الفصل 78 | من 124 فصل

رواية صرخات انثى الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم ايه محمد رفعت

المشاهدات
18
كلمة
5,287
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

الثلاث أيام تمر بثقلهم على قلب الشيخ مهران والسيدة رقية. كلاهما يخشى من وقت كشف الحقيقة لآيوب. مرت تلك الأيام عليهما بصعوبة، وها هما الآن يجلسان على طاولة طعام الإفطار دون أي شهية. تدفقت دمعات رقية على خديها، وحررت صوتها الذي بح من فرط البكاء، متسائلة: _وبعدين يا مهران، هنفضل قاعدين حاطين إيدينا على خدنا كده ونسيبه يأخد ابننا؟ أنا لا يمكن أقبل بده أبدًا حتى لو اضطريت أروح أقوله الكلمتين دول في وش عديم الضمير ده.

طالعها بنظرة شفقة، يعلم حجم الوجع الساكن داخلها. كيف تحتمله وهو رجل لا يحتمل آلامه. تحرر عن صمته، يخبرها بعقلانية وتمنى أن تتفهم حديثه: _افهمي يا بنت الناس، إحنا عرفنا الحقيقة. ولو سكتنا عليها ربنا سبحانه وتعالى هيغضب علينا يا رقية. ده اختلاط أنساب يا رقية، إنتِ أد أنك ترتكبي معصية كبيرة زي دي! تمادت بالبكاء، فترك مقعده وجلس جوارها، يناديها بأفضل ما أحبت سماعه:

_يا وصية رسول الله، والله يحزنني حزنك، ويقتلني بكائك. لو امتلك العبد الفقير إلى الله فرصة، ما رغبت أن أفرقك عنه أبدًا. مالت على كتفه، فربت عليها وهو يشد من عزيمتها: _آيوب عمره ما هيبعد عننا، حتى لو عرف الحقيقة. ومال برأسه لها، يسألها: _إنتِ تايهة عن تربية إيدك ولا إيه يا حجة رقية؟ أزاحت دموعها عن وجهها، وقالت برجاء وقلق: _واثقة في ربنا إنه مش هيكسر قلبي يا شيخ! *** دار خلفه وهو يتابع عمل فريقه في تنسيق الديكورات،

فناداه بضجر: _تسمح يا خواجة. منحه عمران نظرة شاملة، ثم عاد يتمعن باللوحة التي يعرضها له أحد عماله. شملها بنظرة متفحصة، ثم أشار له بالجانب الخارجي من المحل: _الفكرة حلوة، بس هتحتاجوا تكسروا الباب ده خالص. عايزة كله إزاز ومن النوع اللي كتبتهولك. وتابع وهو يرفع رماديته للأعلى: _وعايز باب من الحديد يدعم الإزاز. هز العامل رأسه باحترام: _تحت أمرك يا بشمهندس، حالًا هنبدأ فيه. زفر إيثان بغيظ، ونكز كتف عمران بغضب:

_يكسروا إيه؟ ما تفهمني إنت بتعمل إيه هنا؟ خلاص خلصت جولتك في الجيم نزلتلي هنا؟ وبعدين إنت جبت مفتاح البوتيك منين؟ قال ببرود دون أن يستدير إليه، بينما يتابع تفحصه للوحة التي حملت تصميم فريقه لشكله النهائي: _أخدته من يونس. واستدار يخبره بعنجهية: _تسمح ترجع المحل لحد ما نخلص، إنت عامل لي إزعاج أنا وفريقي! احتقنت مقلتا إيثان، فجذبه إليه وهو يصيح بانفعال:

_بقولك إيه يا خواجه، أنا جبت آخري منك. يا تقولي ناوي على إيه يا تطلع من هنا إنت وفريقك كله. وزع نظراته الهادئة بينه وبين يده الممدودة على بدلته الزرقاء الباهظة بنظرة جعلت إيثان يسحب كفه بارتباك، أرضى غرور الطاووس. استدار يسلم اللوحة لأحد الفريق وسار للخارج، يعطي أوامره بغرور: _تعالى ورايا. حك إيثان لحيته وهو يعتصر أسنانه بغيظ منه، ومع ذلك لحق به للخارج، حتى وصل لإحدى التريلات المصفوفة على جانبي الحارة، فقال ساخرًا:

_دول العربيتين اللي واقفين هنا من تلات أيام كأن مالهمش صاحب. التالتة مشت بعد ما نزلت الأجهزة بتاعت الجيم، شكلها تعرف طريق الرجوع ودول تاهوا منها.

