الفصل 4 | من 23 فصل

رواية سرقتي قلبي الفصل الرابع 4 - بقلم شمس مصطفي

المشاهدات
29
كلمة
5,028
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

وكأن الزمن توقف من حوله، توقف زمنه ومكانه وهو يدرك أن تلك القابعة أمامه، تلك الطفلة الصغيرة ذات الجسد النحيل والثياب الممزقة هي ابنته!! لم يرها منذ أن ثلاثة عشر عامًا كانت وقتها في الخامسة يتذكر،،،يتذكر!! .. أيتذكرها أم يتذكر ما فعله بها؟؟ ،، وكأن شريطًا من الألم مر أمام عينيه الآن ،، أظلمت عيناه بحزن وهو يتذكر تلك السنوات التي مرت عليه منذ زواجه بـ“دعاء” والدة غزل ،،فلاش باك ،،،،،

منذ ثلاثة عشر عامًا ،، كان ماجد يعيش وسط أسرته الصغيرة المكونة منه هو وزوجته وطفلته الصغيرة غزل ذات الخمس سنوات ،، لقد كان يمتلك بيتًا دافئًا يعيش هو على حب زوجته له ،، أيامهم كانت هادئة ومستقرة تمامًا ، كان كل ما ينغص حياتهم فقط هو رغبة دعاء في الإنجاب مرة أخرى ،، ورغم أنها ذهبت لأكثر من طبيب لتوقيع الكشف إلا أنهم جميعًا كانوا يأكدون على سلامتها ،، فمرت سنواتهم بسلام في محاولات الإنجاب مرة أخرى ، الا أن أتى ذلك اليوم المشؤوم الذي كان بداية تدمير أسرتهم الصغيرة ،،

كانت شاهيناز تعمل كسكرتيرة لدى ماجد ، لقد كانت فاتنة الجمال في صغرها ، كما كانت ماكرة أيضًا أُعجبت بماجد وهو لم يكن يعطيها اهتمامًا فهو كان يعشق زوجته وابنته الصغيرة ،، لذا قررت شاهيناز أن توقع بينهم ،،

ذات يوم ،،،كانت كعادتها تزور ذلك الطبيب في إحدى البنايات السكنية ، حين قابلت في طريق نزولها شاهيناز التي وقفت تنظر لها بمكر وهي مربعة يديها أمام صدرها ،، نظرت لها دعاء بملل ثم خطت من جوارها لتخرج من البناية ، ولكن أمسكت شاهيناز يدها تمنعها من الخروج تسألها بمكر: _ايه الزبون الي فوق بيدفع حلو ولا لا؟؟ دعاء بضيق وهي تسحب يدها بعنف: _ملكيش دعوة! كادت أن تخرج حين باغتتها شاهيناز بسؤال ماكر آخر:

_ويتري بقى بيعرف يخلف ولا عقيم زي ماجد! نظرت لها دعاء بسخرية وهي تقول: _لا بيخلف، ودي حاجة متخصكيش! لتنصرف بعدها دعاء ، وهي تشعر بالضيق الشديد من تلك المتطفلة ،، اتجهت إلى منزلها وهي تشعر بالسعادة لقرب رؤيتها لطفلتها الصغيرة.. أما شاهيناز فقد أخرجت هاتفها من جيب بنطالها توقف عمل المسجل وهي تبتسم بمكر وخبث وشر ،، اقتحمت شاهيناز على ماجد مكتبه قائلة ببكاء وتمثيل زائف: _مرات حضرتك ضربتني! نظر لها بصدمة هاتفًا: _ضربتك!!

