الفصل 30 | من 37 فصل

رواية سطور عانقها القلب الفصل الثلاثون 30 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
50
كلمة
4,458
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

تراجعت للخلف خائفة، مرتبكة. تنظر نحوه وهو يتقدم منها. خرج صوتها مرتجفاً وهي ترى المسافة قد انعدمت بينهم. "إحنا محتاجين فرصة نقرب من بعض تاني." لا تعرف متى أصبحت بين ذراعيه، وهو ينتظر سماع المزيد من أعذارها. تعالت أنفاسها. فعلى ما يبدو أن هذا الرجل لن يمنحها الراحة اليوم. وسيكون قلبها أكثر من مرحباً بتلاعبه المحبب له. ولكنه تخشى الاحتراق من قربه.

التقطت عيناها طبق الفاكهة القريب منها، فمدت يدها برجفة تلتقط حبة تفاح وتضعها داخل فمه. قبل أن يفعل فعلته ويقبلها مجدداً. تعالت ضحكاتها وهو يرى حبة التفاح محشورة في فمه. وقد تخلصت أخيراً من أسر ذراعيه. "حلوة التفاحة مش كده؟ طالعها بحنق، وهو يخرج التفاحة من فمه. لا يستوعب جنونها. ففي اللحظة التي شعر بخضوعها، تمكنت من الفرار منه. "بايخة ومش حلوة يا صفاء." تمتم ممتعضاً، فتعالت ضحكاتها رغماً عنه وهي تراه بهذا الحنق.

"مش عارف إيه لعب العيال اللي فيكي ده." رمقته ممتقعة، وقد ضاقت عيناها عبوساً. اجتذبها إليه مجدداً يخبرها بهمس وهو يلفح عنقها بأنفاسه الهائجة. "جنونك هو اللي رجعني لحياتي القديمة، رجعني لأحمد." لم يمنحها فرصة لتستوعب كلماته وقربه. أغمضت عيناها من هول المشاعر التي تعيشها معه اليوم. وكأنه رجل مختلف. غمرها بين ذراعيه، بعدما لم تعد تتحمل الوقوف. هامساً بخفوت: "يومين وبس يا صفا، سامعة؟

ولا تعلم لما انفجرت في بكاء مرير، وهي تتذكر والديها. أبعدها عن ذراعيه، يطالعها في صدمة. لا يصدق إنه ضغط عليها اليوم بمشاعره التي لم يعد لديه قدرة على إخفائها. "صفا، فيكي إيه مالك؟ سألها بلهفة، بعدما أجلسها فوق أحد المقاعد بالمطبخ، يمسح عنها دموعها.

"لو كنت ضغطت عليكي النهاردة، فتأكدي إنه من حبي ليكي.. صفا أنا مبقتش أقدر أتحكم في مشاعري، بقيت واقف في النص لا أعرف أرجع لورا وأرجع أحمد القديم.. ولا عارف آخد خطوة جديدة في حياتي.. بس خلاص أنا اخترت أبدأ من جديد." صارحها بكل اضطراباته ومخاوفه. رفعت عيناها إليه، وقد تلاقت عيناهما في صمت طويل. قطعته هي وقد عادت دموعها تنساب فوق خديها تخبره بمرارة: "بابا وماما وحشوني أوي."

لم يتحمل بكاءها ولا تلك الكسرة التي يراها في عينيها. احتواها بقوة بين أحضانه. "أوعدك إني هعوضك عن كل لحظة وحشة حسيتي بيها بعد فراقهم." ابتعدت عنه تتأمله. وتلك المرة هي من كانت تعانق شفتيها بشفتيه، تخبره بحبها له الذي أصبح لا يتحمله قلبها من شدته. *** تأملها بغضب، وهو يرمق الوسادة التي تضعها بينهم فوق الفراش حتى تفصل أجسادهم. ولو ظنت هذه الحمقاء إنها تستطيع منعه عن شيء يريده، فبالتأكيد هي أكثر النساء غباءً.

