تحميل رواية سطور عانقها القلب بقلم سهام صادق pdf
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
العرق يتصبب فوق جبينه وأنفاسه تتعالى وكأنه في سباق. إنها هنا أمامه، يمد لها يديه، يُطالبها ألا ترحل. ولكن، إنه حلم يسرق منه راحته ويعيد الذكريات إليه. فتح عينيه ينظر حوله في ظلام الغرفة، ثم أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة، يهتف باسمها مردداً بشوق وحرقة تعتصر فؤاده منذ رحيلها. "مها." وهكذا كان يتكرر حلمه بها. لم ينساها يومًا، بل أصبحت أسيرة أحلامه. نهض من فوق فراشه بعدما مسح حبات العرق من فوق جبهته، واتجه نحو الشرفة المفتوحة ليقف داخلها يزفر أنفاسه ببطء وعيناه تتعلق نحو السماء وقد لمعت النجوم بها. وذكرى...
رواية سطور عانقها القلب الفصل الأول 1 - بقلم سهام صادق
العرق يتصبب فوق جبينه وأنفاسه تتعالى وكأنه في سباق. إنها هنا أمامه، يمد لها يديه، يُطالبها ألا ترحل. ولكن، إنه حلم يسرق منه راحته ويعيد الذكريات إليه.
فتح عينيه ينظر حوله في ظلام الغرفة، ثم أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة، يهتف باسمها مردداً بشوق وحرقة تعتصر فؤاده منذ رحيلها.
"مها."
وهكذا كان يتكرر حلمه بها. لم ينساها يومًا، بل أصبحت أسيرة أحلامه. نهض من فوق فراشه بعدما مسح حبات العرق من فوق جبهته، واتجه نحو الشرفة المفتوحة ليقف داخلها يزفر أنفاسه ببطء وعيناه تتعلق نحو السماء وقد لمعت النجوم بها. وذكرى بعيدة تأخذه نحوها، نحو إحدى الليالي التي جمعتهما قبل تلك الحادثة التي أنهت بحياتها وحياة جنينهما.
***
في ظلام تلك الحجرة البسيطة كانت هناك عينان تفتح وتغلق بتنهيدة معبأة بأحلام وردية بعدما فاقت صاحبتهما من حلمها. فهي تعيش وسط ضجيج هالك من المشاعر التي تنتابها كل ليلة بعد قراءة أحد كتبه بحالمية، وكأنه يسطر كلماته من أجلها فقط. كانت تعلم حماقة ما تفعله، بل وينعتها والداها بالجنون، ورغم ذلك لم تتخل عن أحلامه.
تنهدت تلك الغافية جوارها هاتفة بنعاس:
"لسه منمتيش يا صفا؟"
عادت تنهيدة صفا، تصحبها زفرة طويلة وعينيها ازدادت بريقًا. فقد استيقظت من غفوتها للتو على حلم ما زال مرتسمًا أمام عينيها وكأنه حقيقة.
"حلمت بمراد زين يا جنه."
صمتت "جنه" للحظات تستوعب ما تخبرها به ابنة خالها بكل حماقة، غير مصدقة أنها أيقظتها من غفوتها بسبب تقلباتها فوق الفراش ثم تنهيداتها العالية لتخبرها بحلمها السخيف.
"يعني قلقتي نومي، والنوم طار خلاص.. وتقوليلي حلمت بمراد زين."
ظلت "صفا" في غفوتها الحالمة، ولم تنتبه على نهوض "جنه" من جوارها ثم حملها لدورق الماء وسكبه فوقها.
تعالت شهقات "صفا" وقد انتفضت من فوق الفراش تمسح قطرات الماء من فوق وجهها حانقة.
"منك لله فوقتيني من حلمي."
"أنا اللي مني لله، ولا انتي يا شهرزاد عصرك."
تعقب "صفا" على حديثها، فالجميع يسخر من أحلامها الحمقاء التي تعلم حقيقتها ونهايتها ما هو إلا واقع ستعيشه. اتجهت نحو إضاءة غرفتها، لتشعلها ثم اتجهت صوب مكتبها الصغير، الذي يضم بعض الروايات والكتب لكبار الكتاب، وخاصة عاشقها المتيمة به من كلماته "مراد زين".
وكالعادة "صفا" تخلق لحالها عالمًا ملئ بالأحلام، وتزداد أحلامها كل فتحت صفحة من كتبها التي أصدرها. بحثت بين العديد من الكتب على آخر كتاب قد أصدره منذ أشهر عديدة. راقبتها "جنة" بعينيها وقد ازدادت ضجرًا بأفعالها، تتوسط خصرها بذراعيها متمتمة بسخرية:
"بكرة تتجوزي واحد ميعرفش حاجة عن الكتب ولا الأحلام، وآخرك تذاكري للعيال."
رمقتها "صفا" بنظرة مستهزئة، بعدما وجدت الصفحة التي تبحث عنها لتستشعر الكلمات والأحاسيس فيها ثانية.
"الحب كاللعبه الجميله حين نمتلكه ننسي العالم بأكمله وكأنه ساحر يأسرنا إليه، ولكن أسره لنا دوما لاذع."
فتعالت ضحكات "جنه" ثم صفقت بيديها، فعلى ما يبدو أن ابنة خالها قد فقدت عقلها.
"هايل يا فنان، أنا كرهت الرومانسية بسببك وبسبب الكاتب ده. ميكونش القيصر؟ ربنا يعوض عليك يا خالي، أنا قررت ألم هدومي وأخد شنطتي وأروح بلدنا للحاجة صافية الغالية.. اجازه سودة عليا."
تتجه إليها صفا ضاحكة عندما شعرت أن حماقتها قد ازدادت في الأمر.
"ليه كده بس يا جنه، هو الحب حرام؟"
"لأ ياهبلة، الحب مش حرام بس اللي انتي عايشة فيه ده وهم. في حد يحب حد من كلماته بس؟"
أسارعت "صفا" في أحد الأدراج تلتقط صورتها التي خبأتها عن أعين والدتها، فقد حازت عليها من إحدى المجلات، فعاشقها مجهول للجميع ولا يحب الظهور أبداً.
"هو ده بقى مراد زين؟ لأ تصدقي أمور يا صفا، عندك حق تحبيه.. ده في عمر خالي يا صفا."
تنهدت جنه بعمق وأردفت:
"صفا بلاش جنانك ده، أنا كنت فاكرة أنه مجرد هيام بكاتب لوقت معين لحد ما تلاقي الحب بس اكتشفت إنك قفلت على قلبك وسيبتي مفتاحه لأوهامك.. اصحي للواقع بقى وشوفي مستقبلك وحياتك."
فتبسمت صفا بسعادة وهي تتذكر الجوابات التي ترسلها إليه بريديًا.
"يا ريت يكون شاف رسالتي الأخيرة."
"فعلاً مجنونة!!"
***
ابتسم بهدوء يدل على وقاره وهيبته التي تطغى على عمره التاسع والثلاثون.
"عامر: الحفلة خلصت من زمان يا أستاذ، ولا أقولك يا حضرة الكاتب العظيم."
فابتسم أحمد وهو يرفع تلك النسخة التي حصل عليها من دار النشر منذ قليل.
"مش هتقولي مبروك؟"
فهَمْقَمَ وجه عامر متأملاً سعادة أخيه بذلك العالم الذي دخله، رغم أن عالمهم الحقيقي هو الثراء والسلطة وليس الأدب الذي ينظر إليه هو بالأخص، أنه عالم من السخافات وإهدار الوقت.
فاقترب منه أحمد بمودة وحب.
"يا عامر أنا بحب الكتابة جداً وانت عارف أووي كده، غير إني قادر أدمج بين عالم المال وعالم الأدب."
فامتقع وجه عامر أكثر، ناهضاً من فوق مقعده خلف مكتبه، بعدما أغلق حاسوبه بقوه، وقد كان يتابع من خلاله البورصة. ليهتف بجمود:
"طالع زي خالك، هقول إيه غير مبروك."
فابتسم أحمد متذكراً خاله الذي لم يجد شيئاً ليثبت حبه له ويخلد اسمه سوى أنه يأخذ باسمه اسمًا مستعارًا (بمراد زين).
ثم تنهد.
"ربنا يرحمه."
وسار خلف شقيقه متمتمًا:
"ماما نامت؟"
"صح."
فحرك عامر رأسه بالإيجاب وهو يصعد أول درجات الدرج.
***
أغمض عينيه بإرهاق بعد يوم شاق. وتنهد ببطء، ثم أمسك هاتفه ليفتح صفحات التواصل الاجتماعي وهو يرى كم تعليقات متابعيه على كلماته وعباراته البارعة في وصف الإحساس في معظم كتاباته.
ليتأمل أحد التعليقات الطريفة فيضحك بقوة وهو يقرأ:
"أنا بحبك أووي يا أستاذ مراد، ده أنا من حبي فيك بنادي جوزي باسمك وسميت ابني برضوه على اسمك وقريب أووي هطلق بسببك!"
ليقطع ضحكاته اتصال من صديق عمره والوحيد الذي يعلم بحقيقة مراد زين هو وشقيقه عامر.
"أحمد: خير!"
فيضحك رامي بقوة.
"قولت أسألك للمرة الألف، نطبع برضوه بالاسم المستعار ولا ننزل بالحقيقة بقى؟ ده هيبقى خبر الموسم يا مراد.. ييييه أقصد يا أحمد السيوفي يا ابن الحسب والنسب."
ليتقع وجه أحمد ساخراً من حديث صديقه.
"اقفل يا رامي، وأوعدك إن الربح اللي بتكسبه من نشر رواياتي همنعه عنك وأديه لدار نشر تانية وابقى شوف دار النشر بتاعتك هتكسب إزاي."
فيصرخ رامي أسفًا:
"لأ وعلي إيه، الطيب أحسن يا باشمهندس، فعلاً سيوفي سيوفي.. مافيش عندكم رحمة عيلة جباره."
وينتهي ذلك الحديث الممل بالنسبة له، فقد اعتاد عليه من صديقه عندما يتم طباعة أي جديد له. ثم يجذب آخر إبداع له قد خطاه قلمه. ناظر في صفحاته حتى وصل إلى صفحته المنشودة وقرأ بعض كلماته.
"حياة من نحب ليست لعبة بين أصابعنا أو عقولنا، فحين نحب يجب أن نلغي العقل قليلاً ونسير بقلوبنا.. فالعقل أحياناً كثيرة يفكر بالظروف والمنطق والمُفترض والماضي والحاضر والمستقبل.. أما القلب فلا يهتم سوى بأحلامنا ولا يرى مستحيلاً."
***
فتح عينيه فجأة وهو يتذكر حبيبته التي هجرته منذ زمن بعد أن كرهت جموده وصلابته وحبه في التملك. ليتذكر أحد كلماتها له قبل أن تترك البلد بأكملها محاولة نسيان ماضي وزواج فاشل.
"أميرة: أنا كرهت تملكك وجمودك يا عامر، حبي الكبير ليك أنت ضيعته بسبب جفاء مشاعرك.. أوعاك تقول إنك بتحبني، وإني سطحية ومش عايزة غير كلام الغزل."
وصمتت لتترك له عبارة ظل صداها يحاوطه.
"أنا وافقت نتجوز في السر واتنزلت عن أكبر حق ليا بس عشان بحبك.. أهم حقوقي اتنزلت بيها عشان الحب وللأسف الحب خذلني.. ابقى افتكر إني أتمنيتك كتير تبقى زوج فعلاً ليا، زوج مش بنك فلوس بيمتعني بفلوسه وبيها."
"تابعت حديثها: الحب في وجهة نظرك تملك بالفلوس مش بالقلوب."
"ليفيق من شروده بعد ذلك العذاب الذي يعصف به كل ليلة."
"ونهض من فراشه ليخرج إلى شرفة حجرته الواسعة متنهداً بحرارة مشتعلة في أعماقه.. لم تطفئها الأيام ولا حتى ذلك الهواء البارد."
***
تأملت صفا الكتاب القابع بين يديها قليلاً لتقرأ اسمه وتتخيل بأن كلماته حقاً جميعها إليها فقط. وأبتسمت وكأنها قد رأته هو وليس كتابه الذي يحمل اسمه.
"عم محمود: مالك يا صفا، عجبك الكتاب؟"
لتتأمل صفا ذلك الكتاب قليلاً حتى خرج صوتها الحالم بدعابة.
"نعم وجداً جداً كمان، سعره بقى كام يا عم محمود؟ وأوعى تقولي إن حتى الكتب بقيت أسعارها فوق فوق."
فيبتسم "عم محمود" وقد كان رجلاً طيباً، ثم أخذ يمسح فوق خصلات شعره التي أصابها الشيب وسط تلك الأغلفة القديمة والحديثة من الكتب.
"عم محمود: تسعين جنيه!!"
فتحدق به "صفا" مصدومة مما تفوه به، كالطفلة البلهاء التي حين يبدأ والديها بأن يعلموها أحرف أسمائهم فتنظر إليهم بتعجب حتى تخرج من فمها الصغير بعد مشقة أسمائهم التي لا تنطق منها سوى حرفين وفقط.
"صفا: نعم؟ قول تاني كده يا عم محمود، الكتاب بسبعين جنيه؟ لأ خلاص خد كتابك يا راجل يا طيب."
فهتف العم محمود ضاحكاً، وأخذ يرفع من صوته.
"بقولك بتسعين جنيه يا صفا مش سبعين."
"لأ أنا سمعته سبعين يا عم محمود، وأنت عارف أنا سمعي عشرة على عشرة."
فأعادت ضحكات العم محمود تعلو مجدداً من مشاغبتها ومازحها المحبب.
"خدي الكتاب من غير فلوس يا صفا، هو أنا عندي أغلى منك، بس هما يومين وألاقي الكتاب عندي سامعة!!"
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه صفا، وطالعته بامتنان هاتفة.
"أنا لو عليا أشتريه، بس أعمل إيه؟ الحكومة عندنا في البيت حالفة لو اشتريت كتاب تاني هتولع في كل اللي عندي."
لم يكف "العم محمود" عن الضحك الذي افتقده منذ زمن، متفهماً ما تعانيه من والدتها. حملت الكتاب منه، بعدما أصر على إعطائها له، انصرفت من أمامه سريعاً، تشعر بالشوق لتلك اللحظة التي ستختلي بها بهذا الكتاب وكاتبها المفضل. انتبهت على رنين هاتفها، فانحنت نحو حقيبتها تُخرج الهاتف منها.. لتبهت ملامحها وهي ترى اسم والدتها، مفكرة بالحجة التي ستخبرها بها بسبب تأخيرها وعدم شرائها حتى الآن للخضار ومستلزمات البيت.
"يالهووي، ديه بطة هتموتني لو عرفت إني لسه مروحتش السوق، لأ وكمان جبت كتاب جديد وبقيت زي المتسولة بشحت الكتب."
توقف الهاتف عن الرنين وأكملت خطواتها بخطى سريعة نحو السوق حتى تشتري ما دونته لها والدتها، ولكن فجأة تراجعت للخلف وسقط هاتفها منها تستمع لصوت أحد المارة ينهرها بصوت غاضب.
"مش تحسبي يا آنسه!"
وعندما وقعت عينين الرجل نحو الكتاب الذي تحمله، تمتم بمقت.
"وكمان واحدة مثقفة بتاعت كتب."
تجاوزها الرجل حانقاً، وقد اتسعت عينيها ذهولاً من عبارته الأخيرة. فاسرعت بالركض خلفه تسأله عن مقصده، فتوقف الرجل مستاءً.
"مالهم المثقفين يا أستاذ؟ أنا مسمحش ليك بالإهانة دي."
رمقها الرجل بنظرة قاتلة.
"لأ ده أنتِ شكلك واحدة فاضية موركيش حاجة."
ثم هبط الرجل لمستواها.
فأشعرها بقصر قامتها هاتفا بتهكم:
"ابعدي عن طريقي يا شاطرة."
وانصرف من أمامها.. ليتركها تتأمل أعين الناظرين لها بغرابة.
"صفا: لازم أجيب لنفسي التهزيء يعني وتقليل القيمة، استغفر الله العظيم."
***
عادت "صفا" لمنزلها بملامح متعبة، مسحت حبات العرق فوق جبهتها بعدما وضعت الأغراض جانباً تهتف باسم والدتها وقد خرجت للتو إليها، تلتقط الأغراض وتتأكد من جلبها لكل شيء دونته لها.
"أول مرة تجيبي كل حاجة طلبتها منك، من غير ما تنسي غرضين."
رفعت "صفا" يدها كتحية تؤدي بها التمام لها، وتهتف بنبرة مازحة تشيط والدتها منها.
"أوامر السيدة "فاطمة" لازم تنفذ بالحرف، هو إحنا عندنا كام بطة."
أسارعت في الاقتراب منها، تلثم خدها بقبلة أزادت والدتها حنقاً، فدفعتها عنها.
"بت إنتي بلاش الشغل بتاعك ده، أنا واثقة إن ورا الكام كلمة الحلوين حاجة."
تراجعت "صفا" للخلف قليلاً، تحك خدها، فتركتها السيدة "فاطمة" في وقفتها واتجهت نحو المطبخ لتكمل طهي طبختها هاتفة.
"حصليني على المطبخ، وطلبك مرفوض قبل ما تطلبيه يا صفا."
***
أبهرها ذكاءه و وسامته. أرادت إثبات حضورها أمامها حتى تلفت نظره، ولكنه كان كلما ناقشته في شيء يخص العمل.. يجيبها ببضعة كلمات منهياً الحديث.. ليتعمق في حديثه أكثر مع والدها.
أنتبه "عاصم" نحو تلك النظرات التي أطربت قلبه، فعلى ما يبدو إنه سيجني صفقة أخرى مع السيد "محسن". أنتهي الاجتماع أخيراً.. فزفر "أحمد" أنفاسه بإرهاق.. فالعمل على هذا المشروع يتطلب جهداً كبيراً. أراد المغادرة بعدما انصرف الجالسين ولم يبق إلا السيد "محسن" وابنته "فريدة".
"أحمد."
هتف بها "عامر" بعدما وجد شقيقه يغادر الغرفة.. التف "أحمد" إليه بنظرات متسائلة. فابتسم "عامر" وهو يقدم إليه "فريدة" بطريقة أخرى.
"بشمهندسة فريدة بنت محسن بيه."
لم يكن يحتاج لتوضيح أكثر عن هوية الجالسة، فاستطرد "عاصم" في توضيحه وإلقاء على مسامعه مزايا الجالسة.
"هتكون معاك في كل خطوة في المشروع، أتمنى تتفقوا على كل حاجة."
ثم أردف مازحاً، ينظر نحو السيد "محسن".
"أنا ومحسن بيه هنكون مجرد مشرفين على المشروع ده، ولا أنت إيه رأيك يا محسن بيه؟"
"طبعًا، طبعًا يا عاصم بيه."
"أنا متحمسة جداً للمشروع ده."
هتفت "فريدة"
عبارتها بحماس حقيقي، فتنحنح "أحمد" بعدما شعر بسعي شقيقه وراء شيء يجهله.
"لكن آنسة "فريدة" متوقعش هتحب الإشراف على الشغل في الصحرا."
انتقلت عينين "محسن" نحو ابنته، وقبل أن يهتف "عامر" بشيء.. نهضت هي تسير نحوه بخطوات واثقة.
"جربني الأول واحكم يا بشمهندس، وعلى فكرة أنا بنسي خالص في الشغل إني بنت غنية."
لا ينكر إنه راقه حديثها بل أعجبه، مدّت إليه كفها كي تصافحها، فابتسم "أحمد" والتقط كفها مصافحاً ونظرات كلا من "عاصم" و "محسن" تخترقهما في أمل.