.. ازاي يعني وليه؟؟ _علشان قفشها وهي نزلة من بيت واحد ،، وهددتها إني هقولك، راحت ضربتني. قالت جملتها في تمثك زائف ومتقن ، لينتفض هو من موضعه ما أن سمع بخيانة زوجته التي يعشقها حتى النخاع ،، كيف يمكن أن تخونه؟؟ كيف يمكن أن يحدث ذلك؟؟ أسودت عيناه بغضب وانطلق يعدو بسرعة يخرج من الغرفة متجهًا إلى منزله وهو يقسم على أن يذيق تلك الخائنة شتى ألوان العذاب!! بينما وقفت شاهيناز تبتسم بخبث وهي تخرج هاتفها الجوال لتهاتف

أحدهم قائلة باقتضاب: _ابعت التسجيل! لتضحك بعدها ضحكات خبث ومكر وهي تصفق بكلتا يديها على انتصارها الذي حققته بعد عناء ، فأخيرًا سيكون ماجد لها وحدها!! ،،، في طريق ماجد إلى المنزل أُرسل إليه تسجيلًا صوتيًا من أحد ما .. كُتب تحت التسجيل “فاعل خير” ،، تعجب من التسجيل ليضع سماعات الأذن يستمع إليه ،، وأذ به يستمع إلى صوت دعاء وهي تخبر شاهيناز بقدرة أحد آخر على الإنجاب ،، أوقف السيارة بصدمة وهو يشهق بتفاجئ ،، أهو لا ينجب؟؟

هي ذهبت لأطباء كُثر ولم يكن بها شيء ،، إذا أكانت المشكلة به؟؟ و لكن هو لم يجرِ فحصًا ، ولم يتاكدا من عدم إنجابه ،، من أين عرفت أنه لا ينجب؟؟ .. بدأ الشك يساوره ، لذا التفت بسيارته عاكدًا على الذهاب إلى المشفى ،، إن كان معافًى فربما قد يسامحها ،، وإن كان العيب به ، فسيقتلها ويقتل تلك الطفلة التي لا يعلم من أين أتت بها وهي تخبره بأبوتها لها!!

أعطى المشفى عينته ، ليخرج من المشفى مقررًا العودة إلى المنزل والتصرف كأن شيئًا لم يكن حتى تصله نتائج الفحص ،، ويرى ماذا سيفعل حينها ،، بينما كانت تتبعه شاهيناز التي اتجهت خلفه إلى المشفى تُرشي الطبيب لتزوير نتائج الفحص وإظهاره كما لو كان عقيمًا!!! وقفت في المطبخ وبجوارها صغيرتها التي تجلس فوق طاولة المطبخ الرخامية تصنعان كعك الشوكولا ،، نظرت لها غزل تهتف بحماس: _مامي عاوزة أدوق.. ابتسمت تعطيها

الملعقة لتتذوق وهي تهتف: _دوقي يا روح مامي ،، ايه رأيك بقى؟؟ غزل بطفولية: _جميلة أوي، لما تخلصي أديني ألحس! ضحكت دعاء قائلة: _حاضر هديكي تلحسي! في تلك الأثناء حضر ماجد ودخل إلى المطبخ يبتسم لكلتيهما ابتسامة باهتة ،، يتمنى داخل عقله أن يكون معافًى ، فهو لن يستطيع تصديق أن تلك الطفلة ليست ابنته ،، كما لن يستطيع تصديق خيانة زوجته له كل تلك السنوات ،، رحبت به دعاء قائلة بابتسامة: _حمدلله على سلامتك يا حبيبي.

ابتسم لها بخفوت ، بينما قفزت غزل من على الطاولة الرخامية ، تركض نحوه وهي تفتح ذراعيها له ليلتقطها قائلة بفرحة: _بابي جه .. بابي جه. ابتسم يرفعها إلى صدره وهو يقبلها قائلًا: _أميرتي بتعملي إيه؟؟ غزل بطفولية: _بعمل كيكة بالشوكولاتة علشانك يا بابي. ماجد بتعجب: _علشاني! غزل بسعادة: _أه مامي قالتلي إن عيد ميلادك النهاردة، وأنا طلبت منها تعملنا كيكة بالشوكولاتة!

