خمس سنوات مرت من عمرها، ذهبت كما تذهب نسمات الهواء العليل. خمس سنوات انقضت سريعا لم تشعر بهم في كنف وحضن زوجها الحبيب. حازم كان أفضل شيء حصلت عليه في حياتها البائسة. الحب الذي أغدقها به والسعادة التي عاشت فيها معه لا يمكن وصفهما. ولقد أعطاهما الله فرصة لتتويج هذا الحب العظيم الذي وُلد بينهما، بأن رزقهما مولودان غاية في الجمال. "فريد" و"فريدة"، هذان التوأمان الشقيان نعمة الله التي من بها على حازم وغزل.
لقد كانت تحلم بالأولاد وخسارتها لطفلها الأول جعلها مذبذبة قلقة دائماً. عندما علمت بحملها الثاني لأول مرة شعرت بالخوف، شعرت أنه سيموت كما مات شقيقه السابق. ولكن الله من عليها بطفلين أكثر روعة مما توقعت. فريد، ذلك الطفل الصغير الذي يحمل صفات والده بكل ما تحمل الكلمة من معنى. هو يحمل صفاته الجسدية والعقلية. حيث يشبه تماماً حازم بدرجة كبيرة في الشكل، باختلاف لون عينيه الأزرق الذي أخذه من والدته.
أما فريدة، تلك الطفلة الجميلة الرقيقة، آية الجمال التي تشبه والدتها وكأنها نسخة مصغرة منها. فقط أخذت عينا والدها السوداء. لكن رغم جمالها الخارجي الأخاذ، إلا أنها طفلة غير اجتماعية نهائياً، دائماً منطوية على حالها. تبدو كالخائفة من كل شيء. لا تستطيع الدفاع عن نفسها إن تعرض لها أحد الأطفال الآخرين أو شيء كهذا.
لقد احتار معها كل من حازم وغزل. حالها ضعيف جداً. ولكن يبدو أن الله قد سخر لها من يحميها، فقد كان فريد عكسها تماماً، كان هو من يحميها ويحتويها وكأنه هو حاميها الخاص رغم سنواته القليلة. لقد تزوج كل من هنا ومؤمن قبل سنة واحدة ورزقهما الله بـ "روان"، تلك الطفلة التي كانت آية في الجمال كما والدتها تماماً. أما عن مراد وحلا، فقد رزقهما الله بـ "أنس"، ذلك الطفل ذو السنوات الخمس الذي كان يكبر كل من فريد وفريدة بسنة واحدة.
حياة جميلة ومليئة عاشوها بأحداثها الحلوة والمرة. أصبحت فيها غزل سيدة ناضجة أكثر جمالاً وجاذبية. اختفى غباؤها ولكن روحها الطفلة ما زالت موجودة. توطدت العلاقة بين أسرة مراد، حسام، مؤمن، وحازم، فأصبحوا عائلة واحدة. بعد وفاة كل من ماجد الذي قتلته حسرته على نكران ابنته له، ووداد التي أتمت دورها في الحياة، أصبحوا أكثر تقارباً وأصبح انس هو والدهم جميعاً. وذات يوم...
خرجت من المطبخ تركض وراء طفلها الشقي هذا، تصرخ بغضب شديد. ركض فريد منها وهو يضحك بمرح بعد عملته معها. فهو قد وضع لها ذلك القط الصغير الذي هو مهووس بتربيته -رغم اعتراضها -على طاولة المطبخ الرخامية. هي تخاف هذا القط كثيراً، وحذرته مراراً من اعتراض طريقها به. وما أن رأته أمامها في المطبخ حتى صرخت بفزع وهي تركض خلفه تتوعد له. التقى في طريقه بفريدة التي نظرت له بتعجب وتساؤل. ضحك يمسك يدها يحثها على الركض معه وهو يخبرها:
"يلا نستخبي قبل مامي ما تاكلنا." "هي مامي عايزة تاكلنا ليه؟ ضحك بشدة وهو يسحبها ناحية إحدى الأشجار الكبيرة في الحديقة يختبئان خلفها بينما يخبرها بهمس: "اششش اسكتي بدل ما تسمعك." أتت غزل إلى الحديقة تبحث عن طفلها وهي تصرخ بغضب: "انت يا فريد يا زفت، تعالي هنا."