رمقها بخبث وهو يراها تشد فوق مئزرها. وتلك المرة كان يقطب جبينه وقد انتبه للتو إنها تضع غطاء رأسها. "يعني مخدة وقولنا ماشي، رغم إني لو عايز حاجة هاخدها.. والمخدة مش هتمنعني يا جنة." حدقته باستياء وهي تفهم مضمون كلماته الوقحة. فلو كانت ليلة أمس سمحت له باحتضانها والنوم بجواره، لن تمنحه هذا الأمر مجدداً. فهي ليست سهلة المنال لو ظن. ستعذبه كما عذبها ولن تمنحه رضاها بسهولة.

هكذا كانت تقنع نفسها، بعدما المكالمة الطويلة التي خاضتها من ابنة خالها. وللأسف حظهم كان متشابهاً. "لكن كمان تلبسي روب فوق البيجامة، وحجاب وأنتِ نايمة." أردف عبارته، حانقاً بملامح ممتقعة. طالتها يده، فاستطاع جذبها إليه نحو صدره الصلب، فشهقت مصدومة من فعلته التي باغتها بها في لحظات شرودها. "أبعد إيدك عني، إحنا اتفقنا إننا هنتعرف على بعض الأول ونفهم طباع بعض.. أنت راجل متقلب المزاج يا جابر."

تجهمت ملامحه وهو يسمع عبارتها التي اخترقت أذنيه، يتساءل بعدما دفعها جوارها ومال عليها: "أنا إيه يا هانم، سمعيني كلامك كده تاني." ارتفعت وتيرة أنفاسها، وارتجف قلبها اضطراباً وهي ترى قربهم بهذا الوضع. رطبت شفتيها بلسانها وهي تحاول العودة لثباتها. "راجل متقلب المزاج، سريع الغضب.. ملكاش أمان."

وتلك المرة كانت ترى نظراته القاتمة. لو لم يكن يريد إصلاح علاقتهما، لجعلها ترى غضبه ووحشيته. تمتم بكلمات حاولت تفسيرها ولكنها لم تتمكن من فهم شيء. "أنت ليه مش ديمقراطي، وبتسمع الطرف التاني وتحترم رأيه؟ أطبقت فوق شفتيها، تمنع حديثها المسترسل الذي سيؤدي بها للهلاك. ابتعد عنها بكامل جسده، بل ونهض من فوق الفراش يهتف بجمود: "هسيبلك الأوضة كلها، عشان تعرفي قد إيه أنا راجل ديمقراطي."

ألجمتها حدته، وابتعاده. ظنته سيتقبل صراحتها ويمازح معها. ولكنها تأكدت من غباءها. لو كان زوج صفا يتحمل الأمر، فجاسر مختلف الطباع عنه. رجلاً بدماء صعيدية. "جاسر، أنت زعلت؟ التفت إليها، قبل أن يغادر الغرفة، يرمقها بملامح ممتعضة: "وأزعل ليه، مش لازم أكون راجل ديمقراطي عشان أرضي سعادتك.. وأنا أه براضيكي وبسيبلك المكان.. لا مخدة تحطيها ولا تكتفي نفسك بكل الهدوم ديه.. عشان خايفة لسمح الله أغتصبك.. يا مدام."

"أنا مش مدام، أنا آنسة." تركت جميع حديثه، ولم تتمسك إلا بتلك الكلمة التي جعلته يرفع أحد حاجبيه، يرمقها بترقب وقد عاد مقترباً منها. اتسعت حدقتاها ذهولاً، ووضعت كفها فوق شفتيها لا تصدق إنها نطقت تلك العبارة، ولكنها لم تكن تقصد ما وصل إليه. إنها بالمجمل تكره تلك الكلمة. "جاسر، أنت فهمتني غلط." وبهمس، وأنفاس لاهثة وعينين تدجان بالرغبة: "أنا عايز أفهم غلط، ومحتاج أفهم غلط." "جاسر."

همست اسمه راجية، بأن يبتعد عنها. فلو تركت نفسها لمشاعرها، لضاعت جميع مخططاتها. "أنا بالي مش طويل يا جنة." وبصعوبة كانت تمنحه الجواب الذي أصبحت تعرفه عنه. "عارفة، بس أنا محتاجة وقت نتعود فيه على بعض.. ارجوك." خرج حديثها متقطعاً، وهي تغمض عينيها من هول ما تشعر به قربه. شعرت بقلاته التي أخذت تتحرك فوق وجهها وسرعان ما وجدته يبتعد عنها، بعدما تمالك توقه ورغبته.

