الفصل 31 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
49
كلمة
3,874
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

أنسابت دموعها العالقة، وهي تُحدق في الهاتف بصدمه. لقد أغلق الهاتف بوجهها حين استمع لصوتها. ثقلت أنفاسها بالألم وهي تتساءل داخلها: هل لهذه الدرجة لم يعد يرغب حتى بسماع صوتها؟ هي تعلم بفداحة جرمها وما فعلته في لحظة جنون لم تحسب لها. أرادت أن تنتقم من الشقيق الأصغر، وها هي تحصد هجر الأكبر. هجر الرجل الذي اكتشفت وقوعها بحبه بعد فوات الأوان.

تقدمت منها السيدة كريمة، وقد أتت إليها لتعيش معها وتعتني بها، رغم رفضها لصمتها حتى الآن عن أمر الطفل. ولكن العمة، بعدما كانت مسترخية الملامح تحمل فنجان القهوة خاصتها، تبدلت ملامحها وهرولت نحوها مفزوعة من هيئتها. "مالك يا فريدة؟ أنتِ تعبانة ياحبيبتي. مش معقول يكون ألم الولادة ده، أنتِ لسه فاضل على ولادتك شهرين يا بنتي." حدقت بها عمتها مفزوعة من صمتها، ولكن الجواب قد حصلت عليه وهي ترى الهاتف في يدها، تقبض فوقه بقوة.

"اتصلتي بي برضه يا فريدة؟ تعالت شهقاتها، فابتعدت عنها العمة كريمة، تلتقط أنفاسها براحة بعدما أطمأنت عليها. "حتى لو عرف إني حامل، وهجيبله الطفل اللي مستنيه من زمان.. عامر مش هيسامحني ولا هيرجعلي تاني." طالعتها كريمة بأسى، فمهما حاولت إقناعها أن تمضي بحياتها وتنسى ما مضى، تعود ابنة شقيقها لنفس النقطة. أرادت طمأنتها واقتربت منها تحتضنها. "رجعوك ليه غلط يا فريدة؟

هيفضل طول عمره شايفك بنفس الصورة، ومش هتستحملي يا بنتي، ده غير إنه بقى راجل متجوز." "مبيحبهاش، هو اتجوزها عشان ينتقم مني ومن بابا.. عشان يعرف يثبت له وللناس إن عامر السيوفي راجل كامل مش بيعيبه حاجة." صرخت بعبارتها المريرة، وحاولت النهوض بعيداً عن عمتها، لعلها تختلي بنفسها قليلاً. ولكن عمتها أعادتها لأحضانها.

"ومحسن هنفضل مخبيين عليه لحد امتى، إنك حامل.. ده أنتِ قربتي تولدي يا بنتي، ومش هنفضل طول عمرنا عايشين هنا في الإمارات." تلاقت عيناها بعيني عمتها، فعلى ما يبدو قد أتى الوقت الذي يجب أن يعلم فيه والدها عن أمر الحفيد الذي كان ينتظره بشوق. *** طالعته وهو يقف أمام المرآة، يرتدي سترته. وقد أصابه الوجوم بعد المكالمة العجيبة التي لم تتعد الدقيقة. حيث وقف كالصنم يستمع لصوت المتحدث. يقبض فوق هاتفه بقوة، ثم ألقاه فوق الفراش.

"عامر." هتفت باسمه بخفوت. فوقف مكانه يُحلق بالمرآة، دون الرد. وسرعان ما كان يلتقط متعلقاته، ويسرع هارباً من الغرفة أو من أي سؤال آخر ستسأله. *** حدقها أحمد بملامح مبسّطة، بل وأخذت ابتسامته تتسع شيئاً فشيئاً، بعدما تناول أصناف الطعام التي أجادت صنعه. فالتقط يدها يُطبع عليها قبلة حانية. "تسلم إيدك يا صفا." وأردف مازحاً، وهو يرمق خلجات وجهها وتورّدها نتيجة قبلته. "هنتغنى عن جيسي خلاص."