***
مضغت طعامها ببطء، تفكر في كيفية إقناع والدتها لحضور حفل زفاف رفيقتها، لم تكن السيدة "فاطمة" من الأمهات اللاتي يعطون بناتهن السماح بالخروج كثيراً والاختلاط بالناس خشية عليها، فهي ابنتها الوحيدة ولم تنجب غيرها.
طالع والدها شرودها، فابتسم بعدما تناول قطعة الخبز وغمسها بطبقه.
"مش عوايدك يا صفا، تقعدي ساكتة وإحنا بناكل."
طالعت السيدة "فاطمة" زوجها وابنتها فهتفت مازحة.
"سكوتها ده وراه حاجة."
لم تملهم المزيد من الوقت في التفكير، بما تفكر به فهتفت على الفور.
"معزومة على فرح صاحبتي يا ماما، وأنتِ زي العادة مش هتوافقي."
ألقت عبارتها، ونهضت عن جلستها.. حيث يتناولون الطعام ملتفين حول طاولة قصيرة الأرجل، طالع والدها الفراغ الذي خلفته خلفها صغيرة متنهداً.
"كفاية حبسة للبنت يا فاطمة، البنت بقى كل علامها الكتب.. إحنا كده بنظلمها."
"من خوفي عليها يا حاجة."
تفت بها السيدة "فاطمة"، فنهض هو الآخر وهاتفاً.
"مصيرها في يوم هتواجه الدنيا لوحدها يا فاطمة، مش هنعيش ليها طول العمر."
***
وعلى طاولة طعام أخرى أكثر فخامة ولكنها تفتقر دفء الحديث، كان يتناول "عاصم" وجبته مع شقيقه. تنهد "أحمد" بضجر وشقيقه لا يكف عن مدح تلك التي تسمي فريدة وقد فرضها عليه شقيقه.
"هنفضل طول العشا، مش بنتكلم غير عن فريدة بنت محسن باشا."
ابتسم "عامر" وهو يرى حنق شقيقه، ثم تناول كأس الماء يرتشف منه القليل.
"البنت تستاهل المدح، ولا أنت رأيك إيه؟"
"هي فعلاً هايلة يا عامر، لكن أوعى تحلم بشيء زيادة."
ألقى "أحمد" عبارته الأخيرة، ناهضاً عن مقعده.. ينظر نحو ملامح شقيقه التي تجمدت وكأنه لم يكن ينتظر منه هذا الحديث.
***
اختلت بنفسها داخل غرفتها حزينة على حالها من رفض والدتها الدائم لكل شيء، معللة أن هذا نابع من خوفها عليها. تعلقت عيناها بالكتاب الذي أعطاه لها "العم محمود" اليوم.. فأخذها الشوق نحو العالم الذي تجد به روحها، وفور أن التقطته لم تشعر بحالها إلا وهي تستكين بين ثنايا سطوره وتذيب روحها مع كلماته. غرقت في عالمها المنفرد تزفر أنفاسها بتنهيدة طويلة، ثم رفعت عيناها عن صفحات الكتاب، وتعالت تنهيداتها حانقة من حالها وهي تحدث نفسها.
"صفا: جنه طلع معاها حق، أنا شكلي أدمنتك ومش هخف من إدمانك."
فاقت من حالتها على صوت طرقات فوق باب غرفتها ثم دخولها للغرفة، وفور أن وقعت عينيها نحو الكتاب الذي تحتضن ابنته هتفت حانقة.
"فاطمة: يابنتي ياحبيبتي، الكتب اللي بتشتريها ديه هي اللي لسعت لك دماغك، أكتر ما إنتي لاسعة. قومي معايا أتعلمي كام طبخة صدقيني هتفيدك، مش عيب طولك ده لما تكون بنت في سنك ولسا متعلمتش إزاي تطبخ، ده اللي قدك اتجوزوا وخلفوا."
أسترسلت والدتها في محاضرتها اليومية كالعادة، حتى إنها أصبحت تحفظها.
"خضتيني يا بطة."
"بطة في عينك، أنا فعلاً معرفتش أربيكي."
وأردفت السيدة "فاطمة" بعدما جلست فوق الفراش ترثي حالها ببكاء مصطنع.
"آه يا آخرة صبرك يا فاطمة، بنتك الوحيدة اللي مالكيش غيرها مطلعة عينك وكل عريس يتقدم ليها يا ما تطفيشه من خيالها الواسع أو هو يطفش لواحده، قال إيه نفسها في راجل زي أبطال الروايات.. أجبلها العريس الورق ده منين أنا."
علقت عينين "صفا" وقد فهمت أن حديث والدتها وندبها تلك اللحظة، ينبئ بوجود عريس آخر أتى عن طريق أحد المعارف.. وستستمر أسطوانة والدتها من الزن والندب حتى تقابل العريس وينتهي الأمر كالعادة بالفشل.
"تاني ياماما، عريس تاني؟ وده من طرف مين المرة دي.. أنا قولتلك مليون مرة أنا مش عايزة أتجاوز بالطريقة ديه، غير إنك مستعجلة ليه على جوازي؟ أنا لسه عايزة أحقق مستقبلي."
تجهمت ملامح "فاطمة" وهي تستمع لعبارتها، فعن أي مستقبل تتحدث به ابنتها.. ومنذ أن تخرجت من كلية الهندسة "قسم الاتصالات" جلست بجوارها خائبة الرجاء لا تفعل شيئاً سوى قراءة الكتب والغوص في الخيال.
"مش موافقة أقابل العريس يا ماما، وبقولها ليكي أه، عشان متجبش عريس تاني ومتحرجيش نفسك مع حد."
أزداد حنق "فاطمة" ثم نهضت تلتقط ببعض الكتب والروايات التي تتناثر على درج مكتبها.
"ما أه باين المستقبل يابنت بطني، عايشة لي في الخيال.. متخلنيش أحلف يا صفا إني أحرقهم لك."
تمتمت السيدة "فاطمة" عبارتها الأخيرة بوعيد، ولكن عندما رأت نظرتها الكسيرة.. تراجعت وتنهدت بتعب، فابنتها عنيدة كحالها في شبابها.
"أنا وأبوكي يابنتي نفسنا نخلص من حملك لراجل يصونك.. خايفين عليكي من الدنيا وانتي ولا ليكي أخ ولا ليكي أخت."
وهكذا كان الحديث الذي تكسب فيه السيدة "فاطمة" قلب ابنتها وتعاطفها، أسرعت "صفا" في الاقتراب منها، تضمها بقوة خوفًا من الفقد الذي تتحدث عنه والدتها.
"بعيد الشر عليكم ياماما، متقوليش كده، أنا هعمل كل اللي يريحك ولو على الروايات والقراية خلاص مش عايزاهم ومن بكرة صدقيني هنزل أدور على شغل.. بس بلاش الجواز اللي بطريقة ديه ياما."
فابتعدت عنها السيدة "فاطمة" تنظر إليها بسعادة لرضوخ ابنتها الحبيبة، ثم احتضنها بقوة.
"أنا مش عايزة إني تشتغلي، أنا عايزة يبقى ليكي بيت وزوج أطمن عليكي معاهم."
لبثت أن انتهت من السيدة "فاطمة" من عبارتها حتى تعلى رنين هاتف "صفا".
"جنه: إنتي طلعتي أرحم من عمتك ياصفا، عمتك جايبالي عريس وبتقولي لازم أتجاوزه."
طالعت "صفا" نظرات والدتها المحدقة، ثم تعلى الحنق فوق ملامح وجهها وهي تستمع لضحكات ابنتها وتلك النظرة التي ترمقها بها.
***
"انتهى العرض، وبكده أكون وضحت ليكم كل حاجة!"
فتنفتح الأنوار فجأة، ونظر كل الجالسين، وقد أخذوا يطالعوه بعينين منبهرة لما قد عُرض من خطة لبداية فورية في مشروعهم الذي تم توقيعه وجاء وقت البدء على أرض الواقع. وقف عامر مصفقاً بحرارة وفخر لشقيقه.
"عامر: هايل يابشمهندس، تطلع محنك، ومخطط هندسي على أعلى مستوى حتى جدولة الربح والتكلفة ممتازة."
ليجلس أحمد باسترخاء على مقعده كفرد من أفراد مجلس الإدارة ويمد يده بالأوراق التي تخص المشروع.
"أحمد: آنسة دينا هتوزع عليكم كل التفاصيل اللي تقدروا تقيموا بيها المشروع."
وينتهي اجتماعهم المغلق، ويغادر الحاضرون قاعة الاجتماعات وهم يتهامسون، ويبقى أحمد واقفاً يجمع أوراقه ليغادر أيضًا.
فقرب عامر منه بسعادة.
"أنا النهاردة فخور بيك يا أحمد."
وتأمل عامر ساعة يده الفاخرة بهدوء.
"عامر: أوعاك تنسى عشا النهاردة، مع محسن باشا وفريدة.. وحاول تدي نفسك فرصة وتقرب من فريدة يا أحمد وتنسى الماضي."
والماضي الذي يتحدث عنه شقيقه، مهما مرت السنين لن يستطيع تجاوزه.. لقد خسر محبوبته وزوجته، خسرها قبل أن يمنحها ما تستحقه.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثاني 2 - بقلم سهام صادق
ذهبت "صفا" لعرس رفيقتها، وقد سمحت لها والدتها، لعلها تشعر بالغيرة من رفيقاتها، وتقبل بالعريس الذي سيتقدم لها بعد غد، بعدما اتفقت والدتها مع جارتها على هذا الموعد.
تعلقت عيناها بانبهار، وهي ترى سعادة صديقتها، وقد رفرف قلبها بمشاعر التوق لتصبح يوماً عروساً، بل إنها تخيلت هذا اليوم. أدركت تلك اللحظة أنها بالفعل لا تنتظر رجلاً لن يمت بالواقع بصلة، ولا ذلك الكاتب الذي تعشقه دون سبب، ولكن كل ما تتمناه أن تجد ما يحرك قلبها ويدق من أجله، وستنسى كل عالم الخيال وستعيش معه الواقع.
سافرت بخيالها نحو قصة حب صنعتها في عقلها، وكالعادة الأحلام تأخذها لأعلى، لتأتي لحظة الإفاقة وتهبط على سطح الأرض، ولكن تلك المرة هبطت مفزوعة تشهق بذهول، وهي ترى أحد الصغار يسكب عليها كأس المياه الغازية بعدما تعثرت قدمه بأحد أسلاك الإضاءة ووالدته تركض خلفه، وتصرخ باسمه.
"أنا آسفة جدًا."
هتفت المرأة عبارتها، ثم التقطت ذراع صغيرها تسحبه معنفة له، دون قول آخر لها بعد اتسعت البقعة فوق فستانها.
"بدل ما أرجع لبطة بعريس زي ما بتتمني، هرجع ليها بالبقعة دي."
تمتمت عبارتها مستاءة، وهي تنهض عن مقعدها تنظر نحو البقعة التي لطخت ثوبها، ثم ودعت رفيقاتها من أيام الجامعة.
***
وسط مجموعة ممن يماثلونه عمراً ومكانة، كان يجلس "عامر" ضجراً من تلك السهرة التي لا تروق له، ولكن يأتيها أحيانًا ليرفه عن نفسه ويخرج من زي رجل الأعمال.
كانت هذه السهرة تضم الأصدقاء للترفيه بعيدًا عن زوجاتهم، نساء تحاوطهم حتى يتمتعن بلمسات ومداعبات وضحكات ليس إلا. داعبت إحدى النساء عنقه، وقد كان يجلس بهيبته المعتادة، يحتسي مشروبه الخالي من الكحول، ويرمق بعض الأصدقاء ساخرًا، من سيل لعابه وهو يلامس بكفه ظهر تلك الفتاة العاري، وينظر لما أسفل عنقها.
"والباشا هيفضل بعيد عننا كتير؟"
هتفت إحداهن عبارتها، فالتفت نحوها، بعدما دفع يدها بعيدًا عنه متمتمًا:
"الباشا مستغنٍ عن خدماتك."
ازدادت لوعة ورغبة وهي ترى تمنعه، فجلست جواره تفرض وجودها.
"ليه كده بس يا باشا؟"
رمقها "عامر" حانقًا، وحاول النهوض حتى يرحل بعدما ازداد ضجره منها، ولكن وجدها تلتقط كفه، وتسبل أهدابها راجية:
"خلاص يا باشا هبعد عنك، مدام وجودي ضايقك."
كانت تظن أنها بنبرتها المستكينة، الناعمة ستستطيع جذبه، ولكنها لم تكن تعلم أنها أمام أشد الرجال صلابة، خاصة إذا رأى نظرات الوداعة من النساء.
أطال النظر إليها، وقد ظنت إنها استطاعت جذبه وتحريك غريزته، ولكن الصدمة اعتلت ملامحها وهي تراه يخرج حفنة نقود من جزدانه ويلقيهم نحوها.
***
هل اليوم سيأتي ذلك العريس التي جلبته إحدى جاراتها؟ تنهدت "صفا" حانقة، وقد أنهت كل ما أمرت به والدتها، ثم تنهدت بخيبة أمل من استسلامها لمقابلة ذلك العريس المرحب به من قبل والدتها ووالدها. وانفردت بغرفتها أخيرًا، ثم أمسكت بأحد أقلامها لتلون أحد كلماته وقد سطرها في كتابه.
"لو كانت النجوم قريبة منا، نمسكها بأيدينا، ما أحس أحد بصعوبة نيل بعض الأشياء.
ولو كان القمر ظاهرًا لأعيننا بشكله المعتم، ما وُصف به المحب حبيبته.
فجمال الأشياء ببعدها وجهلها!"
أفاقت من شرودها على صوت هتاف والدها بها، فاغلقت الكتاب وخرجت سريعًا من غرفتها تعانقه كعادتها حينما تضجر أو تحزن من شيء.
"حسن: أوعي تزعلي مننا ياصفا، أنا عارف إنك مش موافقة على العريس ونفسك تتجوزي الإنسان اللي رسماه في خيالك، بس ياحبيبتي عمر الواقع مابقى خيال ولا خيال بقى واقع."
فابتعدت "صفا" عن والدها تلتقط كفيه، تقبلهما.
"حببتي، أيدي فيها شحم."
تمسحت به "صفا" مازحة:
"ده إحنا نبوس الأيادي والرجلين.. والعفريتة كمان يا أسطى حسن."
كان "حسن" يعمل مصلحًا للسيارات، ابتسم الأسطى "حسن" وهو يجد صغيرته التي ستظل دومًا هكذا أمام عينيه مهما كبرت.
"قولي بقي صلحت كام عربية، ولا أنزل أنا بدالك الورشة وأوريك مواهبي؟"
يضحك والدها بملء شدقيه، يدفعها فوق رأسها برفق.
"الأسطي حسن عايز يشوفك متهنية في بيتك مع راجل ابن حلال يصونك."
حكت "صفا" رأسه، فعلى ما يبدو أن لا مفر من مقابلتها لهذا العريس.
"كده هتبعني ياعم حسن وتسمع كلام بطة وتعيش جو الدراما زيها، بس اعمل حسابك لو معجبنيش زي اللي فات هنطفشه سوالي."
يحتضنها والدها ضاحكًا:
"علم وينفذ."
ثم أردف بحنان وقد لمعت الدموع في عينيه، ثم أسرع في إخفائها:
"افضلي اضحكي على طول يابنتي فاهمه!"
فابتعدت عن حضن والدها، تنظر إليه بشك.
"أنا دمعتي قريبة يا حاج، بلاش دراما.. لأ إحنا لازم نغير بطوط ونشوف ست غيرها."
هتفت والدتها باسمها بعدما التقطت أذنيها حديثها الأخير، فاركضت من أمام والدها الذي انفرجت شفتيه في ضحكة قوية وهو يرى طفولة ابنته ومشاغبتها مع والدتها، التي لطمت كفيها ببعضهما متحسرة على عقلها الضائع.
"فاطمة: يابنت المجنونة، حظه منيل اللي هيتجوزك يا بنت بطني."
عادت ضحكات "حسن" تتعالى مجددًا، لتشاركه "فاطمة" الضحك، متمنية من الله أن يطيل عمرها حتى تراها عروسًا.
***
كان من ينظر إليها لا يظن بأن تلك السيدة الحسناء، ذات الملامح الجميلة، في العقد السادس من عمرها، فبرغم مرور الزمن ظل جمالها مرسومًا فوق تقسيمات وجهها، وكأن الجمال رافض أن يتخلى عن صاحبته.
تسير بعكازها الذي يساعدها على الحركة نحو شرفتها، تسأل خادمتها للمرة التي لا تعد عن شكل حديقة قصرهم الفخم.
"ناهد: أوصفي لي الجنينة يا حنان."
فتبتسم تلك الخادمة المخلصة لسيدتها التي لا تبصر.
"حنان: ماهو نفس وصف امبارح يا هانم، أوصفهولك تاني."
تشنجت عضلات وجه سيدتها، وقد غامت عيناها بالحزن، تتذكر سنوات عمرها الماضية. ف"ناهد" الجميلة التي كانت يومًا امرأة يتهاتف عليها الرجال، أصبحت منذ سنوات ضريرة وحيدة ومنعزلة، بل منبوذة من ابنها البكر.
"ناهد بضيق: روحي شوفي شغلك ياحنان."
انصرفت "حنان" نحو عملها بعدما جاء السيد الصغير يرمقها بنظرة أمر، حتى تترك الغرفة، تقدم "أحمد" منها بخطوات هادئة ونظرات حزينة على والدته المنعزلة عنهم دومًا في غرفتها.
شعرت به، فالتفتت ناحيته تمد يديها إليه هاتفة باسمه:
"أنت هنا يا أحمد."
"أحمد: مالك ياماما بقيتي عصبية كده ليه؟"
تحرك أحمد إليه، يلتقط كفها، يساعدها في خطواتها نحو فراشها بتمهل ورفق.
"ناهد: ذنبها إيه حنان أشخط فيها، كفاية هي اللي متحملاني ومستحملة ست كفيفة."
فجاورها أحمد فوق الفراش، يعانق كفيها بين كفيه، ثم يلثمهما، يهتف بحنان:
"ياست الكل يعني تزعلي عيونك الزرق الحلوين دول عشان خاطر زعقتي في حنان وقولتيلها روحي شوفي شغلك. لا لا فين ناهد هانم بشدتها وصحتها."
فابتسمت "ناهد" بحنين، متذكرة حياتها منذ خمسة أعوام وما عصف بها.
"ناهد: الزمن لازم يسيب أثره يابني، ولا الصحة بتدوم ولا المال بيدوم.. بس مين يفهم."
تأملها "أحمد" طويلًا، يبحث عن والدته القديمة وتلك الصورة التي عاشا هو وشقيقه على كرهها بعدما هجرت والدهما، فوالدهم لم يكف يومًا عن رسمها لهم بصورة بشعة، حتى تشرب منه "عامر" حقده على والدته، يعلم إنها أخطأت وركضت خلف المظاهر وتركت والده في محنته، ولكنها في النهاية ستظل والدته. وقد نال الزمن منها، فكيف يكون قاسيًا عليها كما يفعل شقيقه دون رحمة؟
"ناهد: هيفضل لحد إمتى أخوك زعلان مني يا أحمد؟"
فتنهد أحمد بأسى، ينظر طويلًا إليها دون جواب، فبماذا سيخبرها، فعامر قد تشرب القسوة والحقد من والدهم ومن عثرات الزمن.
***
اعترضت وثارت ولكن والدتها لم تكن ترى ما تفعله إلا دلعًا وقد أفسدتها دلالًا، هكذا أخبرتها والدتها بصوت غاضب، بعدما غادر العريس ودلفت إلى غرفتها حانقة.
"سيبي البنت براحتها يا فاطمة."
تهاوت السيدة "فاطمة" بجسدها الممتلئ قليلًا فوق الأريكة، تلطم فخذيها كعادتها حانقة.
