ضحك حازم وهو يجلس أمام ماجد في غرفة المكتب. قص عليه ماجد كل ما حدث من اعتقال شاهيناز ومنتصر وترحيلهما إلى النيابة. ضحك بفرحة، فهو كان يريد التخلص من شاهيناز ويرى كيف تتلون كالحرباء أمام عمه. لكن يبدو أن عمه كان أكثر نباهة منه، فقد تخلص منها دون أن يأخذ رأي أحد. أما منتصر، فلم يكن يفهم أي ثأر بينه وبين عمه. تبين الآن أن عمه يكرهه بشدة. لماذا؟
أولاً لأنه ساعد شاهيناز في التخلص من أسر ماجد قديمًا، والآن لأنها تخون ماجد معه. حسناً، ماجد له كل الحق في الأخذ بالثأر منهما. ضحك بمرح وهو يخبر عمه: _لا طلعت خلبوص يا بابا، وأخيراً خلصنا من شاهيناز. بس صراحة ما توقعتش إنك تطلع فاقسها كده من الأول. ابتسم ماجد بحنان وانتصار وهو يهتف له: _مش فاقسها إزاي؟ أنا بقالي 13 سنة بحاول أوقعها يا حازم، والحمد لله ادينا خلصنا منها.
_الحمد لله. صحيح بالحق يا بابا، طنط وداد كانت كلمتني وهتيجي تقعد معانا من بكرة. كويس إننا خلصنا من شاهيناز قبل هي ما تيجي. نظر له بصدمة وهو يسأله متلهفاً: _بجد وداد جاية بكرة؟ _والله دي حتى جت اتفقت معايا النهاردة في الشركة وطلبت مني أظبطلها الملحق اللي في الجنينة. ابتسم ماجد بسعادة وهو يخبره بفرحة: _بركة إنها وافقت. بتمنى غزل تحبها وهي كمان تحب غزل.
_يارب يا بابا. يلا أنا هطلع أنام بقى، لحسن شوية وهتلاقي غزل طبة فوق دماغنا هنا. تصبح على خير. ضحك ماجد بشدة وهو يهتف له: _وأنت من أهل الخير. سلم لي عليها. أومأ له حازم وهو يتجه إلى خارج الغرفة، يصعد إلى غرفته يستعد لوابل من الشجار الجديد معها. لكن ماذا يفعل؟ لقد أصبحت مجنونة حقاً. يجب عليه أن يحبها ويحتويها فقط. ***
في صباح اليوم التالي، جلس حازم بجوار مراد وأمامهما غزل المتسطحة على الأريكة المقابلة لهما. فقد رفض حازم حتى أن تضع قدمها المصابة في الأرض وهي تتابع علاجها مع مراد. زفرت هي بحنق من تحكمه المبالغ فيه وهي تنظر لمراد بتمني أن يساعدها، ولكن هيهات. لا يستطيع مراد فعل شيء، فهو زوجها. جلس أمام حازم الذي ابتسم مصافحاً له قائلاً بعتاب، فهو لم يحضر حفل زفاف حسام: _إيه يا مراد، فينك؟
تلفونك مقفول ومجتش فرح حسام، ده زعلان منك أوي. _غصب عني والله، بس كنت مسافر الصعيد عند أهلي. جدي طلبني فاجأة، فكنت مضطر أروح. نظر له حازم بتعجب وصدمة وهو يسأله بقلق على جده، ذلك الرجل العجوز الذي يحبه حازم كثيراً، متسائلاً بلهفة: _ماله جدك؟ هو كويس؟ فيه حاجة؟ ابتسم مراد بحنان وهو يربت على فخذ صديقه قائلاً بابتسامة: _متقلقش، هو كويس وزي الفل. بس كان عايز يجوزني يا سيدي،
بيقولي: "قدامك 3 شهور لو مرجعتلناش بعروسة، هجوزك واحدة من البلد من هنا". ضحك حازم بشدة وهو يهتف له بسعادة: _كويس يا راجل، علشان تسيب حياة العزوبية وتنضم للحزب بتاعنا. _أيوه.. بس ألاقي بنت الحلال اللي أنا مش لاقيها دي! انفجر حازم ضاحكاً وهو يهتف له بابتسامة: _هتلاقيها بإذن الله، وإلا بقى أقول عليك يا رحمن يا رحيم. ضحك مجدداً لينظر له مراد بغيظ وهو يهتف له بحنق:
_شكراً يا صحوبية. ممكن بقى تتفضل بره علشان أبدأ شغلي مع غزل. _استنى بس، عاوزك في موضوع كده قبل ما تبدأ معاها. _خير، في إيه؟ قالها وهو ينهض مع رفيقه يتجهان إلى الشرفة في الغرفة. حاول حازم خفض صوته وهو يخبره بهدوء: _طنط وداد، مامت مني مرات حسام، هتيجي تقعد معانا الفترة دي. هتساعدك في علاج غزل وهتبقى الدادة بتاعتها وفي مقام والدتها. هي هتيجي بعد شوية، عايزك تقعد تتكلم معاها وتفهمها حالة غزل علشان تقدر تتصرف معاها.