"هخرج شوية، تكوني نمتي.. لكن مش عايز أرجع وألاقي المخدة ديه في نص السرير، وأنتي لسا متكتفة بكل الهدوم ديه وكأننا في المكسيك."

ألقى عبارته وهو يبتعد عنها، ولم ينتظر سماع جوابها. بل غادر على الفور. فلو ظل معها للحظة أخرى لضرب بجميع قراراته في منحها وقتاً عرض الحائط. فما كان يمنعه عن إتمام زيجته منها هو خوفها من كشف الحقيقة التي عاشا في ظلامها. إنها رجل عقيم. توقف أعلى الدرج وهو ينظر نحو الردهة الخاصة بغرفتهم. لا يستوعب الحقيقة التي يخبره بها قلبه للتو. إنها يحبها وما ينقعه نفسه به إلا كذب.

ولم تكن هي بحال مختلف عنه، ولكنها اعترفت لقلبها منذ وقت إنه تورطت بحب هذا الرجل. غفت بعدما نفذت ما طلبه منها. وعندما عاد كانت تشعر بثقله فوق الفراش ثم جذبه لها بين أحضانه، يعبئ رئتيه برائحتها متمتماً بخفوت: "مش معقول أكون فعلاً حبيتك من أول يوم شوفتك فيه." *** طالعت وجه أختها، وقد أخذت تترقب تغير ملامحها. تشعر بالشفقة نحو أختها الصغرى، وكيف وصلت لهذا الحقد.

"أنا جاسر يجيب سكرتيره بدالي ويخليني مجرد موظفة، كل ده عشان مين؟ تنهدت "هدي" وقد عاد الضيق يرتسم فوق ملامحها من نفس الحديث الذي باتت تسمعه كثيراً مؤخراً. ومهما حاولت أن تصرفها عن جاسر وحياته، تزداد تشبثاً بأوهامها. إنها ستنالها يوماً. "إنسي جاسر بقي يا نيرة، هو لا بيحبك ولا عمره هيحبك.. ولا حتى حاسس بيكي." التقطت يدها، تجبرها على الوقوف، واتجهت بها نحو المرآة لتجعلها ترى هيئتها وملامحها التي بدأت تكبر.

"العمر بيجري، ويوم ورا يوم بتكبري.. عمرك بيضيع يا نيرة وأنتِ بتفكري في إنسان مش شايفك غير بنت خالته وبس، اتجوز مرام وسابك وبعدين اتجوز جنة.. بس أيام مرام كنتِ لسه صغيرة، الفرصة كانت قدامك، أما دلوقتي بقيتي ناضجة، عمرك بقي كام دلوقتي يا نيرة؟ تجمدت ملامحها من حديث شقيقتها. وابتعدت عنها نافرة، بعدما أصاب الحديث نقطة ما داخلها. "أنتِ بتعايريني يا هدي؟

ألجمت "هدي" عبارتها، فهي لا تريد إلا رؤيتها سعيدة، وسعادتها بعيدة عن جاسر. "أنا بعايرك يا نيرة، فهمتي خوفي عليكي معايرة." حدقتها "نيرة" بضجر، من النصائح التي بدأت تسمعها منها ومن أروى. التي تخلت عنها، حتى العمة "منيرة" بدأت تلفت أنظارها. بأن جاسر اعتاد على جنة وتقبلها في حياته، وربما تسمع الخبر الذي تنتظره العائلة قريباً وهو قدوم طفل جاسر من جنة الغالية ابنة شقيقها.

"يظهر إن انتي وأروى بقيتوا خسارة عليا ومبيجيش من وراكم فايدة، خليكم في حياتكم وسبوني في حالي.. وحياتي وأنا اللي همشيها وبكرة جاسر يندم إنه متجوزنيش! *** نظر إليه رامي طويلاً وهو يتأمل نظراته العالقة بها، وكأنه لا يطيق ابتعادها عنه. "صفا وسارة شكلهم مبسوطين مع بعض وهيبقوا صحاب، فكرة التزحلق على الجليد كانت فكرة مجنونة بعيد عن طباعك يا أحمد." طالعت "أحمد"، بعدما أشاح عيناه بعيداً عنها، يمسح فوق خصلاته.

