تحركت قدماه برشاقة ينزل بسهولة درجات السلم الطويلة، وهو يغلق الزر الخاص بأزرار بدلته. اتجه إلى الغرفة المخصصة للطعام بجوار المطبخ الواسع الموجود في أحد أركان ذلك القصر الشاسع الخاص بعمه رجل الأعمال الشهير "ماجد الألفي" صاحب أكبر سلسلة مصانع وشركات إنتاج الملابس في الشرق الأوسط.
ذلك الرجل الستيني ذو الملامح الحادة الصارمة التي تلين فقط مع ابن أخيه. فقد ابنته منذ كانت في عمر الخامسة، وبعدها توفي شقيقه وتركه له ابنه ذو الخمس عشرة عامًا ليتولى ماجد تربيته، وهو يحبه كما كان يحب ابنته، فقد عوضه الله بذلك الفتى الذي كان له عالمه. تزوج من "شاهيناز السمندري" بعد وفاة زوجته بأيام، وهو الآن يعيش معها هي وحازم. هو... حازم الألفي...
ابن شقيق السيد ماجد. توفي والده وهو في الخامسة عشرة من عمره. يمتلك بشرة قمحية، عينان سوداوان، وشعر بني اللون. هو في الثامنة والعشرين من عمره، انتهى من دراسة كلية الفنون التطبيقية قسم التصميم، ليعمل بعد ذلك في شركات عمه ويديرها له. هو شخص حنون ومرح إلى حد ما مع أسرته فقط، يكره زوجة عمه لأنه يراها ماكرة سيئة الطباع. هو جاد وحازم في عمله كثيرًا، ولكنّه أيضًا طيب إذا لزم الأمر.
طرق الباب طرقات خفيفة قبل أن يدلف إلى الداخل وهو يعدل من سترته. نظر له ماجد بابتسامة حانية وهو يرحب به: "صباح الخير يا حازم يا ابني." حازم بابتسامة: "صباح الخير يا بابا." منذ أن انتقل للعيش في منزل ماجد وهو يناديه بلقب "بابا"، فكلاهما يفتقران لذلك اللقب. اتجه إلى مقعده بجوار مقعد والده على تلك المائدة الكبيرة. نظر إلى زوجة عمه التي نظرت إليه بنظرات ازدراء هاتفة: "مش هتسلم عليا ولا أنا هو! ابتسم بسخرية يجيبها:
"العفو طبعاً! صباح الخير يا طنط شاهيناز! تعمد لفظ ذلك اللقب الذي تكرهه هي كثيرًا، فهي ترى أنها صغيرة في السن لا تكبر إطلاقًا بفضل جراحات التجميل التي تقوم بها ومداومتها على الرياضة مما يجعل جسدها ممشوقًا. طالما تشاجرت معه بسبب تلك الكلمة، ولكنّه لا يكترث لها، بل هو يتعمد أيضًا إغاظتها بكثرة نطقه للفظ. نظرت له بغيظ وضيق شديدين تهتف من بين أسنانها:
"حازم يا حبيبي مش أنا قولتلك قبل كده كتير بلاش طنط دي وقولي ماما.. أنا في مقام والدتك برضو! لم تجبه سوى نظرات السخرية التي ملأت عينيه، ليوجه بعدها نظره إلى عمه قائلاً بهدوء وكأنه يتعمد ألا يلقي لحديثها بالاً: "هو إحنا مش هنفطر ولا إيه يا بابا أنا ورايا شغل كتير." "لا طبعاً إزاي اتفضلوا مدوا إديكم وكُلوا."
"صحيح يا بابا متنساش اجتماع المناقصة النهارده، أنا لولا إني عارف إن حضرتك مصمم تحضرها كنت كسبتها وأنا قاعد على مكتبي." ابتسم له ماجد بحنان وهو يربت فوق كف يده الموضوعة فوق الطاولة قائلاً: "الموضوع مش موضوع مناقصة يا حازم.. الحكاية كلها تار قديم وأنا بخلصه! أومأ له حازم بتفهم: "تمام يا بابا اللي تشوفه، هنستناك في الشركة الساعة 10 بالظبط."