_دي فكرة حلوة، خصوصاً إني كنت عايز أقولك من الأول تشوف دادة لغزل تحاول توصلها المعلومات معايا. بس كويس إنك أخدت الخطوة دي. خلاص هستناها. ثوانٍ وطُرق باب الغرفة وطلت منه إحدى العاملات تخبر حازم بهدوء عن انتظار السيدة وداد له في غرفة الاستقبال. خرج يرحب بها بحرارة وهو يدعوها لدخول غرفة المكتب لمقابلة كل من مراد وغزل. نظرت لها غزل بتعجب هاتفة: _مش إنتي طنط مامت مني؟ إنتي جيتي تشوفينا؟ ابتسمت لها وداد بحنان وهي تجلس على
الأريكة بجوارها قائلة لها: _لا، أنا جيت أقعد معاكي على طول. أبصرت قدمها الملفوفة بذلك الضماد وتلك الجبيرة لتشهق بفزع قائلة: _مالها رجلك؟ إنتي ربطها ليه؟ _وقعت يوم فرح مني، والحمد لله جت سليمة، مجرد التواء. متقلقيش يا طنط. كهذا قال حازم وهو يتجه إلى وداد يجلس على الأريكة المقابلة لها وهو يبتسم لها. أماأت له وداد بتفهم وهي تنظر لغزل قائلة: _سلامتك ألف سلامة يا حبيبتي. ابتسمت غزل بسعادة تجيبها: _الله يسلمك يا طنط.
_لا طنط إيه بقى كده هزعل منك، أنا جايه أعيش معاكي وأقعد معاكي على طول، عايزك بقى تقوليلي يا ماما. نظرت لها غزل بصدمة وتعجب. تلك السيدة حنون جداً وهي تشعر بذلك، ولكن لماذا تناديها بهذا اللقب؟ هي تريد بشدة أن تشعر بقرب والدتها منها، كما أنها لم تر والدتها قط، ولم تحب شاهيناز نهائياً لتناديه بلقب "ماما". ولكن وداد؟ أتستحق وداد هذا اللقب؟ صمتت غزل لثوانٍ تنظر لوداد بهدوء، ثم ما لبثت أن هتفت فجأة وهي تهتف لها:
_ممكن تحضنيني؟ حسناً، طلبها غريب، ولكن ماذا تفعل؟ هي تشعر بحنان الشخص الذي أمامها من أحضانه الدافئة. لقد شعرت بذلك في كل من حازم، ماجد، ومؤمن. ولم تحب أحضان شاهيناز أبداً، فقد كان حضناً قاسياً. لذا تحتاج لمعرفة هل تثق بحضن وداد أم لا؟
ضمتها وداد بحنان وعاطفة أمومية خالصة وهي تربت على شعرها كطفلة صغيرة. شعرت غزل براحة غريبة وسكون جميل يدغدغ جسدها وهي تحتضن تلك السيدة الحنون. لقد كانت تشتاق لذلك الحضن الأمومي الذي لم تعرفه قط. دفنت رأسها داخل أحضان وداد وهي تتمسك بها بشدة تريد التشبع من ذلك الحضن اللذيذ الدافئ. بينما ضمتها وداد بحنان وسعادة وهي تشعر بتمسك تلك الصغيرة بها بشدة. ربتت على شعرها بحنان وهي تهتف باسمها. لم ترد غزل الابتعاد
عنها لذا هتفت بضيق شديد: _يا ماما سيبيني، أنا عايزة أنام. ابتسمت وداد بسعادة، فيبدو أن تلك الطفلة قد اطمأنت لها وبدأت تعتبرها والدتها. أكل هذا من ذلك الحضن الصغير؟ اقترب منها حازم ينتزعها من أحضان وداد قائلاً بغضب: _تنامي إيه يا حلوة إنتي، إنتي لسه صاحية. قومي يا ماما خلصي مع مراد وابقي نامي براحتك. أصدرت صوتاً من حنجرتها يدل على اعتراضها وغضبها منه وهي تنظر له بعبوس شديد. ابتسمت لها وداد تخبرها بحنان:
_بصي، خلصي مع الدكتور بتاعك وابقي نامي في حضني تاني. أومأت لها غزل بينما تنظر لمراد تهتف به بحنق: _يلا بقى يا مراد خليني أنام. ضحك مراد بينما يتجه إليها يجلس على الأريكة المجاورة لتلك الأريكة التي تتسطح عليها. بدأ الحديث معها وهي تجيبه باقتضاب. سرعان ما بدأ حديثه يتوغل داخل عقلها وهي تتجاوب معه. انسحب كل من حازم ووداد خارج الغرفة تاركين المجال لمراد ليقوم بعمله معها.