طالعته بملامح مرتبكة، تتمنى داخلها أن تخبرها ألا يسير حنوناً لطيفاً معها لهذه الدرجة، فلم يعد لديها متسع لتحبه أكثر. صفا: "معاكِ الطباخة صفا، أحسن شيف في مصر وأمريكا." تعالت صوت ضحكاته، وهو يستمع لعبارات مدحها، بعرضها المسرحي الذي اعتاد عليه، كلما مدحها في شيء راقه منها.

"أنا عن نفسي سعيد، إني باكل من إيدك.. واهتمامك بحاجتي والبيت.. مش عشان أنا عايز دورك كده في حياتي، لكن وجود كل حاجة عليها لمستك بيخليني أحس بشعور جديد وغريب." أسبلت جفنيها بطريقة ناعمة، فتنهد بعمق وهو يرى تأثير كلماته البسيطة عليها. "صفا من سنتين بالظبط ما كانتش ست البيت الشاطرة اللي أنت شايفها، ما كانتش بتعرف تتحمل مسؤولية نفسها حتى.. إنسانة عازلة نفسها بين سطور الروايات وأحلامها بالفارس المنتظر."

أنسابت دموعها رغماً عنها، حين أخذتها الذكريات نحو أغلى ما فقدته. شعرت بمقعدها وهو يجذبها به نحوه، يرفع وجهها إليه، يمسح عنها دموعها بأنامله. وبنظرة حنونة أخذ يهمس. "متعيطيش، أنا مبقتش أقدر أشوف دموعك." عانقت عيناه عينيه في صمت، وكلما أخذت شفتيها تتحرك حتى تخبرها إنها لم تعد تستطيع العيش دونه، كانت تبتلع حديثها. وعدها داخله لن يتركها يوماً، وإذا رحل عنها سيكون الموت وحده من وضع نهاية فراقهم.

"عايزة تقلبيها مناحة، عشان مآكلش صح ونفسي تتسد ده بعينك." ألقى عبارته، وهو ينتظر رؤية ابتسامتها. وبالفعل كانت تبتسم إليه، تحرك نفسها نافية. وقبل أن تهتف بشيء، دس في فمها قطعة من قطع اللحم. فلامست شفتيها أصابعه، ليُسرع في علق أنامله مبتسماً. "تجننت." خضبت وجنتيها خجلاً، من عبارته المثيرة وتلك النظرة التي يُحدقها بها. تسارعت دقات قلبها، ولكن أسرعت في إشاحة عينيها عنه، كما أعادت مقعدها لمكانه واغرقت وجهها في طبقها.

"احكيلي شوية عن شغلك ومشاريعك." هتفت عبارتها، حتى تجذبه نحو حديث آخر، فتنهد بعمق. يُخبر نفسه بالمزيد من الصبر. "كل حاجة ماشية كويس، الحمد لله." تجاوز معها الحديث الذي يُحرجها، فاتجهت عيناها إليه تتساءل حانقة. "بس هو كده، رد مختصر.. أنا عايزة تفاصيل." ورغم الحنق الذي ظهر منذ ثوانٍ فوق ملامحه، إلا أن كل شيء تلاشى وهو يستمع لحديثه. "أنتِ مش معقولة، لازم كل حاجة تعرفيها بالتفاصيل."

أشارت نحو حالها مستاءة، من حديثه عنها الذي تعلم صدقه. "أنا." عادت عيناه تتسلط نحو شفتيها، فهي تتحول في لحظة لقطة بريئة، ناعسة. يُريد إلتهامها. "بنزعل لما نلاقي الكلام أخذنا لنقطة تانية." فهمت مقصده، وهي ترى نظراته الماكرة. اعتدلت فوق مقعدها بجدية لتتعالى ضحكاته بعدما تراجعت عن وداعتها. "معزومين على حفلة بكرة يا قطة هانم." أرادت أن تعترض، فهي لا تهوى حفلاته، ولكنه أسرع في منحها الرد قبل أن ترفض رفقته.

"حفلة هتعجبك أوي، حفلة جواز." وهل أحداً يكره المناسبات السعيدة مثل حفلات الزفاف. *** وقفت سناء تُطالع فخامة البيت الذي تسكنه اخت زوجها بعينين متسعتين، تُحلق في كل شيء تقع عيناها عليه. جاءت إحدى الخادمات تحمل ما يشتهونه من الحلوي والعصائر، فانتبهت على يد زوجها الذي جذبها كي تجلس ثانية، ولا تفضحهم بتصرفاتها. "مش عايزة أقعد، سبني أتفرج على العز ده كله.. بقي أختك."