لينهض بعدها تاركاً الملعقة وهو يتمتم بكلمات الحمد. مد يده يغلق زر سترته لينحني على يد ماجد يقبلها بحنان. ربت ماجد على كتفه ليبتسم الأخير بهدوء ثم ينصرف من الغرفة قاصداً مكان عمله. ***
في مكان آخر بعيد جداً عن ذلك الاجتماع الأسري السعيد، وقفت تلك الطفلة الصغيرة أمام ذلك المتجر الصغير الخاص ببيع الزهور تنتظر رزقها لذلك اليوم. هي تعمل كبائعة متجولة للزهور، حيث يعطيها صاحب المتجر الكثير من الزهور ويأمرها ببيعها للناس في الطريق، فتعود عليه بالنفع أولاً ثم تعود لها بقوت يومها. وقفت تنتظره ليخرج، وأخيراً بعد طول انتظار أتاها بسلة مليئة بالزهور. أعطاها لها قائلاً بغلظة:
"إمسكي يا بت، عاوزهم كلهم المرادي يتباعوا، ولو أبقالي واحدة هاكلهالك! نفخت خديها بغضب تهتف به بحنق: "بس دول كتير عن بتوع امبارح يا عم حسن." حسن بضيق ولا مبالاة: "ماليش دعوة.. لو عاوزة تاكلي عيش تبيعيهم كلهم! نفخت مرة أخرى بضيق طفولي قائلة: "حاضر يا عم حسن هبيعهم كلهم.. حاضر."
لتتناول منه السلة ثم تتجه إلى طريق جابني تسير فيه بضجر وتذمر طفولي، لتصل إلى الطريق العام الذي ستبيع فيه تلك الزهور لتحصل على قوت يومها الذي قد تكون تحرم منه لذبول الزهور في يدها يومياً. *** دخل شركته بهيبة طاغية وابتسامة واثقة. سار بخطوات متزنة دقيقة إلى حيث مكتبه. دلف إلى داخله لتدخل خلفه السكرتيرة الخاصة بمكتبه قائلة بعملية مواعيده اليومية:
"عندنا النهارده ميتنج الساعة 9 صباحًا، وبعديه مناقصة الساعة 10 مع شركة السيوفي، وبعدين في وفد جاي من فرنسا لاستلام الشحنة الأخيرة، وميعادهم الساعة 1." "في أي مواعيد تانية؟ "لا كده خلاص يا فندم." "تمام اخرجي، وابعتيلي حسام وابعتي معاه أي ورق محتاج إمضتي." أومأت له لتأذنه بالخروج بشكل مهذب وتذهب إلى مكتبها. ترفع الهاتف الداخلي للشركة تهاتف مكتب صديق عمره "حسام" تطلب منه القدوم.
دخل حسام غرفته وهو يبتسم ابتسامة بلهاء قائلاً: "زوما حبيبي، صديقي الصدوووو... لم يكمل جملته حين انقض عليه حازم يمسك به من تلابيب قميصه قائلاً بغيظ: "بقي يا حيوان تصحيني الساعة 5 الفجر من أجمل نومة علشان تقولي happy Valentine’s day!! إنت فاكرني ***** زيك ولا إيه، جتك البلا في شكلك." حاول حسام إبعاد يده بتوتر وهو يهتف له مبرراً: "بس أهدي بس يا زومة وأنا هفهمك." حازم بغضب شديد:
"فهمني إيه بقي وبتاع إيه إنت فاكرني ***** زيك." أبعد حسام يد حازم عن ثيابه وهو يبتعد عنه قليلاً يحاول التحكم بضحكته قائلاً بصياح: "يا عم افهم بس كل الحكاية إني عارف إنك مش عندك حد تحب فيه.. فقولت أقولك أنا كلمة حلوة في الفلانتين بدل حبيبتك، أهو.. علشان متزعلش! نظر له الآخر بغضب وهو يضربه بعنف في كتفه: "وإنت مالك إنت أصلاً يا بارد.. وبعدين هو فيه حد يكلم حد الساعة 5 الفجر أنا قمت مفزوع قولت بيتكم بيولع!
