ضد أدغال يمان وأعوانه! دفعه سيف بغضب:
"ما خلاص يابن الشيخ مهران إنت هتغني!! تلاشاه ضاحكًا، وتوقف يمشط المكان بعينيه ولمعة الحزن تتشكل داخله. تعجب سيف لها، فسأله باهتمامٍ: "بتدور على حد؟ تمتم بارتباك: "لا، بشوف يونس وعمران كانوا هنا مع إيثان." قالها وسحب هاتفه يتفحصه بأمل، خاب حينما لم يجد أي رسالة من آدهم، حرمه من وجوده وحتى رسالة منه! *** بالخارج. حمل عمران الحقيبة وكاد بالدخول خلف آيوب برفقة يونس، ولكنه توقف حينما أوقفه إيثان يناديه بعصبية، وغضب:
"خواااااجة! زفر عُمران بانزعاجٍ واستدار إليه، فوجده يهرول إليه وبيده الهاتف، وعلى ما يبدو بأن أحدهم أعلمه بما يحدث بحارة الشيخ مهران، فصاح غاضبًا: "إنت اديت مفتاح الجيم لمين؟؟؟ ده أنا هروح فيك في داهية، سرقة عيني عينك كده وبالنهار!!!!! ضم منخاره بيده وهو يحاول استجماع كل هدوئه الهارب عنه، بينما هتف يونس بدهشة: "سرقة إيه دي يا إيثان!! أجابه ونظراته المتعصبة لم تترك عمران:
"الواد مصطفى البقال بيكلمني وبيقول إن في تريلات داخلة الحارة وفيها عمال عاملين يرموا الأجهزة اللي في الجيم برة! وتابع بمهاجمه صريحة: "الخواجة شكله استغل خروجنا من الحارة وبعت حد يسرق الأجهزة الخردة اللي مكنتش عاجباه! ضحك عمران رغمًا عنه، وقال ساخرًا: "أيوه أنا طمعت في الخردة اللي عندك فبعت حرامية يستبدلوها بأجهزة بخمسة مليون دولار!! جحظت عيناه في صدمة، بينما ردد يونس بصدمة: "كام؟ أغلق إيثان فمه المفتوح وهدر بانفعال:
"بقولك إيه يا حبيبي لو فاكر إنك هتدبسني في المبلغ الخزعبل اللي ده تبقى بتحلم، ده أنا مصري وأعجبك أوووي." وتابع وهو يضم يونس المندهش: "الفاتورة على يونس، اديله وصولات الأمانة بسرعة وأنا أضمنه برقبتي! حدجه يونس بغضب، وهدر من بين اصطكاك أسنانه: "عايز ترجعني السجن تاني يا حقير!! ازاح عُمران يد ايثان عن كتف يونس، وأحاط كتفه هو مرددًا بخبث: "هو إنت نسيت اتفقنا ولا إيه يا إيثو! وزع نظراته المرتعبة بينه وبين يونس متسائلًا:
"اتفاق إيه؟ أنا مش فاكر حاجة!! رد عليه عُمران بمكر: "متقلقش أنا مبنساش حاجة، عمومًا اطمن أنا مش هدفعك حاجة بما إنك تركت إدارة الجيم ليا، فياريت تتابع اللي هيحصل بصمت، وتتفرج عليا وأنا بكسب التحدي بينا ووقتها هساومك على الجيم بشيء يهمني أخده من البداية." قالها بنظرة غامضة جعلت إيثان يضم بطنه بشكل مضحك خاصة وهو يصيح: "مش هفرط في كليتي لو عملت أيه!! انفجر يونس ضاحكًا، بينما هدر عمران ساخطًا وهو يمنع ذاته من الضحك:
"اتنيل بكلاويك، إنت متنفعش حتى في قطع غيار البني آدمين." وتابع بحزمٍ أقلق إيثان: "يونس خد بالك من الحيلة، مش عايزين نزعل السيدة الوالدة عليه! وتركهما وولج للداخل، فسحب إيثان أنظاره عنه وهتف بتوتر: "روحني يا يونس الخواجة ده شكله خطير!! رد عليه يونس بسخرية: "يا راجل!! ***** سكن الحزن عين آيوب، حينما طل عُمران بمفرده، بقى الجميع برفقته قرابة الأربعين دقيقة حتى حان موعد رحيله، فودعهم جميعًا وسحب كف عمران بعيدًا
يسأله بتردد: "هو آدهم مجاش يا عُمران؟ تعجب من حالته الغريبة، وحزنه الغير مبرر، فقال يداعبه: "ما نجيب حارة الشيخ مهران كلها تودعك يا بشمهندس!! دول تلات أيام وراجع مش رايح تحرر سينا بروح خالتك! عبث بضيقٍ: "معنديش خالة أصلًا." ضحك وهو يجيبه: "عارف، الحاجة رقية مينفعش أهزر بيها بس ممكن أقولك يا حيلتها مش إنت الحيلة بردو؟ ضحك آيوب حتى أحمر وجهه، وقال بصعوبة بالحديث:
"لا، يونس ابنها الكبير من قبل ما أجي، ومش فارقالي لو قولت روح أمك لاني فعلا روحها وحياتها وهي بالنسبالي أكتر من كده." ابتسم عُمران وقال وهو يربت على ظهره: "طيب يالا عشان طيارتك." هز رأسه بتفهمٍ، وخطى للامام ثم عاد له يسأله بحرج: "طيب قولي آخر مرة شوفت آدهم إمتى؟ يعني إنت مشيت معاه امبارح وكده." ازداد اندهاشه من تعلق آيوب الغريب بآدهم رغم وجود سيف صديقه المقرب، فقال باستغراب: "هو في إيه يا آيوب؟ حك ذقنه بتوتر، وقال:
"مفيش أنا بس مستغرب إنه حتى مكلمنيش." رأسه بعدم اقتناع ورد عليه: "كان معايا امبارح وأنا بستقبل عيلتي من المطار، وصلنا الكمبوند وبعدها مشى ومشوفتوش من ساعتها." حرك رأسه هو الآخر بابتسامة جاهد بها ليخفي حزنه، وسحب الحقيبة وهو يودعه: "سلام مؤقت." ودعه عُمران وهو ينبهه:
"خد بالك من نفسك وياررريت ترجع المرادي فااااضي، مالكش دعوة بالمشاكل لإنك وللأسف هتكون هناك لوحدك من غيرنا، وللأسف مرة تانية دكتور يوسف مالوش في العوق ده، لو تعرف حد حالته متعسرة ومالهاش حل إلجأ ليه غير كده يُفضل تكون مستقيم عشان تتوازى معاه! ضحك وهو يؤكد له: "متقلقش عليا."
غادر آيوب الباب الرئيسي، الذي لم يسمح لأحدٌ أن يتخطاه من الأهالي سوى المسافرين الحاملين لجوازات السفر. ختم أوراقه وإتجه للمقاعد المعدنية ينتظر النداء الأخير لطائرته. وجل ما يشغل باله آدهم الذي تخلى عن وداعه وهو الذي لم يتركه بأي ظرف هام. بدأ يلوم نفسه بأنه كما قال الطاووس الوقح لم يغادر لسنواتٍ ليأتي الجميع لتودعه، ولكنه للحق سيشتاق إليه كثيرًا، ربما هو من الأشخاص القلة الذي سيفقدهم للغاية. ومن بين شروده أتاه صوتًا
محبب له يناديه: "آيـــــــــوب!!!!!! استدار جواره فوجده يحركه بقلقٍ وهو يردد: "بقالي ساعة بناديك، سرحان في إيه إنت؟! رفرف باهدابه يستوعب وجوده، وصاح بعدم تصديق وهو ينصب عوده: "آدهـــــــم!!!!! اندهش من صياحه الغريب وكأنه يأتي من سفر أعوامٍ للتو. استقام قبالته فاذا بالاخر يحتضنه بقوة وهو يردد بفرحة: "كنت هزعل أوي لو مشيت من غير، ما أشوفك."
ربت عليه بحنانٍ يينما عينيه يملأها الوجع، آيوب يحمل معزة تخصه وحده وهو يشعر بذلك، يخشى أن يبتعد عنه وتنزاح مكانته فور كشف الحقيقة. ابتعد عنه آيوب يطالعه بصدمة، لحقت سؤاله: "بس إنت دخلت هنا إزاي!! مش مسموح لحد يدخل هنا؟ ابتسم وهو يجيبه بغرور: "وأنا مش أي حد! وجلس يضع قدمًا فوق الأخرى بتعالي مصطنع: "إنت ناسي إني ظابط من الجهاز ولا إيه! جلس جواره يشير له بسعادة، ختمها بقوله:
"مش ناسي إنك ظابط مهم وتستاهل اللي وصلتله لانك من أنضف الناس اللي قابلتها، المهم بالنسبالي إنك افتكرت معاد طيارتي وجيت." تعمق بالتطلع إليه وقال بغموض: "مقدرش أنسى حاجة تخصك يا آيوب." وسحب نفسًا مطولًا وهو يخبره: "المهم مش عايزك تخاف من حاجة، ركز في امتحاناتك ومتفكرش في اللي حصل، محدش يقدر من أهل عم مراتك يأذيك بره، في حوليك اللي هيأمنك، متقلقش منهم دول تبعي، صب كل تركيزك على امتحاناتك وبس، مفهوم ولا لا يا بشمهندس؟
ابتسم وهو يحيه: "عُلم وينفذ يا حضرة الظابط." عدل من جاكيته وهو ينهض قبالته: "النداء الأخير يا بشمهندس." زم شفتيه وسأله بسخط: "إنت ليه بطلت تقولي يابن الشيخ مهران، كانت حلوة منك." تلاشت ابتسامة آدهم تدريجيًا، وبصعوبة سيطر على نفسه وهو يخبره بحزمٍ: "طيارتك هتفوتك يا آيوب، ووقتها الشيخ مهران هيعرفك الحلو من الوحش." ارتدى حقيبته واحتضنه للمرة الأخيرة، وقال متعجلًا وهو يهرول:
"لم انزل باليوم التالت عايز ألقيك هنا قبل ما أخرج للشباب، والا هزعل يا حضرة الظابط." رأسه وقال بابتسامة جذابة: "هتلاقيني في انتظار جنابك يا باشا."