"دلعك ليها يا حسن هو اللي عمل فيها كده."
طالعها "حسن"، فارتسم الحزن فوق ملامحها، ترفع عيناها إليه.
"عايزة أطمن عليها يا حسن."
"تاني يافاطمه، يا فاطمه الأعمار بيدي الله."
واقترب منها يجاورها، ثم أمسك كفيها يضمهما بحنو.
"أفرض أتجوزت واتطلقت.. هننفعها بإيه بعد كده.. هنقولها كنا خايفين نسيبك لوحدك في الدنيا.. ربك مبينساش عباده يا فاطمة."
أنسابت الدموع فوق خدي "فاطمة"، هي امرأة مؤمنة ومقتنعة بحديث زوجها، ولكنها تخاف على ابنتها بقلب أم لا تريد سوى رؤيتها مع زوج يحميها ويصونها.
"خليها تدي العريس فرصة، ولو مرتحتش بعد كده مش هتكلم تاني يا حسن."
***
دلف "أحمد" المطعم حانقًا من إصرار شقيقه على تلبية الدعوة التي اعتذر منها هو، وهو من يجب عليه الذهاب من أجل صورته أمام السيد محسن. تمتم داخله وهو لا يتمنى أن لا تكون حيلة من شقيقه. أرشده النادل نحو الطاولة التي تم حجزها، فاقترب من الطاولة بملامح جامدة بعدما لم يجد عليها سوى "فريدة" ابنة السيد محسن جالسة فوق المقعد وظهرها إليه.
اقترب بخطوات هادئة، يزفر أنفاسه بضيق، فمتى سيبتعد "عامر" عنه ويكف عن اختيار العروس المناسبة له.
"مساء الخير."
ابتسمت "فريدة" عند سماع صوته، والتفتت إليه ثم نهضت عن مقعدها تمد له كفها، وبلباقة كان يجيدها، تاركًا حنقه جانبًا.
"أسف على التأخير."
"متعتذرش يا بشمهندس، أنا اللي جايه بدري عن ميعادي."
جلس قبالتها متجاوزًا حديثها، متسائلًا:
"نطلب الأكل."
شعرت "فريدة" بالحرج من معاملته الجافة، وحاولت أن تتخطى الأمر، فما تعلمه عنه يؤكد لها بأن شخصيته هكذا وليست وحدها من يخصها بتلك المعاملة.
"أوكي."
شرعوا في تناول وجبتهم، ومهما حاولت الحديث عن أي موضوع، كان يجيبها ببضعة كلمات.
"تعرف أني معجبة بشخصيتك جدًا يا بشمهندس."
رفع عيناه إليه، بعدما مضغ الطعام وارتشف من كأس الماء بضعة قطرات.
"أنا عارفة إنك ممكن تقول عليا جريئة، بس أنا اتعودت على الصراحة."
ابتسم مجاملة لها، فابتسمت هي الأخرى.
"أتمنى أتعلم من خبرتك في السوق يا بشمهندس، وتنسى أنا بنت مين.. زي ما أنت كمان بتنسى في الشغل اسم عيلة السيوفي."
ولثاني مرة كان يُعجب بحنكتها في الحديث، اتسعت ابتسامته وقد ظنت إنها وصلت لبداية الطريق، ولكنها كانت بعيدة تمامًا عن هذا.
"وأنا سعيد بكلامك ده يا بشمهندسة، لأني معنديش مجاملة في الشغل."
مر الوقت وفريدة بذكائها ولباقتها، استطاعت أن تجد حديثًا تتجاذب به معه ولم يكن الحديث إلا عن عمالقة الكتاب سواء شرقي أو غربي.
ضحكت وهي ترى نفسها أصبحت جاهلة بمعلوماتها الضئيلة عن الأدب، رغم إنها أظهرت إليه في البداية مدى شغفها.
"أنا مقدرش أوصل ليك يا بشمهندس، أنت ماشاء الله موسوعة."
ابتسم "أحمد" على إطرائها، دون أن يخبرها بهويته المستعارة.
"معلوماتك مش ضئيلة ولا حاجة."
"اعتبر أني فيا أمل."
وسبلت أهدابها إليه في رقة، فارتشف قهوته بعدما شعر أن الأمر سيأخذهم لبداية لا يريدها.
انتهى اللقاء وقد حاولت "فريدة" بشدة استمالة قلب "أحمد".
***
ابتسم "عامر" بعدما طالت سهرة شقيقه، رمق ساعته قبل أن يصعد الدرج، ولكن توقف مكانه وهو يستمع لصوت شقيقه الساخر.
"مش معقول عامر باشا مستنيني بنفسه.. ولا مستني تعرف نجاح خطتك؟"
تجهمت ملامح "عامر"، فاقترب منه "أحمد".
"عيب يا باشا تلعب معايا كده."
"العب معاك."
تمتم بها "عامر" حانقًا، فتنهد "أحمد" ضجرًا.
"كفاية يا عامر، أرجوك كفاية.. قولتلك إني هفضل عايش على ذكرى مها، أنت ليه مش عايز تفهم."
"أنت بتعلي صوتك عليا أحمد."
تنهد "أحمد" بأسف، يرمق شقيقه.
"أنت عارف مكانتك كويس عندي يا عامر."
وقبل أن يتجه نحو غرفته، وقف على إحدى درجات الدرج.
"سيبني أدفن نفسي في العالم بتاعي يا عامر.. زي ما أنت دافن نفسك في الماضي ومازلت بتحمل أمك ذنب دفعت ثمنه."
تجمدت ملامح "عامر"، بعدما علقت عيناه بشقيقه، وبعدما كان جسده يستجدي الراحة، عاد عقله للماضي الذي لم ينساه رغمًا عنه.
***
دَلفت عمتها غرفتها بعدما علمت بعودتها من ذلك اللقاء، استمعت لاسمه وهي ترى ابنة شقيقها تحدث إحدى صديقاتها عنه، أسرعت "فريدة" في إنهاء محادثتها بعدما رأت عمتها تجلس بجوارها وعلى شفتيها ابتسامة سعيدة.
"مش معقول كريمة هانم في أوضتي."
دفعتها عمتها برفق، قبل أن تندفع لأحضانها.
"حبيبت عمتها، اللي بقت تخبي حاجات كتير عنها."
ابتعدت عنها "فريدة" تطرق رأسها، فابتسمت "كريمة" متسائلة:
"قولي لي عرفتيه إزاي، وابن مين، وإمتى هييجي يتقدم لبابا."
"يتقدم مرة واحدة يا كريمة هانم."
هتفت بها "فريدة" وهي تضحك، فطريقها مع "أحمد السيوفي"، مازال طويلًا.
"كل دي أسئلة يا عمتو."
"والأسئلة لازم يكون ليها إجابة."
تمتمت السيدة "كريمة" بحب حقيقي لابنة شقيقها التي ربتها، بعدما تركتها والدتها بعد انفصالها عن شقيقه.
"ده أخو عامر السيوفي شريك بابا لو تسمعي عنه."
ضيقت "كريمة" عينيها تحاول تذكر الاسم، فلمعت عيناها بصدمة وهي تتذكر نية شقيقه في تقريب ابنته من "عامر" وليس شقيقه.
"أنتي عارفة إن بابا كان عايز يقربك من عامر مش من أحمد."
لم تنصدم ملامح "فريدة"، فهي كانت تعلم بنية والدها ولكنه في النهاية رضخ لقرارها.
"بس أنا عجبت بـ أحمد يا عمتو، وبابا تفهم الموضوع."
ارتاحت عمتها عندما استمعت لقرارها.
"كنت خايفة لـ محسن يعرف يقنعك، إن عامر هو السلطة وتدفني نفسك مع راجل فرق السن بينك وبينه كبير وفي النهاية مش هتحصدي غير الخسارة زي.. وكل ده عشان الفلوس."
دمعت عينين "كريمة" عندما تذكرت الماضي وزيجتها الفاشلة التي لم تثمر إلا بضياع سنوات من عمرها، أسرعت فريدة في ضمها تشعر بالحزن على حال عمتها.
"إنسي يا عمتو."
تمالكت "كريمة" دموعها، تنظر لابنة شقيقه بحب.
"خليكي ديما قوية يا فريدة، أوعي في يوم حد يتحكم فيكي."
وفريدة كانت لا تحتاج لنصيحة عمتها، هي ابنة محسن الصواف، ورثت طباعه ووحيدته التي يتنازل من أجلها عن أي شيء.
"احكي لي بقي عن أحمد ده."
تراجعت "فريدة" للخلف، تستند بظهرها فوق وسادتها وتعبث بخصلاتها بحالمية متمتمة:
"تقيل أوي، ومثقف أوي.. وجميل أوي."
لمعت عينين "كريمة" وهي تستمع لوصفها.
"أنا عرفت دلوقتي ليه عجبك..."
ثم هتفت بنبرة صوتها تقلدها:
"عشان تقيل أوي مش كدا."
أسرعت "فريدة" في الاعتدال من رقدتها، تطالع عمتها بعدما تذكرت تلك القصة التي علمتها عنه وعن حبه القديم بفتاة ليست معروفة في وسطهم.
"كان بيحب بنت زمان يا عمتو، سمعت إنها ماتت ومن ساعتها قافل على نفسه."
طالعتها "كريمة" قليلًا، تنظر إليه.
"والمفروض أنتي دلوقتي تعرفي كل حاجة عن البنت دي مش كده يا فريدة."
"محتاجة أعرف ليه حبها ومن ساعتها قافل على نفسه."
"بلاش يا فريدة تفتحي الدفاتر المتقفلة."
***
كانت زغاريت والدتها تعم المنزل، والفرحة لا تسع عينيها.
"فتحت فاطمه بسعادة: مبروك ياحبيبتي، يااا يا بنتي متعرفيش سعادتي قد إيه النهارده وإحنا نازلين نجيب الشبكة."
"صفا: مش مرتاحة يا ماما، ارجوكي بلاش."
زفرت "فاطمة" أنفاسها حانقة، من حال ابنتها المتقلب.
"عريس، تتمناه أي بنت.. محاسب في مكان ليه وضعه وعنده شقته وعربيته.. تقوليلي مش مرتاحة."
"هو الجواز شقة وعربية يا ماما."
هتفت بها "صفا" وقد عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها، فمهما حاولت أن تشعر بالسعادة والتأقلم كباقي الفتيات كما أخبرتها والدتها، كانت تشعر بالسوء.
احتضنتها "فاطمة" بحنان حتى لا تضغط عليها أكثر.
"لا طبعًا يابنتي، أهم حاجة عندي راحتك وسعادتك."
حاولت صفا أن تجد لها مخرجًا، رغم استحالة الأمر.
"طيب خلينا نتعرف الأول قبل ما نجيب الشبكة.. مش يمكن ميطلعش في بينا توافق في الفكر."
ابتعدت عنها السيدة "فاطمة" وقد علمت أن ابنتها لن يجدي نفعًا معها الحديث برفق.
"توافق في إيه.. في الفكر يا بنت بطني.. قومي ألبسي طرحتك خلينا ننزل نقابل أم العريس."
وقد تم ما أرادته "فاطمة" بالفعل، هبطت من البناية التي يقطنون بها، فوجدت والدها يمسح يديه من شحم السيارات واقترب منها هامسًا.
"هاوديها المرادي عشان خاطري يا صفا."
"والمرة الجاية..."
تساءلت بهمس كهمس والدها، وقد وقفت والدتها جانبًا، في ضجر تنظر إليهم بشك.
"هتجيبلها إنتي العريس ونرتاح."
ضحكت رغم عنها، وقد تبدلت ملامحها من العبوس وهي تستمع لمزاح والدها.
"هموت وأعرف بتتكلموا في إيه من ورايا."
فابتعد "حسن" عن ابنته واقترب من زوجته الضجرة، التي وقفت تنتظر جارتهم قبل أن يلتقوا بوالدة العريس لانتقاء الشبكة.
"بقولها إنك بتصغري وتحلوي يا بطة."
***
دلف مكتبه بعدما أخبرته سكرتيرته بوجودها، نهضت عندما انتبهت عليه وتركت الأوراق جانبًا هاتفه.
"عدلت المخططات المطلوبة مني."
مدت له الأوراق بعملية أعجبته، فقد ظن وجودها اليوم في الشركة ما هو إلا تكملة خطوات قربها منه. أدهشته بارعتها فابتسم وهو يمدحها.
"هايل يا فريدة."
اتسعت ابتسامة "فريدة" وتستمع لمديحه، غير مصدقة أنه جاء اليوم الذي أُغرمت برجلاً، وأصبحت بضعة كلمات منه تُسعدها.
"مافيش أي تعليق هتضيفه يا بشمهندس."
أماء برأسه وهو يطالع الأوراق دون النظر إليها، مشيرًا نحو جزء بسيط.
"بس ممكن أعرف وجهة نظرك في الجزئية دي من التخطيط."
رفع عيناه نحوها ينتظر جوابها، فتقدمت منه بسعادة، تنظر نحو ما يشير إليه، ثم مالت قليلًا بعدما جمعت خصلاتها تنظر بتدقيق نحو ما يريد سماع وجهة نظرها به.
أجابته عن استفساره بدقة ومهارة، فلم يجد ما يضيفه. كانت هائمة في رائحته رغم إنها تمالكت حالها ووقفت ثابتة خلفه حتى تنال تقديره، ولكنها في النهاية لم تعد تحتمل تلك الرائحة التي عبأت رئتيها بعد زفرات متتالية.
وعلى حين غرة، دون أن تشعر به بعدما وضع الملف جانبًا والتف نحوها حتى يعرف سبب صمتها، فوجدها مغمضة العينين. فتجمدت ملامحه ونهض عن مقعده، فانتفضت في ذعر.
"آنسة فريدة."
وقبل أن يجرحها بكلمات رآها في عينيه، التقطت الأوراق واسرعت في لملمت شتاتها متمتمة باعتذار.
"أسفة يا بشمهندس، سرحت شوية.. بسبب الإرهاق."
واردفت معللة:
"فضلت طول الليل بعمل التعديلات، فتقريبًا محتاجة فنجان قهوة يعيد لي تركيزي."
لم يعقب على حديثها، فاسرعت بخطواتها منصرفة، ولكنها توقفت في مكانها وهي تستمع لعرضه.
"هطلب فنجانين قهوة لينا."
التفتت إليه ببطء، فتساءل بملامح مسترخية.
"قهوتك إيه؟"
وبابتسامة واسعة، كانت تخبره:
"مظبوطة."
***
ضاقت أنفاس "صفا" ذرعًا وهي ترى تصرفات والدة ذلك الذي وسمته والدتها بخطيبها. زجرتها والدتها بعينيها، حتى تنظر لذلك الخاتم الذي انتقته.
"إيه رأيك يا صفا؟"
ثم نظرت لخطيب ابنتها متسائلة:
"وانت يا طارق يا حبيبي، إيه رأيك؟"
تمتم الآخر وهو ينظر في هاتفه:
"قولي لهم رأيك يا ماما."
تجهمت ملامح السيدة "فاطمة"، غير مصدقة أن الذي يقف أمامها الآن، نفس الشاب المؤدب الخجول الذي يفهم بالذوق كما نعتته.
"وريني كده يا ست فاطمة."
التقطت السيدة "إحسان" والدة العريس الخاتم، تقدره بكفها متمتمة بضجر.
"ده تقيل أوي، خلينا نختار حاجة أخف."
ولم تنتظر سماع جوابهم، واخذت تبحث عما تريده.
انتقى ما هو أخف، والسيدة "فاطمة" وجارتها السيدة "جليلة" ينظرون لبعضهم في صمت، تنهدت "صفا" بضيق تجذب ذراع والدتها.
"يلا يا ماما، كفاية قلت قيمة لحد دلوقتي."
"صحيح يا ست فاطمه، هو الأسطي حسن هيهدي بنته إيه.. إحنا العيلة كلها عندنا لازم الأب يشتري لبنته طقم شبكة هدية."
لم تتحمل "صفا" المزيد من صفاقة هذه السيدة وتقليلها من شأن أهلها، فاقتربت منها ترمقها بنفس النظرة التي وقفت ترمق بها والدتها.
"لا إحنا مبنجيبش هدايا دهب، يا طنط."
طالعتها السيدة "إحسان"، تنظر نحو السيدة "جليلة" التي تمتمت بخجل لجارتها.
"أنتي بتقولي إيه يا ست إحسان، ديه صفا زينة بنات الحارة وبشمهندسة أد الدنيا.. اخص عليكوا."
ونظرت نحو العريس الذي يقف بينهم وكأن وجوده لا شيء، يمسك هاتفه باهتمام وكأنه ينتظر خبر ما.
"ما تقول حاجة يا عريس."
"بتقولوا إيه يا جماعة."
لم تشعر "صفا" بحالها إلا وهي تتعارك معهم، والسيدة "فاطمة" تصيح بأبنتها أن تتوقف، وصاحب محل الصاغة أخذ ينظر لأشيائه الثمينة بخوف ويهددهم بجلب الشرطة إذا لم يتوقفوا، والسيدة "جليلة" تحاول فك العراك بينهم ثم سقوطها أرضًا بعد دفعتها السيدة "إحسان".
وفجأة عم السكون المكان، وصوت سرينة الشرطة تصدح بالأرجاء.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثالث 3 - بقلم سهام صادق
طالعت السيدة فاطمة زوجها مُطرقة الرأس غير مصدقة كل ما حدث. نظرت إلى ابنتها التي وقفت حانقة، تُهندم من حجابها وتتأفف بضيق وكأنها ليست هي السبب في اندلاع المشكلة.
"متزعليش يا حسن مني، مكنتش أعرف والله يا أخويا إن مجايب جليلة كده."
"ياريت نتعلم من اللي حصل يا فاطمة، شوفتي آخرتها أجيبكم من القسم؟"
تنهدت بضيق وعادت عيناها نحو ابنتها التي لا تعبأ بالأمر وكأنها قد ذهبت في نزهة. التف حسن نحو ابنتها يحثها على التحرك متمتماً:
"يلا يا صفا يا بنتي، خلينا نبعد عن هنا."
فتُحركت صفا أمامهم بعدما رمقتها والدتها بتوعد، فابتسمت وهي ترفع كتفيها عالياً. وسارت بخيلاء تتباهى في خطواتها غير عابئة بنظرات والدتها المتوعدة.
"عندك حق يا بابا."
عادوا للمنزل بعد يوم لا يُصدق. جلست فاطمة على أقرب مقعد تُدلك ساقيها بعدما أزالت حجابها.
"عايزة حاجة يا ماما؟ أنا داخلة أوضتي."
"هعوز منك إيه يا جلابة المصايب، يا حرقة دمي."
ارتفع حاجبا صفا في تعجب وهي تستمع لكلمات والدتها. فقد بدأ اليوم بمغامرة وسينتهي بعويل والدتها عن حظها. فهمست بكلمات زادت والدتها حنقاً.
"سبتني معاها لوحدي ليه بس يا حسن."
"فاكراني مش هسمعك، ماشي يا بنت حسن. عقابك النهاردة تنضفي المطبخ، وانتي أكتر حاجة في حياتك بتكرهيها هو التنضيفات."
سعت عينا صفا ذهولاً، وسرعان ما تحول ذهولها لضحكات جعلت والدتها تخلع حذائها وتقذفه نحوها.
"بتعاقبيني يا بطة، بدل ما تكوني فخورة بيا؟"
تُجهم وجه فاطمة وهي تستمع لضحكاتها التي لا تتوقف، وكأنها لم تفعل شيئاً منذ ساعات قليلة.
"فخورة بيكي يا بنت بطني! ده أنتي دخلتي أمك القسم على آخر الزمن."
وبزهو رفعت صفا حاجبيها، تشير نحو حالها في فخر.