قالها بسخرية وصوت ضحكاته لم تثر في عمران مثقال ذرة، بل أشار للسائق الذي يحرص السيارة، فهبط يتجه للباب الخارجي، ومن خلفه يتبعه إيثان بفضول لمعرفة ماذا تحوي تلك الشاحنة. فتح الباب من أمامه، وبرز من خلفه صناديق حملت لوجو شركات أزياء عالمية، ومن حولها متعلقات ذهبية تحوي بداخلها أفضل أنواع البذلات والملابس الرجالية. جحظت عين إيثان صدمة، وولج للداخل كالمسحور، وكأنه يفرك مصباحه السحري الآن، فتحققت كافة أمانيه المعلقة.

بقى بالداخل لثلاثين دقيقة يحاول بهم استيعاب ما يراه، ثم خرج يهرول لعمران الذي يطالعه من خلف نظارته السوداء وبدلته الرسمية التي لجأ لها بعد فترة طويلة، هيئته توحي بأنه كان بالعمل للتو. وبالفعل خرج من مقر شركاتهم هنا بالقاهرة واتجه لحارة الشيخ مهران، دوائه ومسكن إزعاجه اليومي الشاغر. وها هو ينتظر رد فعل إيثان بكل ترقب.

هرول إليه يحتضنه بقوة ألمت جسد عمران، ومع ذلك استقبله بكل ترحاب. بالرغم من مناوشاتهما المستمرة، إلا أنه يحمل معزة ومكانة غريبة لهذا الإيثان. ابتعد عنه يطالعه بسعادة وقال: _بقى التريلا دي فيها كل ده ومركونة هنا من يومها! هز رأسه وقال بمشاكسة: _ولو مسكت لسانك وسبتني مع فريقي ساعتين كمان كانوا هيتعلقوا جوه البوتيك وهتستلمه كامل، بس هنقول إيه في الغبي اللي معطلنا من الصبح جوه! وأضاف، والآخر يتابعه بصمت:

_عشان كده مرحتش مع يونس وآدم وهما بيجيبوا آيوب! هز رأسه إليه، فلطم جبهته برفق وهو يردد بضيق: _طول عمري لساني أطول من دراعي، بس يقصر النهاردة لأجل عيونك الملونة دي يا خواجة. حدجه بنظرة ساخرة وقال: _أتمنى! ذهبت سكينته المؤقتة فور أن رأى عدد من الشباب يوزعون بطاقة الدعوات لافتتاح الجيم الرياضي، فقال يشكو لعمران:

_العيال دي قليلة الرباية، وزعوا على الناس كلها ومش راضيين يدوني دعوة. هو أنت مقولتلهمش إن الجيم بتاعي ولا إيه؟ أزاح نظارته للخلف وصاح ساخرًا: _أنا منبه عليهم إن البطاقات توصل للشباب والرجالة بس! احتقنت مقلتاه بوميض خطير وصاح باستنكار: _وأنا أيــــــــه؟!!! كبت عمران ضحكاته بصعوبة، وأشار لأحد الشباب ليقترب إليه، التقط منه دعوة وقدمها لإيثان قائلًا:

_راجل وسيد الرجالة، طول ما أنت بعقلك وراسي كده، هتخف منك. هقلب على أمك! وتابع وهو يمضي خطوتين بعيدًا عنه: _بكرة الافتتاح، هستناك الساعة ٧ بليل متتأخرش يا إيثو. قالها وغادر من أمامه، بينما الأخير يعبث بما بيده وهو يردف بصدمة: _هو عزمني ليه، أنا صاحب الجيم!! هرع من خلفه يوقفه صائحًا: _اسمع يا خواجـــــــــه! توقف عمران محله واستدار ملتحفًا برداء ثباته، بينما الأخير يقذف الدعوة تجاه الشاب ويخبره بغيظ:

_اعزمه بيه حد من الشباب يابني، أنا مش محتاج عزومة، ده المكان مكاني! التقط الشاب الدعوة وما كاد بالابتعاد حتى أوقفه عمران قائلًا: _رجعاله الدعوة ونبه على الشباب إن الكائن ده ميدخلش إلا بيها.

