دلك عنقه بإرهاق، بعدما انتهى اجتماعه الذي استمر أكثر من ساعتين. طالع مدراء الأقسام وهم يغادرون، وعاد لمطالعة أوراق الصفقة الجديدة. اقترب منه "أكرم"، بعدما قرر عدم المغادرة ورؤيته. فقد بدأ يشعر بوجود خطب ما معه. "مالك يا عامر؟ مبقتش عاجبني الفترة دي." ثم تساءل بقلق وهو لا يتمنى سماع ما يظنه: "أوعى تقولي، إنك مش مرتاح مع مراتك واكتشفت غلطتك في الجواز بسرعة؟
رفع "عامر" رأسه، ومن نظرة عينيه كان ينظر إليه أكرم مترقباً جوابه. "تفتكر إنك ممكن بالصدفة تكتشف إن كل اختياراتك اللي فاتت كانت غلط؟ وإن الاختيار الوحيد الصح في حياتك هو نفس الاختيار اللي كنت منتظر فشله؟ رمق "أكرم" وهو لا يعي ما يقصده صديقه. ف"عامر" وكأنه يتحدث معه بالألغاز. "لأ ده الموضوع كبير أوي." "فعلاً يا أكرم كبير، ومحير." تمتم بها بثقل، فانفرجت شفتي الجالس بابتسامة واسعة، هاتفاً باقتراح:
"ما تاخد مراتك وتروح يومين بعيد عن كل حاجة، منه هتستريح من الشغل ومنه تعرف تفكر كويس." وأردف، بعدما لمعت ابتسامة خبيثة فوق محياه، يغمز له بإحدى عينيه: "ومنه تتبسط أنت والمدام." والاقتراح كان ينال استحسان الجالس، وكأنه أخيراً وجد أن الابتعاد قليلاً سيجعله يفهم مشاعره أكثر ويفيق من تخبطه. وفي قرارة نفسه كان يعلم أنه يحتاج لمنح قلبه فرصة أخيرة. ***
أخذ يستمع إلى تفاصيل يومها في الجامعة كما اعتاد منذ أيام. ولكن هذا اليوم انتبه إلى أدق تفاصيل ما تقصه عليه. وقد ظهرت ابتسامتها عندما تحدثت عن محاضر إحدى المواد، وهو محاضر من أصول عربية بل ومصري الجنسية. حتى إنه أخبرها اليوم إذا احتاجت لشيء فل تخبره. ترك "أحمد" المعلقة التي كان يحتسي بها الحساء، ورمقها مدققاً في خلجات ملامحها، متسائلاً بنبرة جامدة: "مش ملاحظة إن كل الكلام بقي عن دكتور بس؟
صعدت صفا، دون فهم. فما الذي يجعله يغضب؟ إذا كان حديثها عن محاضرها بهذا الود، فهو رجل لطيف وذكي. انتبهت على نهوضه ولم يمس إلا القليل من الطعام، فجذبت ذراعه تنظر نحو طبقه. "أنت مخلصتش طبقك؟ ده أنا عاملة الأكلة اللي أنت طلبتها وبتحبها." رمقها، قبل أن يحرك ذراعه من قبضتها. فقد ضاعت شهيته من حديثها المفعم بحماس عن هذا الرجل. "شبعت خلاص."
تركها، واتجه نحو غرفة مكتبه. لتلتف بمقعدها تحدق به، غير مصدقة ما نسجه لها قلبها وعقلها معاً. أحمد يغير عليها؟ بل لا يطيق استماع مدحها عن رجل غيره. هل أصبح بالفعل يحبها؟ أم هي مجرد أشياء تحدث بين الأزواج في العادة؟ عاد التشتت يقتحم عقلها. فما تخبرها سارة عنه يجعلها تشعر بالاضطراب وتشكل في مشاعره. فقد بدأ أحمد يتباعد عنها بسبب برودها معه، وهذا لا يدل على شيء واحد. إن ما كان يحركه نحوها ما هي إلا الرغبة.