"وماله لما ندخل القسم شوية بعد ما نجيب حقنا، ده حتى الضابط أعجب بلي عملته.. لما فهم مني الحكاية."
"وأنتي الصادقة يا بنت بطني، الراجل كان مذهول من اللي بيسمعه."
أشتاطت فاطمة غضباً من حديث ابنتها وقد كان نصيب فردة حذائها الآخر كحال ما سبقه. ألقته عليها، ولكن تلك المرة استطاعت أن تتفاداه بمهارة وقفزة عالية.
"معرفتيش تنشلي المرادي يا بطوط يا عسل انتي."
وسرعت في الاقتراب منها، تمسك كفيها تقبلهما بحب.
"مستحملتش أشوفهم بيقلوا منك ومن بابا. أنا قولتلك من الأول مش مرتاحة وإنه قليل الذوق، لكن أنتي مصدقتيش."
هدأت فاطمة وفي داخلها حمدت الله، ولكنها كانت حزينة. فلا شيء تتمناه بحياتها سوى أن ترى ابنتها عروساً.
انهالت صفا على والدتها بالقبلات، التي تضحك بها عليها، في كل مرة تُغضبها.
"شوفتي عرفت أصالحك إزاي."
وأردفت بعدما نهضت من جوارها.
"هروح أتصل بـ جنه وأحكيلها عن اللقاء التاريخي."
"أحكيلها عن خيبتكم."
صفا لا تتوقف عن إلقاء عباراتها، التي تزيد حنق والدتها.
"خيبتي كبيرة أوي يا ماما."
ورَكضت مهرولة نحو غرفتها، بعدما وجدت والدتها تبحث عن شيئاً آخر تقذفه به.
"برضوه هتنضفي المطبخ يا صفا."
…………………..
توقف بسيارته أمام الموقع ينظر إليها بعدم استحسان نحو هيئتها تلك. توترت من نظراته وشدت من تنورتها قليلاً حتى تُداري ساقيها.
"أحمد هو في حاجة مضايقاك من لبسي؟"
أشاح عيناه بعيداً عنها، ورغم إنه لا يحب أن يقحم نفسه في أمور لا تخصه، إلا أن الضرورة كانت تحتم عليه لفت نظرها.
"لبسك ده مينفعش في الشغل يا فريدة، أظن أنتي فاهمة قصدي."
يخفق قلبها وهي لا تُصدق إنه يهتم لأمرها. ورغم إنها لم تكن يوماً ضعيفة لمشاعر الهوى التي تجعلها معه تطير هائمة بكلماته حتى لو كانت من باب النصح ليس أكثر.
صمتت وقد ظنها لم تتقبل حديثه، فتمتم وهو يفتح باب سيارته ليترجل منها.
"متوعدتش أدخل في حياة حد، لكن مدام هنشتغل على المشروع ده سوا، فلازم ألفِت نظرك يا فريدة."
بهتت ملامحها، وسقطت أحلامها معها أرض الواقع. تنظر إليه وهو يضع بقدميه خارج السيارة، أسرعت في التقاط ذراعه.
"أحمد أنا مزعلتش."
التف نحوها ببطء وقد ضاقت عيناه وهو يرمق فعلته، فاسرعت في ترك ذراعها.
"قصدي يا بشمهندس."
وأردفت مفسرة، ولاول مرة تصبح هكذا بحياتها، تفسر أفعالها لأحد.
"أنا مكنتش فاكرة إننا رايحين الموقع النهارده، لو كنت أعرف كنت حقيقي أختار اللبس المناسب للمكان."
وبوداعة كانت تسبل أهدابها، تنتظر سماعه، بعدما أوضحت له الأمر.
"مافيش مشكلة يا فريدة."
ترجل بعدها بكامل جسده من السيارة، فتجمدت عيناها نحو زافرة أنفاسها، فقد جفاها بحديثه بعبارته التي لا تراها إلا كالصاعق.
تبعته مسرعة بعدما استطاعت تمالك حالها، ورغم صعوبة السير في الرمال، إلا إنها كانت تُحاول الثبات والوقوف أمام العمال بجدية، رغم نظراتهم نحوها.
رمقها وهي تُلقي بعض الأوامر وسط العمال، والبعض يتهامس عليها. حاول أن يطرد الأمر من عقله، فقد أخبرها ألا تذهب معه اليوم ولكنها أصرت. ولكن كلما كانت تقع عيناه عليها ويراها كيف تتحرك بصعوبة ونظرات العمال تخترقها، حركته رجولته. فاقترب منها منهياً وجودهم اليوم بالموقع.
"كفاية كده النهارده."
تنهدت براحة، فالشمس اليوم ساطعة بشدة، كما أن ملابسها وحذائها يُعيقانها عن الحركة. رحبت باقتراحه وتحركت جواره بعدما أزالت خوذتها وأعطتها لأحد العمال.
ولكن فجأة كانت تخرج شهقتها وكاحلها يلتوي أسفلها. أسرع نحوها يلتقطها قبل سقوطه متسائلاً بقلق.
"انتي كويسة؟"
أومأت برأسها تنظر لعينيه التي تغرقها به أكثر، ثم اعتدلت سريعاً رغم الألم الذي نغز قدمها وهي تراه يتحاشى النظر إليها.
"للأسف ديه ضربية لبس الكعب العالي في مكان زي ده يا بشمهندس."
تمتمت مازحة تخفي ربكتها، وهي ترى المسافة التي يضعها بينهم بعدما ساعدها.
"الدرس النهارده اتعلمته كويس."
ابتسم وهو يمد لها يده، فاسرعت في تقبل دعوته ومدت يدها، تشعر لحظتها السيئة التي كادت أن تطرحها أرضاً وليس مجرد التواء بسيط.
………………..
أصرت أن تذهب معه مكتبه، رغم إنه عرض عليها توصيلته لمنزلها لترتاح، ولكن جوابها كان:
"مجرد ألم خفيف، متقلقش يا بشمهندس، ولا أنت مش عايزني أتابع معاك أي شغل؟"
طالعها مستاءً من عنادها متمتماً بنبرة جعلت ابتسامتها تتسع.
"عنيد."
مدت يدها له هذه المرة حتى يساعدها على السير، وقبل أن يرمقها بتلك النظرة التي يرمقها بها دائماً كانت تهتف:
"كمل خدمتك يا بشمهندس، وخليك جينتل مان."
ابتسم وهو يقدم ذراعه لها حتى تتباطأه، وهو لا يعرف إلا أين سيأخذه الطريق مع تلك الفتاة التي زجها شقيقه في حياته.
دلف مكتبه زافراً أنفاسه، لقد طالعته موظفاته بنظرات ثاقبة وهم يرونها ملتصقة به. كان حانقاً منه، ولكن رغم ذلك كانت بارعة في جعله يتخطى حنقها منه، وعلى ما يبدو إنها قد فهمت طريقه.
"خلينا نشوف شغلنا، بدل ما نص اليوم ضاع مننا من غير فايدة.. وطبعاً أنا اللي ضيعته."
أكملت عباراتها بمزاح، مما جعله يبتسم وهو يضع رسومات الموقع أمامها.
"الرسومات أهي قدامك، وريني.. تطلعاتك."
طالعت الرسومات، ثم طالعته بغرور مصطنع، فعادت ابتسامته تشرق ملامحه.
"نبدأ بقى الشغل."
ولم تكن إلا بالفعل بارعة وذكية، ولن يكون كاذباً في حقها. ابتسم وهو يراها كيف تتحدث بحماس يظهر شغفها وحبها لعملها.
توقفت عن الحديث وهي تستمع لصوت سكرتيرته تخبره:
"عامر بيه عايز حضرتك في مكتبه يا بشمهندس."
أومأ لها برأسه، وهو ينهض أحمد عن مقعده، ينظر إليها معتذراً.
"دقايق وراجعلك يا فريدة."
انصرف بعدما التقط أحد الملفات، وهو على علم بأن شقيقه يريده من أجل هذا الملف. استرخت في جلستها ثم حاولت النهوض عن مقعدها حتى تسير قليلاً.
ولكن سرعان ما جلست وهي تتأوه من ألم كاحلها وقد بدأ الألم يشتد.
لفتت السكرتيرة ثانية تسألها عن أي شيء ترغب في احتساءه كما أخبرها مديرها، ولكنها أسرعت في الاقتراب منها تسألها:
"في حاجة وجعاكي يا بشمهندسة؟"
"رجليا."
هتفت فريدة بألم وهي تدلك حالها بعدما أزالت حذائها عن قدمها.
"ثواني يا فندم، هجيبلك تلج يمكن يخفف الألم شوية."
وبالفعل أسرعت في جلب لها الثلج، وعادت إليها تعطيها قطعة ثلج داخل غطاء بلاستيكي. التقطته فريدة شاكرة. فدلف أحمد ينظر إليهم بترقب. غادرت السكرتيرة الغرفة عندما دلف مديرها ورمقها بنظرات مستفهمه، ولكن الإجابة كانت واضحة إليه وهو يتخطاها مقترباً من فريدة المنحنية قليلاً وتدلك كاحلها بقطعة الثلج.
"كان عندك حق لما قولتلي بلاش أعاند وأقبل توصيلتك."
"أنا بقول نروح لدكتور أفضل."
رفعت فريدة عينيها إليه، ثم عادت تدلك كاحلها.
"مافيش داعي، أنا هكلم صديقة ليا تعدي عليا تاخدني."
ثم عادت ترفع عيناها إليه، ولكنها شعرت بالصدمة وهي تراه يجثو أمام مقعدها ويرفع ساقها برفق حتى يرى إصابتها.
سلبت فعلته أنفاسها، وخفق قلبها وهي تراه هكذا. أغمضت عينيها قليلاً متأوهة وهي تشعر بحركة أنامله فوق قدمها.
"كدمة بسيطة يا فريدة، متقلقيش."
دلكها لها لدقيقة، جعلتها كالضائعة، لا تستوعب أن لمسة منه هكذا ستأخذها لعالم آخر.
وقف عامر مكانه وهو يمسك الملف بين يديه غير مصدقاً تطور علاقتهما بتلك السرعة. لمعت عيناه بالارتياح. غادر الغرفة في صمت كما دلف وابتسامته تشق شفتيه. فاخيراً مال قلب شقيقه.
………………
"مش عارفة أعمل إيه مع ماما يا جنه، طيب ما أنتي أه البنت الوحيدة لـ عمتي ومخلفوش غيرك، رغم ذلك عمتي مش بتتكلم معاكي في موضوع الجواز وديما مخوفاكي من بكرة."
وتنهدت بأنفاس مثقلة من الخوف، تُخبر رفيقتها الوحيدة وابنة عمتها بما يعتلي فؤادها.
"أنا بقيت أخاف من بكرة يا جنه."
زفرت جنه أنفاسها وهي لا تعرف بما تجيبها.
"جنه أنتي نمتي وأنا بكلمك."
ابتسمت جنه على مشاكسة صفا، فحتى في أحلك الأوقات صعوبة، تتمازح.
"لا منمتش، بس سرحة في طبق البيض اللي قدامي."
اعتدلت صفا فوق فراشها، تحك فروة رأسها حانقة.
"بكلمك عن أوجاعي، تقوليلي طبق البيض."
وأردفت بمقت قبل أن تنهي تلك المكالمة، التي في العادة لا تجدي بنفع.
"أنا مش عارفة ليه مستحملاكي في حياتي يا جنه."
خرجت جنه لسانها وكأن صفا بالفعل ترى ردة فعلها متمتمة:
"عشان بتحبيني."
تعالت ضحكات صفا، والتقطت الوسادة تضعها فوق حجرها.
"بنت عمتي الصيدلانية العظيمة، بتهزري."
انفرجت شفتي جنه في ضحكة صاخبة، أعقبتها صراخ والدتها بها. أسرعت جنه في كتم ضحكتها هامسة:
"عمتك بتحبيني أوي."
"جنه، أنا محتاجة حل."
الحل لم يكن إلا أن تبحث عن وظيفة.
"لازم تدوري على شغل يا صفا، مافيش حل غير كده صدقيني. لازم تخليهم يحسوا إنك قوية ومستقلة ومش لازم تتجوزي عشان تحمي نفسك من الدنيا."
وأعقبت حديثها بمزاح لا تجيده إلا معها.
"الفلوس جميلة يا صفا، بتجيب عربية وحاجات كتير."
همهمت صفا حالمة بالمستقبل والمال يُغرقها.
"وفِيلا بحمام سباحة، وشاليه في الساحل."
لم يشعروا بصفاقة أحلامهم، عن مجرد وظيفة لم تأت بعد، إلا عندما صدح صوت صراخ السيدة فاطمة هذه المرة.
………………
وقف عامر في بهو الشركة، يُطالع بضعة أوراق قد أعطاه لها أحد الموظفين قبل خروجه من الشركة. كانت عينين الموظف الواقف جواره، تدور هنا وهناك، وكل صدرت حركة ما، كان الواقف يلتف بذعر. رمقه عامر خلسة وهو لا يفهم سبب ذعره وتوتره، ولكن فجأة خرج صوته رغماً عنه.
"مازن."
التف عامر نحو الجهة التي تحرك إليها موظفه، فوجدها ينحني نحو طفل صغير وجواره إحدى موظفات الاستقبال، وعلى ما يبدو أن الطفل كان معها. تعلقت عينين عامر بالمشهد وهو يرى الصغير يدنو رأسه أمام والده. رغماً عنه كان يبتسم، بل ومشاعر أخرى اقتحمت فؤاده، مشاعر لم يسعَ لتجربتها والسبب كانت والدته.
تقدم منه الموظف بخطوات سريعة، معتذراً.
"أنا آسف يا فندم، حقيقي آسف."
وأردف معللاً سبب وجود صغيره.
"والدته تعبانة، وأهلنا بعيد عننا، فاضطريت أجيبه معايا النهاردة."
أخذ يعتذر بشدة والعرق يتصبب فوق جبينه من شدة توتره، فـ "عامر السيوفي" معروف بشخصيته الصلبة، الجامدة.
"مافيش مشكلة يا أستاذ حسام."
تمتم بها عامر، ثم أغلق الملف واتجه نحو الصغير الذي ظل واقفاً منكس الرأس.
اقترب منه تحت نظرات السيد حسام المتعجبة، وانحنى صوبه قليلاً يمسح فوق خصلات شعره الناعمة. أسرع حسام نحو رئيسه مجدداً وقد تفاجأ للمرة الثانية، أن هذا الرجل يحمل مشاعر وليس كما يظنوه.
"ربنا يخليهولك."
وانصرف بعدما قرص أحد وجنتي الصغير بخفة.
……………..
تناولت بضعة لقيمات سريعة وهي واقفة وهتفت بعدما ارتشف بضعة رشفات من كأس الشاي حتى تبتلع اللقمة التي حُشرت بحلقها.
"ادعيلي يا ماما أتقبل في الشغل."
وقفت فاطمة على أعتاب الباب تدعو لابنتها، تتمني من الله أن يسعدها ويوفقها. هبطت لأسفل تصطبح بوجه والدها البشوش بعدما خرج من أسفل السيارة التي كان يُصلحها.
"ربنا يفتحلك أبواب الرزق يا بنتي."
أسرعت في الاقتراب منه، تلثم خده، فصرخ بها وهو يبعدها عنه، خائفاً على ثيابها من الشحم العالق به.
"كده هتبهدلي لبسك النضيف يا بنتي."
"فداك كل اللبس اللي بتدفع تمنه يا أحلى وأجمل أسطى حسن في الدنيا."
ابتسم حسن وود لو عانق ابنته بقوة تلك اللحظة، إنها نعمة وهبها الله لهم بعدما ظلوا بضعة سنوات ينتظرونها. أخرج النقود من جيبه يعطيها لها متسائلاً.
"عايزة فلوس تاني يا بنتي؟"
"أكتر من كده يا أسطى حسن، ده أنا حتى ناوية أدلع نفسي وأروح المقابلة بتاكسي."
وأسرعت في اقتناص قبلة أخرى من خده الآخر هاتفة قبل أن تنصرف بمشاغبتها.
"عشان الخد التاني ما يزعلش."
……………
شعرت بالرهبة وهي تتقدم لداخل الغرفة الواسعة، لم تكن تظن إنها بحاجة للباقة عملية قوية، أو تكون ذا صلة بمن يعملون بالمكان حتى يسهلوا لها الطريق، كما رأت من سبقتها تُعامل باهتمام. مرة المقابلة ببضعة أسئلة وكان أهم سؤال طُرح عليها، لما لم تعمل منذ أن تخرجت ورغم إنها كان لديها مهارة بتعلم اللغات بجوار شهادتها، إلا أن العبارة التي كانت تتوقعها أخبرتها بها الموظفة، التي أعطت لهم ملء استمارة.
"أن من سيقبلون بهم، سيحادثوهم."
عادت لمنزلها بوجه حزين، فطالعتها والدتها متسائلة.
"مالك يا صفا، متقبلتيش في الشغل يا بنتي؟"
ألقت حقيبتها جانباً وهوت فوق الأريكة تضع رأسها فوق فخذ والدتها.
"قالولي هيكلموني، بس متوقعش إني هتقبل."
"متقوليش كده يا بنتي، بكرة يكلموكي، وتقولي بطة قالت."
وقد أتى الغد، ولم يُحادثها أحد. فنظرت نحو والدتها مازحة، وهي تلتهم قطعة الدجاج.
"مكلمونيش يعني يا ماما، خسرتي يا بطة."
طالعتها فاطمة حانقة، والتقطت طبق طعامها من أمامها متمتمة.
"ما أنا قولتلك اتجوزي، قال يعني الشباب لاقيه شغل عشان تلاقي يا بنت بطني."
"دايماً مزعلاني منك يا بطة."
ومدت يدها تلتقط الطبق الذي أخذته منها للتو معاقبة لها وهي تحرك حاجبيها تشاكسها، ولكن كف والدتها كانت أسبق منها.
حيث صفعتها فوق كفها بقوة، فهتفت صفا متذمرة كالأطفال.
"هاتي الطبق يا بطة."
لم يتمالك حسن ضحكاته كالعادة من مناقرتهم التي لا تنتهي.
"شوف دلعك فيها هو اللي مقوي البت ديه عليا."
"بتهزر معاكي يا بطة."
فاندفعت صفا نحو أحضانها تقبلها وتشاکسها كعادتها.
"بتزعلي مني يا بطوط، ده أنا حتى ناوية أجيبلك الخضار بكرة من السوق."
………………
شعرت بالصدمة وهي تقرأ كل ما هو مدون أمامها. لا تُصدق أن "أحمد السيوفي" كان متزوجاً بفتاة بالسر مثل تلك، فتاة كانت بلا عائلة مشرفة. أب يحتسي الخمر ويتتاجر في المخدرات ويتعاطاها، وشقيق قد مات والشرطة تطارده.
تركت الورق جانباً تمسح فوق خصلاتها المنسدلة فوق كتفيها تردد في صدمة مازالت تمتلكها.
"مش معقول تكون كنت متجوز واحدة زي ديه يا أحمد."
………………
طالعت الروايات المرتصة فوق سطح مكتبها بشوق، ثم قضمت قطعة الخيار تلوكها داخل فمها متمتمة.
"ركزي يا صفا، أنتي دلوقتي بتدوري على شغل عشان مستقبلك. نلاقي شغل الأول بعدين نرجع لعالم بتاعنا."
أخذت تحث نفسها على الصمود، لأنها أكثر دراية بحالها. فإذا عادت وانغمست في عالمها مع كلمات كاتبها المتيمة بها، ستظل هكذا حبيسة غرفتها وتنتظر ذلك الفارس الذي سيخرج لها من بين السطور.