ارتبك الشاب بينهما، وخاصة حينما لمح نظرات هذا الإيثان الذي يود أن يندرج بحرب دموية بينه وبين عمران. ومع ذلك التقط الدعوة منه بقوة جعلت الشاب يهرول حبًا بالنجاة. شيعه بنظرة أخيرة، وأشار لسائق الشاحنة الأخرى باتباعه، ومضى بطريقه تاركًا ذاك الحائر من خلفه، يتطلع للبوتيك الخاص به بنظرة شاردة. فإذا بريح طيبة تدغدغ أنفه، جعلته يبتسم وهو يهمس بحب: _شيخ مهران!

قالها واستدار لذاك الرجل الذي يتعطر بالمسك والريحان، رائحته تطيب منه قبل وصوله. سبقته لا تفارق يده ومئزره البني يرفرف من خلفه فوق جلبابه الأبيض. قابله بابتسامة بشوشة وقال: _واقف مش على بعضك ليه؟ أشار بعينيه على البوتيك: _الخواجة باعت فريق يشطب لي المحل ومش كده بس، التريلا اللي واقفة من كام يوم دي فيها لبس ماركة مقدرش على تمنه. وأضاف بحيرة نجحت باطرائها على تعابيره: _أنا مش عارف هو بيعمل معايا كده ليه؟

مش معقول بيعملها جمايل يعني، أكيد وراه حاجة أنا معرفهاش! ابتسم الشيخ مهران وقال: _ولما عملت كده يا يونس كان وراك حاجة؟ عبث بمقلتيه بحيرة، فتابع الشيخ حديثه: _الخير اللي عملته لو نسيته رب العباد عمره ما بينساه. الخير بيتردالك بالأعظم من عطية العبد يابني. ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"

"لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" "صدق الله العظيم". وأضاف بحكمة منه:

_فعلت الخير ومنتظرتش مقابل، اتخليت عن أحلامك ووقفت واقفة راجل جنب صاحبك المسجون، واللي ربنا سبحانه وتعالى أعلم إذا كان حي ولا ميت. أكرمته وربنا أكرمك، فسخر لك عمران سبب، ويمكن ده سبب من أسباب نزوله مصر، والله أعلى وأعلم.

شرد بحديثه المتقن، كان منظمًا بطريقة لمست قلبه. عاد الشيخ يربت على ظهره بحنان ومن ثم غادر على الفور لجلب الأغراض التي تحتاجها زوجته لتعد وليمة استقبال لابنه آيوب، بينما بقى إيثان يتطلع للفراغ ببسمة صغيرة ويقين تام بحديث الشيخ مهران. ***

ارتشف من كوب قهوته متلذذًا بالسكون الذي يغمر المكان من حوله، بينما يقرأ كتابه المفضل بتمعن. فإذا بطبق يوضع من أمامه ومن فوق الطاولة تطل شقيقته، ومن جوارها زوجة أخيه التي وضعت كوبًا من العصير. راقبهما علي بشك، وتساءل بحيطة: _في إيه؟ كانت شمس أول من تحدث: _عملت لك سلطة زبادي وخيار ومنستش الليمون زي ما بتحبها بالظبط. أضافت مايا بابتسامة واسعة: _وأنا عملت لك عصير برتقان فريش ومن غير أي سكر.

منع ظهور ابتسامة على وجهه، ورفع عينيه لمن تقف خلف مقعدهما، متسائلًا بسخرية: _وإنتِ يا فطيمة جبتيلي إيه؟ رفعت كتفيها ببراءة مصطنعة: _لا أنا معنديش أي مشاكل مع عمران، هما كام مشكلة بسيطة كده تبع الشغل ومحلولة يعني. شوف بس شمس ومايا وحاول تساندهم يا علي. همس بصوت خافت ولكنه كان مسموعًا للجميع: _يا عيون علي إنتِ! وتنحنح وهو يترك الكتاب عن يده، ثم تساءل بخشونة: _أيه اللي حصل؟ انفجرت شمس بوجهه كالبركان:

_عمران مصمم خطوات رقصة لفرحي ومصر يخلي آدهم يرقص عليها! يعني إنت حليت مشكلة الهدية وفعلًا إداله يطلع لي بحكاية الرقصة دي. متخيل يا علي إن آدهم ممكن يرقص! _لأ مش متخيلها! قالها علي بصدمة من حديث شقيقته، فصاحت بحنق: _شوفت! هز رأسه بخفة، واتجه بعينيه لزوجة أخيه التي قالت بعصبية بالغة:

_أخوك من وقت ما جينا مصر وهو مختفي يا علي. أنا عارفة إنه مشغول بنقل أعماله هنا، وافتتاح المركز اللي إنت اشتريته وسبتهوله يعدل شوية تفاصيل فيه، بس ده مش مبرر يهملني أنا وابنه ولا إيه يا علي؟ _لا مش مبرر طبعًا! قالها بضيق أجاده صنعه وهو يراقبهما بنظرة حزن مصطنعة. وما إن رفع مقلتيه إلى زوجته التي تراقب الفتيات بتأثر حتى ابتهجت معالمه وشق الخفق قلبه العاشق. وما أن تلاقت أعينهما حتى أشارت له بحدة على الفتيات، فتنحنح

بخشونة لحقت حزمه التام: _متقلقوش أنا مش هسكت عن لعب العيال ده، وهأخد منه موقف. طرقت شمس الطاولة بحماس: _احلى أخ بالدنيا كلها يا علي، بص هو تقريبًا بقى مريض نفسي ومحتاجاك تعالجه. استدارت لها مايا تهاجمها بعدوانية: _مين ده اللي مريض نفسي يا شمس، ما تلمي لسانك شوية ومتنسيش إنك بتتكلمي عن جوزي أبو ابني! تساءلت بحدة ساخرة: _وهو فين جوزك ده يا مايا؟

_موجود ورهن إشارتها يا شمس، إنتِ اللي لازم تخافي وتخافي أوي من اللي هعمله معاكِ إنتِ وحضرة الظابط بتاعك ده! صوته اقتحم مجلسهم، فإذا بشمس تصعد فوق مقعدها وهي تبحث من حولها عنه. ارتعبت مايا هي الأخرى وهي تراقب المكان من حولها، قائلة بصدمة: _عمران إنت فين؟ _في قلبك ومعاكِ مكان ما تكوني يا بيبي!

عادت نظراتها لعلي الذي ابتسم وهو يشير لفاطمة التي تحمل الهاتف وتتطلع لهم بصدمة. فور أن تلاقت مكالمة منه فتحت الهاتف، تحاول سماعه من بين أصوات الشجار العنيف بينهم. حررت السماعة الخارجية عساها تتمكن من سماعه، وكأن عقلها تعطل عن العمل، وتناست تجمع المجلس وادناته إليه. منحتها شمس نظرة قاتلة، فقدمت لها فاطمة الهاتف وهمست برعب: _نسيت والله إننا بنتكلم عليه!!! تحرر صوتها المرتجف بصدمة: _ومُدّياني الفون لييييه، اديه لعلي.

أتاها صوت عمران يتواقح: _وماله يا شمس، إديني علي، أنا كده كده راجعالك، هتروحي مني فين يعني؟ ولعلمك لو حضرة الظابط بتاعك مطلعش وهز وسطه قدام الخلق مفيش جواز وإبقي وريني هتمنعيني إزاي عن اللي في دماغي! قذفت الهاتف لزوجته التي طالعت الهاتف بريبة، ورددت بتلعثم: _أنا… آآ… معملتش حاجة أنا! كبت ضحكاته وقال ساخرًا: _حبيب قلبه كبر وبقى بيشتكي جوزه لأخوه الكبير وشكل كده الموضوع كبر ومحتاج كوبايتين قهوة وقعدة صباحي.