أطرقت رأسها في يأس. ولكن جميع حواسها قد تجمدت وهي تشعر بلمسات كفيه فوق كتفيها وهمسه: "بكون فعلاً عايز أسمع تفاصيل يومك يا صفا، بس مش لدرجة تفضلي تمدحي راجل قدامي." التفت إليه ببطء، تنظر نحوه وقد تعالت أنفاسها. اجتذبها من فوق مقعدها يمسح بأنامله فوق خديها. "تحبي نسهر النهاردة بره؟ من حماسها المفرط، ونظرتها إليه، كان يشعر إنها لا تضيع منه. بل هي تحتاج لوقت كما أحتاجه هو من قبل. "يعيش، أحمد السيوفي."
تعالت ضحكاته وهو يضمها إليه، ولم تعد سعادتها قائمة إلا على رؤيتها سعيداً. "مجنونة! *** نظرت أمامها لروعة المكان، وهي تشعر بنسمات الهواء تداعب خديها. أغمضت عينيها وهي تتمنى داخلها أن تظل هذه السعادة تحاوطها، أن يحبها ويمنحها قلبه مطمئناً. التفت بجسدها نحو الفراش، تطالعه وهو غافٍ. تتذكر مجيئهم أمس لهذا الفندق في مدينة شرم الشيخ، وقد فاجأها برحلته.
عادت لتطالع الأجواء أمامها من الشرفة التي تطل على منظر جذاب. تزفر أنفاسها براحة، تفكر في أحاسيسها التي باتت تشعر بها معه. تتساءل داخلها: هل بالفعل بدأ يحبها؟ أم ما زالت الرغبة ما تقود علاقتهما؟ أم ما زالت هناك نوايا قائمة من هذه الزيجة التي لم تثمر إلى الأن بطفل يضمه رحمها؟ ويا ليت أفكارها لم تأخذها لهذه النقطة. فقد عاد حديث "سناء" يقتحم عقلها. ستعود إليهم يوماً بطفل، بعدما تنتهي غايته منها.
نفضت رأسها وهي تخبر نفسها: أن عامر ليس هذا الرجل. عامر يعشق كل ما هو من دماءه. ربما لن يحبها هي، ولكنه سيحب أطفالها. خفق قلبها، وهي تتخيل طفلاً تحمله في رحمها منه. فشعرت بالتوق الشديد، وهي تضع يدها فوق بطنها. تتمنى حدوث الأمر. غاصت في أحلامها وقد تخيلت صغارها، لتنتبه على صوته الناعس وهو يهتف باسمها، بعدما بحث عنها جواره. "حياها." أسرعت إليه، ترسم فوق شفتيها ابتسامة دافئة، بعدما أغلقت الشرفة. ليتساءل وهو
يعتدل في رقدته فوق الفراش: "صحيتي بدري ليه؟ اقتربت منه، بعدما أزالت خفها المنزلي وصعدت جواره فوق الفراش: "حبيت أستمتع بالجو، والشمس لسا مطلعتش." طالع الوقت في ساعته، فلم يكن يتجاوز السابعة صباحاً. "المكان جميل أوي يا عامر، أنا مبسوطة أوي." عبرت عن سعادتها بالمكان بسعادة حقيقية، وارتمت فوق صدره تعانقه. "لو كنت فاكر إنك هتبسطي كده، كنت أخدت القرار من بدري." "قراراتك ديما بتطول، بس متقلقش معاك زوجة صبورة أوي."
لم تكن تقصد أي مغزى من عبارتها، بل خرجت بتلقائية. فطالعها، محدقاً بملامحها. "بهزر يا سيدي القاضي." وشيئاً فشئ، كانت تتسع ابتسامته، وهو يجدها تدندن له تلك الغنوة التي اكتشف مؤخراً حبها لها "كن منصفاً يا سيدي القاضي". علقت عيناه بها، وهو يسمعها تغني له عبارات الغنوة. ازداد توقه الذي لم ينطفئ لحظة، يهمس لها بأنفاس راغبة: "كنتِ فين من زمان؟
توقفت عن الغناء، وهي تستمع لعبارته العجيبة عليها من رجل كـ "عامر السيوفي". لم يمهلها لحظة لتفكر أو تسأله عن مقصده. فقد عانقت شفتيه شفتيها، وكأنه يمنحها الجواب هكذا. لتغرق بين ذراعيه كعادتها، كما أصبح هو يغرق مثلها. *** لم يصدق "راجي" بأنه اليوم يجلس في بيت والده، ويقف أمامه "حسن المنشاوي" يرحب به بكرم رغم ضعفه وإنهاك المرض له. أتت إحدى النساء مرحبة به، ولم يكن غافلاً عن هويتها. فهو أصبح يعرف جميع أفراد العائلة.