ضحك حسام قائلاً: "إن شاء الله بيتكم وبيتنا لأ، بس وحياة أبوك ما تزعل مني." حازم بضيق وهو يبعد نظره عن رفيقه: "طب امشي غور من وشي دلوقتي عشان مش طايقك." اقترب منه حسام وهو يمسك برأسه يقبلها: "طب بس خلاص متتقمصش كده، وادي راسك أبوسها." ابتعد عنه حازم بعنف وهو يمسح محل القبلة قائلاً باشمئزاز: "إيه داااا القرف ده.. إيه الطريقة البلدي اللي بقيت تتعامل بيها دي يا أخي، امشي غور خلاص مش زعلان! حسام بطريقة مرحة مستفزة:
"طب عشان أضمن إنك مش زعلان هعزمك على العشا النهارده، وإنت اللي هتدفع، منت عارف الميزانية داخلة على وش جواز والجهاز والعفش غالي ولسه بحضر الشقة و... أسكته حازم سريعاً قائلاً بعصبية: "إيه إيه إيه.. مسورة شحاتة واتفتحت، إنت فاكر نفسك قاعد على باب السيدة، امشي غور وبعد الشغل نبقى نروح نتغدى! حسام وهو يخرج سريعاً: "بس على حسابك! نظر حازم إلى ظله يبتسم بسخرية هاتفا في نفسه: "معفن!
رغم كل شيء هو يعشق حسام أكثر من أي أحد آخر، هو شقيقه الروحي الذي كان معه كل خطوة في دربه، يحبان بعضهما هما كالتوأمان في التفكير، ولكن شخصيتهما مختلفتان تماماً. يعمل حسام معه في الشركة بعد أن باع 20% من أسهمها، هو رجل شرقي أصيل يمتاز ببشرة قمحية وشعر أسود وعينان سوداوان. أحب فتاة بسيطة كانت معه في الجامعة واتجه لخطبتها وهما الآن يحضران للزفاف، وهي تدعى (منى) ***
كانت تقف أسفل تلك الشمس الحارقة، فقد كانت الحرارة في ذروتها هذا اليوم كما توسطت الشمس السماء بعد أذان الظهر. بدأت الزهور بيدها تذبل وتفقد مياهها ونضارتها كما بدأت هي تتعرق بكثرة ويظهر شحوبها. اقتربت من تلك السيارات الواقفة في زحام المرور تقترب من كرسي السائق تهتف بحبور: "وردة يا بيه؟! كان البعض يشتري منها الزهر بابتسامة حانية والبعض الآخر يزجها بعنف بعيداً عن سيارته.
كان يقف في زحام المرور يضرب بيده على المقود بعنف. مرت ربع ساعة وما زال الزحام قائماً. هاتفه حسام عدة مرات خوفاً عليه من الهرب من وجبة الغذاء الذي دعا نفسه إليها على نفقة صديقه. رفع هاتفه إلى أذنه يجيب حسام بضجر: "يا زفت قولتلك في الطريق والطريق واقف، إيه أغنيلك؟! حسام بمرح: "لا يا زومة أنا كنت بس بشوفك لتزوغ من الغدا ولا حاجة." "لا مش هزوغ، واقفل بقى مش ناقصاك كفاية عليا الطريق!
أغلق هاتفه، يضعه بغضب فوق تابلوه السيارة، ليضع إحدى يديه فوق عجلة القيادة والأخرى أعلى نافذة السيارة يستند بكفه فوق ذقنه ينظر إلى الطريق بضجر وملل. اقتربت منه بهدوء تربت على ذراعه الموضوع على النافذة تقول بابتسامة: "وردة يا بيه؟ .. أنا عارفه إن النهارده الفلانتين، خد مني ينوبك ثواب وفرح بيهم المدام في يوم زي ده!
خفض يده عن النافذة ينظر لها بابتسامة. تلك الطفلة الصغيرة ذات الطول القصير، والعينان الزرقاوان، وجهها ملطخ ببعض التراب الذي التصق بحبيبات العرق الغزير على جبينها. ملابسها بسيطة فقيرة، عبارة عن قميص واسع ممزق وبنطال أيضاً واسع وممزق. نظر لملابسها بشفقة، ولكن ما إن رفع نظره لينظر لوجهها المبتسم وعيناها الضاحكتان المليئتان بالحياة، إلا وابتسم بحنان وسعادة كأنه أسعد إنسان في هذا العالم!