_لااااا لأ، متجيش النهاردة خليك مع أصحابك وعند الشيخ مهران زي ما بترتاح. _وده تيجي يا بيبي، حبيب قلبي مشتاق لي وبيشتكيني مش لازم ألبي النداء ولا أسيبه زعلان. بالله ده كلام؟ قذفت مايا الهاتف لعلي الساقط بنوبة من الضحك من مظهر الفتيات من حوله، حتى زوجته اكتسى وجهها الرعب وكأنها ترى زومبي قافز من أفلام الرعب للتو. التقط الهاتف من مايا وقال يهدئها: _مش هيعملك حاجة، إهدي يا مايا. رددت بحروف متقطعة بينما تشد الهمة للفرار:

_ابعد أخوك عني يا علي، أنا هلم هدومي وهروح لبابا كام يوم، أصلًا نفسيتي سيئة ومحتاجة راحة. _أصلًا أممممم!! طيب يا بيبي لو بوابة الكمبوند لمحت طرف فستانك البينك ده هعلقك بيه من الدور التاني وشوفي بقى بنفشك الوجه الإجرامي للبشمهندس عمران سالم الغرباوي بنفسك. إنتوا عيلة معتش ينفع معاكم التعامل السلمي، بعد كده همشي بالسلاح واللي مش هتعجبني كلامها هفرتك نفوخ أمـ... ولا بلاش خليني ساكت أحسن!

_بعد كل اللي بتقوله ده وساكت، أمال لو انطلقت هتقول إيه تاني يا وقح يا عديم التربية، أنا معرفتش أربيك!!! وبعدين من امتى بتتكلم بالأسلوب السوقي ده!! صعق حينما استمع لهذا الصوت الأنثوي الرقيق، فردد بدهشة: _فريدة هانم!! أتاه صوت علي الضاحك يخبره: _حسيت إني مبقتش قادر على تربيتك فعملت إضافة لرقم فريدة هانم تربيك بنفسها، وعلى راي المثل الولد لما يثور ويخرج عن الحدود نجبله مامته تعاقله وتعلمه الأصول بقلم دكتور علي الغرباوي.

ردد من بين اصطكاك أسنانه: _من امتى وليك في حركة الصيع دول يا علي؟ _سيبك من علي ورد عليا، إزاي تكلم زوجتك بالطريقة السوقية دي يا محترم!! أجابها بهدوء ورقي صدم الفتيات: _مساء الجمال فريدة هانم، أنا قولت إن الصوت الشتوي الرقيق ده ميطلعش إلا من برنسس عيلة الغرباوي. وأضاف بمكر: _حاسس إني مفتقد ضمة حنونة من القمر اللي وحشني ده، ساعتين وهشوفك على ترابيزة الغدا princess. رددت بعدم تصديق: _إنت بكاش بشكل مش معقول.

قالتها وأغلقت الهاتف على الفور، فتصاعدت ضحكات عمران وقال يعاتبه: _بقى كده يا علوي بتسلمني تسليم أهالي، وأنا اللي نازل أرن عليك وأقول بيكنسل ومبيردش ليه، كويس إني لجئت لفاطيما عشان ربنا يكشف لي وشك الحقيقي. ترك الفتيات يجتمعن حول الطاولة، وغادر ساجيبه باستنكار: _وشي أنا الحقيقي!! ولا وشك إنت يا أوقح خلق الله. تخلى عن مرح الحديث بينهما وقال: _افتح موبايلك، باعتلك موقع ينفع تجيني فيه؟ أجابه بقلق: _عمران إنت كويس؟؟

التقط نفسًا مسموعًا وقال: _عمري ما كنت كويس زي النهاردة، بس محتاج لوجودك جنبي، حابب نقضي اليوم مع بعض بعيد عن أي خروجة مع الهوانم اللي عندك، ينفع ولا لا؟ خطف نظرة متفحصة للفتيات واجابه بترحاب: _مسافة الطريق وهكون عندك! *** اقتحمت سيارة آدهم حارة الشيخ مهران، وبمقدمتها يجلس آيوب جواره، بينما بالخلف يجلس يونس. توقف قبالة المنزل، فشكره يونس وهبط يجذب حقيبة آيوب الصغيرة من الخلف، بينما بقى آيوب محله، يطالعه بدهشة تُرجمت