اصطحب أنس أسرته إلى منزل ماجد للاطمئنان على غزل التي علم من مشفاه أن حازم قد أحضر بها متأخراً لعلاج قدمها المصابة. رحب به ماجد وأسرته وهو يستقبلهم بترحاب هو وحازم الذي كان سعيداً بقدوم أنس للاطمئنان على زوجته. جلست معهم وداد في غرفة الضيوف لتنظر لها حياة بتعجب وهي تنظر لها من أعلاها لأسفلها.
لم تكترث وداد لنظراتها، فأكثر ما يميز وداد أنها ذات شخصية قوية لا تتأثر بأحد. فلم تهتم بنظرات حياة لأنها تعلم أنها لا تفعل شيئاً خاطئاً. هي هنا لمساعدة غزل وهذا ما ستفعله. نظرت هنا لوداد بذهول، أليست هذه والدة مني؟ مالذي تفعله في منزل حازم؟ نظرت لها بتعجب تسألها بحيرة: _طنط، هو حضرتك جاية تطمني على غزل برضه صح؟ _لا يا حبيبتي، أنا قاعدة مع غزل هنا من بعد لما مني اتجوزت.
نظرت لها حلا بغضب وهي ترى اهتمام الجميع المبالغ فيه بتلك التي لا تُسمى "غزل". فلما يهتم بها الجميع هكذا؟ نظرت لها بضيق وهي تهتف بحنق: _وإنتي قاعدة معاها ليه بقى إن شاء الله يا طنط؟ _علشان هي تعبانة ومحتاجالي. _خير ما عملتي والله يا وداد.
قالها أنس بترحيب شديد. هو يفهم حالة غزل النفسية والعقلية جيداً، لذا حين علم بوجود وداد حتى أدرك ما أقدم عليه ماجد لمساعدة ابنه في علاجها. وهو يهنئه حقاً، فقد أحسن اختياره في السيدة وداد، لأنها أكثر الناس طيبة التي من الممكن أن تعامل غزل بكل لين ورفق. بينما لم تكن نظرات حياة ودودة أبداً، إنما كانت تنظر لوداد بشمئزاز وهي تفكر بعيشها هنا أيضاً. أتخلصت من ابنتها لترى نفسها؟
كيف تعيش مع ماجد وشاهيناز دون رابط مقدس أو عائلي؟ زفرت بضيق قبل أن ترسم ابتسامة سمجة على وجهها وهي تسأل ماجد باهتمام: _أما فين شاهيناز يا ماجد؟ ضحك حازم، فهو أسعد الناس بالقبض على تلك العقربة. لم يكن يحبها أبداً، إنما كان يراها تلتف حول المنزل كأفعى خبيثة، لذا كان خبر إلقاء القبض عليها أسعد شيء سمعه حتى الآن. أجاب والدة صديقه قبل أن يفتح ماجد فمه قائلاً: _هو حضرتك متعرفيش؟
مش كانت بتخون بابا واتقبض عليها في شقة مع واحد، وبابا طلقها. _أعوذ بالله! ومالك فرحان كده ليه يا حازم؟ استر عليها يا ابني، إحنا عندنا ولايا. قالها أنس بعتاب وهو ينظر لحازم. أومأ له حازم بتهذيب وتفهم، فأنس حقاً معه حق. رغم بشاعة أفعالها إلا أنه لا يجب أن يشمت بها. بينما نظرت حياة لماجد بسخرية. أتخلص من زوجته وأصبح عازباً ليأتي بالسيدة وداد؟ ماذا يحاول إخبارهم الآن؟ ما هذا الرخص؟
كيف لوداد أن تعيش مع رجل أعزب في منزل واحد؟ وبأي حجة؟ حجة ابنته المتزوجة؟ هه، يا للسخرية على من يضحكون؟ نهضت وداد بعد استشعارها لنظرات حياة المهاجمة والمتهمة لها. نهضت قائلة بصوت خفيض: _عن إذنكم، هقوم أعمل لكم حاجة تشربوها. هو المطبخ فين يا حازم؟ أشار لها حازم على المطبخ وهو يهتف: _هناك يا ماما وداد، وحظك حلو الصراحة لأن أنا اديت الناس اللي فيه إجازة النهارده، عيشي إنتي بقى.