عادت تركز في شاشة الحاسوب، تحاول قراءة إعلانات الوظائف المعروضة. نظرت للورقة التي جمعت فيها الإعلانات، عازمة على عدم اليأس حتى تجد وظيفتها تعول بها حالها وتخفف عبئها، ولعلها تجد فارس الأحلام كما أخبرتها والدتها وجنه، حينما تجد تخرج من غرفتها.
………………
نظرت لأوراقها بعدما أخذها الموظف منها ومزقها لنصفين، بعدما أصرت على مقابلة موظف التوظيف. لقد رأت الإعلان منشور أمس. فكيف وجدوا الشخص المناسب بتلك السرعة ليتم تعيينه؟ توقف الحديث على طرفي شفتيها وهي ترى الموظف يغادر من أمامها. فاقت أخيراً من صدمتها، ولكن الموظف اختفى من أمامها.
سارت بخذلان خارج الشركة، ولم يهتم أحد لأمرها، فالكل يتحرك لإنهاء عمله أو الثرثرة مع رفيقه أو رفيقته بالعمل.
طالعت الشركة قبل أن تهبط الدرجات القليلة، ثم بصقت عليها غاضبة. لم تنتبه على خطواتها، فنزلقت قدمها وكادت أن تهبط تلك الدرجات على وجهها، ولكن لولا ارتطامها بذلك الشيء الصلب ما كانت نجت من السقوط.
"انتي كويسة يا آنسة؟"
ارتبكت صفا من وضعها بين ذراعيه، فدفعته عنها بقوة وأسرعت بخطواتها مبتعدة بعدما تمالكت حالها. التف الواقف ببطء وقد اعتلت ملامحه الدهشة من تصرفها.
أكمل أحمد خطواته بعدما هندم بذلته المنمقة. فلم يأت لشركة "محسن الصواف" إلا من أجل اجتماع جعله شقيقه ينوب عنه.
………………
نظر إليها العم محمود طويلاً بعدما طال شرودها وهي تتأمل بعض الكتب والمجلات حديثة الإصدار.
العم محمود: مالك يا صفا يابنتي، مش مبسوط ليه، شكلك كنتي في مكان وراجعة منه متضايقة.
فتنهدت صفا عدة زفرات متتالية، تحمل يأسها.
"مافيش شغل، مافيش شغل، كله بالواسطة."
العم محمود: كلها أرزاق يابنتي، اسعي تاني واكيد ربنا مش هيسيبك.
وانحنى صوبها قليلاً يربت فوق ظهرها بحنان أبوي، ثم التقط إحدى المجلات القابعة على تلك المنضدة الخشبية المتهالكة.
العم محمود، وهو يشير نحو المجلة ويعلم كم سيسعدها الأمر.
"فيها أخبار عن كاتبك المفضل (مراد زين)."
فتلاشى عبوس صفا، وتتهلل أساريرها بغبطة، وهي تلتقط منه المجلة التي تتحدث عن كاتبها المتيمة بأعماله.
طالعت بعض عباراته المصرح بها عن آخر إصدار ورقي تم نشره وصور لبعض من الأشخاص الذين حصلوا على توقيع منه بواسطة دار النشر التي لا يطبع إلا لها.
رمقها العم محمود وهو يرى سعادتها العجيبة على من يراها، ولكن هو كان يعلم مدى عشقها لهذا الكاتب ثم تمتم ضاحكاً.
"الكاتب المجهول (مراد زين)."
فأومأت صفا برأسها وتنهدت بحالمية وعادت تشرد في عالمها مع سطوره وتصريحاته.
"رجعتني للخيال ليه تاني يا عم محمود؟"
هتفت بها وهي تسبل أهدابها، فنفرجت شفتي العجوز بابتسامة واسعة على هيئتها.
"لو عايزة المجلة خليها معاكي، عارفك بتحبيه قد إيه وبتحبي كل كلمة بيكتبها."
فرفعت عيناها نحوه، وقد نهضت عن المقعد الجالسة عليه متمتمة بحماس.
"والله أنت راجل طيب يا عم محمود."
والتقطت منه المجلة بطفولة تليق بها.
"محدش هيونسني غيره، بعد رحلة البحث عن شغل. آه بدل ما أكتئب، أعيش مع الخيال شوية."
ثم ودعته هاتفة: "سلام يا راجل يا طيب."
...............................................................
هناك شعور غامض كان يجثم فوق صدرها، لا تعرف ماهيته ولا لما بدأت دقات قلبها تتسارع هكذا وأنفاسها تُسلب منها. ثقلت خطواتها ومهما قاومت ذلك الشعور، كان يعود ويقتحم قلبها، يُنبئها أن هناك ما ينتظرها.
سكنت مكانها وهي ترى سيارات إسعاف وعربات شرطة تقف، وغبار يحاوط مدخل حارتها والناس يركضون ويلطمون كفوفهم ببعضهما.
أغمضت عينيها حتى تتضح لها الصورة، ولكن الصورة كانت واضحة وهي تستمع لحديث الناس. ركضت صارخة غير مصدقة ما سمعته، ولكن ما رأته كان هو الحقيقة. اشتد الصراخ حولها، ولكنها لم تكن تعلم أهو صراخها أم صراخ من حولها.
"لااااا."
وضاعت بعدها في عالمها المظلم، عالم قد خلى من أغلى ما ملكته، وها هي الحياة تعلمها أقسى الدروس.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الرابع 4 - بقلم سهام صادق
وقفت "صفا" تمسح دموعها بعدما توقفت قليلاً تلتقط أنفاسها وتبتلع تلك الغصة المريرة، وبحرقة كانت تعلو شهقاتها بعد أن عادت دموعها مرة أخرى تنساب فوق خديها بغزارة.
الألم ينهش روحها، ونيران الفراق تحرق فؤادها.
"ليه سبتوني ومشيتوا؟ أنا مبقتش عايشة خلاص."
خاطبتهم وكأنها تراهم أمامها، ودموع أخرى أخذت تُحرق خديها كم حرقت قلبها.
"انتوا حتى مودعتونيش."
لم تتحمل الصمود في وقفتها، فلم تشعر بساقيها وهم يرتخوا، ثم هوت فوق الأرضية تستند بظهرها خلف الجدار، وتضم جسدها بذراعيها وقد عادت تلك الرجفة تُصيبها.
مر الوقت، ولا تعلم كم مر منه وهي تجلس هكذا. تتذكر والديها في بؤس لا تُصدق أنهم رحلوا وتركوها في منتصف الرحلة.
تمالكت حالها أخيراً، وهي تنظر أمامها. فعليها النهوض لتنظف منزل عمتها وتطهو الطعام. رغم أن عمتها تغضب كثيراً منها لقيامها بأعمال المنزل. عمتها الحنون التي لولا وجودها هي وعائلتها الصغيرة لكانت ودعت حياتها وراء والديها.
نهضت بصعوبة متجهة نحو دورة المياه الصغيرة، تغرق وجهها قليلاً بالمياه وتلتقط أنفاسها وتُحادث حالها.
"مش هتقعدي عالة عليهم في البيت، وكمان يخدموكي يا صفا."
بدأت بطيّ أكمام جلبابها المنزلي ثم ربطته في عقدة بعدما رفعته نحو خصرها حتى تتمكن من مهمة التنظيف. وبإحدى المقشات التي تُصنع من قش الأرز، أخذت تزيل الأتربة من فوق الأرضيات. فمنزل عمتها بسيط لا يشبه منازل المدينة. انحنت بجسدها تحمل الأغطية الصوفية البسيطة كي تُنفضها، ولكن أعادتهم مكانهم وهي تتذكر أن عليها البدء في الغداء فلم يعد يتبقى الكثير من الوقت. من عودة زوج عمتها "العم صابر" وعمتها من المزرعة التي يعملون بها.
أسرعت بخطوات سريعة نحو المطبخ، والذي أصبح جزءً من يومها بإرادتها، بعد أن كانت لا تهوى الدخول إليه وترغمها والدتها على ذلك. حاربت بشدة تلك الغصة التي عادت تسحق فؤادها. وسرعان ما أطبقت جفنيها بقوة، تتغلب على دموعها العالقة. شرعت في الطهو ولم تكن أعباء المنزل إلا راحة لها. ورغم أن عمتها ستُعاتبها على قيامها بكل شيء في المنزل إلا أنها تفعل كل ذلك برضى.
تذوقت طعم الحساء وابتسمت بسعادة، ولكن سرعان ما تذكرت والدتها. ولم يكن الحنين ليتركها للحظات، لعلا نيران الوجع ترحمها قليلاً.
"يابنتي ياحببتي اتعلميلك أي طابخة تنفعك."
وعادت الذكريات تتدافق على قلبها بمرارة، فمهما حاولت إلهاء نفسها لا تستطيع وكل شيء يذكرها بهم. مسحت دموعها التي أنسابت فوق خديها مجدداً إلى أن تنهدت بأنفاس مثقلة تجثم فوق روحها.
"شوفتي ياماما اه أنا بقيت ست بيت شاطرة، وبقيت أتحمل المسؤولية ومبقتش مدلعة..."
وعادت للبكاء بحرقة وشهقات عالية.
"صفا: اصل هتدلع على مين غيركم من بعدكم."
وعلقت عيناها بالسلسال الذي يلتف حول عنقها، فمضته داخل كفها بشوق ثم فتحته، تتأمل قلبه وما يحتويه على صورة والديها. فلم يتبق لها من وجودهم سوى الذكريات وسلسال يحمل صورتهما.
اقتربت منها جنة ببطء بعدما دلفت للمنزل وعادت من جامعتها. وفي لحظة خاطفة باغتتها بدغدغة تُمازحها. شهقت صفا بذعر ثم وضعت بيدها فوق قلبها تلتقط أنفاسها من أثر الخضة.
"صفا: خضتيني يا جنة.. حرام عليكي."
"جنة ضاحكة: الجميل سرحان في إيه؟"
فابتسمت صفا ببهوت وبنبرة مريرة هتفت، بعد أن أشاحت عينيها بعيداً.
"صفا: سرحانة في حياتي يا جنة."
تلاشت ضحكة "جنة" بعدما شعرت بمرارة عبارتها، واقتربت منها تضمها بحب لعلها تخفف قليلاً عنها.
"جنة: عارفة جبتلك معايا إيه وأنا راجعة من الجامعة."
طالعتها "صفا" في شرود، فاسرعت جنة نحو حقيبتها التي أسقطتها أرضاً عند دخولها للمنزل، والتقطت الكتاب من داخل حقيبتها هاتفة بحماس.
"جنة: هو صحيح الكتاب ده مش لمراد زين، بس انتي برضو بتحبي تقري للكاتب ده، بس عرفتلك خبر هيفرحك، كاتبك الغالي هينشر كتاب جديد ليه قريب."
فاهتز جسد صفا متذكرة آخر ما كانت تحمله له، وهي هائمة في عالمها وعالم الروايات.
"صفا: انا خلاص قررت مقراش تاني يا جنة."
اقتربت منها "جنة" وقد علقت عيناها بها في أسى، فقد أمات الحزن قلب ابنة خالها. وليتها تستطيع أن تخفف عنها.
"صفا: كنت الأول بعيش الخيال وأنا مطمئنة، إن الواقع محاوطني بالحياة السعيدة، أب وأم أنا أغلى عندهم من روحي، وحضنهم الدافي بيطمني إني في أمان، لكن دلوقتي مبقتش عايشة يا جنة، روحي راحت معاهم خلاص، قوليلي سبوني ليه لوحدي."
واندفعت لأحضان ابنة خالها، فضمتها جنة بقوة تبكي معها في مرارة.
"صفا: ماتوا تحت التراب يا جنة، كانوا نفسهم يفرحوا بيا عشان يتطمنوا عليا، كأنهم كانوا حاسين."
تعالت شهقاتهما، ولم تتمالك جنة هي الأخرى حالها. فلا حديث يستطيع أن يخرج من شفتيها.
"جنة: مرت ست شهور ولسة الوجع جواكي يابنت خالي وبتظهري إنك كويسة.. طيب اصرخي فينا، اعملي أي حاجة يا صفا.. ياريت الحزن كان بيتقاسم كنت أخدت منك جزء."
احتضنتها "صفا" بقوة، فضمتها جنة بكل قوتها. تمسد فوق ظهرها وقد صمتت كلتاهما عن الحديث. اتسعت أعينهما فجأة، يحاولان أن يستوعبا من أين تأتي تلك الرائحة؟
"جنة: في حاجة بتتحرق."
تساءلت "جنة" وهي تعلم الجواب الواضح أمام عينيها.
فهزت "صفا" لها رأسها بعدما التفت بجسدها نحو إناء الطعام الذي احترق.
جمدتهما الصدمة قليلاً، وسرعان ما كانا يتخلان عن صدمتهما صارخين.
"صفا وجنة: الحلة اتحرقت!"
تأملته وهو منكب على حاسوبه الشخصي يُطلعها على كل شيء يخص المشروع المشترك بين شركتهم وشركة والدها وما قام بالتعديل عليه. كانت شاردة فيما عرفته عن حياته وزيجته التي سعى "عامر" بشدة لأخفائها عن الجميع. تساءلت داخلها وهي تنظر إليه. ما كان يميز تلك الفتاة ليحبها رجل يتحكم به العقل. والحقيقة التي تغافل عنها عقلها. أن "أحمد السيوفي" الذي يجلس أمامها الآن ليس ذلك الشخص الذي كان عليه قديماً.
تنهدت بأنفاس مسموعة، مما جعله يرفع عينيه عن حاسوبه وينظر إليها مستفهماً.
"أحمد: بيتهيألي أنك محتاجة فنجان قهوة يا فريدة."
تحركت من وقفتها خلف مقعده، وهي تومئ له برأسها.
"فريدة: فعلاً محتاجاه جداً."
وتمتمت معتذرة حتى لا تفقد احترامه لها الذي نالته بسبب اجتهادها.
"فريدة: أتمنى متتغيرش نظرتك ليا وترجع تشوفني بنت مدلعة، مبتفهمش حاجة في الشغل."
تعالت ضحكته رغماً عنه، فهو لا ينكر أن "فريدة" فتاة لطيفة. وقد تمكنت من نيل تقديره. فنقطتهم المشتركة هو العمل ولن يراها إلا في تلك الصورة. ابنة شريكهم ليس أكثر.
"أحمد: لو مكنتيش حصلتي على تقديري، مكناش كملنا شغل سوا يا فريدة.. لاني للأسف وارث نفس طباع العيلة.. مافيش تهاون في الشغل."
ابتسمت ببهوت وهي تطالعه، فهي أصبحت على دراية كبيرة ببعض صفاته.
"فريدة: عارفة يا بشمهندس، فين القهوة بقى عشان أعرف أركز من تاني."
ابتسم وهو ينهض عن مقعده، واتجه نحو باب غرفته ينظر لسكرتيرته التي نهضت على الفور من فوق مقعدها.
"أحمد: اتنين قهوة مظبوط يا داليا."
عاد للغرفة، فنظر لها وهي تتخلى عن سترتها وقد ظهر قميصها الملتصق بجسدها، وأظهر تفاصيلها بسخاء. تنحنح مطرقاً رأسه يعود لجديته متمتماً.
"أحمد: مقولتيش وجهت نظرك في التعديلات اللي تمت في الطريق الداخلي للكمبوند السكني."
ابتسمت وهي تهوي بجسدها فوق المقعد، بعدما رتبت خصلاتها.
"فريدة: أنا بستفاد من خبراتك وارائك يا بشمهندس، ومدام أنت شايف إن التعديل هيخدم الكمبوند أكتر، تمام."
أعجبه ردها، فتقدم نحوها يسألها مترقباً جوابها.
"أحمد: يعني مزعلتيش لما عدلت على ارائك."
أعطته الإجابة التي أرادها بحركة رأسها. فوقف يرمقها للحظات، متعجباً منها. ثم أخذ يُقيمها بنظرات تفهمها ولكن رنين هاتفه جعله يُدرك حماقة نظراته. اتجه نحو سطح مكتبه والتقط هاتفه. فارتبكت بشدة بعدما أعطاها ظهره. فيجب عليها ألا تكون بلهاء لتلك الدرجة. فرجل مثله لا ينبغي أن تفرض نفسها عليه. وبحكمة كانت تُخاطب حالها.
"فريدة: كل حاجة بنوصل ليها بالعقل يا فريدة."
فاقت من شرودها وقد انتبهت على حديثه، وعلى ما يبدو إنه يعتذر لأحد وقد نسي موعده معه.
"أحمد: اسف يارامي بجد نسيت ميعادنا، لو قريب من الشركة عدي عليا."
ثم أردف بعدما استمع للطرف الآخر.
"أحمد: تمام مستنيك."
أنهى حديثه ونظر نحوها، فنهضت عن مقعدها والتقطت سترتها متمتمة.
"فريدة: بيتهيألي إنك مبقتش محتاجني حالياً."
وقبل أن يهتف بشيء كانت سكرتيرته تدلف بفنجاني القهوة.
"داليا: اشربي قهوتك الأول، رامي لسه قدامه نص ساعة على ما يكون هنا."
"أحمد: ديما بتفهم في أصول الضيافة وخصوصاً معاملة الليدز الحلوين.. يا بشمهندس."
انتبهوا على صوت "عامر"، الذي دلّف الغرفة للتو. فطالع "أحمد" شقيقه متنهداً بضيق من عبارته الأخيرة. تجاهله "عامر" مبتسماً وهو يقترب من "فريدة" يُصافحها، متسائلاً على حال والدها.
"عامر: أخبار محسن بيه إيه."
"فريدة: تمام يا عامر بيه."
وأردفت مازحة، تُلطف من وجودها قليلاً بينهم، تحت نظرات "أحمد" الجامدة.
"فريدة: بيتهيألي كنتوا مع بعض امبارح في النادي الرياضي."
ابتسم "عامر" وهو يمسح فوق جسده.
"عامر: فعلاً، أنا ومحسن بيه محتاجين نرجع لشبابنا تاني."
بدلته "فريدة" الضحك على حديثه، ولكن "أحمد" لم يُعقب على شيء من سخافة حديث شقيقه. فهو يعلم ما يسعى إليه عامر.
"عامر: خلوني أنا كمان أطلب من داليا قهوتي، واشربها معاكم.. ونتناقش شوية في المشروع ولا وجودي مش مناسب حالياً."
لم يتحمل "أحمد" مراوغة شقيقه. ولكنه تمالك حاله متمتماً بحنق تحت نظرات "فريدة" العالقة بتلك الحرب الدائرة بينهم.
"أحمد: هطلب من داليا قهوتك، بس معنديش وقت أكتر من نص ساعة وبعدها مضطر أستأذن منكم."
فابتسم "عامر" وهو يستمع لحديثه، وسرعان ما قطب جبينه متذكراً وكأنه قد نسي الأمر.
"عامر: اوه، لا أنا اللي مضطر أسيبكم وأشرب قهوتي في مكتبي.. لأن عندي اجتماع مهم."
وانصرف "عامر" والابتسامة تحتل ملامحه. فعلى ما يبدو أن "فريدة" لن تترك شقيقه إلا بعدما تسقطه في غرامها. وسيكون أكثر من مرحب بالأمر. فلم تخفِ عنه تلك النظرات التي ترمق بها شقيقه الأصغر.
جلست بينهم تتناول طعامها بمرارة أصبحت مذاق لكل شيء بحياتها. فرمقتها عمتها "السيدة صافية" بحزن على حالها. وبنبرة حنونة تمتمت.
"صافية: تسلم ايدك يا صفا ياحبيبتي."
هتف زوج عمتها هو الآخر بصوت حنون.
"صابر: ربنا يبارك فيكي يابنتي."
ابتسمت "صفا" إليهم وقد علقت الدموع بعينيها ولكنها تمالكت حالها أمامهم.
"صفا: بقيتي شايلة مسؤولية البيت عننا."
وضمت نح صدرها وبحنان تتابع حديثها.