ابتسم بحنان وهو يقبلها ويضمها ، ولكن ضمته كانت قوية وكأنه كان يعتصرها بين يديه يخبر نفسه أنها ابنته من صلبه!! تألمت غزل من ضمه لها بهذا الشكل لتصرخ بالألم: _آي يا بابي هتكسرلي عضمي. ابتسم لها وهو يقبلها على وجنتها ثم ينزلها أرضًا ، ليتجه إلى غرفته يبدل ثيابه وعقله مشغولًا بهما هما الاثنتان معًا!!

بعد مرور عدة أيام ،، ظهرت نتائج التحاليل التي كانت إيجابية تخبره بكل وضوح أنه لا يستطيع الإنجاب ،، ثار بشدة حين علم ذلك الخبر ،، وقد تغير حاله 180 درجة ،، لقد كانت زوجته تخونه منذ زواجهما ،، وابنته .. ابنته!! ، هي بالطبع ليست ابنته فهو غير قادر على الإنجاب ،، عند تلك النقطة ثار أكثر وأقسم على تلقين دعاء الدرس وجعلها تدفع ثمن خيانتها أولًا ثم ذلك الوهم الذي أغرقته فيه ثانيًا!! عاد إلى منزله يصرخ بشدة في بهو

المنزل يناديها بأعلى صوته: _دعاااااء!!! نزلت تركض على الدرج توبخه بهمس قائلة: _في إيه يا ماجد بتزعق كده ليه البنت هتصحى!! أمسكها ماجد بغضب من ذراعيها وهو يهتف فيها بغضب عارم: _بنتك، بنتك اللي هي مش بنتي، خاايفة لتصحى؟؟ .. لازم تخافي ما اللي يعمل عامله زي دي لازم يخاف!! حاولت أن تنزع يديه عن ذراعيها وهي تهتف به: _إيه اللي إنت بتقوله ده يا ماجد إنت اتجننت!!

ماجد بغضب وهو يضغط على ذراعيها أكثر حتى شعرت هي بتكسرهم أسفل يديه قائلًا بغضب أكبر: _أنا اللي اتجننت!! .. ده أنا عاوز أقولك إني أخيرًا عقلت وفهمت اللي بيحصل حواليا!! _أنا مش فاهمة حاجة في إيه يا ماجد؟؟ صرخ ماجد بها بينما يخرج هاتفه ليسمعها التسجيل: _في إنك بتخونيني يا هانم. استمعت إلى التسجيل وهي تشهق بفزع لا تصدق أن تلك الماكرة شاهيناز قد غدرت بها وسجلت الحديث بينها!! أمسكت بذراعه تستعطفه قائلة ببكاء وتوسل:

_محصلش يا ماجد محصلش، أنا مخنتكش والله إنت فاهم غلط!! نفض ذراعيه منها ، ينظر لها باشمئزاز ، وهو يهتف بسخرية: _أيوه مخنتنيش زي ما البنت اللي فوق دي بنتي صح!! ربما قد فهمت مغزى كلماته ،، أهو يشكك في نسب ابنتهم الآن؟! لا يمكن ،، نظرت له بصدمة تهتف باستنكار وتيه: _إنت .. إنت قصدك إيه يا ماجد؟؟ ماجد بصراخ: _قصدي إني عرفت إن البنت اللي فوق دي مش بنتي ،، أنا روحت كشفت يا هانم وطلعت عقيم مبخلفش. نظرت له بصدمة وهي تنفي برأسها

بهستيريا قائلة بصراخ: _ازاي مبتخلفش ازاي؟؟ وبنتك دي إيه، و …. لم تكمل لأنه قاطعها قائلًا بصراخ وهو يصفعها لتسقط أرضًا: _مش بنتي مش بنتي، متقوليش بنتي، روحي شوفي هي بنت مين!! في تلك الأثناء استيقظت غزل وهي تسمع ضجيجًا في الأسفل ،، نهضت من فراشها متجهة إلى السلم لترى والديها يتشاجران ،، لم تهتم للشجار الدائر بينهما فهي كطفلة لن تفهم لماذا يتشاجران ،، لذا وبكل تلقائية اتجهت تركض إلى والدها وهي تفتح