"بحاول أبسطها يا رامي، كفاية إني ظلمت مها بحب أناني وماتت بسببي." "يعني شعورك بالذنب بموت مها مخليك تعامل صفا كده؟ وبضياع كان يتمتم، بعدما عادت تتعلق عيناه بمجنونته. "مش عارف يا رامي، ولا بقيت فاهم نفسي ولا مشاعري.. لكن أنا مبقتش عايز غير أشوف سعادتها." حدقه رامي بنظرات لامعة، وهو لا يصدق أن صديقه مازال يجعل مشاعره. "أنت لسه مش متأكد بحبك ليها، النهاردة أقدر أقولك.. إنك فعلاً حبيتها يا ابن السيوفي."

تلاقت عيناه بعيني رامي، الذي أخذ يومئ له برأسه مؤكداً. تعالى صياحها باسمه، فالتف بعينيه إليه وهو يومئ له برأسه رافضاً. "يا سيدي روح، بدل ما تنكد عليك في البيت." أحتقنت ملامح "أحمد"، بعدما استمع لعبارة صديقه وقد ابتعد عنه، يخبره إنه سينضم إليهم. ورغم عدم رغبته في مشاركتهم، إلا إنها بمجرد ما أتت إليه متذمرة كالطفلة الصغيرة، كان يلبي رغبتها دون اعتراض. طالعه "رامي" يغمز إليه، حتى يشاكسه. يهمس بخفوت:

"وبدأت حاجات كتير تتغير فيك يا ابن السيوفي." *** تأمل ابتسامتها المرحة مع والده، وقد أخذت طعمه بيديها. "كفاية يابنت أخوي، أكلت كتير كأني عيل صغير." ارتسمت ابتسامة "جاسر" باتساع فوق شفتيه، وهو يطالعها. فمسحت فم عمها وناولته دوائه، حتى أغمض عيناه، مشيراً إليهم بالانصراف ليستريح قليلاً. غادروا الغرفة، ليتركوه ينعم بالراحة، ليتوقف هو وسط الردهة وقد أتته رغبة ملحة في أن تطعمه هو الآخر. "عايزك تأكليني بإيدك."

طالعته بذهول من طلبه، بل يطلبه هنا في منزل العائلة. "جاسر، إحنا مش في بيتنا." "لما نروح طيب." كأن كالطفل الصغير، وهو يطلب منها أطعامه. طالعته بملامح عابثة تتساءل بمشاكسة حتى تغضبه. "أنت غيرت من الحاج حسن ولا إيه يا كبير العيلة؟ "أيوة غيرت، ولو استمريتي كتير في الحكاية هخليكي تأكليني هنا قدامهم."

اتسعت عيناها ذهولاً، فهي إلى الآن لا تصدق طلبه وغيرته من والده. أرادت أن تتجاوز الحديث معه عن هذا الشيء، بعدما رأت نظرته اللعوب. "رجعت بدري ليه النهاردة؟ كانت تخشى ردوده الفظة، ولكن أقسمت داخلها إنها لن تسأله مجدداً إذا عاملها بفظاظة. "كنت محتاج رأي الحاج، في قراري الأخير إني أترشح المرادي في مجلس الشعب." وقبل أن تسأله عن شيئاً يأخذه إليه فضولها، كان يرمقها مبتسماً، مشاكساً لها هو هذه المرة.

"ميعاد الدرس بتاعك قرب خلاص ياحضرت الأستاذة.. فياريت تأجليه أو تجيبي تلامذتك هنا.. لأن في ضيوف مهمين جايلني." أومأت برأسها متفهمة، دون اعتراض كعادتها المعترضة على قراراته. جذبها نحو غرفته القديمة وتلك المرة كانت تلتقطهم نظرات العمة "منيرة"، فابتسمت بسعادة وأكملت خطواتها نحو غرفته. دفعها نحو الجدار بعدما أغلق باب الغرفة متمتماً، وهو يرى أنفاسها التي أخذت تتعالى ونظراتها المتوترة. "محتاج أشحن نفسي في حضن بريء يا جنة."