"نورت بيتنا يا بني." رحبت به العمة "منيرة"، فنهض راجي على الفور، يلثم كفها. فتفاجأت من فعلته التي أسعدتها. ربتت فوق كتفه، داعية الله له. "ربنا يباركلك يا ولدي." الجالسة كانت خالية من "جاسر" الذي كان لديه عملاً هاماً في العاصمة.
تنتقلت الأحاديث عن أعماله، ومشاريعه القائمة هنا. مما جعل "فاخر" يشعر بالزهو إنه استطاع ربط بعض الصفقات مع هذا الرجل وتوطيد العلاقة. وها هو "راجي النعيمي" في بيته، يتناول طعامهم ويشرب الشاي معهم، كفرد من العائلة. تمازح معهم، بل وصدحت ضحكاته وهو يشكرهم على الجلسة اللطيفة وكرمهم.
مغادر المنزل ملتفاً نحوهم وقد يقفون بالخارج لتوديعه. وقد عادت القتامة لداخل قلبه وهو يتذكر حديث خاله قبل وفاته عن عائلة والده ذو الأصول الصعيدية. والده قد ترك والدته، بعدما أخذ منها ما أراد وتركها، حاملاً منه. وبعد إنجابه سجله هو باسمه بعدما رفض الاعتراف به. فهو لم يكن إلا طفلاً قد أتى غلطة. *** دلف غرفتها كالأعصار، ينظر نحو هيئتها المرتبة. "حفلة إيه اللي معزومة عليها يا صفا هانم؟
التفت إليه فزعة، من رؤيته غاضباً هكذا، وكأنها أجرمت في شيء. "حفلة عيد ميلاد سارة." "ما أنا عارف إنه عيد ميلاد سارة هانم، لكن أنا قولتلك لأ الصبح. لكن اتفاجأ إنك متفقة مع السواق إنه هيوصلك الحفلة ويستناكي وكأني مش جوزك يا هانم." ارتبكت من ملامحه الجادة، وتراجعت للخلف وهي ترى نظراته الجامدة. "علاقتك بسارة دي تنتهي نهائي، اللي كان رابطنا بيها رامي. وخلاص علاقتهم انتهت." أسرعت بالجواب، تدافع عنها:
"هي مغلطتش. صاحبك اللي إنسان مريض سابها عشان... وقبل أن تكمل عبارتها، وتخبره إن حياتهم هنا هكذا، لا يهتمون بالعذرية كنحن بالشرق. ولكن نظراته الحادة أخرستها. اجتذبها من ذراعها بعدما أخرج هاتفه من سترته، يضغط على أحد الأرقام. "بجد يا أحمد؟ خلاص فكرت إننا نقرب من بعض، صدقت حبي ليك. متخافش ياحبيبي هعرف أنسيكي كل اللي عشته في حياتك، أوعدك هخليك أسعد راجل. صفا عمرها ما هتفهم راجل زيك، أنا أقدر ألبي ليك كل رغباتك."
ألجمها الحديث الذي استمعت إليه، كما احتقنت ملامحه من غبائها. شعرت بالصدمة وهي تراه يبتعد عنها، بعدما أغلق المكالمة. فهي جعلتها تشك في كل أفعاله كلما اقترب منها، بل أصبحت تخبرها بكل شيء يخص علاقتهما. "عشان تعرف إنك غبية." تركها بعدما اندفع مغادراً من الغرفة، دون أن يستمع لهمسها الخافت لاسم. *** بدأت رقصتها بسعادة لتقضي على ملل مكوثها بالمنزل، خاصة إنها لم تعد تذهب لمنزل عمها بكثرة، بسبب تعامل هدى زوجة فاخر بجفاء معها.