أومأت له متجهة إلى باب الغرفة. كادت أن تخرج ولكن استوقفتها حياة قائلة لها: _خديني معاكي يا أم مني، لحسن رجلي وقفت من القاعدة. نهضت تذهب معها إلى المطبخ من أجل إعداد القهوة، وهناك وقفت تنظر لها من أعلاها لأسفلها قبل أن تهتف بسخرية وضيق: _مش عيب عليكي تبقي بنتك متجوزة إمبارح وإنتي تاني يوم هنا قاعدة مع راجل أعزب؟ نظرت لها وداد بضيق وبرود وهي تهتف لها بهدوء:
_أنا جايه علشان بنتي مش علشان حاجة تاني، وأعتقد إني حرة في قراراتي. _بنتي إيه! إنتي هتصيعي عليا؟ بنتي متجوزة وعلى طول مع جوزها، هتعمليلها إيه بنتي؟ _حازم طلب مني أساعده في علاج مراته، وأنا وافقت علشان كده أنا هنا. _علاج إيه ده بقى إن شاء الله؟ _هو إنتي متعرفيش إن……
كادت أن تخبرها على كل شيء تعلمه عن غزل. ولكن حين فكرت في الأمر ملياً شعرت بأنهم لا يريدون أن تعلم حياة عن مرضها، وإلا لكانت تعلمت منذ وقت طويل، فهي وأنس قريبان من عائلة ماجد بدرجة كبيرة. أخذت تصب القهوة في الفناجيل أمامها دون اكتراث بأن تكمل حديثها. بينما ضجرت الأخرى وهي تقف تنتظر باقي الحديث، لذا صرخت بها قائلة: _معرفش إيه؟ _لا ولا حاجة، ابقي خلي الأستاذ أنس يحكيلك.
قالتها وهي تحمل الحامل الذي وضعت عليه فناجيل القهوة، واتجهت إلى خارج المطبخ. قدمت لهم القهوة بينما تجلس بجوار حازم على الأريكة التي يجلس عليها. وحياة تجلس على الأريكة المقابلة لهم بجوار زوجها تنظر لها بغضب وغيظ.
قدم مؤمن إلى الغرفة بعد دخوله إلى المنزل، فهو كان يتسوق يريد اختيار هدية رقيقة لحبيبته ومالكة قلبه. لقد أعطى حازم اليوم إجازة مدفوعة الأجر لجميع العاملين في الشركة، فهو أراد أن يقضي يوماً ممتعاً مع عائلته عندما علم بقدوم السيد أنس وأسرته.
دخل مؤمن الغرفة يلقي السلام وهو يتعرف على أنس وحياة وحلا، فهو كان دائماً ما يرى هنا في العمل ولكنها المرة الأولى يتعرف على أنس وزوجته. رحب به أنس بشدة بينما بقيت تنظر له حياة باستنكار وهي تهتف داخل نفسها: _ده مين ده كمان إن شاء الله؟ الظاهر إن بيت ماجد لم. نظر مؤمن لهنا بابتسامة متسعة وهو يغمز لها بعينه في السر. حاولت عدم الضحك وهي تمد يدها له بكوب القهوة قائلة: _ممكن تاخد الفنجان ده يا مؤمن، أنا مش بشرب قهوة.