والحضن البريء الذي أخبرها به، لم يكن بريئاً للغاية. *** تعلقت عيناه بصور أفراد العائلة بتدقيق، يستمع لسرد أحد رجاله بعض التفاصيل عن أفراد العائلة. أصرف الرجل بإشارة من عينيه، فغادر الغرفة في صمت. وترك سيده في وقفته، يحدق بالصور وينفث دخان سيجارته الثالثة. "ما أنا لازم أدخل لك من مكان يا ابن المنشاوي، ده في طار قديم بينا ولازم نتصافى فيه يا حسن يا منشاوي أنت وولادك."

عادت عيناه تدور بين الأشخاص. وسرعان ما كانت تتسع ابتسامته بمكر. وقد وقعت عيناه نحو الفرد الذي مازال حديث رجله منذ لحظات عنه يقتحم عقله ويتكرر داخل أذنيه. ابنة الخالة التي تسعى وراء جاسر المنشاوي وتعمل معه في شركته، بل وتتمتع بامتيازات كثيرة في أعمال العائلة. "نيرة." *** وقفت أمامه بسعادة، وهي تحدق به كالطفلة الصغيرة غير مصدقة، إنه سيصطحبها معه إلى إحدى المتاجر لشراء ثياب جديدة. "هنشتري هدوم جديدة."

أومأ لها برأسه، للمرة التي كان لا يعرف عددها، يمنحها الجواب مجدداً مبتسماً. "أنتِ ناسيه إن الدراسة كلها أسبوع وهتبدأ." أطربتها عبارته، وقد استمعتها من قبل. ولكنها كانت تحب سماعها. رغم إنها ليست غزلاً. فماذا لو أخبرها إنه سيقضون أمسية سوياً؟ ابتسمت وهي تتخيل هذه الأمسية، حتى تنهداتها الحارة قد خرجت دون وعي منها. "صفا، هو أنتِ نمتي مكانك؟ طالعته وهي غائبة الذهن لا تستوعب حديثه المتهكم. "ده أنا نمت وبحلم كمان."

تعالت ضحكته، فلم يعد يعرف معها إلا الضحك. مدت شفتيها في عبوس بعدما نفضت رأسها من أفكارها الحمقاء. "خلاص أسفين يا صفا هانم، أسفين بدل ما تقلبي اليوم دراما." "أنا بقلب اليوم دراما، طيب مش هخرج معاك." ولم يزيده عنادها إلا مزيداً من الضحك. اقتربت منه تدفعه فوق صدره. "مش أراجوز أنا قدامك." "أجمل أراجوز شفته بحياتي." التقط كفيها في قبضة واحدة، يغرقها بحديثه الذي يجيده. "طبعاً كاتب، تقدر تضحك على العقول."

رمقها بعبوس مصطنع، يهتف متذمراً: "ديما ظلماني." شعرت بذراعيه فوق جسدها. حدقته وهي مسلوبة الإرادة كعادتها قربه. وقد كان خبيراً في جعلها تستكين بين ذراعيه. "إيه رأيك نأجل مشوارنا بكرة؟ أومأت برأسها دون شعور. فابتسم بمكر وهو يجذبها إليه أكثر. ولكن سرعان ما كانت تدرك فعلتها. دفعته عنها راكضة نحو الأعلى. "لا.. أنا ميضحكش عليا يا باشمهندس، اشرب قهوتك براحة، لحد ما أجهز وأعمل حسابك هنتعشى برا."

سمعت لصوت ضحكاته، وهي تهرول لأعلى، تستمع لكلماته الوقحة بعض الشيء. بأنه سينال حقه منه أضعاف مضاعفة. التقط أنفاسه أخيراً، ينظر في أثره ولا يصدق ذلك الإحساس الذي بدأ يشعر به. صفا تجاوزت جميع حصونه. فلم يعد يطيق بعدها. وها هي مخاوفه تعود لقلبه. يخشي هذه المرة فقد السعادة التي يعيشها. *** ظل يطالع ابتسامتها وهي تضع الطعام له، بعدما استغنت عن تلك الخادمة التي قد بعثت بها إليهم عمتهم.