أخذت تتمايل بجسدها وشعرها يتراقص حولها بمرح كالراقصة التي تشاهدها على إحدى قنوات التلفاز. معرفتها لقدومه اليوم متأخراً أعطاه الحرية لترتدي ثوب الرقص الذي اشترته له "أروى". وعلى ما يبدو أن زوجها الماكر هو من طلب من شقيقته شراءهم. التفت ودارت بجسدها ببراعة متقنة. ولكن تصفيقه القوي جعلها تتجمد في حركتها وهي تراه يستند بجسده العريض بجوار الحائط. اعتدلت من ميولها الذي أظهر رشاقة خصرها وهي تبحث عن شيء تخطي به جسدها.
"وقفتي ليه؟ اقترب منها بأنفاس تتسارع مع شدة رغبته وتوقه لرؤية المزيد من مهارات زوجته وأنوثتها. "أنا كنت زهقانة، فقولت أتسلى." ظلمت عيناه من الرغبة، وهو يراها تلتقط ما تغطي به جسدها عنه. فأسرع في التقاطه منها، يلقيه أرضاً. "تتسلي من غيري برضوه يا جنة؟ "جاسر... همست مرتبكة، تطرق رأسها أرضاً. لا تقوى على مطالعته، بعدما استطاع محاصرتها. "عيونه... "ممكن تبعد؟ والجواب كان يمنحه لها وهو مسلوب الإرادة.
"المرة دي، مش هقدر يا جنة." لم تفهم حديثه، إلا عندما وجدته يحملها فوق ذراعيه يتجه بها نحو فراشهما، يخبرها إنه لم يعد يستطيع الصبر، إنه بات يشتهيها في أحلامه، وفي كل لحظاتهم. غاصت معه في مشاعر جديدة عليها، منحته كل شيء قلبها وجسدها. وهو كان أكثر الرجال سعادة. ظن أن غريزته هي من تحركه، ولكنه اكتشف شيئاً أعمق. إنه ليس بالحنون في علاقاته، ولكن معها كان يلامسها برفق، يهمس لها بكلمات صادقة.
ارتسمت السعادة فوق ملامحه، وهو يضمها إليه. ينظر نحو ملامحها وهي غافية بعمق فوق صدره. أراد أن يجعلها تستيقظ ولكنه أشفق عليها. فشدة توقه نحوها جعلته ينالها مراراً، يخبرها وسط عاصفته إنها السبب في حرمانه من الجنة بين ذراعيه. حاول التحرك من جوارها بخفة، ولكنها شعرت به. فاجتذبت هامسة: "أنت رايح فين؟ ابتسم وهو يطالعها، وقد كانت شبيه بالقطة الناعسة وهي تهمهم بسؤالها. "رايح المصنع يا حبيبتي، عندي اجتماع مهم النهارده."
"حتى النهارده شغل." تمتمت معترضة وما زالت لا تقوى على فتح عينيها. فمال نحوها يلثم خدها معتذراً. "مش هتأخر عليكي، هخلص الاجتماع وأرجع علطول." حاول النهوض، والابتعاد عنها حتى لا تؤثر به هيئتها المغرية. ولكن توقف عن حركته وهو يشعر بيدها تقبض فوق قميصه. "جاسر، بليز." "يا حبيبتي صدقيني...
وقبل أن يكمل عبارته، كانت تعانقه من الخلف، تهمس إليه بكلمات كان يعلم إنها من شدة نعاسها تهتف بها دون وعي، أو ربما ليلة أمس قد قضت على جميع الحواجز بينهما. جذبها نحوه، يطرحها الغرام بشوق وكأنها لم تكن بحضنه منذ ساعات. وبعد ساعة، فاقوا من سحابتهم الغائمة بالمشاعر، بسبب رنين هاتفه الذي لم يكف عن الرنين، بسبب الاجتماع الهام الذي سيعقد بعد نصف ساعة. كان يركض هنا وهناك، تحضر له ثيابه وحذائه وهو يتحدث حانقاً.