ما هذا الذي رآه بعينيها، لقد رأى الألم التي تحاول تلك النظرة الخاصة بالأمل طمره أسفلها، نظرة شعت بالحياة، نظرة طفل ينتظر لعبته، ولكن هل تنتظر هي لعبتها أم تنتظر مستقبلها المشرق؟ ابتسم بتلقائية عليها وشعر كأنه وقع في الحب من النظرة الأولى، ولكن لولا أنه يرى أمامها طفلة لأقسم أنه أحبها من نظرته الأولى لعيناها المتفائلتين. أفاق من شروده بعينيها على همسها الخفيض: "ها يا بيه هتاخد ورد؟ الطريق اتفتح!
لم يشأ أن يحزن عينيها لذا ابتسم لها قائلاً: "أيوه هاخد.. اديني عشرة." "حاضر يا بيه." أومأت له وأخذت من سلتها تعطيه الزهور، وهو يأخذها منها بابتسامة. أخرج محفظته يخرج منها النقود ليعطيها، ولكنه كان سخياً أعطى الكثير، فابتسمت بتلقائية وهي تنظر في النقود. لاحظت تلك الزهور التي سقطت بالخطأ داخل سيارته، لتنظر له بخجل قائلة بحرج: "معلش يا بيه ممكن تناولهملي، ولا أقولك خليهم لحضرتك أنت دافع كتير أوي."
انحنى بجذعه يحضر لها الزهرات يعطيها لها قائلاً: "لا خديهم إنتي أنا مش محتاجهم كفاية اللي اشتريتهم... شكرته بصوت خافت لتلتفت تنصرف من أمامه بينما لا تفارق شفتيها الابتسامة. بينما هو سعد بكثرة من ابتسامة عينيها التي لاحظها قبل ابتسامة شفتيها! أدار محرك السيارة ليتجه نحو وجهته ليقابل رفيقه داخل إحدى المطاعم الفاخرة لتناول الطعام وعلى شفتيه ابتسامة جميلة لا تفارقه! ***
جلس ماجد أعلى فراشه ينظر إلى صورة ابنته بعينين دامعتين. لقد فارقته في سن صغيرة، هو لم يكمل معها سوى خمس سنوات من عمرها. ولكنّه المخطئ، لقد سمح للشك بأن يدخل أسرته الصغيرة ويدمرها، قتل زوجته وأفقد روحه ابنته الوحيدة، وهو الآن يبكي على أطلالها! ما هذا لمس على صورتها التي في يده قائلاً بحزن:
"أنا آسف يا بنتي، آسف يا نور عيني، لو أعرف بس إنتي فين أراضيَك، كنت خدتك في حضني ومسمحتلكيش تخرجي منه.. أنا اللي دمرت أسرتنا بإيدي، أنا آسف يا بنتي.." ظل يبكي وهو ممسك بصورة ابنته ندماً على ما اقترفه في ذنبها وهو يرى طيفها يومياً في أحلامه منذ حدث ما حدث لأسرته. تأتيه في منامه تلومه حزينة على ما فعله بها وبأسرتهم، ليعيش عشر أعوام منذ فقدها في ندم جم لا نهاية له! ***
جلس مع صديقه على تلك المائدة الصغيرة في ذلك المطعم يتناول صديقه الأكل بشراهة وهو يتحدث معه في أمور عامة. ابتسم بحنان وهو يربت على كتفه: "يعني كده ناويين الفرح إمتى.." حسام بابتسامة حالمة: "بعد شهر إن شاء الله تكون منى فرشت الشقة." حازم بابتسامة: "ربنا يسعدكم يارب.. الحمد لله أنا أكلت." "وأنا كمان، يلا نقوم."
أرسل حازم للنادل ليحضر له قائمة الحساب. تحسس جيب بنطاله يبحث عن محفظة نقوده، ولكنّه لم يجدها. تذكر أنه أخرجها في الطريق ليبتاع منها الزهور، ثم وضعها على التابلوه في السيارة بجوار الهاتف. ولكنّه حين سحب الهاتف من أعلى التابلوه لم تكن المحفظة معه. ليدرك حينها ما حدث حين انحنى يحضر لها الزهور التي ادعت سقوطها. ليهمس بغضب وغيظ شديدين بعد اكتشافه لسرقتها محفظة نقوده قائلاً بغضب وغيظ: "آه يا بنت الحرامية!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!