فيتذكر كلمات أحد كبار عائلته وهو يسأله متى سيصبح له ولداً وريثاً يورث اسمه. تنهد بعمق وهو يحدق بها، وبسعادتها الظاهرة فوق ملامحها. ولكنه بدأ يضجر من صبره الذي طال، وقد أصبح يتوق بشدة لنيلها وإنجاب طفلاً بل أطفالاً منها. أخذت عيناه تتحرك فوق جسدها وهي تضع له الطعام في طبقه، تسأله عما يريد المزيد. "كفاية يا جنة، وأقعدي بقي.. لأني مش مستعد أقولك على العواقب اللي هتحصل لو بعدتي عني."

ألجمتها عبارته، وسرعان ما كانت تفهم مضمونها بوضوح وهو يغمز لها بوقاحة. لم تعد تصدق إنها به، "جاسر المنشاوي" يتسم بالوقاحة والعبارات الصريحة. كبير العائلة لا يتحكم في لسانه. تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل. واتجهت نحو مقعدها ترفع نحو شفتيها كأس الماء ترتشف منه القليل، لعلا توترها يزول. تذوق بضعة لقيمات من الطعام، بعدما قرر أخيراً تركها، حتى لا تختنق أمامه من شدة توترها وارتباكها. "تسلم إيدك، طعم الأكل جميل."

ارتسمت ابتسامة متوترة فوق شفتيها، وهي تستمع لإطرائه المحبب لقلبها. "بجد عجبك الأكل؟ طالعها بنظرة طويلة، ثم ترك ملعقته، ليمنحها الجواب بقبلة فوق كفها. تعالت أنفاسها بشدة وهي لا تستوعب أفعاله. "جاسر، هو أنت متأكد إنك مش خيال أو راجل تاني؟ تجلجلت ضحكاته، وهو لا يصدق ما يسمعه منها. "لا مش خيال ولا راجل تاني يا بنت عمي." أسبلت أهدابها، تستمتع بتلك اللحظة التي سرقت منها أنفاسها، وتراقص قلبها مع دقاته.

"مش كفاية صبر أسبوعين يا جنة؟ فاقت من نشوتها، وهي تشعر بمقعدها يقربها منه. تعانقت عيناهما معهم، وقبل أن تمنحها بالجواب، رفع ملعقته يطعمها به. "مش عارف ليه حاسس، إني وحش وهيفترسك كل ما أجيب السيرة ديه." وبرفق كان يطعمها. "كلي يا حبيبتي ومتخافيش." حشر الطعام بفمها في دفعات، حتى لم تعد تستطيع ابتلاع ما في حلقها. "جاسر، أنا كده هتخنق."

انتبه على ما يفعله، فاسرع في جذب الماء إليها. ارتشف بضعة قطرات من الماء سريعاً، وطالعته حانقة. "أنت عايز تخنقني مش كده، أنا برضه استغربت الرومانسية اللي كنت فيها يا جاسرتي." يضحك في البداية على حنقها وتذمرها منه، ولكن سرعان ما تحولت ضحكاته للعبوس والمقت. "جاسرتك، إيه الدلع الماسخ ده؟ تلمعت عيناها بمشاغبة، بعدما وجدت أخيراً ما يضايقه. "أنت يا شيخ العرب." "وكمان شيخ العربه." هتف عبارته ممتعضاً، وقد عاد لطعامه.

"ضيعتي لحظة الرومانسية اللي كنا عايشينها." وجاسر الذي كانت تستعجب طباعه منذ دقائق، عاد للرجل الذي تعرفه تماماً. الرجل المتذمر الذي لا تطول لحظات هدوئه ورومانسيته. "الأكل مليان شطة ليه، أنا مبحبش الشطة." ضاقت عيناها وهي تسمع تذمره على الطعام، بعدما شكرها عليه من قبل. "مش كنت من شوية بتقولي تسلم إيدك." "مش معنى إن قلت كده، يبقى منقدش الأكل." ذمت شفتيها حانقة، من عبارته. "مش بقول متقلب المزاج."

لتصدح شهقتها عالياً وهي تراه يرفع من فوق مقعدها، يريها كيف يتقلب مزاجه بسهولة، ولكن تلك المرة كان مزاجه محبباً لقلبها، مزاجً جعلها مسلوبة الأنفاس وقد تراخت ساقيها ولم يكن إلا ذراعه الملتف حول خصرها يسندها نحوه. *** جلست فوق الفراش، تقلب بهاتفها الذي أصبح يمنحها تسلية كبيرة. طالعت باب المرحاض المغلق، تستمع لصوت الماء.