ظلت تبحث عنه وهي تتوعد له بأشد العقوبات على ما فعله بها. كانت تنحني بجذعها تبحث عن الصغيرين حين اصطدمت رأسها بحائط بشري ردها للخلف عدة خطوات. رفعت نظرها تنظر إلى حازم الذي حاول منع ضحكته وهو يسألها بسخرية: "غزل، انتي بتعملي إيه؟ "بدور على ابنك يا أخويا." "أخوكي!! انتي بقيتي بيئة أوي من ساعة ما خلفتي."
قالها باستنكار، بينما لم تعره هي اهتمام وهي تلتفت لتعاود البحث عن طفلها. ثوانٍ وأتى الصغيران يركضان من مخبأهما ما أن سمعا صوت والدهما. ركضا يحتضناه بسعادة. بينما انحنى هو فوق ركبتيه يتلقفهما يبتسم بسعادة وهو يرحب بهما: "حبايب بابي، وحشتوني أوي، عاملين إيه؟
أجاباه بصوت واحد وهما يدفنان رأسهما في سترته كزهرة صغيرة تحتمي بوالدتها. رفعهما على ذراعيه بسعادة كاملة فهذين الطفلين هما قطعتان من قلبه. نظر لها ليجدها تنظر له بغيظ شديد. ابتسم يحاول عدم الضحك على منظرها الطفولي المتزمر. هي تشعر بالغيرة من أطفالها وهو يعلم ذلك. ابتسم بسماجة وهو يضم كلتا طفليه جيداً بحماية بينما يسألها بتصنع للفضول: "قولتيلي كنتي بتدوري على مين بقي؟
صرخت بغضب وهي تشعر بالغيرة الشديدة. تبحث عنه منذ وقت وما أن أتى والده حتى خرج يركض نحوه، بل ومعه شقيقته أيضاً. أين نصيبها من هذا الحب؟ ثم إن حازم يتعمد إغاظتها بحب طفليه له. زفرت بحنق وغضب وهي تتجه له تلقي بنفسها بين أحضانه هي الأخرى في المكان الفارغ بين طفليها الذي يحملهما حازم. ضمته من خصره وهي تتمتم له بضيق: "على فكرة عيالك بيحبوني أنا أكتر منك... بطل تغيظني." "عيالك وبيحبوني؟ ازاي دي؟
قالها ضاحكاً وهو يشعر بالرضا الشديد بسبب تلك الحركة التي قامت بها الآن. لكمته بخفة فوق صدره التي تستند عليه وهي تخبره بضيق مصطنع: "أيوه عيالك، وعيالي أنا كمان. وعلى فكرة أنا زعلانة منك ومنهم عشان انت أول ما بتيجي بتحضنهم هما الأول، وهما بيجروا عليك وينسوني."
قالتها وهي تشعر بالحزن. ابتعدت عن صدره تقف أمامهم تعطيهم ظهرها تربع ذراعيها أمام صدرها. شعر الصغيران بحزن والدتهما فنزلا سريعاً عن ذراعي حازم يحتضنان ساقها كل منهما من جهة وهما يهتفان في صوت واحد: "مامي ما تزعليش." "لا أنا زعلانة منكم... ابعدوا عني." "يا ماما إحنا بنحبك أوي متزعليش مننا." ابتسمت بحنان وهي تنحني تضمهما بسعادة وهي تهتف بحب: "أنا عمري ما أزعل منكم، انتوا ولادي حبايب قلبي."
ابتسم حازم بسعادة. غزل حنونة جداً على طفليها. لقد كان يخشى أن يؤثر ما مرت به في السابق على تربيتها لأطفالها وحبها عليهم. ولكن حقاً قلب الأم هو أحن قلب. فرغم كل شيء لم يرها مرة تعنف أحدهم أو تضربه. وحين يصاب أحدهم تجلس إلى جواره تبكي وكأنها هي من أصيبت.