"خلاص يا فاخر، قولتلك هكون عندك بعد نص ساعة." وفاخر يتساءل للمرة العاشرة، ما الذي أخره، بعدما كان يشدد عليه أمس عدم التأخر. "أه رغيك الكتير ده معطلني." أغلق الهاتف في وجه "فاخر" الذي وقف يحدق بهاتفه. طالعته وهو يتجه نحو المرحاض، ثم خرج بعد دقائق يجفف خصلاته، ينظر إليها ممتعضاً. "شفتي أخرت دلعك؟ هتتأخر لأول مرة على اجتماع." اقتربت منه تناوله قميصه، تضحك على تذمره. "يعني بتحط عليا اللوم، بدل ما تراضيني؟
عشان رايح الشغل النهاردة وسايب عروستك لوحدها." رَمقها بنظرة لعوبة، بعدما راق إليه حديثها، وهي تُغلق له أزرار قميصه. "عروسة؟ أه لو حد عرف إنك لحد ليلة امبارح كنت لسه... وقبل أن يتمم عبارته، التي كانت تعلم نهايتها، ابتعدت عنه هاربة. "هروح أحضرلك قهوتك بسرعة." تعالت ضحكاته، وهو يراها تهرب من أمامه. يهتف لها ضاحكاً. "أنا بقول أسيب فاخر يترأس الاجتماع النهارده، وخليني أشوف أهدافي." ***
وقفت تحضر حقائبهم، بعدما انتهت رحلة مكثهم هنا. لقد انتهت الأيام المعدودة التي عاشتها برفقته في هذا المكان. اقترب منها يسألها إذا أنهت كل شيء. "خلاص يا حياة." التفت نحوه، وقد غامت عيناها بالحزن تخبره إنها أعدت الحقائب. فطالع نظرات عينيها وهي تتهرب منه. حاولت الابتعاد عنه، ولكن أسرع في التقاط ذراعها. "أنتِ زعلانة يا حياة؟ أومأت برأسها، فابتسم وهو يرى حزنها، وكأنهم لن يأتي لهذا المكان مجدداً.
"أنا وعدتك إننا هنيجي تاني، ده غير يا ستي ممكن كما نسافر بره البلد." عادت عيناها تلمع بسعادة، وهي لا تصدق حديثه. "بجد يا عامر؟ عامر كعادته المؤخرة، كان يمنحها الجواب كما يحب، مع وضع وعوده. ابتعدت عنه تلهث أنفاسها، تدفن وجهها بصدره. "أنا بحبك أوي." *** اتسعت ابتسامته، غير مصدقاً ما يقرأه، من كلمات قد سطرتها هي. أسرعت نحوه بعدما وقعت عيناها عليه وهو يركز بتدقيق نحو شاشة حاسوبها. "أنت بتعمل إيه؟
التقطت منه الحاسوب، لتري ما كان يطالعه كما ظنت، فشعرت بالتوتر وهي تحتضنه. "شايفة، قدامي موهبة محتاجة حد يكتشفها." احتقنت ملامحها، وقد ظنت إنه يتمازح معها. "محتاجة بس بعض الإرشادات يا صفا." وأخذ يخبرها عن بعض النقاط التي يجب عليها اتخاذها حتى لا تخونها الكلمات وسرد الحكاية والشخصيات. تلاشى عبوسها، وجلست على مقربة منه تستمع إليه. طالعته بنظرات عاشقة، وابتسامتها شيئاً فشئ قد اتسعت، وهي تتذكر أحد أحلامها معه. ***
جلس "حسن" يشرد في ذكريات قد مضى عليها عمراً طويلاً، لتسقط دمعة حارة على أحد خديه، بعدما أطبق فوق جفنيه بقوة.
عادت به لذكريات لسنوات طويلة، يتذكر تلك الفتاة ذات الملامح الغجرية التي تعرف عليها بالصدفة عندما كان ينهي بعض أعماله في مدينة الأقصر. كانت تقف تتأمل المعابد بانبهار شديد، حتى إنه عندما حل الظلام وبدأ الزوار في الرحيل كان شغفها يزداد وكأنها لأول مرة تأتي لهنا. فقد كانت تشبه في ملامحها إحدى ملكات الفراعنة. ليتذكر أول اسم أطلقه عليها "نفرتيتي".