بسؤاله المستنكر: _مالك يا آدهم؟ من آخر مرة شوفتك فيها وآنت مش طبيعي، حاسس إن فيك حاجة! استدار إليه يقابله ببسمة باهتة وقال: _هتعرف تداويني يا آيوب؟ زوى حاجبيه باستغراب: _للدرجادي موجوع؟ أغلق عينيه يجيبه بحزن: _اللي يفرق لي وجع اللي حواليا، يهمني أكتر من وجعي. تساءل وهو يعتدل بجلسته إليه متلهفًا: _طيب اتكلم واحكي لي. افتتحهما صوت طرقات على زجاج نافذة السيارة، التفت آيوب فوجد إيثان يشير له صارخًا ببهجة:

_بشمهندس آيوب وحضرة الظابط، أتاري الحارة منورة. فتح آيوب باب السيارة، ووقف قبالته يتطلع له بنزق طال نبرته المتأففة: _خير يا كابتن؟ طرق على كتفه بغلظته المعتادة: _كل خير يابن الشيخ مهران، وحشتني وقولت أمسي عليك، ولا أنا موحشتكش! نزع يده عنه وقال بحدة: _إبعد عني السعادي يا إيثان، أنا راجع واخد دور برد وجسمي همدان. وقبل أن يشرح له صدق مرضه المفاجئ، انطلق بنوبة من السعال، جعلت آدهم يهبط من السيارة

ويتجه إليه يسأله باهتمام: _مالك يا آيوب؟ منحه ابتسامة صغيرة وقال: _دور برد بسيط، متقلقش. واستطرد وهو يدفعه برفق للبوابة: _بما إنك نزلت فلازم تطلع تتغدى معايا. اعترض آدهم هاتفًا: _معلش اعذرني، أنا لازم أروح لشمس، هتعمل بروڤا على الفستان. هز رأسه بتفهم، وشاكسه: _ماشي يا عريس، بس لينا حوار مكتملش. خيم الحزن بعمق داخله، وهمس بقهر: _هيكمل في يوم من الأيام يا آيوب.

صافح آدهم إيثان، وقدم كفه إلى آيوب؛ ليودعه، فرفض أن يضع يده بيده وعانقه بحب. أرغم آدهم أن يبتسم وسط دوامة همومه، بل شدد من ضمه وهو لا يعلم هل سيكون مكانه المباح أم محظور بعد كشف الحقائق. *** هبط من الأعلى يتألق بأحد الترنجات الرياضية ذات الماركة المعروفة، يصفف شعره باستخدام الماكينات التي علمه عمران باستخدامها. تميز بجاذبية جعلته كشابًا حديث الزواج.

هبط جمال للأسفل يحمل ابنه الذي استيقظ للتو. طرق الباب ففتحت والدته تحيه ببسمة واسعة وهي تثني عليه: _اللهم صلي على النبي، أيه الحلاوة والشياكة دي كلها! انحنى يقبل مقدمة رأسها بحب واحترام: _هنروح فين جنبك بس يا ست الكل. لكزته ضاحكة: _يوه جتك إيه يا جمال، أنا راحت عليا خلاص يابني. شملها بنظرة مستنكرة وقال ليرضيها: _متخافيش من عنيا ياما، عمرها ما تحسدك أبدًا. ازدادت ضحكاتها واستقطبت:

_مش هعرف أغلبك بالكلام يابن آشرقت، والمرادي هسكت عشان قلبي راضي عنك اليومين دول بالذات. تساءل بعدم فهم لمغزى حديثها: _واشمعنى اليومين دول بالذات! غمزت بخبث أضحكه: _عشان صلحت أمورك مع مراتك وبقالها كام يوم كده بتنزل وشها منور ومبسوطة، كفايا إني محستش بمشاكلكم رغم إن كان في مشاكل بينكم وده يابني الرجولة اللي عشت عمري كله بزرعها فيك. أردف ببسمة هادئة: _يعني طلعتي قافشة الليلة من البداية! تخصرت بيدها وراحت تتغندج:

_ده أنا أفهمها وهي طايرة يالا! ضحك وشاركته الضحك، حتى توقفت فجأة تخبره: _بس أنا زعلانة أوي من عمران، كل يوم يديني مواعيد وميجيش. ده آخر مرة كان مأكد لي إنه هييجي واللي فرحني إنك نزلت من السفر فقولت هيتشجع وهيجي! يشعر بأن عمران يتهرب من زيارة والدته عمدًا، بداخله شكوك حول تلاشيه مقابلة صبا بعد ما صار بين جميع الأطراف. مهما تسامح الجميع وحاولوا التظاهر بأن كل شيءٍ على ما يرام، لن تكون تلك حقيقة الأمر. أفاق من شروده