وكادت أن تكمل عبارتها، ولكن توقف الحديث على طرفي شفتيها، وهي تراها تهبط الدرج تفتح ذراعيها لأولادها مرحبة بهم. رمقتها سناء من رأسها حتى قدميها، وقد اشتعل الحقد داخلها، وهي تراها بهيئة الهوانم، بل وملامحها قد زادت إشراقاً وكأنها لم تتأثر علاقتها بزوجها بحديثها الذي خبرتها به منذ لقائهم الأخير، فلم تأتي لزيارتها اليوم إلا لتتأكد من تدهور علاقتها بزوجها ورؤيتها مدمرة.

بملامح شاحبة، عضت سناء باطن خدها بمقت، وقد خابت جميع آمالها. أسرع رجب بخطواته إليها، يضمها نحوه بقوة، يسألها عن أحوالها، ويخبرها كيف أصبحت من الهوانم وسيدات القصور وكأنها "فاتن حمامة" في فيلم سيدة القصر. "الباشا، راجل محظوظ عشان تبقي من نصيبه." تورّدت ملامحها، وهي تسمع عبارة شقيقها التي مسحت فوق قلبها وكأنه بلسم، فليت عامر يرى نفسه بالفعل إنه محظوظ بها.

اقتربت منهما سناء، بعدما زادت قتامة ملامحها، فلم تعد تتحمل سماع تلك العبارات، وكأن حياة وحدها من النساء هي الجوهرة الثمينة. "لكِ وحشة والله يا حياة، لقيناكي مش بتسألي قولنا نيجي نسأل إحنا." شعرت بأن أضلاعها، كادت أن تتحطم من ضمة سناء، فابتعدت عنها تُخبرها بشوقها لهم. "و انتوا كمان وحشني أوي." رمقت الصغار، الذين جلسوا يتناولون الحلوي ويشربون العصائر ويثرثرون مع بعضهم في رغبتهم للخروج للحديقة والمكوث طيلة اليوم هنا.

ابتسمت وهي تري نظراتهم إليها حتى تمنحهم الإذن. "يلا نطلع سوا بره." سبقها الصغار، فتعالت ضحكة رجب وهو ينظر نحو أولاده. "دول فاكرينها الحديقة الدولية." "خليهم يلعبوا يا رجب وينبسطوا." "هيبهدلوا الدنيا، والباشا ممكن يضايق." طمأنتْهُ بنظراتها الحنونة، وهي تقترب منه. "متقلقش، عامر بيحب الأطفال."

علقت عينين سناء بها وتغلغل الحقد داخلها، وهي تستمع لعباراتها الأخيرة عن زوجها، فمن كانت تنعتها يوماً بالعانس التي لا يرضى بها أحد، تزوجت رجلاً تحلم به الكثيرات. "مافيش حاجة جاية في السكة يا حياة! ألقت سناء بعباراتها، وهي تمسح فوق بطنها.

فالتفت نحوها حياة وقد تلاشت سعادتها، فرمقتها سناء بنظرات متهكمة، وهي تراها تقف عاجزة عن الجواب الذي تخشاه من تأخر حملها، فقد مر على زيجتهم أربعة أشهر دون حمل، ولكن ما يُدهشها أن عامر لا يُلح على الأمر، ولكنها ترى نظراته الواجمة وتبدل ملامحه، كلما أخبرته أن عادتها الشهرية قد أتتها. *** وقفت تمشط خصلاتها في شرود، وهي تتذكر حديث زوجة شقيقها، فلم تترك سناء حديثاً يُشعرها بالخوف مما هو قادم، إلا وأخبرتها به.

من المحتمل تقل فرصة إنجابها، لأنها في الثانية والثلاثين، ولكن ربما يكون عدم حملها خيراً لها ولهم، حتى لا تعود إليهم بطفل، وبدلاً أن تكون فرداً واحداً يصبح فردين. فلماذا يبقى رجلاً مثلها متزوجاً من امرأة مثلها لا تحمل إلا شهادة فوق المتوسط، بمعهد حكومي لم يسمع عنه أحد، وهو رجل ذو شأن وكيان. لم تكتفِ سناء عند هذا الحد، بل أخبرتها بملامح حزينة، إنها رأت حلماً لها، لا يبشر بالخير.