كاد يضحك على أفعالها الطفولية المراهقة ليستقيم يأخذ منها كوب القهوة وهو يقذف لها بورقة ما على قدمها دون أن يراه أحد. أخذ الكوب وعاد مكانه، بينما أمسكت هي الورقة تفتحها بلهفة بينما تقرأ حديثه لها، حيث كتب لها: _جننتيني معاكي يا بنت عمو أنس، مستنيكي بكرة في الشركة بدري علشان عاملك مفاجأة عايزك تشوفيها.
ابتسمت بخجل وهي تمسك بالورقة بحب وتبعد وجهها عنه تحاول عدم النظر له، بينما تذوق هو القهوة موضع شفتيها على ذلك الكوب بتلذذ وهو يبتسم بسعادة. ظلوا جالسين لفترة طويلة يتحدثون في أمور كثيرة وعامة لم يشعروا بالوقت، إلى أن وجدوا مراد يخرج من غرفة المكتب. استقام حازم واتجه ناحيته، كاد أن يتحدث ولكن أوقفه مراد وهو يهتف له بحنق: _مراتك فاتحة مناحة جوه بتتلكك علشان نخلص الجلسة بسرعة، وعايزة طنط وداد. ضحك حازم بمرح وهو يهتف له:
_تربيتي والله. المهم روح سلم على عمك أنس على ما أجيبها تقعد معانا. تركه متجهًا بعد حديثه الأخير إلى غرفة المكتب حيث تتسطح غزل على الأريكة تبكي بكاء لم يقنعه. لوهلة ظنها دموع اصطناعية. ضحك بشدة وهو يقترب منها قائلاً بحنان: _غزالتي حبيبتي بتعيطي ليه؟ نظرت له بإشراق وهي تهتف له بتساؤل: _هو أنا خلصت مع مراد؟ أومأ لها لتبتسم هي بسعادة وهي تمسح دموعها سريعاً وتتشبث برقبته قائلة بسعادة: _هييه! وديني بقى لماما.
_مش عارف ليه حاسس مراد بيعذبك مش بيعالجك! ضحك بشدة وهو يحملها متجه بها إلى حيث يجتمعون في غرفة الضيوف. أجلسها على الأريكة بجوار وداد، لتحتضن هي وداد بسعادة. ضمتها وداد بحنان قبل أن تستمع كلتاهما لصوت أنس وهو يخبرها: _ألف سلامة عليكي يا غزل، كده تقلقينا عليكي. نظرت حلا لها بخبث وهي تشهق باصطناع قائلة: _إيه ده يا غزل؟ إنتي مركبة جبيرة ليه؟ _وقعت في فرح حسام، مش عارف والله وقعت إزاي؟
قالها حازم بينما ينظر لحلا بضيق. يبدو أنه فهم تصنعها، بينما قامت هنا تحتضنها بحزن قائلة: _ألف سلامة عليكي يا حبيبتي. خرجت من أحضان هنا تجلس بجوار كل من حازم ووداد، تقابل حياة التي رمقتها بنظرات غاضبة. فهي لم يخف عليها خروج مراد أولاً من غرفة المكتب، ثم خروج حازم بها من بعده. ماذا كانت تفعل في المكتب مع رجل غريب؟ وكيف تركها زوجها؟
راقب أنس نظراتها بقله حيلة، وحين كادت أن تفتح فمها لتعنف غزل، حتى أطبق أنس على ذراعها يحذرها بعينيه. دقائق واستقام أنس يعتذر من ماجد يود الرحيل، فيكفي إلى هذا الحد حتى لا تفضحهم زوجته أمام رفيقه. ما إن غادروا حتى التفت مراد ينظر لحازم بذهول يهتف له باستنكار: _مش دي البنت اللي دخلت علينا المكتب من غير ما تخبط وإنت هزأتها قبل كده؟ ضحك حازم وهو يخبره: _إنت لسه فاكر؟ أيوه هي حلا أخت حسام وبنت عمك أنس. _ياااه!
أنا مشوفتهاش من لما كانت صغيرة، أنا معرفتهاش أول مرة. _ليك حق، منت اختفيت بعد الثانوية ومحدش عرف عنك حاجة. بقالك تقريباً عشر سنين مشوفتهاش. _اتغيرت أوي هي وهنا، بس هي بقت أحلى تصدق؟ ضحك حازم بينما يربت على كتفه بمكر قائلاً بمزاح: _إنت مالك حلوة ولا وحشة، إنت مش جدك هايجوزك كمان كام شهر. _أعوذ بالله! يا عم إنت بتفكرني ليه؟ ما تسيبني أعيشلي اليومين اللي فاضليني مبسوط!