"صافية: متجيش على نفسك عشانا ولا عشان تشيلي عن الزفتة اللي عمالة تاكل من الصبح، ومعندهاش دم."
اتسعت عيني "جنة" ذهولاً بعد عبارة والدتها.
فرفعت وجهها عن طبقها تحدق بوالدتها، تُشير نحو حالها.
"جنة: ليه كده يا صافية يا غالية، ده أنا غلبانة وجعانه."
أجابتها صافية حانقة، بعدما نظرت نحو "صفا" التي أخفضت عيناها عنهم، حتى لا ينتبهوا على دموعها الحبيسة.
"صافية: ساعدي بنت خالك، وحجتك كلها كام شهر وهنخلص منها، لا في جامعة ولا في مذاكرة."
وأردفت متوعدة.
"صافية: وهطلعه عليكي في شغل البيت."
"جنة: ايد على ايد بتساعد يا ست الكل، ولا انتي إيه رأيك."
أرادت أن تمازح قليلاً، حتى تُشاركهم "صفا" في حديثهم. ولكن "صفا" كانت منعزلة عنهم بلحظات كانت تعيشها من قبل.
"صافية: أنا وابوكي تعبانين في شغل المزرعة، وكل ده عشان منخليكيش محتاجة لحاجة يابنت بطني."
وفردت "صافية" كفيها، حتى تريها كم أصبحت كفوفها خشنة من شدة التشقق. فنظرت جنة إليها، بعدما تمالكت غصتها. فاعمال المزرعة والفلاحة لم تعد تناسب والديها في عمرهم هذا. ولكنهم يتحملون كل شيء من أجلها. فاسرعت في التقاط كفوفها تقبلهما هاتفة.
"جنة: ربنا يديكي الصحة يا ماما، واتخرج وأشتغل ومخليكيش انتي وبابا تحتاجوا لحد."
كان "صابر" صامتاً لا يشاركهم الحديث. فعيناه كانت عالقة نحو تلك اليتيمة التي أخذت تقضم شفتيها وتقطب جفنيها بقوة حتى لا تنساب دموعها أمامهم. وتُفقديهم لحظات سعادتهم بأحزانها. وعندما رأى "صابر" تلك الدمعة التي فرت من جفنيها. أسرع متمتماً، يُغير الحديث الذي طال بين زوجته وابنته.
"صابر: انا عارف إنك بتحبي القصب ياصفا يابنتي، يلا تعالي نقعد قدام باب البيت.. نتسلى لحد أما جنة وعمتك يخلصوا خناق ويعملونا الشاي."
انتبهت "صفا" على حديثه، فاسرعت في مسح دمعتها، وقد فرت منها دون قصد. ومن نظرته إليها علمت إنه قد رأى دموعها. نهضت عن الطاولة تتجاوز غصتها متمتمة.
"صفا: قصب!"
فابتسم "صابر" بشفقة، وهو يراها كيف تحاول أن تظهر سعادتهم إليهم. اتجه نحو البساط القديم يلتقطه من مكانه، ثم اتجه نحو باب الدار يبسطه أمامه. يُذكرها بطفولتها.
"صابر: من وانتي طفلة صغيرة بتحبي."
فتعالى صوت جنة من خلفهم بعدما نهضت هي الأخرى بحماس من جوار والدتها التي ذهبت لتصنع لهم الشاي.
"جنة: انا جيت عشان اقشره ليها زي زمان، ما اصل انا بحب ادلع صفا هانم."
وبكلمات بسيطة كانت السعادة ترتسم فوق شفتي "صفا". ورغم الألم الذي أصبح رفيقها إلا أنها تذكرت تلك الأيام من طفولتها. وقد كانت تأتي لهنا مع والديها حتى يقضوا بضعة أيام من العطلة الصيفية.
وقفت "السيدة حنان"، تلك الخادمة التي عملت في هذا المنزل لسنوات، تفرك كلتا يديها وتطرق رأسها خجلاً مما جاءت من أجله لتُخبر سيدها. انتظر "عامر" سماعها بعدما ترك العقود التي كان يُطالعها.
"حنان: عامر بيه! أنا مش عارفة أقول إيه لحضرتك."
فتأكد "عامر" من وجود شيء، فأشار إليها بمواصلة حديثها. وهو يخشى أن تكون والدته بها شيء ما.
"حنان: أنا مضطرة أسيب الشغل، عشان، عشان."
تمتمت عبارتها بتعلثم، ثم ابتلعت باقية حديثها في استحياء.
فرمقها "عامر" وقد ضجر من انتظار سماع ما ترغب، فزفر أنفاسه متمتماً بجمود.
"عامر: عشان إيه ياحنان؟"
"حنان: أنا هتجوز يا بيه، وجوزي رافض إني أشتغل في البيوت حتى لو هكون مرافقة للهانم الكبيرة."
وأردفت بتوتر، تُخبره إنها ستظل في عملها لمدة ما، حتى يتمكن إيجاد مرافقة غيرها.
"حنان: فاضل لسه وقت على جوازي يا بيه، لكن حبيت أبلغك من دلوقتي."
طالعها ينتظر معرفة تلك المدة التي ستظل بها معهم، فاسرعت في إخباره.
"حنان: قدامي شهرين يا بيه!"
فتنهد "عامر" بعدما هتفت عبارتها أخيراً، ونهض عن مقعده. خلف مكتبه بوقار وهالة من الهيبة. جعلت الواقفة تتراجع للخلف.
لم يتقدم منها بل اتجه نحو شرفة مكتبه الضخمة، يُطالع المساحة الواسعة الواضحة للأعين. دس سيجارته بين شفتيه ثم نفث دخانها ببطء. فعادت الواقفة تطرق رأسها. تنتظر أوامره. وبعد لحظات من السكون خرج صوته وهو مازال على وقفته دون أن يلتف إليها.
"عامر: تكلفة جوازك هتكون هدية مني لخدمتك الطيبة لأمي، وده بعيد عن مكافئتك لنهاية الخدمة ياحنان."
تهللت أسارير حنان غير مصدقة ما تسمعه من كرم سيدها، ثم اسرعت في الهتاف بخجل.
"حنان: والله ياعامر بيه، أنا بحب الهانم الكبيرة أوي، ويعز عليا فراقها، لكن على عيني والله أسيبها."
وعادت تطرق برأسها مجدداً، تتابع حديثها وقد التف عامر نحوها. فرأى نظراتها الخجلة المرتبكة.
فاكملت حنان والسعادة تملأ ملامحها، وهي تتذكر الرجل الذي ستترك عملها من أجله وتشاركه حياته.
"حنان: بس سعد راجل طيب ومناسب عمره ليا، الأمان بوجود راجل يخاف على الواحدة مننا ويحبها بالدنيا يابيه!"
وبرغم إنه لا يستلطف تلك الكلمات، إلا إنه ابتسم على حديثها بعدما رأى صدق المشاعر التي تتحدث بها خادمته البسيطة. تغللت الكلمات داخل قلبه. الذي لا يؤمن بالحب وتضحيات النساء من أجله. ولكن سرعان ما تلاشى كل شيء داخله. متمتماً بعدما عاد لمقعده.
"عامر: مبروك ياحنان!"
اشتدّ هطول الأمطار، وسقطت قطراتها بغزارة وصوت الرياح أخذ يتعالى حولها. فاصابت قلبها تلك الرجفة، فشدت من ضمها لجسدها أكثر. وقد جلست على إحدى الحجارة الضخمة أمام منزل عمتها.
ارتجف جسدها بشدة بعدما أصبح مبتلاً والمياه تتقطر من ثيابها. أحاطت جسدها بذراعيها، لعلها تمنحه الأمن قبل الدفء الذي غادره من شدة البرودة. انسابت دموعها بغزارة كحال هطول الأمطار التي تتدافق فوقها. أرادت الصراخ ولكنها لم تستطع، فكورت كفيها وقد ارتعدت شفتيها كحال جسدها.
اتسعت عيني "جنة" فزعاً وقد وقفت على أعتاب باب المنزل تنظر إليها في صدمة. ثم اسرعت إليها تسألها بذعر.
"جنة: صفا، صفا إيه اللي بتعمليه في نفسك ده بس."
وجثوت على ركبتيها أمامها وقد تشبع جسدها أيضاً بماء المطر المتدفقة بقوة هذه الليلة.
"صفا: ليه سابوني يا جنة لوحدي، ليه مامتش معاهم قوليلي ليه."
هتفت بها وقد أخذ جسدها يرتعش، طالعتها "جنة" تُشاركها ألمها. ثم ضمتها إليها بقوة لعلها تمنحها الدفء.
"جنة: اصرخي يا صفا طلعي اللي جواكي كله، متموتيش نفسك بالبطيء."
"صفا: أنا انكسرت يا جنة، أنا دُقت فعلاً مرارة الدنيا وشوفت قلبتها في غمضة عين."
نهضت من فوق الحجر بعدما أزاحت ذراعي جنة عنها. وسارت بضعة خطوات ثم رفعت ذراعيها عالياً. وهي تُحدق في هطول الأمطار التي ازداد انسيابها بغزارة. وقد شاركها صوت الرعد بنوره القوي في صراخها.
"صفا: ليه، ليه مروحش معاهم وسبوني لوحدي أموت كل يوم."
ارتخت ساقيها بعدما لم تعد تشعر بهما، فسقطت على ركبتيها وهي واضعة بيدها فوق صدرها من شدة حرقتها، متمتمة بإيمان قد قُذف في قلبها.
"صفا: اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به."
وظلت تردد الدعاء حتى وجدت جنة تضمها إليها مجدداً. ثم ساعدتها على الوقوف والدخول نحو المنزل.
رواية سطور عانقها القلب الفصل الخامس 5 - بقلم سهام صادق
الفصل الخامس
تنهد بأرهاق بعدما فرك عينيه ثم أخذ يدلك عنقه أرتخي بجسده قليلا حتي يمنحه الأسترخاء ويعود لعالمه بين السطور التقط قلمه مجددا وعاد يكمل كتابة سطوره التي تحكي عن الاحلام الضائعة وحكايات الحب التي تنتهي بعدما نذوق من كاسته جرعات العشق , ومن ثم تصيبنا الخيبة ولكن اليوم الكلمات ټخونه وكأنها تحالفت مع قلبه فلم يستطيع تكملة سطوره اخذ يزفر أنفاسه بزفرات متتالية طالبا الراحه من عقله وها هي الذكريات تخترق حصونه والسنين تعود به لأيام مضت وانتهي هو معها
فلاش بك
وقفت السيارة امام البوابة الضخمه لمزرعة عائلة السيوفي ركض الحارس يفتح الباب مرحبا بسيده ثم رمق تلك التي تجاوره وقد أصبح يعلم بهويتها وملازمتها لسيده الصغير كلما أتي لهنا وقد أعتاد علي وجودها مع سيده الصغيرمنذ عام
نورت يا احمد بيه
دلف "احمد" بسيارته نحو الداخل والجالسة جواره تفرك يديها في توتر كحال كل مرة تأتي فيها إلي هنا توقف بالسيارة أمام المنزل يطالعها بابتسامه سعيدة
مالك يا حببتي
طالعته "مها" بقلق تنظر حولها في المكان
بحس أننا بنسرق يا احمد هنفضل كده لحد أمتي
تنهد أسفا علي ما يجعلها تعيشه ولكن والده وشقيقه يرفضون تلك الزيجة وهو لم يريد إلا وضعهم أمام الأمر الواقع
أنتي عارفه يا حببتي لولا الأزمة القلبية كان زماني بلغته بجوازنا
اطرقت عينيها في حزن فهي تدرك تماما إنها ليست من عائلة مشرفة اسرع في التقاط كفها بعدما شعر بحزنها الذي ارتسم فوق ملامحها ثم رفعه نحو شفتيه يلثمه في عشق
اوعدك أول ما حالته تتحسن مش هستني لحظه واحده يا حببتي
واجتذبها إليه يضمه نحو صدره في عشق أخترق حصونه منذ أن رائها , مثل الفراشة حرة طليقة في نادي الفروسية عندما كانت تشجع شقيق صديقتها وقد داعتها لحضور أحد السباقات
تنحنح الحارس عندما اقترب من السياره حتي يسأل سيده عما يريده منه قبل أن يعود لغفوته ابتعدت عن أحضانه وقد اشاحت عينيها بعيدا عن نظرات الحارس
ترجلوا من السيارة وسبقته نحو الداخل وقد عاد الخۏف يدب في أوصالها هي تعلم إنها زوجته بعقد رسمي وقد زوجها له والدها بعد أخذ المال الذي يريده منه حتي يوافق علي تلك الزيجة وبالشروط التي يضعها "احمد" ولم يكن الشرط إلا أن يكون الزواج في السر حتي يصرح هو بالأمر لعائلته
كل حاجة زي ما طلبت مني يا أحمد بيه خليت أم حسن تنضف البيت
هتف الحارس بما فعله لأجل سيده فدس "احمد" يده داخل جزدانه يخرج له المال تهللت أسارير الرجل وهو يري الورقيات التي تدل علي مبلغ ضخم شكره منصرفا وهو يشير بيده نحو عينيه يخبره بأن كل شئ سيكون تحت حراسته وإذا حدث أمر طارئ وجاء السيد "عامر" للمزرعة سيخبره علي الفور
اسرع " احمد" في الدلوف للمنزل بتوق شديد واقترب منها يطوق خصرها بذراعيه ويجتذبها نحو صدره
وحشتيني أوي يا مها مبقتش قادر ابعد عنك ولا انام من غيرك
أستمع لصوت تنهيداتها فلفها إليه ينظر لعينيها
صدقيني الوضع ده مش هيستمر كتير
بزعل علي نفسي اوي يا احمد وأنا بشوفك وسط الكل والنظرات بتحاوطك وأنا مش قادرة أقرب منك كل حاجة لازم نعملها بحساب
واردفت متحسرة علي حالها وابتعدت عنه
عشان محدش يوصل أخبارنا لوالدك
ده وضع مؤقت يا مها صدقيني
هتف عبارته بضيق من ضعفه أمام والده وشقيقه ولكنه لا يريد خسارة والده ويعيش عمره كله متحسرا عليه لو كان سبب في فقده
وعندما رأت قلة الحيلة التي احتلت عينيه وابتعاده عنه تقدمت منه تسأله
تحب أحضرلك العشا
عاد يلتف إليها وقد عادت السعاده لعينيه وهو يومئ لها برأسه متحمسا
ياريت أنا جعان جدا
وجذبها إليه يلتقط قبلة غامزا لها بشقاوة لا تكون إلا معها
ۏجعان لحاجات كتير تانيه
خجلت من تصريحه الذي فهمته فاسرعت نحو المطبخ الذي تعرف مكان وجوده تماما
اتبعها حتي يعاونه في تحضير وجبة سريعة اعدوها سويا في حماس وضحكات ومداعبات "احمد" إليها مع تذمرها وخجلها الذي يزيده توق لها
تناولوا وجبتهم فمسحت شفتيها تنظر إليه
اعملك قهوتك
ولكنه كان يريد مذاق شئ أخر ولم يعد يستطيع الانتظار حملها بين ذراعيه يصعد الدرجات نحو الغرفة التي شهدت علي أول لقاء لهم أمتلكها فيه هامسا
بحبك
عانقت عانقه دافنه وجهها في عنقه وصوتها الهامس يخترق أذنيه
بحبك
أنت لسا سهران يا احمد
هتف "عامر" بعدما دلف غرفة شقيقه بعد أن رأي إضاءتها طالعه "احمد" في شرود قبل أن ينهض عن مقعده ويفيق علي حاله
سهران شويه يا عامر
رمقه "عامر" في شك فشقيقه لا يكون بتلك الحاله إلا إذا تذكر الماضي يشفق عليه ويشعر بالندم لأنه وقف في طريق سعادته مع والده ولكن ما حدث قد حدث في الماضي ولم يعد هناك وقت للندم
اقترب "عامر" من مكتبه يلتقط الأوراق التي يدون بها عمله الجديد متسائلا
هتنشر عمل جديد ليك
اماء "احمد" برأسه واتجه نحوخ يلتقط منه الأوراق متمتما
بدل ما تبدء تقرا واسمع منك انتقدات كتيره
صدحت ضحكة "عامر" عاليا رابت فوق كتفه
ما أنت عارف يا أحمد أنا راجل عملي بحت لا بفهم في الكتب ولا الحب
واتجه نحو باب الغرفة هاتفا
تصبح علي الخير
عامر ياريت تروح تطمن علي ماما بدل ما أنت بتعرف أخبارها من الخدم او تروح أوضتها نص الليل أنسي يا عامر
توقف "عامر" مكانه بعدما قبض فوق مقبض الباب وقد ارتسم الجمود فوق ملامحه التف ببطئ نحو شقيقه ثم انصرف مغادرا غرفته
فتحت "صفا" ذلك الكتاب الذي جلبته إليها "جنه" بدأت في قراءة أول سطورها ثم توقفت بعدما شعرت بشئ يجثم فوق روحها اغلقت الكتاب وقد اغمضت عينيها فلم تعد تهوي شئ بالحياة حتي أكثر الأشياء قربا لقلبها
وضعت الكتاب جانبا فما الذي ستحتاجه من الكتب وقد اصبح فؤادها خالي لا يري الحياة إلا صفحة باهتة اللون تسطحت جوار "جنه" الغافية في أحلامها السعيدة ثم احكمت وضع الغطاء فوقهم تنظر نحو سقف الغرفة لعلها تغفو دون التفكير في شئ ولكن النوم كالعادة ابي أن يصاحب جفنيها هذه الليلة اخذت تتمايل فوق الفراش تحاول أن تعيش داخل الذكريات السعيدة ولكن الذكريات ما كانت إلا لتصيبها بالحزن تنهدت بضجر ونهضت من فوق الفراش تطالع "جنه " التي شعرت بها ونهضت تفرك عينيها متسائله
مالك يا جنه فيكي حاجة
حاولت الاعتدال لرؤيتها بوضوح ولكن "صفا" اسرعت في النهوض متمتما حتي لا تقلقها
متقلقيش يا جنه انا بس مش جايلي نوم هروح المطبخ أشرب وراجعه
اعتدلت "جنه" في رقدتها محذره لها باصبعها
اوعي تخرج بره البيت الدنيا برد
فابتسمت "صفا" بعدما التقطت شالها الصوفي الذي صنعته لها عمتها
هروح اشرب ياجنه متقلقيش
يعني هتشتغل شغل اضافي ياصابر
فتنهد صابر بتعب وهو ينظر نحوها اعمل ايه يا ام جنه الحياه بقيت غاليه والحمل زاد مش عايزين نقصر مع بنت اخوكي في حاجه
انتاب "صافيه" الحزن علي حال زوجها فمن يصدق أن "صابر" ذو الأصول العريقة من أهل الصعيد يعيش حياة كهذه
سامحني يا اخويا أنا السبب في عيشتك ديه
طالعها "صابر" بلهفة بعدما رأي الحزن أرتسم فوق ملامحها يجذبها إليه
لو رجع بيا الزمن تاني هتجوزك برضوه يا صافية وهسيب كل حاجه
عشانك
انسابت دموع "صافية" علي حب رجلا مثله كان نصيبها من الدنيا
ربنا يجعل يومي قبل يومك
اوعي تقولي كده يا صافيه ده أنا اللي ربنا يجعل يومي قبل يومك
هتف عبارته وهو لا يتخيل أن يعيش لحظه من دونها التقطت كفيه وضمتهما بين كفيها
هنفضل مع بعض علي المره قبل الحلوه
ابتسم وهو يتذكر تلك العبارة التي أخبرها بها بعد أن ترك عائلتها وعاد إليها حتي يتزوجها من شقيقها "حسن "