ذراعيها له كعادتها وتهتف: _بابي جه .. بابي جه! لكن تلك المرة لم يلتقطها ماجد ولم يحتضنها إنما زجها بعيدًا عنه لتنظر له غزل بتعجب وحزن ثم تنفجر في البكاء بسبب صد والدها لها ،، اتجهت لها دعاء تأخذها في أحضانها ، وهي توبخ ماجد بصراخ: _ليه كده البنت ذنبها إيه؟؟ ،، معلش يا غزل يا حبيبتي بابي ميقصدش. قالت جملتها الأخيرة بحنان لطفلتها لتكف عن بكائها ، بينما رمقهما ماجد بلامبالاة ساخرة وهو يتحرك مبتعدًا عنها ،،

ظلت دعاء جالسة أرضًا وهي تحتضن طفلتها المسكينة ، وهي تربت على ظهرها وتفكر بما حدث ،، هي لم تكن تخونه كما قال ، إنما كانت تساير شاهيناز في الحديث فقط لا غير ،، وغزل ،، غزل ابنته لا ابنة أحد آخر كيف يكون عقيمًا، هناك سوء فهم في الأمر ،، ولا بد أن تكتشفه لن تجعل أسرتها تنهار!!

دقائق أخرى وسمعت صوت طرقات عالية على باب المنزل ، يليها قدوم ماجد الذي تلبسه البرود الشديد ، ليقوم بفتح الباب ،، دخل رجل يبدو من هيئته أنه رجل شرطة ،، تهامس مع ماجد بعض الوقت ، ليشير له ماجد في النهاية إلى تلك الصغيرة القابعة في حضن والدتها… ما أن رأته دعاء يشير إلى صغيرتها حتى انتفضت فزعة تتمسك بابنتها التي اقترب منها رجل الشرطة يحاول أخذها من بين يدي والدتها وسط بكائها المرير ،، صرخت دعاء بفزع وهي تحاول

إبعاد الشرطي عن ابنتها: _بنتي إنت بتعمل إيه سيب بنتي ،، لااااا لاااا بنتي!! صرخت بأعلى صوتها حين سحب الشرطي الطفلة منها ، لتنهض فورًا عن الأرض تركض نحو الشرطي تحاول انتزاع ابنتها وكأن غرائزها جميعًا أصبحت متعاطفة مع غريزة أمومتها التي لا تعلم ما مصير ابنتها ،،، أمسكها ماجد من خصرها بقوة يبعدها عن الشرطي الذي أخذ دوره بالانصراف من المنزل وهو يحمل تلك الصغيرة التي انقطع صوتها أثر الصراخ خوفًا مما يحدث حولها….

غادر الشرطي لتلتفت هي له تصرخ ببكاء: _بنتي يا ماجد بنتي ،، هو خد بنتي على فين؟؟ أطلق ماجد صراخها بينما ينظر لها ببرود قائلًا: _انسي خلاص بنتك مش هتشوفيها تاني. انقبض قلبها بفزع بينما تهتف به بصراخ باكٍ: _قصدك إيه ،، إنت عملت فيها إيه ،، وديت بنتي فين يا ماجد؟؟ ماجد ببرود شديد وكأنه لم يفعل شيئًا: _وديتها “الأحداث”. نظرت له بصدمة وحدقتيها تهتز برعب قائلة بخوف شديد: _و .. وبنتي بتعمل إيه في الأحداث؟؟