ضحك حازم بشدة بينما شرد مراد يفكر ملياً. لقد أعجب بها بشدة. لم يرها منذ سنوات طويلة، وأخيراً رآها وهي بهذا الجمال. يبدو أنه سيحقق وعده لجده ولن يتزوج من فتيات الصعيد! *** أطلقت حياة العديد من الزغاريد الفرحة وهي تستقبل ابنها وزوجته على أعتاب المنزل. فقد جهز حسام الشقة العليا من منزل والده ليسكنها هو وزوجته. وأخيراً قد عادا بعد شهر كامل قضوه سوياً في مدينة الفن والجمال باريس.
لقد كان هذا الشهر من أسعد الأيام التي مرت على مني، فقد كان حسام أحن ما يكون عليها. لقد أراها معالم باريس واحد تلو الآخر، وأخذها إلى برج إيفل أطول برج في العالم وأكثرهم جمالاً. لقد كان شهراً سعيداً مر كال الهواء لتشعر أنها لم تشبع منه. دخل منزله وهو يضم خصر زوجته بتملك شديد. استقبلتهم حياة بالترحاب وبصحن مليء بحبيبات الملح التي قذفتها عليهم اعتقاداً منها أنها تمنع الحسد. قبلت ابنها على وجنتيه قائلة بسعادة:
_مبروك يا ضنايا، قولي اتبسطوا؟ _جداً يا ماما، اتبسطنا جداً. _ربنا يسعدكو يا حبيبي. قالتها وابتعدت عنه لتترك المجال لوالده بالترحيب به. رحبت بحسام بسعادة وهي تنظر لها بشك قائلة: _قوليلي يا مني، مش حاسة إن نفسك رايحة لحاجة حادقة، ولا عايزة جبنة قديمة ولا حاجة. ضحك حسام بشدة على حديث والدته، بينما احمرت مني خجلاً وهي تتفهم مغزى حديث والدة زوجها. كادت أن ترد ولكن سبقها حسام هاتفا لوالدته: _لسه بدري يا ماما على الكلام ده.
نظرت له حياة بضيق: _وبدري ليه؟ خليها تجيبلك حتت العيل بدري بدري علشان تلحق تربيه. نظر لها حسام بصدمة، بينما زمجر أنس بضيق وهو يهتف في زوجته بغضب: _في إيه يا أم حسام؟ إنتي هاتقولي ع الولاد ولا إيه؟ بعد الشر عنهم يجيبوا ولاد وقت ما يحبوا، العمر لسه طويل قدامهم. نظرت له زوجته وهي تلوى شفتيها بضيق وتهتف له بغضب: _أنا غلطانة، نفسي أشوف أحفادي قبل ما أقابل وجه الكريم.
_لسه بدري يا ماما على الكلام ده والله ربنا يديكي طول العمر، بس متبدأيهاش معانا بدري يعني. ده إحنا لسه يا دوب متجوزين. قالها وهو يضحك بمزاح قليلاً لتخفيف حدة الموقف. رأى عدم القبول يرتسم على وجه والدته لذا حاول إنهاء الحوار وهو يسحب مني من يدها صاعداً بها إلى الأعلى قائلاً لهم: _عن إذنكم بقى، لسه جايين من سفر ومحتاجين نرتاح. ابتسم أنس بحنان وهو يهتف له: _ماشي يا حبيبي، ربنا يسعدكو يارب.
قالها لينصرف حسام مع زوجته، بينما بقي هو ينظر إلى زوجته بعتاب وهو يهتف لها بحنق: _إيه الكلام اللي قولتيه قدام الولاد ده؟ إنتي عارفة إن الخلفه دي بإيد ربنا، ولو نسيتي أفكرك يا حياة إننا قعدنا خمس سنين بعد الجواز مبنخلفش لحد ما ربنا رزقنا بحسام. _أيوه يا أنس بس ده كان زمان قبل ما يبقى فيه طب حديث، أنا عايزهم يشوفوا الموضوع بسرعة علشان لو حصل لهم زينا يلحقوا يلاقوا حل.