فارتسمت فوق شفتيها مشاعر الخجل وهي تتذكر لحظاتهم منذ دقائق وتأخره على عمله لأول مرة منذ زواجهم. ارتفعت يدها نحو عنقها تدلكه قليلاً. وقد أخذها عقلها نحو لقطات تشعرها بالخجل، وكأنه ليس زوجها.

اتسعت ابتسامتها، رغم إنها مازالت تشعر بالمرارة لأنها تعلم أن ما يحدث بينهم إلا غريزة تدفعه نحوها. ولكن ما السبيل أمامها. هو لا يسمح لها بالابتعاد أو الرفض حتى لو أراها جانبه المظلم. وقد بدأت تفهم طباعه، وكما أخبرتها ناهد بخبرتها. إنها تستطيع ترويضه ولكن بالصبر.

فاقت من شرودها على رنين الهاتف. وللحظات ظنته هاتفها لتشابه نغماتهم. ولكن هاتفه هو ما كان يصدح رنينه. التقطته من موضعه واتجهت به نحو باب المرحاض تهتف به، تخبره أن أحد يهاتفه. لم يسمعها، كما أن الهاتف توقف عن الرنين. عادت نحو الفراش ولكن رنين الهاتف تعاود مجدداً. طالعت الرقم بفضول فلم يكن إلا رقماً دولياً. "مين كان بيرن؟

التفت إليه مفزوعة وقد توقف رنين الهاتف مجدداً. فعلقت عيناها بهيئته، وهي تراه يلف المنشفة حول خصره. ويقترب منها. التقط منها الهاتف وألقاه فوق الفراش ليجذبها إليه مستمتعاً بحالة توترها وارتباكها كلما طالعته وهو هكذا. "محتاجين قد إيه من المراحل، عشان تبطلي خجلك ده." وبدلال لا تعرف متى اكتسبته وكيف، حركت رأسها. "مش عارفه، بس وأنت وشطارتك."

اتسعت حدقتاه ذهولاً، فمن التي تتحدث به هكذا. هل هي حياة التي تخرج الكلمات من شفتيها بصعوبة، وإذا خرج الحديث كان حديثاً بائساً. عانق خصرها بذراعه، متمتماً وهو يقربها منه. "أظاهر دروس ناهد هانم، بتجيب نتيجة حلوة." ألجمتها معرفته بما تفعله معه والدته. ابتلعت لعابه وهي تراه يبتعد عنها. تخشى تقلبه الذي لم تعد تعرف كيف توزانه أو هل ستظل تتحمله. ولكنه فجأة وهو يلتف إليها.

"إيه رأيك نخرج نفطر بره، ونروح النادي نقضي اليوم هناك." تهللت أساريرها سعادة، واسرعت إليه تعانقه غير مصدقة. "ونأخد ماما ناهد معانا." أهل تطلب في خروجتهم التي تعد الثانية، ذهاب والدته معاً. طالعها في صمت وهو لا يستوعب أي هي من النساء. لقد وسمها بالعديد من الكلمات ولم يعد يستطيع وسمها بالمزيد. "يعني مش عايزة نكون لوحدنا، أي ست في الدنيا ما بتصدق تكون مع جوزها لوحدها."

أسرعت في تحريك رأسها نافية، تخبره عن مدى حبها لوالدته. خفق قلبه وهو يستمع لما تعده لها من محاسن والدته ولطفها معها. فهل يسمها بلقب آخر وهو الوفاء الذي تفتقره النساء اللاتي مررن بحياته. تعالى رنين هاتفه مجدداً، وكان للتو سوف يخرج من المزيد من اللحظات معها. حتى إنه كان سيضرب بعرضه عرض الحائط. ولن يتركها إلا حين يشعر بذلك الشعور الذي لا يغادره.

ابتعد عنها، والتقط هاتفه. متعجباً من الرقم وسرعان ما كان يفتح الخط. يستمع للطرف الآخر ولم تكن إلا هي تهتف اسمه بلوعة وشوق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...