قال بلا مبالاة وكأنه لم يفعل شيئًا: _لبستها قضية سرقة بس! شهقت بقوة وهي تنقض عليه بغضب وغرائزها تتأهب لقتله من أجل ابنتها قائلة بصراخ وهي تضربه في صدره ضربات خفيفة لم يتأثر هو بها: _ليه ليه ،، البنت عملتلك إيه حرام عليك دي طفلة ،، إنت معندكش قلب أنا عاوزة بنتي!! نفضها بعيدًا عنه وهو يلقيها أرضًا قائلًا بجمود وبرود لا منتهيان:

_إيديكي القذرة دي متلمسنيش تاني لو عاوزاها تفضل في مكانها ،، وبنتك قولتلك تنسيها لأنك مش هتبقي فاضية لها أصلاً!! نظرت له بقلق تتساءل بخوف: _قصدك .. قصدك إيه؟؟ نظر لها بسخرية بينما يهتف فيها بغضب: _من النهاردة إنتي هتشتغلي خدامة تحت رجلي مش معنى إني عاجز أبقى مش راجل!! ،، وأنا بقى هوريكي ازاي تخونيني حلو!!

قالها بصراخ وهو يمسك بها من شعرها يدفعها نحو المطبخ بعنف وهي تصرخ فيه بالتوقف ورحمة، أما هو فكان الغضب يعمي عينيه وكرامته تدعوه للانتقام وبقوة ،، وقد أدرك مؤخرًا أن الغضب قد أخذ منه كل شيء.. مر شهر منذ ذلك اليوم ،، ماجد يعامل دعاء بعنف شديد وهو يضربها يوميًا تقريبًا ويمنعها من الطعام في أحيان كثيرة ،، كما قد هزلت دعاء أثر عنفه معها ومرضها الذي توقفت عن أخذ أدويتها ،، لتظهر في الآخر كما لو أنها تموت ،،

كانت تحتمل قسوته وعنفه فلا مفر لها سوى ذلك ولكن ما كان يأكل قلبها هو كيف حال ابنتها، هو يعلم عنها شيء أم أنه قد تخلص منها كلياً كما أخبرها ذات يوم؟؟ أما شاهيناز فقد تقربت من حسن بشدّة وهي تبثّ سمّه داخل أذنه ليتخلّص من زوجته كما تخلّص من ابنتها!! وكان ماجد يستمع إليها في أغلب الأوقات ويقسو على دعاء لدرجة أنّه كاد يقتلها عدّة مرّات!!

وذات يوم، دلف ماجد إلى المطبخ ككلّ يوم يستعدّ لتعنيف دعاء كما عادته، وجدها ممدّدة أرضاً وقد شحب وجهها بشدّة، ضربها عدّة مرّات بقدمه لكي تستيقظ ولكن هيهات يبدو أنّ الروح قد ذهبت إلى بارئها، انحنى عليها يجس نبضها ولكن لم يكن هناك نبض، انتفض فزعاً حين أدْرَكْ أنّها قد ماتت، تصبّب العرق منه وهو لا يدري ماذا يفعل، أسرع صاعداً إلى تلك الغرفة التي كانت تضمهما معاً من قبل يحضر لها شيئاً ترتديه، البسها عباءة صلاتها سريعاً

ليحملها متجهاً إلى المشفى، وهناك أتاه الخبر الأكيد لوفاتها، رغم أنّه كرهها في الفترة الأخيرة ولكنه تأثّر لوفاتها فقد كان يعشقها حقّاً وهي خانت عشقه لها، تحوّل شفقته على موتها إلى لا مبالاة حين تذكّر خيانتها له، ليدفنها بعدها بسرعة وبُرود وكأنّه يتخلّص منها!!