تنهد بإرهاق وكأنه يقول: الآن طفلة أنجبت طفلين. وهي بالفعل كذلك، فما زالت طفلة تتعلم الكثير مع أطفالها. وهو يشعر كما لو أنه مسؤول عن ثلاث أطفال لا اثنان فقط وكأنه كان ينقصه أطفال. ولكن حقاً هو يعيش معهم في سعادة لم يكن يتخيلها يوماً. سعادة فقيد فقد أسرته كاملة وحصل أخيراً على أسرة تحبه مثلهم.
ابتسم بحنان وهو يتجه إليها يضمها وهي تتضم داخل أحضانها صغيريها في عناق جماعي اعتادوا عليه. فأسرهم لا تتفرق حتى في العناق. لقد أقسم حازم على إعطاء طفليه ما حُرم منه هو وغزل. لن يجعل أحد منهما يعاني أبداً وهو على قيد الحياة. فطالما ما بقيت فيه روحه سيبقى هو رب تلك الأسرة الصغيرة وحاميها إلى أن يحين الأجل.
القي بجسده بجوارها فوق الفراش يشعر بعبوسها الشديد. ابتسم بمرح فما زالت كما هي تنتظر مصالحته لها، وكأنه قد أخطأ من الأساس. طفلاه من أتوه يركضان في سعادة، ما ذنبه الآن؟ ولكن على كل حال هو يعشق حالها هذه. يكفيه أنها تنتظره لكي يصالحها ويزيح حزنها الذي سببه لها. ابتسم ينحني عليها ينام برأسه فوق قدميها يغمض عينيه يخبرها برفق: "غزالتي، أنا آسف."
"لا أنت وحش وشرير، كل مرة تنساني وكل مرة بتحضن ولادك الأول، انت مبقتش بتحبني يا حازم." فتح عينيه يستقيم برأسه من فوق قدمها يخبرها برفق وحنان: "استحالة طبعاً، أوعي تقولي كده تاني. انتي بنوتي الأولى، وحبيبتي الأولى والأخيرة. بس أعمل إيه يا غزل، الولاد هما اللي بيجوا جري يحضنوني." "مليش دعوة، ابقى أحضنا إحنا التلاتة مع بعض." ابتسم ضاحكاً وهو يخبرها:
"بس كده، ده أعز ما عندي إني أحضنكم انتو التلاتة مع بعض. أما دلوقتي بقى فأنا عايز أحضنك انتي لوحدك." "قصدك إيه؟ تساءلت بغباء كعادتها مؤخراً. بينما ابتسم هو بمكر وهو يطرحها على الفراش ويستند بجسده فوقها قائلاً ببحة بجوار أذنها: "يعني أنا جعان وعايز أشبع منك، انتي وحشتيني أوي."
ابتسمت بخجل بينما نظر هو لها برضى قبل أن ينقض يقبلها برقة وحنان قبلات طويلة وشفتاه تتجول براحة على جسدها. ثوانٍ ورفع وجهه ينظر إلى وجهها المشتعل يبتسم بحنان وحب وهو يخبرها: "بحبك يا غزالتي." ابتسمت برغبة وحب وهي تقبله بنهم تخبره بعشق: "وأنا بعشقك يا حازم."
قالتها وسحبته بعدها معها إلى عالمها الخاص. عالم تملكته هي وحدها واستطاعت أن تسرقبه إليه كما سبق وسرقت قلبه منه. منذ أن رآها وهي تسرقه، مرة أمواله ومرة قلبه، والآن تسرق روحه لتطوف مع روحها في عالمهما الوردي الرائع. ولكن صدقاً أن سرقتها له أفضل ما حدث له على مر حياته. وإن عاد به الزمن من جديد سيتصنع الحماقة ويجعلها تسرقه مرة أخرى، فقط لتبقى ذكرتهما وصدفتهما الفريدة حية مدى التاريخ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!