يزدرد ريقه الجاف بخشونة: _هييجي ياما، هو بيعزك ومش هيقدر يرفضلك طلب، بس هو اليومين دول مشغول عشان بينقل شغلنا هنا بالقاهرة، ده غير إنه بيشرف على قصر الغرباوي عشان يكون جاهز لاستقبال عيلته. ربتت على كتفه بحنان وهي تحمل الصغير منه: _ماشي يا حبيبي، ادخل المطبخ قول لصبا تحضر الغدا بما إنك نزلت، واعملنا كوبايتين شاي بالنعناع وتعالى نقعد بالبرندا عما تجهز الغدا. أشار بيده على عينيه: _عنيا يا ست الكل.

وإتجه للمطبخ، يستند على الحائط، يراقب تلك التي تتحرك كشعلة نشاط متحركة، تقلب محتويات الطعام بأكثر من وعاء، حتى انتبهت لوجوده، فنادته باسترابة: _جمال! واقف كده ليه؟ أجابها ومازالت يديه مربعة أمام صدره: _محبتش أفصل اهتمامك بتفاصيل وصفاتك السحرية. أعادت غطاء الوعاء وهي تردد من خلفه ببسمة مشرقة: _وصفة سحرية مرة واحدة، مش للدرجادي أنا أكلي عادي. دنى إليها يجيبها: _مش صحيح يا صبا، إنتِ نفسك هايل في الأكل ما شاء الله.

برقت بعدم تصديق، طوال تلك المدة كان يحسن الاهتمام بها، ولم يترك فرصة إلا وعبر بها عن حبه لها، وها هو يمدح ما تصنعه بشكل جعل وجهها يحمر خجلًا لاختبارها تلك الأحاسيس لأول مرة. انحنى يلتقط ما وضعته بالملعقة قبل أن تتذوقها، وقال بإعجاب: _أممم… جميل أوي تسلم إيدك. وتركها تقف محلها ثم التقط البراد يصنع الشاي جوارها، فقالت على استحياء: _سيبه واطلع وأنا هعمله. أجابها وهو يجذب أحد فروع النعناع من المزهرية

المتطرفة بشرفة المطبخ: _كملي الغدا وأنا هعمله جنبك، متقلقيش، أنا بعمل شاي بنعناع عجب وهدوقك حالًا. اتسعت ابتسامتها وقالت بحب ونظرات إعجاب سكنت حدقتيها: _وأنا متحمسة أدوق! ***** _يا يوسف مش معقول كده!! عشان تعمل أومليت تخلي المطبخ بالمنظر ده، وأيه كمية الدخان دي كلها فهمني!!! قالتها ليلى بتعصب، بينما يتابع يوسف عمله في محاولة لتجاهلها، فرددت بغيظ: _بكلمك يا دكتور!! دفع الملعقة بحوض الأطباق، واستدار

ينزع مريول المطبخ بنفور: _تصدقي أني غلطان، بحاول كل يوم أفتكس بالأكل عشان متحسيش بملل. صعدت على المقعد الطويل قبالته، تخبره بغضب: _مهما تعمل أنا حاسة بالملل وبنفور غريب من القعاد هنا، إتحيلت عليك ننزل مصر مع آيوب زي ما كنا مخططين بس إنت اللي رفضت. مال على الطاولة أمامها يحدثها بجدية:

_ليلى إنتِ مينفعش تسافري ولا تتحركي الفترة دي، إنتِ قايمة من حالة صعبة وإلى الآن متخطتيش الخطورة بشكل كامل، على الأقل بعد أسبوع أو عشر أيام ووقتها هقرر أنا. لفت يديها حول رقبته وقالت بدلال: _طيب ينفع تأخد قرار بسرعة عشان زينب وحشتني أوي. ضحك يشاكسها باستهزاء: _زينب بردو اللي وحشتك ولا الفسيخ! جذبت ثمرة التفاح تلتهمها وهي تجيبه: _باشا عيب اللي بتقوله ده، طبعًا عايزة أرجع عشان الفسيخ ودي عايزة كلام مثلًا!!! ******