انتبه أخيراً على وقفتها التي طالت، وقد كان هو الآخر غارقاً في مهاتفته فريدة له أمس، فمكالمتها جعلت حقده يعود نحو النساء، بعدما بدأ يتعايش مع حياته الجديدة، يمنح نفسه ويمنح الواقفة أمامه بملامح شارده فرصة. نهض من فوق الفراش واتجه صوبها بعدما لم تُجِب عليه، متسائلاً وقد ضاقت عيناه. "المفروض تكوني اتبسطي النهاردة، أخوكي وولاده قضوا معاكي اليوم كله."

طالعته بذهن شارد، لا تقوى على سؤاله نحو مخاوفها، فربما تكون هي الحقيقة، فماذا إذاً ستجني عندما تعرف ما يُتعسها. عامر لا يحبها وهي متأكدة من هذا، ولكنها لا تفهم شخصيته المتقلبة. وهي بدأت تحاول أن لا تضيع فرصتها معه كما أخبرتها ناهد، فلو ضاعت الفرصة، ستعود محملة بالخيبات لعائلة شقيقها، ستعود لسلاطة لسان سناء وسمومها. أنسابت دموعها فوق خديها، فرمقها بفزع. "مالك يا حياة، إيه اللي حصل خلاكي تعيطي؟

لم يكن لديها جواب لتخبره به، أسرعت في إلقاء جسدها عليه، تدفن رأسها في صدره. "عامر، احضني جامد.. طمنّي إنك مش هترميني في يوم من الأيام." صدمته عبارتها، التي جمدت ملامحه، فهل أصبحت تشك بأضطراب مشاعره نحوها؟ ضمه إليه وهو يشعر بالألم يستوطن قلبه، وهو يراها بهذا الانهيار. تحرك بها نحو الفراش، ليجلس فوقه، ثم وضعها فوق فخذيه يُهدئها بحنان، جعلها تزداد في بكائها. "احكيلي يا حياة، إيه اللي زعلك فجأة وخايفة من إيه؟

تعالقت عيناها به، فامتدت كفوفه نحو وجهها. "كل حاجة مخوفاني، أنا بخاف أفرح." ألجمه ما نطقته، فلم يشعر إلا وهو يجذبها لصدره يُعانقها بقوة، يُعطيها وعداً حقيقياً نابعاً من قلبه. "طول ما أنا عايش، متخافيش من حاجة، أنا أمانك يا حياة." *** طالعت جنه البلد الجديدة، التي ستقضي بها شهراً معه عبر زجاج تلك السيارة التي تصطحبهم إلى شقتهم.

فهي لأول مرة تعلم بأن زوجها دائم السفر لتركيا وله هنا معاملات كثيرة، حتى أنه يجيد التحدث بلغتهم وكأنه يعيش فيها. أشياء كثيرة بدأت تعرفها عنه بأدق التفاصيل. رفرف قلبها بسعادة، وقد شعرت أخيراً بالراحة، فعلاقتهما أصبحت ينعمها الهدوء والحب الذي بدأت تراه في عينيها. فاقت من شرودها، وهي تراه يمنحها هاتفه، بعدما ضاقت عيناه. "أروى بتتصل، واكيد مش عايزة تكلمني أنا."

ابتسمت بسعادة، وهي تلتقط منه الهاتف بحماس، وقد وصلها صوت أروى المتحمس أكثر منها لهذه الرحلة. "وصلتوا تركيا؟ طالعت الجالس جوارها، وقد اشتعل في مطالعة أرقام البورصة عبر جهازه اللوحي. "الجو هنا جميل قوي، ولا الشوارع تجنن يا أروى.. إحنا في إسطنبول دلوقتي." "يا ريتني كنت معاكم، عملت إيه أنا برحلة الغردقة دلوقتي، ده حتى مكنش فيها سياح أتفرج عليهم وأصاحبهم." انفرجت شفتي جنه بضحكات عالية، فحدقها بنظرات قوية.