_سيبيها على الله ومتدخليش بينهم، يمكن هما اللي مأخرين الموضوع بمزاجهم، ومتضغطيش عليهم، أنا بقولك أهو! زفرت بحنق بينما تتمتم ساخطة: _حاضر، ربنا يسهل. لتتركه بعدها منصرفة إلى غرفتهم، بينما بقي هو ينظر في أثرها بتحسر وهو يدعو الله أن يهديها حتى لا تخرب العلاقة بين ابنه وزوجته، فتبدو مني حساسة لأبسط الأشياء وهذا يجعلها كثيرة الشجار مع حسام. يبدو أن زوجته ستمثل خطراً على حياة ابنه ويجب أن يمنعها. ***
عاد من عمله مساءً وهو يتنهد بإرهاق ويمسد عنقه بتعب جم. لقد مر شهر كامل تُعالج نفسياً. ومراد يقوم بمجهود مضني معها، وقد بدأ ذلك يظهر جلياً فقد أصبحت أكثر نضوجاً وهي تتفهم الحديث والعالم من حولها. كما أن وجود وداد معها في هذه الفترة ساعدها أكثر، فقد تقربت منها بشدة. وعلمتها الكثير في الحياة، بداية من آداب الحديث، الطعام، النوم، كيف ترتدي، وكيف تعامل الناس.
كما علمتها عن العلاقة الزوجية وآداب احترام زوجها والاستماع لكلامه وأوامره. في هذه الفترة كانت تتولى وداد المطبخ، فقد سرح حازم جميع العاملين وترك لها أمر الطعام. كانت تقف معها غزل كثيراً في المطبخ تساعدها وتلعب بالمقتنيات أيضاً. ليمر عليهم شهر مليء بالأحداث والسعادة، فقد أحب هو تقدمها العقلي هذا حتى لو كان بسيطاً. فقد أخبره مراد أن طريقهم في علاجها لن يكون قصيراً أبداً.
أقبلت عليه تبتسم بسعادة لقدومه، فهي أصبحت تنتظر قدومه يومياً من العمل، وتودعه قبل ذهابه إليه. احتضنته كعادتها عندما يعود من عمله قائلة له بسعادة: _حمد الله على السلامة. اتأخرت ليه؟ ابتسم لها بإرهاق وهو يعطيها بعض الأوراق قائلاً لها: _متأخرتش ولا حاجة. خدي دول حطيهم في الدرج الأول من المكتب عندي على ما أطلع أغير هدومي.
هو يعمل بنصيحة مراد الذي أخبره أنها يجب أن تشعر به يعتمد عليها. لا يريدها أن تكون كل اعتماداتها عليه وحده. يجب أن تعتمد على نفسها، ويجب عليه أيضاً أن يشعرها أنه يعتمد عليها. نظرت له بقلق وهي تخبره: _بس أنا مش هعرف. ابتسم لها بحنان وهو يقول لها: _لا هتعرفي، إنتي شاطرة وهتعرفي تحطيهم. يلا روحي وهستناكي في الأوضة فوق.
رحلت من أمامه بخطوات متعثرة وهي تتمتم لنفسها ببعض الكلمات، بينما وقف هو ينظر لها لبعض الوقت وهو يبتسم بحنان وحب. فاخيراً منذ أن بدأت علاجها مع مراد بعد الكثير من الإلحاح عليها، ها هي الآن تتجاوب مع الكثير من المواقف، وقد بدأ يشعر بنضج عقلها في الكثير من المواقف الأخرى. هو يتمنى أن تتماثل للشفاء في أقرب وقت، وماذا سيحتاج أكثر من ذلك؟
صعد إلى غرفته بعد أن ألقى السلام على عمه والسيدة وداد اللذين كانا يشاهدان إحدى الأفلام القديمة على شاشة التلفاز في انسجام. لقد أصبح يرى انجذاب كل منهما للآخر وهذا ما أسعده. دخل غرفته اغتسل أولاً ثم جلس ينتظرها على الفراش بينما يتدثر جيداً بالغطاء، فهم في بداية يناير ذلك الشهر السقيع الممطر. دَلفت إلى الغرفة تبتسم بإشراق وهي تنظر له بسعادة قائلة: _حطيت الورق. ابتسم لها بحنان يخبرها بتحفيز:
_برافو عليكي. قوليلي مراد جالك النهارده؟ أومأت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!