أخفض هاتفه بعدما اتبع الموقع إلى الطريق، دفن علي هاتفه بجيب سرواله واستكمل طريقه للداخل، حتى توقف أمام أحد مساجد حارة الشيخ مهران. راقبه علي بدهشة، حتى أنه عاد يتأكد من العنوان وإشارة الطريق. صعد علي للأعلى وهو يتفحص الوقت بساعته الخاصة، فوجد أن الآذان سيقام بعد ساعة ونصف من الآن، إذًا ماذا يفعل أخاه بالداخل الآن؟

ولج علي للداخل، بعدما نزع حذاءه وجواربه، فتفاجأ بسجاد المسجد مركون جانبًا بأحد الزوايا، ثم رأى ما جعله يرمش بعدم استيعاب وتصديق لما يراه، الطاووس الوقح المتعالي، يقف أمامه مشمر الساعدين ويثني بنطاله، بينما يقوم بنفسه بتنظيف المسجد وعلى ما يبدو أنه يستعين بالشاحنة المصفوفة بالخارج، وقد تثنى له رؤية السجاد الفخم الذي ابتاعه خصيصًا للمسجد، حتى أدوات النظافة من ماكينات مياه حديثة، وخزانة عتيقة للأحذية، مكتبات مفصلة لأرجاء المسجد لوضع المصاحف الشريفة به، عدد من السبح بسيطة التصميم، وفوق كل ذلك عدد من الزهور الطبيعية التي قرر وضعها خارج المسجد على مسافة من الشارع الخارجي.

ابتسم علي بسعادة تنبع عن داخله، وخاصة حينما استدار عمران يخبره بحثه الفكاهي: _محبتش حد يشاركني الصواب ده غيرك، لإن محدش أقرب لي منك، لولا فرق السن بينا كنت ناديتك بأكتر اسم اتحرمت منه طول حياتي، بس لو هبصلها من جميع الجوانب فأنا ربنا بيحبني وعوضني بيك أب وأخ وصديق، وإنت مكنش ليك أب ولا حد أخد مكانته يا علي. وأضاف بدمعة أبت الهبوط على وجهه:

_ربنا سبحانه وتعالى مخلقناش كلنا زي بعض، من علينا بنعم مختلفة بس بالنهاية كلنا متساويين، ومن النعم اللي من بها عليك هي الصبر، طول عمرك صبور وراضي، طول عمرك بتدي أكتر ما بتاخد. أنا ملقتش حاجة واحدة إيجابية في حياتي أكتر، من علاقتي بيك! وعلى فكرة أنا فخور بيك لإنك البطل الحقيقي في حكايتي يا دكتور علي. انتقلت الدموع لرمادية علي الساكن محله، فاستطرد عمران ليخفف غمة الأجواء: _ها يا دكتور هتساعدني؟

نزع عنه جاكيته الأسود، وأشمر عن ساعديه مثلما يفعل عمران، ثم انحنى يحمل المكنسة الكهربائية مشيرًا له بحماس: _تحب نبدأ منين؟! ***** بحث عنها كثيرًا ولكنه لم يراها. انتهت رقية من وضع أطباق الطعام على السفرة، وهي تراقب ابنها الذي يبحث عنها بنظرات خبيثة. وضعت الأكواب جواره وقالت بغمزة ماكرة: _العصفورة اللي بتدور عليها فوق على السطوح من بدري، واخده على خاطرها منك عشان منعتها تروح مع يونس المطار عشان يستقبلك.

وتابعت وهي تربت على كفه الممدود على الطاولة: _اطلع رضيها بكلمتين قبل ما الشيخ مهران يرجع. اتسعت ابتسامته فرحة ومال يقبل يدها ورأسها، ثم هرول للأعلى سريعًا، وأبواق الشوق تسبقه على درج الغرام. صعد حتى وصل لسطح المنزل، فوجدها تجلس ببرج الحمام المشيد، تضع الحجاب باهمال على شعرها الذهبي، وتلقي الطعام بحزن يبدو عليها. دنى منها بغضب متناسيًا شوقه الجارف، جذب الحجاب عن رأسها وقال بحدة أفزعتها:

_مش قولتلك ألف مرة تربطي حجابك ولا إنتِ مبتفهميش عربي!!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...