فهم ليسوا بمفرد، فالسائق يصطحبهما. أسرعت في وضع كفها فوق شفتيها، تستمع لتذمرات أروى. "آه لو هاشم سمع اللي بتقولي ده، هيطير رقبتك." استمعت هذه المرة لأستياء أروى وهمست وهي تلتصق نحو باب السيارة. "الرجالة هنا إيه حلوين خالص.. يااا." وكادت أن تصف له أحد الأشخاص، وقد وقعت عيناها عليه في المطار، ولكن وجدت يلتقط منها الهاتف، ويغلقه محدقاً بنظرات حانقة متوعدة. "ما شاء الله جايبك هنا عشان تتأملي في الرجالة وتعجبي بيهم."

تجهمت ملامح جنه من ردة فعله، تهتف بحماقة دون أن تستوعب ما تنطقه كعادتها. "ليه قفلت السكة، كنت عايزة أوصف لأروى الراجل الحلو اللي كان في المطار وضحك لي." أحتدت عيناه بالقتامة، فالتصقت بشدة بمقعدها، خائفة من نظراته. "مش هحاسبك دلوقتي على وقاحتك، بس قسمً بالله لو اتغزلتي في راجل قدامي أو ورايا حتى.. متلوميش غير نفسك." طالعته بملامح مستاءة، متذمرة، تمط شفتيها حانقة من مزاجه الذي يتقلب بسهولة.

فحديثها مع أروى لم يكن إلا في إطار المزاح. ولكن هو هكذا دوماً سريع الغضب. أشاحت عيناها بعيداً عنه، فعاد لجذبها قربه متمتماً وكأنه رجلاً آخر. "قربنا نوصل خلاص." *** تأملت صفا المكان حولها بسعادة وهي لا تُصدق بأنها اليوم تحضر حفل زفاف في الظهيرة ونهار اليوم مازال ساطعاً كما كانت تشاهد ذلك عبر التلفاز. لتسمع صوت الموسيقى الهادئة استعداداً لمجيء العروس.

فالتفت نحو زوجها المنشغل بالحديث في هاتفه، فاقتربت منه تلفت نظره لطول حديثه في الهاتف، تمسد فوق ذراعه. فهي تريد أن تحظى بحنانه واهتمامه. طالعها أحمد بابتسامة هادئة وتابع مكالمته وهو يحوط خصرها بأحد ذراعيه. سكنت صفا قرب صدره، وهي لا تعلم لما كل هذه المشاعر التي قد طرأت عليها الآن. أنهى أخيراً مكالمته، ومال على أذنيها معتذراً عن انشغاله بها، متسائلاً وهو يُطالع الحفل حوله. "عجبتك الحفلة؟ "عجبتني أوي أوي يا أحمد."

وكادت أن تُكمل بقية حديثها عن مدى إعجابها، فوجدت العروس الجميلة بفستانها القصير تدلف بصحبة عريسها صاحب البدلة البيضاء الكلاسيكية والسعادة تطل من عينيهم. أخفضت رأسها أرضاً، وهي تُحارب مشاعر بؤسها. فوجدته قد يتمتم معتذراً مرة أخرى، وكأنه يهرب من نظرات بؤسها. "معلشي يا صفا.. هعمل مكالمة ضرورية بعيد عن صوت الموسيقى وراجع تاني." ثم جبينها في قبلة طويلة، وسار مبتعداً عنها أمام نظراتها الشاردة.

تركها لعاصفة مشاعرها القوية، وسرعان ما كانت تنساب دموعها دون إرادة منها فوق خديها. خاصة بعدما وقعت عيناها نحو الرقصة التي افتتح بها العروسان الحفل. فهي لم تحتفل بزفاف ولا حتى خاتم زفاف يوثق ملكيتها به. فهو يقترب ويبتعد، يغمرها بالحب ثم يعود لجليده ثانية. لتأتي لحظة مراسم توثيق الزواج، فيقف الضيوف مهللين بسعادة. أقتربت هي من الجمع الواقف بترقب، وقد تسلطت عيناها على جميع التفاصيل بشغف. لتتابع ما يحدث عن قرب.