تزوّج بعدها ماجد بشاهيناز ليعيش معها حياة باردة مليئة بالبُخل وإنفاق النقود ليدرك حينها أنّ دعاء كانت أرحم بكثير منها، ولكن هيهات هي حتّى لم تقدّر النعم وخانته!! بعد مرور ثلاث سنوات، كانت جالسة تنتظره داخل غرفتهم بتوتر وهي تمسك بيدها بعض الأوراق، دلف إلى الغرفة ينظر لها بتعجّب متسائلاً: _مالك قاعدة كده ليه؟؟ أجابته شاهيناز بضيق قائلة وهي تلقي له الأوراق التي كانت تمسك بها:

_أنا لاقيت الورق ده في درجك في المكتب، أيه الورق ده يا ماجد شكله بتاع دعاء؟؟ أما هو لها بلا مبالاة قائل: _هو فعلاً بتاع دعاء، دي وصيتها. _وأنت محتفظ بوصيتها ليه؟؟ _حاجة مش تخصّكيش يا ريت تحطي الورق وتطلعي برّه علشان هغيّر.

نظرت له بغضب وهي تلقي الأوراق على الفراش بغيظ وتتجه إلى الخارج تدبّ الأرض بقدميها بغضب، بينما انتظر ماجد خروجها حتّى يلتفت يمسك تلك الأوراق التي لم يفتحها خوفاً من وجود شيء يصدمه داخلها، ليهتف بهدوء وكأنّه يحدّثها هي لا أوراقها: _أنا مش عارف خايف أفتح الورق ليه يا دعاء، عارف إن جوازي من شاهيناز كان غلط، بس حاسّ إن في غلطة تانية في حياتي غيرها!!

تنهّد يضع الأوراق على الفراش متجهاً إلى المرحاض ليغتسل أثر عمله طوال اليوم، في المساء جلس خلف مكتبه بشرود يفكّر في تلك الأوراق، أما آن الأوان لفتحها؟؟ ، تنهّد مقرّراً فتحها، ليخرجها من أحد أدراج مكتبه، ينظر أمامه بشرود لبعض الوقت قبل أن يفتحها، وياليته لم يفتحها!!! “المكتوب في الورق”

ماجد أنا عارفة إنّي مش هبقى موجودة وأنت بتقرأ الورق ده، فحبيتك تعرف كل حاجة بعد ما أنا ماكونش مشيت، أنا كنت عند الدكتور في اليوم اللي اتكلّمت فيه مع شاهيناز وهي سجّلت لي وبعَتّتلك، أنا قولت الكلام اللي في التسجيل علشان أسايرها وأروح البيت، لكن والله يا ماجد أنا مخنْتَكْش ولا عمري فكرت أخونك، أنا كان عندي سرطان في المخ وماكنتش عايزة أقولك علشان ماقلقْكِش، ولما كنت عايزة أخلّف كنت عايزة أجيبلك الولد اللي أنت بتحلم بيه

علشان أسيبلك ذكرى حلوة مني لما أموت، ماجد أنا بحبّك من ساعة ما شوفتك أوّل مرّة في بيتنا وأنت جاي تطلب إيدي ووالدتك كانت غصباك عليّا، أنا مفكّرتش أخونك ولا كنت هفكّر أخونك يا ماجد لأنّي ببساطة بحبّك، أمّا بقى موضوع إنّك مبتخلّفش فاتأكّد يا ماجد من الموضوع ده تاني لأن والله غزل بنتك، وأنت مدتنيش فرصة إنّي أدافع عنها، ولو أنت شاكّك في أصلها تقدّر بسهولة تعملها تحليل DNA لأنّي بأحلّف لك بحياتك إنّي ما خنْتَكْش،

ومتَهْجَرْش غزل يا ماجد بالله عليك غزل صغيرة وب تحبّك أوي ومتعلّقة بيك، أنا عارفة إنّك عارف مكانها وتقدّر ترجّعها، بالله عليك يا ماجد متسبْهاش غزل هتموت!!!