أخذه الذكريات لتفاصيل ظن إنه قد تمكن من نسيانها، ولكن الزمن لم ينسيه شيئاً. فهو هاهو ما زال يتذكر عيناها بلمعانهم. ورغم إنه كان رجلاً متزوجاً من ابنة عمه التي هجرها أخيه "صابر" واضطر هو بالزواج منها لتقاليد العائلة، وقد ترك حبيبته التي عشقها بجنون تنفيذاً لقرار والده الصارم. ولكن "حور" بشكلها وعلى شيء فيها قد سحرته بها.
تزوجها يوماً واحداً ولم يعرف عنها شيئاً بعد ذلك، سوى أن أهلها جاءوا لأخذها بالقوة، بعدما علموا بمكان إقامتها. كانت تعيش في مصر شهوراً ولم ترحل إلا بعدما تزوجها. فاق "حسن" من شروده على صوت ولده الحبيب والغالي، وقد انحنى بجسده كي يقبل كفيه وجبينه بحب. "مبتسمعش كلام الدكتور ليه يا حاج؟ ولا عايز كل شوية تشوف غلاوتك عندنا؟ حدق حسن بحنان، وهو يربت فوق كفه. "عارف، ومتأكد إني غالي عندكم يا والدي."
جاوره "جاسر" فوق فراشه، يخبره عن أوضاع العمل والعائلة. وهو جلس يستمع إليه بفخر واطمئنان على أحوال العائلة من بعده. "بقولك إيه يا ولدي، خد مراتك وروح زور عمك. عمتك منيرة كلمتني من عنده، وصوته مكنش عاجبني يا ولدي. دي بنتهم وحقهم يطمنوا عليها وتطمن عليهم." *** طالعها بنظرات خبيثة، لم تفهمها بسبب انبهارها من ثرائه الذي أصبح يدهشها. "كنتِ بتحبي جاسر؟
ابتلعت الطعام بصعوبة، وهي تستمع لسؤاله، ولم تكن تتوقعه منه. شعر بتخبطها وتوتر ملامحها، ونظراتها إليه وقد فهم ما يدور بخلدها، فأسرف يبرر لها سبب سؤاله، وهو يرتشف من مشروبه البارد، ينظر إليها مترقباً ردة فعلها. "أظن من ساعة ما عرفنا بعض وأنتِ بتحكيلي كل حاجة عن العيلة يا نيرة، وكلامك الكتير عن جاسر ملهوش غير معنى واحد أي راجل ممكن يفسره كده." ارتشفت بضعة قطرات من الماء، بعدما أردف عبارته.
"شايف في عيونك حب كبير لراجل ميستحقش حبك." زفرت أنفاسها، وهي لا تستوعب كيف أصبحت مكشوفة بمشاعرها أمامه. تراجعت للخلف، تستند فوق مقعدها مسترخية. "عمتي منيرة مرضتش تجوزني جاسر عشان عايزة نسل المنشاوي يكون من صلبهم. وجنة بنت أخوها هي الاحق مني." غامت عيناها بالدمع، كانت صادقة في كل ما تخبره به، ولكنه لم يكن يراها إلا في صورة واحدة، إنها ماكرة.
"بعد ما بابا مات، جاسر بقى مسئول عن كل حاجة تخصنا. كبرت وأنا شيفاه سندي. اتعلقتي بي أوي، تعلق مرضي زي ما هدى أختي ديما تقولي. لكن مش عارفة ليه من ساعة ما قربنا من بعض بقيت أكتشف إني مشاعري ناحية جاسر حاجة مختلفة فعلاً." حدقها "راجي" بنظرات طويلة. هل بالفعل هي بارعة لهذه الدرجة حتى تجعله للحظة يصدقها؟ أم إنها بالفعل صادقة؟ راجي: "تتجوزيني يا نيرة؟
ألجمها ما نطقه، وقد اتسعت حدقتاها ذهولاً من عرضه، فاللمعت عيناها بالسعادة ولا تستوعب ما نطقه، إلا عندما عرض عليها الأمر مجدداً. وقد مال بجسده فوق الطاولة قليلاً، والتقط كفيها. "موافقة، تديني فرصة أرمم جواكي كل اللي فات." أومأت برأسها، وهي تنظر إليه غير مصدقة. إنها استطاعت جذب أنظار رجل مثله، تسعى خلفه الكثيرات. والصدمة الأخرى التي أضاعت فرحتها، حديثه الذي أخبرها به بجدية.