وقف العروسان بحب بعدما وافقوا على كل بنود الزواج بسعادة. أخذ تصفيق الحضور يعلو بعد القبلة التي لثم بها العريس شفتي العروس. فانفرجت شفتاها كالبلهاء مما تراه. فهم يتبادلون القبلات علانية وبذوق، بل ويواصلون بالمزيد والحضور سعداء بالأمر. تابعه بعينيه من بعيد، محدقاً بتفاصيل ملامحها، ليرى الألم الذي استطاعت إخفاءه عنه، وقد كان هو السبب فيه.

فهو لم يمنحها شيئاً كأي فتاة لم يسبق له الزواج، لا لحظة اعتراف، لا محبس زواج ولا حفل زفاف وفستان عرس وباقة زهور. اقترب منها بخطوات هادئة وهو يقسم داخله إنه سيفعل لها كل ما تمنته عن قريب. فلم يعد لا يريد إلا رؤية السعادة تلمع في عينيها. *** بدأت نيران غضبها تشتعل مع كل كلمة تقصها أروى على مسمع عمتها. حتى هتفت أروى بحسن نية لسعادتها من أجلهم. "جاسر شكله بدأ يحب جنه يا عمتي."

زفرت منيرة أنفاسها براحة، وتعالت السعادة فوق ملامحها. ولكن سرعان ما تلاشت سعادتها وتحولت ملامحها للجمود وهي تستمع لحديث نيرة الحاقد. "لحق يحبها امتى، وازاي.. ما تقولي كلام عاقلين يا أروى." امتعضت ملامح منيرة غضباً، وهي تستمع لكلماتها التي تحمل الغل والحقد. "خدي اختك يا هدى وانقلعوا من قدامي." فأقتربت هدى من أختها لتجذبها بعيداً. حتى وقفت نيرة أمام منيرة بدموع.

نيرة: "انتِ السبب لولا إنك رحتي جبتي بنت أخوكي كان زمانه اتجوزني وحبني.. ليه كده حرام عليكي." فنهضت منيرة عن مقعدها بملامح قاتمة. "انتِ بتخرفي تقولي إيه يا خرفانة انتِ، مين ده اللي كان هيتجوزك؟ جاسر طول عمره شايفك زي أروى. صلحي دماغ اختك يا هدى عشان شكلها كبرت وخرفت." وسارت منيرة في اتجاه غرفتها وهي تتمتم: "بت قليلة الأدب، كان ناقص كمان منجيبش ولاد من نسل المنشاوي مش كفاية فاخر، امتى بقى يا جاسر هتفرحني بعيالك." ***

حاولت قدر المستطاع أن تبدأ معه حواراً، لعلها تقتل ضجرها، أو تجذبه إليها نحو الثرثرة التي تعشقها. ولكنه كان يجلس صامتاً بهدوء قاتل، جعلها تزفر أنفاسها حانقة. زفرت أنفاسها بصوت مسموع، فالتف نحوها وقد قطب ما بين حاجبيه متعجباً نظراتها الحانقة نحوه. "جاسر المتسلط اللي بيزعق على طول أرحم من جاسر البارد." تعالى العبث فوق ملامحه، فترك فنجان قهوته الذي كان يرتشف منها مستمتعاً وهو يُطالع التلفاز.

جذبها إليه من ثوبها، بطريقة صدمتها وزادتها توتراً. "ما أنا كلامي بياخد منحنى تاني، وأنتِ مبتحبوش." وبأنفاس متعلثمة، أجابته متذمرة. "لأنك بتحب المواضيع اللي مش تمام." رفع حاجبيه مستمتعاً، بتورّدها وتوترها متسائلاً وكأنه لم يفهم حديثها. "مش تمام؟ ليه يا أستاذة جنه." وقبل أن تهتف بشيء، وتخبره إنه يتلاعب بها، كان يُخبرها بمتعة مواضيعه التي لا تروق إليها.

أتسعت عيناها وهي تستمع لحديثه وعن النساء اللاتي يستمتعون بهذه الأمور. "خلاص كفاية، أنا مبقتش عايزة أتكلم معاك.. خلينا نتفرج على البرنامج أفضل." تعالت ضحكاته، وهو يراها تتهرب منه كعادتها. فعاد لجذبها إليه يهتف بجمود مصطنع. "ولا برنامج ولا غيره، أنا هسيبلك المكان كله." أسرعت في النهوض خلفه، تجذبه من قميصه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...