بحبّك يا ماجد ومتزعلْش منّي دعاء انهى قراءة ورقتها وبدون إرادته وجد دموعه تتساقط فوق وجهه، كانت مريضة ولم تخبرْه؟؟ ، كانت تعاني ولم تخبرْه؟؟ لم تكن تخونْه كما سولتْ له نفسُه، أو سولتْ له شاهيناز، لقد أحبّها كما أحبّتْه هي، سقطت دموعُه بدون إرادة منه وهو يتذكّر معاملتَه الأخيرة لها، كيف كان بتلك القسوة، كيف سمح لغضبِه بالسيطرة عليه إلى تلك الدرجة، كيف قتلَها، قتلَها؟!

نعم قتلَها في ذلك الشهر الذي كان يذيقُها به شتّى أنواع العذاب، وهي ظلّت تحبُّه، بل وكتبَتْ له ورقة تبثُّه فيها حبّها له وحبّ ابنتِه له، ابنتُه؟؟ عاد إلى تلك النقطة من جديد كيف ابنتُه ونتائج فحصِه تخبرُه بعقمِه، لقد صدَق قلبه بأنّ النتائج خاطئة وعقلُه يحاول التصديق، ولكنّه يجب عليه قطع الشكّ باليقين، سيُعيد الفحص ليعلم أين الخطأ!!

اتّجه إلى مشفى آخر ليقوم بالفحص من جديد وكانت صدمتُه حين وجد نفسَه معافى ليس عقيماً كما أخبرتْه النتائج الأولى، وليزيد التأكيد أجْرَى الفحص مرّة أخْرى ليجد أيضاً أنّ النتائج سلبيّة وهو معافٍ تماماً بل يستطيع الإنجاب أيضاً في أيّ وقت، سقَط قلبُه أسفلَ قدمَيْه وهو ينظر إلى تلك الأوراق، لقد ظَلَمْ زوجَتَه حبيبَتَه وظَلَمْ ابنتَه، ابنتُه!!

انْقَبَضَ قلبُه حين تذَكَّرَ ابنتَه التي ألْقَى بها في الأحداث بكلِّ برودٍ وتجلُّدٍ وهي في الخامسة من عُمْرِها، أصابَه ضيقُ التنفُّس وهو يتخيَّل ما حدَث ويحدُث لابنتِه داخل ذلك المكان، رَكَضْ يستقلُّ سيارتَه وهو يهاتِفُ ذلك الرَّجُلَ الذي كان يعمل في الأحداث واتَّفقَا معاً على أخْذِهِ لصغيرتِهِ المسكينة، ولكن هيهات لقد تَأَخَّرَ وتَأَخَّرَ كثيراً أيضاً، لقد حَكَمَتْ محكمةُ الأحداث على تلك الصغيرة التي اُتْهِمَتْ

بالسرقة ظُلْماً بالحبس داخل مكانٍ ما بَعِيدٍ عن العاصِمَةِ تحت حراسَةٍ مُشَدَّدَةٍ من مُعَلِّمِي الأحداث، هي لن تحْبَسَ في زنزانة، إنَّما هو مَبْنًى بَعِيدٌ يَتَبَعُ الأحداث، يقولون أنّهم يقومون بتربية الأطفال السيِّئين والمُجْرِمين فيه بانعزالِهمْ عَنِ الْعَالَمِ تَحْتَ مُرَاقَبَةٍ مُكَثَّفَةٍ وَتَعْلِيمٍ قَاسٍ!!

أصابَتْهُ الصَّدْمَةُ وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ يَجُرُّ أَذْيَالَ خَيْبَتِهِ عَلَى ضَيَاعِ ابْنَتِهِ التِيْ عَلِمَ أَنَّهَا أَنْهَتِ الثَّلاَثَ سَنَوَاتٍ التِيْ قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْحَبْسِ فِيْ ذَلِكَ الْمَكَانِ ، لِتَغَادِرَ الأَحْدَاثَ وَلاَ أَحَدْ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ غَادَرَتْ!!