"جوازنا هيكون على سنة الله ورسوله، لكن في السر يا نيرة! *** ظلت صفا تنتظر خروجه من غرفته مثل كل صباح، ولكنه قد تأخر عن موعد عمله اليوم. وقفت أمام غرفته، تتذكر وجهه الشاحب وإرهاقه الظاهر فوق ملامحه ليلة أمس. فاخذ القلق يدب بقلبها. فدلفت الغرفة دون انتظار مقتربة منه بلهفة بعدما رأته يتصبب عرقاً، ويهمس بكلمات غير مفهومة. حاولت أن توقظه أو تعدله من رقدته ولكن كان وكأنه جسد بلا روح.
ركضت مسرعة لأسفل، تبحث عن بعض المثلجات من أجل اخفاض حرارته، وأدوية تساعدها. ولكن كل ما فعلته لم يجدي نفعاً معها. ولم تجد إلا السائق الذي كان ينتظرها من أجل إيصالها لمحاضرة اليوم. فحرارته لا تنخفض وهو بحاجة لطبيب أو الذهاب للمستشفى. *** كان يطالعها وهي تطعمه، حتى أزاح الطعام جانباً ليتأمل معالم وجهها الشاحبة يتمتم بحب متسائلاً. "خوفتي عليا يا صفا؟ وعملتي كل ده عشاني؟
تذكرت لحظات قلقها عليه، وهي ترى الطبيب يفحصه. حركت رأسها إليه وهي تحمد الله بصوت مسموع إنه أصبح بخير. أنشعت بكفيه، تحيط وجهها يهمس إليها بآخر شيء انتظرته اليوم. "بــــحــــبــك يا صفا." ارتعشت شفتيها من أثر لمساته المصحوبة بكلمة حبه، وكاد أن يقترب منها ويلتهم شفتيها بقبلة عميقة. ولكن رنين هاتفها قد قطع اللحظة، لتبتعد عنه تاركة له وسط مشاعره الهائجة العطشى.
أخرجت هاتفها من جيب بنطالها القصير. فحدق بها متسائلاً، بعدما ضاقت عيناه مترقباً جوابها. "مين اللي بيتصل بيكِ يا صفا؟ حدقته بتوتر، فلم يمهلها فرصة للرد بعدما علم الجواب منها ومن نظرتها نحوه. التقط منها الهاتف، ينظر نحو الاسم المدون، يهتف بمقت وملامح جامدة. "بيتصل بيكِ ليه؟ -ده هيبقى المشرف على الرسالة بتاعتي."
احتدمت عيناه، وهو يسمع صوته أخيراً، يقذف بهاتفها بقوة بعدما رأى الرسالة التي بعثها إليه، فهو يريد الاطمئنان عليها بعد تغيبها. "وإيه التليفون الزفت؟ عشان يعرف يتصل تاني." حدقت بفعلته مصدومة، هاتفها أصبح محطماً في الأرض، دون سبب يستحق غضبه. "التليفون... طالع صدمتها حانقاً، يجذبها من منامتها بعدما أسرعت في التقاط قطع هاتفها وتركيبها. "كل اللي همك التليفون يا هانم."
وقبل أن تنطق بشيء، كان يخرسها بجنونه الوحشي، جنونه الذي أعاد شوقها ولهفتها المثيلة لفهته. *** هبطت الدرج بخطوات سريعة وسعيدة، بعدما أخبرها هذا الصباح، إنهم ذاهبون اليوم للملجأ لزيارة الأطفال. عانقته لحظتها بحب وهي لا تصدق إنه بات يبحث عن الأشياء التي تفرح قلبها وتسعدها. اقتربت من غرفة مكتبه، تجهل رفقته لأحد. وكادت أن تدلف الغرفة ولكن جمدها حديث الرجل الذي وقف أمامه يعيد عليه ما أخبره به، وقد وقف يطالعه بملامح متلهفة.
"فريدة.. حامل في ابنك.. ابنك كلها أسبوعين ويشرف الدنيا.. حفيدي.. ابنك وابن فريدة يا عامر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!