وصلت ضحكاته لمسمع آدهم، ورأه يلوح له فأشار بيده وما أن تأكد من رحيله حتى عاد لمقعده مهمومًا. لثاني مرة يتساءل عن اعتكافه عن نسبه للقب أبيه المحبب لقلبه. العاصفة القادمة ستحيل حياة آيوب جحيمًا وياليته يملك خيار إيقافها، فمن الذي سيجازف على تحمل ذنب كبير أن يظل منسوب لشخصٍ غير أبيه، حتى وإن اختار البقاء برفقة الشيخ مهران عليهم أن يعدلوا ما فعله مصطفى من خطيئة والخيار الأول والأخير إليه.
يعلم بأن القادم ليس سهلًا بالمرة، فتنهد بهمومه المؤلمة وردد: "يا ررب! ***** صنع "علي" كوب قهوته، وخرج للحديقة برفقة إحدى كتبه، فوجد عمه يركض بالحديقة. وما أن رآه حتى اتجه إليه يقول مبتسمًا: "صباحك سعادة يا دكتور." رد عليه وابتسامته الجذابة ترسم على وجهه: "صباح الجمال أحمد باشا، إيه سر اللياقة دي على الصبح بتحاول توقع فريدة هانم للمرة التانية ولا إيه؟! سحب مقعد يقابل مقعد طاولته، وهتف ضاحكًا:
"ده أنا نفسي طلع عما نجحت أوقعها، أفكر أوقعها تاني!! لا لياقتي ولا سني عاد يسمح، يا علي يا ابني فريدة هانم دماغها حجر صوان، بعد عشرتي الطويلة ليها أحب أكدلك إنها أصعب وأشرس نساء الأرض! انفجر علي ضاحكًا فشاركه أحمد الضحك وقال: "أنا يوم جوازي صليت ركعتين شكر لله إنها أخيرًا وبعد السنين دي كلها رضت عليا، وبيني وبينك خايف تجبلي بنت عنيدة زيها، عشان كده قررت إنك الانسب فينا كلنا اللي تربي الطفل اللي هيجي." مازحه قائلًا:
"عمران حاجز قبلك." هدر مضجرًا: "هو الوقح ده عايز اللي يربيله ده يربي قبيلة بكبيرها، ده شغل عمالة في قصر الغرباوي من غير إذني ونهايتها قاعدين في الكمبوند! تعالت ضحكاتهما الرجولية، حتى تساءل أحمد بجدية: "مقولتليش ناوي على إيه؟ لفظ زفيرًا بطيئًا وقال: "ناوي أفتح فرع تاني من المركز هنا، حابب أستقر بمصر الفترة دي، لإن دي رغبة فاطيما ورغباتها بالنسبالي أوامر مجابة." ابتسم وهو يربت على يده الممدودة:
"ربنا يهنيكم ويخليكم لبعض، تأكد إنك لو احتاجت أي مساعدة أنا موجود." أكد له باحترام: "واثق من ده يا عمي." أبعد مقعده وجذب المنشفة يجفف عرقه: "هخليهم يحضروا الفطار، عما أطلع آخد شاور." هز علي رأسه بتفهمٍ، وعاد يقرأ كتابه بتركيزٍ، حتى داعب أنفه رائحة الزهور المميزة التي كان يبتاعها لفاطيما طوال فترة بقائها بالمشفى. وما كاد بالاستدارة حتى وجدها تقدم له.
كالفاتنة هي بفستانها الزهري وحجابها المنسدل برقة، تقف قبالته وتقدم له الباقة التي صنعتها من الحديقة بيدها. نهض يراقبها باستغراب: "فاطمة إنتِ صحيتي إمتى؟ قدمت له الزهور وقالت: "من بعدك على طول، ممكن بقى تتفضل الورد." حملها منها وقال بحب: "أكيد، بس مين اللي
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!