بَحَثَ عَنْهَا كَثِيرًا فِيْ كُلّْ مَكَانٍ قَدْ تَذْهَبُ إِلَيْهِ وَقَلْبُهُ يَهْرَعُ لِنَجْدَتِهَا كَمَا أَخْبَرَ نَفْسَهُ ، وَلَكِنْ هَيْهَاتْ فَبَحْثُهُ بِلاَ فَائِدَةٍ تُذْكَرْ ، لِيَبْقَى هُوَ مَا تَبْقَى مِنْ عُمْرِهِ يَحْمِلُ طَيْفَ ابْنَتِهِ التِيْ قَضَى عَلَى حَيَاتِهَا قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ وَهُوَ نَادِمْ يَتَحَسَّرُ عَلَى فِعْلَتِهِ التِيْ لاَ تَغْتَفِرْ فِيْ حَقِّْ ابْنَتِهِ!! باااااك ….

عَادَ إِلَى الْوَاقِعِ بَعْدَ تَذَكُّرِهِ لِكُلّْ مَا حَدَثَ وَصَدَرَ مِنْهُ فِيْ حَقِّْ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ الْمَسْكِينَةِ ، لَمْ يَشْعُرْ بِتِلْكَ الدُّمُوعِ التِيْ بَلَّلَتْ وَجْهَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى غَزْلْ يَتَذَكَّرُ كُلَّ مَا حَدَثَ لَهُمْ بِسَبَبِهِ ، بَيْنَمَا أَنْحَنَتْ هِيَ تَلْتَقِطُ الثِّيَابَ التِيْ سَقَطَتْ مِنْهُ تَهْتِفُ لَهُ بِطُفُولِيَّةِ:

_عمو الهدوم وقعت منه، أيه دا عمو أنت بتعيِّطْ عَلَشَانْ الهدوم وقعت؟؟ ، أنا هطبقها معاك تاني. بالفعل وضعت الثياب على الفراش وبدأت بطيها له، ليتدارك ماجد نفسه ويمسح دموعه بسرعة، هاتفاً لها بحنان: _لا متطبقيش حاجة يا حبيبتي أنا مش بعيِّطْ أنا في حاجة بس دخلت في عيني، أنا جبتلك الهدوم دي تلبسيها بدل هدومك المقطوعة. نظرت له بدهشة وهي تبتسم بفرح وتساله بلهفة: _بجد يا عمو؟؟ عمو؟! كم ألمه هذا اللقب ولكنّه رغم ذلك

ابتسم لها بحنان يرد عليها: _بجد يا حبيبتي، يلا أنا هطلع أنا وحازم علشان نسيبك تغيّري. هتفت بقلق بينما تحذّر ماجد بطفوليّة: _بس متخلِّيهوش يمشي علشان هيروحني. ابتسم ضاحكاً يخبرها: _متقلقيش مش هخلِّيه يمشي. خرج من الغرفة هو وحازم الذي نظر له بشكّ، لما بكى عمُّهْ حين رأى غزل؟؟ ، ماذا حدَثَ له فجأة، كذبَتْهُ لم تخْيَلْ إلَيْهْ ويجب عليه أن يعلم حقيقة الأمر، ولكن بعد أن يوصِّلْ غزل إلى منزلها سيْعْلَمْ منه كلّ شيء.

خرجت غزل من الغرفة وهي تنظر لحازم تخبره بابتسامة: _أنا خلصتْ. حازم بابتسامة مماثلة وهو يمدّ يدَهُ لها: _طب يلا بينا. شبكت كفّ يدها في كفّ يدَهْ كطفلة صغيرة تتمسّك بيد والدها حتّى لا تضيع بين الزّحام، ليبتسم حازم بسعادة وهو يشعر كأنّه امتلك الدُّنْيا وما فيها وهو يشعر كما لو كانت ابنتَهُ هو الصغيرة، تنهّد بسلام وسعادة داخليّة وهو يمسك يدها جيِّداً يمضي بها إلى خارج المنزل مغادراً بها إلى منزلها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...