ياا يا صافيه لسا فاكره كل كلمه
وبعشق حفر جذوره في قلبها منذ أن كانت أبنة السابع عشرة هتفت وقد تعلقت عيناها بعينيه
عمري ما نسيت أي كلمه يا صابر
غمرها بين ذراعيه حتي عاد الدفئ إليها ونسيت تلك الهموم التي ثقلت عليهم
حسن وحشني أوي يا صابر
التمعت عيناه بالحزن كحالها علي صديق كان ونعم الأخ في حياته
حد يصدق ان ده يحصل
عاد قلبها يؤلمها علي حال ابنة شقيقها التي انعدمت الحياة في عينيها واصبحت بلا روح بينهم
ربنا يقدرنا علي شيلتها يا صابر لحد ما نجوزها لابن الحلال اللي يصونها ونطمن عليها ديه أمانة حسن لينا
فتنهد صابر وهو يتذكر "حسن وفاطمه" بقلب حزين
ما انا شايل هم اليوم ده مش عارف لو حد اتقدملها هقوله ايه واجهزها ازاي
واردف بعدما تذكر أمنيتهما
حسن وفاطمه مش هيرتاحوا في تربتهم غير لما يشوفوها سعيده في حياتها ومع راجل يصونها عشان كده يا ام جنه اي حاجه تجبيها لجنه تجيبي زيها لصفا في الجهاز واه نجهزهم من الشغل الاضافي اللي هشتغله في المزرعه
أنت برضوه مصمم عليه يا صابر أنا خاېفه علي صحتك يا اخويا
ربك بيعين يا صافية
ابتسمت بحب علي رضي زوجها وكلماته الطيبه فهتف بعدما تذكر شيئا لما يخبرها به وقد اعتاد علي أخبارها بكل شئ
نسيت اقولك مش حنان بنت شلبي هتتجوز وهتسيب الخدمه في قصر السيوفي في مصر وهترجع البلد والبيه الكبير أكيد هيعوز واحده بدالها للهانم الكبيرة
تهللت اسارير "صافيه" بعدما استمعت إليه فهل أتي الڤرج إليهم بهذه السرعة وسرعان ما هتفت بسعادة بعد أن خطرت ببالها فكرة لتحسين وضعهم لما لا تكون هي البديلة عن حنان فعملها في منزل السيد الكبير بالقاهرة ما هي إلا فرصة إليهم لتحسين دخلهم
ايه رأيك اروح انا يا صابر بدل الشغل في المزرعه ديه حنان كانت بتقولي انها بس مرفقه للست هانم وبتاخد فلوس حلوه
احتقنت ملامح "صابر" وهو يستمع لاقتراحها وقد طعڼة عباراتها رجولته ولولا حاجتهم لزيادة مصدر دخلهم بعدما التحقت أبنتهم بكلية الصيدلة منذ أربعة أعوام وقد ثقلت عليهم متطلبات الحياة ما كان وافق مرغما أن تعمل معه في المزرعة التي يعمل بها
لولا الحاجه وقلة الحيله عمري ما كنت هنتك وخليتك تشتغلي واقفلي علي الموضوع ده يا صافية
فاسرعت "صافية" في أمتصاص حنقه بعدما أغضبته كلماتها, تهتف بندم تبرر له سبب تفكيرها بالأمر دون قصد منها
خلاص يا صابر متزعلش مني انا بس قولت الفلوس هناك اكتر واه نعرف نجهز صفا وجنه جهاز كويس اهم حاجة متزعلش مني يا اخويا وتسامحني
تنهد "صابر" مرهقا بعدما أرهقه الحديث
طيب نامي يا صافية عشان اشغالنا بكره
نهضت "صافية" عن الفراش واتجهت نحو إضاءة الغرفة تطفئ نورها
ارتعشت يدين صفا وقد أنسابت دموعها فقد اصبحت عبأ ثقيلا علي أسرة عمتها وزادتهم هما فوق همهم وهي أكثر الناس علما بحالهم
صفا انا لازم ادور علي شغل حتي لو هضطر أخدم في بيت البيه اللي كانوا بيتكلموا عنه
شغل إيه اللي خرجتي تدوري عليهم يا صفا
تسألت عمتها بعدما عادت في الظهيرة من المزرعة التي تعمل مرهقة فلم تجدها بالمنزل وعندما همت بالخروج للبحث عنها وجدتها قادمة نحوها
ارجوكي يا حببتي خليني اشتغل
اقتربت "صافيه" منها وقد ارتسم فوق ملامحها الحزن وقلة الحيله
انتي نفسك في حاجة يا بنتي قوليلي أجبهالك صدقيني مش هتأخر عليكي
وسقطت دموعها وهي تتذكر شقيقها
عايزه حسن يزعل مني يا صفا
اسرعت "صفا" نحوها وضمتها إليها تشاركها في بكائها
أنا محتاجة أخرج من البيت يا عمتي يمكن أنسي شويه انا مش عايزه اشتغل عشان الفلوس انتوا مش مخليني محتاجه حاجة
هكذا صنعت كذبتها حتي لا تشعر عمتها بقلة الحيلة وفقرها ولكن يجب عليها العمل حتي تصرف علي حالها فلن تظل عالقة برقبتهم طيلة العمر
لا يا صفا ده أنتي مهندسة يا بنتي عايزه أزاي تقفي في محل هدوم
الشغل مش عيب يا عمتي وانتي عارفه حال البلد هنا شغلها علي قدها ولازم تروحي المدينة وبرضوه مافيش شغل
واردفت متحسرة علي السنوات الماضيه بعد تخرجها مباشرة من الجامعه وكان عليها البحث عن وظيفه مهما كانت صعوبتها ولكن تركت حالها لحياة الدلال جانب والديها فما هذا الذي يجبرها علي أن تتحمل اعباء العمل وصفاقة أصحابه ولكن اليوم علمت أن الظروف تجبرنا من اجل لقمة العيش
متحوليش تقنعيني يا صفا عمك صابر عمره ما هيرضي يا بنتي
"والسيد صابر" لم يكن حديثه مختلفا عن عمتها ولكن مع إصرارها وإلحاحها أخبرها أنه سيرها لها عملا في المزرعة يليق بمكانتها كمشرفة للعمال أو في الحسابات
ابتسمت وهي تستمع لأقتراحه فأي شئ هي راضيه به حتي لو ذهبت لمنزل ذلك السيد وعملت به كما سمعت من حديث عمتها وزوجها ليلة أمس
دلفت الغرفة التي تقيم بها مع "جنه" التي لم تعد إلي الأن من محاضراتها
انسحب "صابر" نحو غرفته تتبعه "صافيه" وقد طالعها بنظرة قد فهمتها
لا مش معقول تكون سمعتنا ليلة أمبارح يا صابر
البنت مصممه علي الشغل يا صافيه ديه بقالها شهور معانا اشمعنا النهارده خرجت تدور علي شغل
اتجهت "صافية" فوق الفراش المتهالك بعض الشئ وقد أتي عليه الزمن تخفض رأسها وقد اصاب الهم قلبها
هنبهدل بنت حسن يا صابر اخويا مش هيرتاح في تربته
جوارها "صابر" رابتا فوق كتفها
خليها تجرب يا صافيه يمكن خروجها ينسيها شويه واحنا مش هنعيش ليهم طول العمر
اقتنعت بحديثه بعض الشئ وتسألت
وتفتكر فتحي هيوافق يشوفلها شغل ما أنت عارفه مطلع عنينا في الأرض
هحاول معاه يا صافيه صفا معاها شهادة ماشاء الله عليها وانا سمعت منه بيدور علي حد يمسك الحسابات
واردف بعدما مسح فوق جبينه
بس أنتي اعمليلي كام فطيرة حلوين وادبحي دكرين بط ما أنتي عارفه فتحي
وقف داخل غرفتها وهو يعرف إنها مستيقظة توقف في سكون ينظر إليها ولكن هي كانت تشعر بها من رائحته التي عبأت رئتيها إنها تشتاق له تشتاق لأول فرحتها , لاول من سمعت اسمها من شفتيه ابنها البكر الذي يشبه والده في كل شئ حتي في قسوته تعلم بخطأها ولكان الزمن قد عاقبها فلم لا يرحمها ويغفر لها ذلتها
التمعت الدموع في عينيها وابتسمت وهي تهتف باسمه
ناهد انت هنا ياعامر صح انا شامه ريحتك ياحبيبي وبحس بوجودك
ابتلع "عامر" تلك الغصه المريرة بحلقه فهو لا يعرف لما قلبه قاسې هكذا عليها ولا يسامح طالعها في صمت يتأمل تفاصيل وجهها وقد اخذ الزمن الكثير من جمالها واصبحت ذابلة
حاولت النهوض من فوق الفراش حتي تقترب منه وتتلمسه بيديها ولكن ساقيها قد خذلتها اسرع نحوها يمسك ذراعيها متسائلا بقلق
أنتي كويسه
ابتسمت وقد لمعت عيناها من السعادة رغم انطفاء
نورهما
أنا كويسه يا بني
رفعت كفها تلمس خده ولكنه كالعادة كان يحرمها مما تتمناه خفق قلبه بشوق ورغبة ملحة تخبره أن ينفض قسوته ويرتمي بحضنها ولكنه لم ينسي يوما رحيله وتخليها عنهم دون رحمه بحالهم
تمتم بحديث لم يأتي من اجله ولكنه كان الحل الأمثل ليتخلص من شعوره
حنان بعد شهرين هتمشي حبيت ابلغك في اي شروط عايزاها في المرافقه الجديده
عاد الحزن يرتسم فوق ملامحها تحرك رأسها إليه نافية استمعت لخطواته وهي يغادر فحاولت النهوض مجددا واتجهت نحوه بعدما التقطت عكازها الذي يرافقها
بقيت جافي عليا اووي ياعامر هتفضل لحد امتي تحملني الذنب
فاغمض عيناه وقد عاد الماضي ينهش قلبه وتدافقت الذكريات المريرة عليها وما عاشاه بعد هجرها لهم
الدنيا مش بتعلم بالساهل يا بني وانا لازم كنت أتعلم واتعلم اووي كمان بس صدقني انا ماليش ذنب ربنا بيسامح له مش قادر تسامحني
لم يتحمل سماع حديثها فصړخ وقد تملكه القهر فقد تخلت عنه هو وشقيقه من أجل حبها لرجلا أخر تخلت عن أطفالها من أجل رغباتها
يوم ما أحتاجك جانبه اتخليتي عنه اترجاكي تفضلي معاه في محنته بس للأسف اول كلمه قولتيهاله طلقني انا مش هقدر استحمل الفقر معاك , وڤضيحة أفلاسك
سنتين ألم وعذاب قضاهم علي ذكراكي وهو بيحاول يقف علي رجليه بيحاول يحبنا رغم أنه بيشوفك في عنينا خاېف لواحد فينا يطلع شبهك
سقطت دموعها فاقترب منها وقد ايقظت حقده
ناهد هانم طبعا تسكت لحد كده مينفعش رفعتي عليه قضيه نفقة عشان تخدي كل حقوقك وانتي عارفه ان الديون بقيت كتير وانه خسر كل فلوسه في صفقه طلع في الاخر عشيقك وصاحب عمره هو السبب في خسرته
صدحت ضحكته وقد تغللت المرارة في صوته
اتجوزتي صاحبه كنتوا متفقين تخسروه كل فلوسه
احتل الڠضب كيانه وخرج صوته المعذب يخترق قلبها الذي كان يوما لا يملئه حب النفس
عيشتي حياتك معاه ونسيتي ولادك عشان الحب
الحب العظيم اللي كنا بنتفرج عليه أنا واحمد في صوركم في المجلات
تسارعت انفاسه وهو يتذكر تلك اللحظات التي كنت تكسر فؤاده
يمكن قدرتي ترجعي حب احمد ليكي لكن أنا مبنساش
أراد أن يوجعها بالمزيد من الكلمات فمن باعت اولادها من اجله تركها بعدما لم تعد تصلح
اظن عملت اللي عليا زمان ورجعتك تعيشي في بيت الراجل اللي بيعتي عشان راجل تاني رماكي بعد ما
وقبل ان يكمل عبارته كانت تخبره هي بما يريده
بعد ما بقيت كفيفه صح مش هو ده اللي عايز تقوله يابني
وتحركت نحو صوته ثم اخذت تدور بجسدها تبحث عنه في الغرفة بعد أن وقف في ركن بعيدا عنها منزويا بالامه استمعت لصوت زفراته القويه فشعرت بما يعانيه فاصابها الحزن وتوغل في أعماق قلبها فكم كانت امرأه بشعة لا تستحق العيش
حفرتي القهر جو قلبي
ولاحت أبتسامة حزينه علي شفتيه يتابع حديثه وهو يري بؤسها ودموعها التي أغرقت خديها
حاولت أسامحك لكن معرفتش
واقترب منها يمنحها قربه أخيرا ثم أمسك كفيها المرتعشتين بۏجع بعدما رأي عكازها يسقط من يدها التقطه يضعه في يدها واتجه بها نحو الفراش يهتف بجمود مصطنع
تصبحي علي خير!
وسار بخطي سريعة نحو باب الغرفة يفتحه هاربا من مشاعره التف نحوها قبل أن يغادر ويمنحها ويمنح حاله العزله تأمل معالم وجهها الحزين وكاد أن يعود إليها إلا أن قسۏة قلبه قد غلبته , فغادر مغلقا الباب خلفه
خطي بخطوات سريعة متجها نحو غرفة مكتبه فكذا هو يهرب من مشاعره وسط أعماله وصفقاته أنكب فوق ملفاته ولكن تلك المرة لم يستطيع ان يهرب من ذكري اخري أقتحمت فؤاده , ليتذكر حبيبته التي فقدها بسبب الماضي المرسخ داخله
فضحك بعمق وهو يحادث نفسه انت فاكر نفسك انك حبيت اميره ياعامر انت مكنتش عايز غير حبها ليك وبس
وتذكر عبارتها الأخيرة إليه قبل رحيلها من حياته مرددا عبارتها بابتسامه ساخرة حب التملك
رواية سطور عانقها القلب الفصل السادس 6 - بقلم سهام صادق
حمل كل ما لذ وطاب من صنع يدي زوجته أملاً.
طالعه "فتحي"، ذلك الرجل ذو الشارب الضخم والملامح الغليظة. ينظر نحو ما يحمله فوق رأسه متسائلاً بعدما استمع لصوت الطيور التي يحملها فوق رأسه بالقفص، ثم البؤجة التي تفيح من داخلها رائحة لا يعلمها ولكنها شهية.
"ما تنزل يا صابر اللي على راسك، وخلينا نشوف."
ابتسم "صابر" عندما رآه، على وشك تقبل هديته، فتمنى داخله أن يكون "فتحي" كريماً معه ويمنحه مبتغاه.
"البط تربية أم جنه."
فلمعت عينين "فتحي" بجوع قد اقتحم معدته فجأة، رغم إنه منذ قليل قد أنهى وجبة دسمة.
"ولا الفطير، أم جنه عاملاه بالسمن البلدي."
ازدرد "فتحي" لعابه، ولكن معدته لم تتحمل رائحة الفطير الشهي، فسالت لعابه وهو يلتقط منه واحدة، يلتهمها في تلذذ.
"هو في فطير زي فطير أم جنه."
قهقه "صابر" مبتسماً وهو يراه يلتهم الفطيرة في قضمة واحدة، ثم توقف عن مضغها يصرخ بغفيرة.
"واد يافرج، هات لي كوباية شاي أبلع بها."
وقف "صابر" في مكانه يُطالعه، وينتظره حتى يُفرغ من تناول وجبته وكأس الشاي خاصته. كانت حرب طاحنة بين "فتحي" والطعام، الطعام الذي يعد عشقه أكثر من النساء.
ابتلع آخر رشفة من الشاي، ثم وقف يمسح يديه وشفتيه أخيراً وقد امتلأت معدته الجائعة دوماً، متسائلاً وهو يربت فوق كرشه.
"خير يا صابر."
وكأنه قد فهمه للتو، بعدما نال وجبته، وأخذ غفيره الطيور التي صدح صوتها بالمكان، راحلاً بها نحو منزله.
ارتبك "صابر" من نظرته وقد وقف قربه ينتظر سماعه.
"قول يا راجل متتكسفش، ده أنت غالي عندي."
ابتسم "صابر" ضاحكاً داخله على عبارته.
"صفا بنت المرحوم حسن أخو أم جنه.. محتاج ليها شغل."
وهنا قد تحول لطف "فتحي" سريعاً، بعدما استمع لطلبه.
"هو أنا فاتحها مكتب توظيف يا صابر."
وبإهانة كان يُخبره عن مكانته.
"ده أنت مجرد فلاح يا صابر، فاتح صدرك وجاي تطلب مني أشغل بنت أخو مراتك عشان بتسامر ماك في الكلام.. طيب يا راجل قولي أشغلها في الأرض.. لكن تمسك حسابات المزرعة.. لا ده أنت اتجننت يا صابر."
فابتلع "صابر" غصته، يهتف بنبرة مهزوزة.
"البنت مهندسة، تشتغل إزاي في الأرض."
عاد "فتحي" لمقعده، مفكراً في صمت، فهو ما زال يبحث عن أحد يساعده في حسابات المزرعة.
"البنت يتيمه، وهتكسب فيها ثواب."
اقتنع "فتحي" بعض الشيء، ثم هتف بتبجح.
"سمعت إنك بتربي خروفين عندك."
ومن عبارته، فهم ما أراد "فتحي".
***
ورغم الحزن الذي انتاب "صفا" على ما ضحى به زوج عمتها من أجلها، كانت تشارك "جنه" الضحك، غير مصدقين أفعال ذلك الرجل.
"خروف وفطير وبط.. تحسي إننا في فيلم أبيض وأسود."
تمتمت بها "صفا"، تنظر نحو "جنه" الغارقة في الضحك.
"من وأنا صغيرة مسمياه فتحي أبو كرش."
"مش عارفة هتستحملي الشغل مع راجل زيه إزاي يا صفا."
هتفت بها "جنه"، ثم أردفت ضاحكة بشدة وهي تتخيل "صفا" مثل "فتحي" في هيئته.
"أنا خايفة تبقي زيه، بكرش كبير وليل نهار في بقك السندوتش وفي إيدك كوباية الشاي."
دفعتها "صفا" بالحذاء، بعدما تخيلت حالها هي الأخرى نموذج من هذا الرجل.
"ونسألك رايحة فين يا صفا، رايحة الشغل.. جايه منين جايه من الشغل.. وانتي بتشربي معاه شاي بالنعناع وبتلموا البط والبيض من العمال.. عشان متخصموش منهم."
اندفعت "صفا" صوبها بعدما وجدتها مستمرة في مزاحها وكأنها قد وجدت فرصتها اليوم.
"بقي أنا أعمل كده، ماشي يا جنه."
غرقت كلتاهما في مزاحهما، حتى سقطوا فوق ظهورهم، يتنفسون بصعوبة من شدة الضحك.
ابتسمت "جنه" وهي ترى "صفا" تضحك أخيراً من قلبها، تنظر لسقف الغرفة متنهدة ثم أغلقت جفنيها، فاغمضت عينيها هي الأخرى تتمنى أن يكون القادم يحمل خيراً لهم.
***
رمقتها عمتها وهي تجلس جوارها، يشاهدون فيلماً طالما أحبته وضحكت في جميع مقاطعه، ولكن اليوم ابنة شقيقها ليست هي التي اعتادت عليها.
مسدت ذراعها بحنو متسائلة بعدما أصابها القلق عليها.
"مالك يا فريدة."
زفرت "فريدة" أنفاسها بحيرة، وهي تُشيح عيناها عن شاشة التلفاز، تُطالع نظرات عمتها نحوها.
"مبقتش عارفة ولا فاهمه حاجة."
أردفت بيأس قد تملك قلبها وهي تتذكر نظراته التي ترى فيها وميض من الإعجاب يُخفيه سريعاً عنها، وأحياناً بروداً كالصقيع لا تتحمله، يشعرها بأنها تجري وراء رجل لن يمنحها قلبه يوماً.
ضمّتها عمتها إليها مشفقة عليها، فما حظ صغيرتها هكذا.
"يا حبيبتي، الحب مش بيجي بالسهولة اللي إنتي فكراها."
"بس أنا حبيته من أول مرة شوفته فيها يا عمتو."
تمتمت بها "فريدة" وهي تدفن حالها بين ذراعي عمتها. ابتسمت عمتها وهي تستمع لعبارتها التي تحمل يأسها وضجرها.
"مش يمكن متكونيش حبتي، ويكون مجرد إعجاب بس."
انتفضت "فريدة" مبتعدة تنظر نحو عمتها بنظرات لائمه.
"لا يا عمتو، أنا متأكده من مشاعري.. بس ياريت هو يحس بحبي."
فالتقطت "كريمة" كفيها تمسح فوقهما وهي تتمنى أن يُحب هذا الشاب ابنة شقيقها.
"مدام في نظرات إعجاب منه، حتى لو بيحاول يداريها.. يبقي في أمل يا فريدة."
أردفت بعدما رأت السعادة لمعت في عينيها.
"حاولي تشاركيه كل حاجة بيحبها.. اهتمي بأدق تفاصيله.. الراجل لو مخترش الست بقلبه بيختارها بعقله يا بنتي."
"بس أنا عايزاه يحبني بقلبه، مش بعقله."
فرجت شفتي "كريمة" في ضحكة عالية، غير مصدقة أن التي تجلس جانبها هي "فريدة" التي كانت تتأفف حنقاً كلما أخبرتها عن أحد قد تقدم لخطبتها من والدها.
"بكرة لما يشوف حبك.. هيحبك يا فريدة."
***
إنه اليوم الأول لها في عملها. نظرت للمزرعة برهبة، واتبعت زوج عمتها بخطوات متربكة.
دلف "العم صابر" نحو غرفة متوسطة الحجم مشيراً إليها بأن تتبعه.
"جبت لك صفا، تعالي يا بنتي.. ده الأستاذ فتحي يا صفا."
هتف اسمه ملقباً له باحترام، بعدما طلب منه فتحي ألا ينطق اسمه مجرداً أمام موظفته الجديدة والفلاحين، فلو كان أحياناً يتركه ينطق اسمه هكذا فتقديراً لا أكثر لعمره.
قيمها "فتحي" بنظراته، فاطرقت "صفا" رأسها تنتظر أن تسمع كلمته الأخيرة بعد تقييمه لها.
وأخيراً نطق "فتحي".
"معنديش تهاون في الشغل، أنا هنا الكل في الكل."
رفعت عيناها نحوه بعدما استمعت لموافقته، متنهدة براحة، فلو لم تحصل على تلك الوظيفة، لكانت اندفعت نحو كرشه لتخرج ما تناوله من خروفهم المسكين.
"طبعاً يا أستاذ فتحي، صفا مش جاية تدلع، مش كده يا صفا."
طالعت زوج عمتها، ثم طالعت الواقف أمامها ومازال يتفرسها بنظراته.
"فين الدفاتر اللي هرجعها يا أستاذ فتحي."
ارتفع حاجبي "فتحي" وهو يستمع لعبارتها، فقد أظهرت جديتها من أول يوم، وهذا يبشر بالخير والراحة إليه.
أشار نحو طاولة صغيرة بمقعد، عليها كومة من الملفات متمتماً.
"الدفاتر عندك، وياريت تكوني بتفهمي كويس في الحسابات."
ورغم أنه لم يكن تخصصها، إلا إنها كانت بارعة وذكية، ولكن عيبها الوحيد الذي كانت تُخبرها به والدتها دوماً إنها كسولة غير طموحة إلا في أحلامها التي تظن إنها ستحصل عليها وهي جالسة فوق فراشها، ولكن ها هي الأحلام قد انتهت.
ودعها "العم صابر" داعياً لها بالتوفيق. فرمقها "فتحي" بجدية واهية لا تليق على رجل مثله.
"وريني شطارتك بقى."
لمع التحدي في عينيها وهي تتقدم نحو المقعد، تجلس عليها وتلتقط أول الدفاتر لتراجعها وعينان فتحي تترقبها.
***
توقف جوار "رامي" صديقه، في المعرض الفني الذي تمت دعوتهما إليه من قبل إحدى الصديقات. كان "أحمد" غارقاً في مطالعة كل لوحة بتدقيق وحس، يحلل غموضها لـ "رامي"، الذي بدأ يضجر من وجوده هنا. صحيح هو يحب مثل الدعوات ولكنه ليس كـ "أحمد" الذي يترك لوحة إلا وقيمها بأبعادها الهندسية.
"نفسي أفهم، إنت مبتزهقش.. ده كل لوحة بتقف قدامها بالنص ساعة."
تمتم "رامي" عبارته متأففًا، فرمقه "أحمد" وعلى وجهه ابتسامة تجعل من أمامه يزداد حنقاً، ثم رمق ساعته.
"اللوحة دي مأخدتش غير عشر دقايق."
وانتقل للوحة أخرى، فتنهد "رامي" بقوة.
"أنا هطلع برة أدخن سيجارة، تكون خلصت دراسة الأبعاد الهندسية والحس الفني يا بشمهندس."
ابتعد "رامي"، خطوتين، ثم عاد خطوتين مضيفاً إليه لقبه الآخر المجهول.
"ويا حضرت الكاتب العظيم."
ضحك "أحمد" رغماً عنه، ثم عاد لجديته متنحنحاً وأخذ يدقق في تفصيل اللوحة التي أمامه.
"مش معقول إنت هنا يا بشمهندس."
التفت "أحمد" نحو الصوت الذي يعرفه تماماً، فتقدمت منه "فريدة" تمد له يدها تُصافحه.
"فريدة!"
ابتسمت بعتاب، فرغم بعدها عن العمل لثلاثة أيام، حتى تعلم مكانتها بالنسبة إليه، إلا إنه لم يُفكر للحظة في مهاتفتها حتى لو كانت مكالمته عن العمل، ولكن "أحمد السيوفي" باتت تعرفه وتُدرك إنها الطرف الذي يركض حول تلك العلاقة.
"بقالي تلت أيام بعيدة عن الشغل، سألت محسن بيه عنك قالي إنك مريضة."
ارتفع حاجبها بذهول، فلم يُخبرها والدها عن الأمر.
"إرهاق وشوية برد."
"سلامتك."
مجرد كلمة نطقها، كانت تعيد الأمل إليها ثانية، وداخلها كانت تخبر حالها إنها ليست إلا حمقاء أمام هذا الرجل.
طالت نظراتها نحوه، وقد شعرت بالحرج وهي تراه يعود لمطالعة اللوحات، وبعد مدة من الصمت سألها.
"بتحبي اللوحات."
"بحب أي حاجة فيها فن."
التفت إليها ينظر في عينيها، بعدما أعطته الجواب. علقت عيناه بشفتيها وملامحها وهو يعرض عليها مرافقته الليلة لتناول العشاء.
"إيه رأيك نتعشا سوا النهاردة."
وبسعادة كانت تُعطيها جوابه، ضاربة بكل حديثها هذا الصباح مع عمتها عرض الحائط، بأنها ستريه "فريدة" أخرى قوية.
***
اللمعت عينين الواقفة بسعادة، بعدما تقدمت من موظف الاستقبال في ذلك الفندق الفخم الذي ستقيم فيه. وقد منحها ذلك الرجل الذي قضت برفقته يومين تُمتع بهم حالها تقديراً لمهامها في جعله ينال متعته.
"في أوضة محجوزة باسم ليلى إبراهيم."
هتفت بها ثم مضغت علكتها، بعدما حركت لسانها فوق شفتيها المطلية بأحمر شفاه صارخ.
"الشهيرة بـ لولا يا روحي."
طالعها الموظف، وكأنها لم يسمع عبارتها الأخيرة، وابتسم متمتماً.
"اتفضلي يا فندم، ضيافة سعيدة."
أعطاها مفتاح الغرفة، فنظرت بسعادة للمفتاح، ثم المكان حولها غير مصدقة إنها ستقضي ليلتين هنا تكون فيهما كالسائحات.
تحركت بضعة خطوات، بعدما حمل العامل حقيبتها وسار أمامها، فسارت خلفه بغنج، وعيناها تدور بالمكان، تُخبر حالها إن صيدها الجديد من الرجال الأثرياء أمره سهل هنا، هكذا حدثت نفسها وشجعتها حتى تنال صيدها، ولا تخرج من خالية الوفاض من هذا المكان. ولكن مهلاً، إنها ترى شخصاً تعرفه هنا، يسير على مقربة منها بخيلاء، وكأن لا أحد غيره بالمكان ويرافقه رجلاً آخر وقد تخطاه.
رفرف قلبها وهي تلتف بجسدها تنظر لهيئة جسده وذلك الوقار الذي يتمتع به، حالمة بليلة تقضيها بين ذراعيه، تُقسم داخلها إنها ستجعله يصل لأكثر درجة من الإنتشاء ولكن يعطيها فقط إشارة واحدة.
غادر الفندق تحت نظراتها، تُخاطب حالها بتنهيدة طويلة.
"الوصول ليك صعب يا باشا."
احتل اليأس معالم وجهها، ولكن سرعان ما اشتعل الأمل داخلها متمتمة.
"وفيها إيه لما تحاولي تاني يا لولا، ده إنتي لولا اللي محدش بيقدر يقاومها."
عادت بادراجها نحو موظف الاستقبال، وقد ضجر العامل الواقف، منتظراً لها، حتى يرشدها نحو غرفتها.
وبلباقة ورقة، كانت تأخذ بعض المعلومات من موظف الاستقبال عن "عامر السيوفي" بعدما أخبرته إنها على معرفة به.
وببضعة من الورقات المالية كانت تحصل على مساعدة حامل الحقائب، الذي اتفقت معه أن يخبرها بعودته.
التقطت أذنيها رنين الهاتف في لحظة، فنهضت على الفور من فوق فراشها بعدما كانت جالسة عليه تطلي أظافرها، أزالت مئزرها وقد ارتدته فوق فستانها العاري الذي يشبه ثياب النوم واندفعت نحو مرآتها تصفف شعرها بعجالة ثم نثرت عطرها بغزارة فوق ثوبها.
تأكدت من زينة وجهها وأحمر الشفاه الصارخ، ثم ألقت بنظرة سريعة على هيئتها مبتسمة بسعادة على أنوثتها الصارخة التي لا يُقاومها الرجال.
وبخطوات متوترة كانت تلتف حولها في خوف، وهي تطالع الممر الذي تسير فيه نحو جناحه الخاص، فبالتأكيد رجل مثل "عامر السيوفي" لن يكون مثل النزلاء كحالها ويقيم في غرفة عادية رغم الفخامة التي يتميز بها الفندق.
وبقلق مصحوب مع تسارع دقات قلبها، وقفت تطرق الباب منتظرة، تمللت في وقفتها وعادت تطرق الباب مجدداً إلى أن فتح الباب وهو يُجفف شعره دون أن ينظر للواقف وقد ظنه أحد موظفي خدمة الغرف.
"مش محتاج حاجة حالياً، وأتمنى محدش يزعجني."
وقبل أن يغلق الباب، دون أن يعرف هوية الواقف، كانت تُزيح ذراعه عن الباب وتدلف للداخل تهتف بدلال.
"كده برضوا يا باشا."
تجهمت ملامح "عامر" وهو يرى الواقفة أمامه، وقد ظهر الغضب في عينيه.
"أوعي تقولي إنك نستنى يا باشا."
وأسرعت هاتفها، تعرفه بحالها وذلك المكان الذي التقت به معه.
"أنا لولا يا باشا، لولا اللي بتيجي شقة شريف بيه."
ازدادت تقطيبته وهو يتفرس ملامحه وقد تذكرها، إنها إحدى النساء اللاتي يجلبونها في حفلاتهم الخاصة، حتى يُمتعوا حالهم بوجودهن. ورغم إنه بعيداً عن تلك التجاوزات التي يفعلها بعض الأصدقاء من أجل تلبية شهواتهم، إلا إنه كان يرافقهم في الجلوس لا أكثر.
ومع صمته، كانت الواقفة تبتسم وقد ظنت إنها نالت استحسانه هذه الليلة.
"طول عمرك تقيل في نفسك يا باشا، وده اللي هيجنني عليك."
وتقدمت منها، وقبل أن تمد يديها لتداعب صدره بطريقتها التي تتقنها، كان يقبض فوقهما بقوة، دافعاً لها بعيداً عنه متمتماً.
"خدي بعضك واخرجي من هنا، بدل ما أفضحك في الفندق."
ابتعدت عنه خوفاً، بعد تصريحه وقد رأت نظرته الشرسة التي لا توحي إلا بصدق كلماته.
"ليه كده بس يا باشا، ده أنا مش عايزة حاجة غير إني أبسطك."
"بت إنتِ، أنا مش ناقص وجع دماغ يلا برة."
دفعها بقوة من أمامه، كادت أن تُسقطها.
"خلاص يا باشا براحة، همشي."
انفعل وهو يراها تتباطأ في السير، فتمتم بقسوة.
"أنا ليا كلام تاني مع إدارة الفندق، إزاي يدخلوا ناس أمثالك."
تجمدت في وقفتها بعدما استمعت لعبارته، وأسرعت نحوه تقبّل كفه، بعدما سقطت أسفل قدميه.
"لا يا باشا بلاش الله يكرمك، إنت عايز تفتح عيون بوليس الآداب عليا."
وقبل أن يدفعها عنه، كان ينظر لهيئتها التي أشعلت جزءً من رجولته. رفعها من خصلاتها ينظر نحو شفتيها وجسدها.
"بتحبي الإهانة إنتِ."
صمتت وهي ترى نظراته المشتعلة بالرغبة.
"عارفه ليه؟"
سألها وهو يُحرك إصبعه فوق شفتيها في قسوة.
"عشان أغلبكم كده، بيجروا ورا غريزتهم."
ثم دفعها بيده حتى أصبحت أمام الفراش، وبدفعة أخرى كان يسقطها فوقه، ناظراً لجسدها الذي يفضحه الثوب بسخاء.
ورغم شراسة لمساته إلا إنها كانت مستمتعة، راغبة. ولكن في لحظة كانت يُخرجها من نعيمها، ينهض عنها جاذباً لها بعنف متمتماً.
"بره."
بنظرته وصوته لم يكن بهما إلا الغضب، فلم تجد إلا أن تلملم ثوبها وتخطو بسرعة قصوى لخارج الغرفة.
***
تنهد أحمد ضجراً، يستمع لصوت شقيقه الغاضب، وهو يخبره أن يذهب اليوم للمزرعة بسبب بعض المشاكل التي تحتاج لأحدهم.
"مش لازم أروح يا عامر، لما ترجع من الغردقة روح إنت.. مافيش حاجة هتحصل يعني دي مجرد مشاكل بسيطة."
تنهد "عامر" بمقت، وهو يستمع لحديثه البارد الذي يزيده حنقاً.
"والباشمهندس هيفضل لحد إمتى بيهرب، ورامي مشاكل الأرض عليا."
"عامر!"
هتف "أحمد" مزمجراً، بعدما قبض فوق هاتفه بقوة وهو يفهم ما يُلمح إليه شقيقه.
"هتفضل بتهرب من الذكريات لحد إمتى؟ مها ماتت افهم بقى."
"كفاية يا عامر."
تمتم بها، وهو يهوي بجسده فوق المقعد، بعدما لم يعد يتحمل وقفته والذكريات تقتحم قلبه، تُذكره بتلك الحبيبة.
"موتها كان قضاء وقدر.. افهم يا بشمهندس بدل ما إنت عايش ومحمل نفسك موتها."
انسابت دمعة من جفنيه، بعدما أطبق فوقهما بقوة، وقد أخذه الحنين لتلك السنين التي كان فيها أسعد رجل.
"تروح النهاردة المزرعة، ومش لازم تبات هناك ارجع في نفس الليلة.. بس شوف المشكلة وحلها لأن فتحي مش عارف يتصرف."
أنهى "عامر" حديثه، ثم أغلق الهاتف يقذفه فوق الفراش متنهداً بضيق.
"ماتستحقش تعيش على ذكراها يا أحمد."
واللمعت عيناه بقسوة عندما تذكر ذلك اليوم الذي ركض إليه أحد رجاله في المزرعة يهتف إليه بخوف.
"لقينا ممنوعات في الإسطبل يا بيه."
رواية سطور عانقها القلب الفصل السابع 7 - بقلم سهام صادق
انكبّت فوق الدفاتر التي لا تنتهي من مراجعتها، والسيد فتحي لا يفعل شيئًا سوى أن يراقبها ويسألها عن بعض حسابات المحاصيل التي تم بيعها في الأشهر الماضية.
وهي ما كان عليها إلا أن تثبت له كفاءتها بالرد السريع دون إخفاق.
استطاعت في الأسبوع الذي مضى على وجودها معه أن تنال إعجابه بذكائها، ولكن ذكاءها لم يكن في المرتبة الأولى بالتأكيد، فإعجاب السيد فتحي لم يكن إلا لمدحها الدائم له عن قدرته على السيطرة وحل الأمور.
"كل ده بتخلصي مراجعة الشهر اللي فات يا صفا؟"
والتقطت كأس الشاي الموضوع أمامها، ثم تلك السندوتشات التي تصر عمتها على أخذها.
"حسابات الشهر اللي فات فيها لخبطة كتير، يا أستاذ فتحي."
طالعها السيد فتحي بعدما أخذ يلوك الطعام بفمه، ثم ارتشف كأس الشاي خاصتها تحت نظراتها المصدومة، فهو طعامها من بضعة سندوتشات يلتهمها.
"عايز الملف يخلص النهاردة، بدل ما يكون فيه خصم آخر الشهر."
امتقعت ملامحها وهي تسمعه، فرغم كل ما تفعله لهذا الرجل، وإطراءها له بكلمات كاذبة، لا يكف عن تهديداتها بالخصم من راتبها الذي تنتظره بفارغ الصبر.
"هو مافيش جهاز كمبيوتر نسجل عليه الحسابات؟ فيه برامج سهلة وسريعة نقدر ندون فيها الحسابات من غير الدفاتر دي كلها."
طالعها فتحي وهو لا يفهم شيئًا مما تقوله، ولكنه تمتم بعدما أنهى آخر رشفة من كأس الشاي.
"كان فيه جهاز كمبيوتر وباظ، بقولك إيه يا صفا متوجعيش دماغي بكلام المتعلمين ده، شوفي شغلك."
أماءت له برأسها مع ابتسامة سمجة أصبحت تُجيدها من أجله، وفور أن غادر المكان، تجهمت ملامحها تقبض فوق كفيها بقوة.
"فتحي أبو معدة تشيل ألف وجبة."
***
غادر الشركة بخطوات متعجلة، وهو حانق من إجبار عامر له للذهاب للمزرعة.
أعطاه الحارس مفتاح سيارته بعدما أخرجها من جراج الشركة، ثم أزال رابطة عنقه، وقد بدأ يشعر بالاختناق والغضب من كل شيء.
"أحمد."
استمع لصوتها وهي تتقدم منه بخطوات سريعة، تحمل بعض الملفات وعلى وجهها نظرات متسائلة.
"أحمد أنت رايح فين؟"
وعندما رأت نظراته القوية وكأنه غاضب من شيء ما، هتفت.
"أنا كنت جاية عشان نراجع شوية حاجات خاصة بالمشروع زي ما اتفقنا."
طالعها أحمد بهدوء، بعدما تدارك أمره، معتذرًا بلباقة قبل أن يصعد سيارته.
"آسف يا فريدة، نسيت أبلغك قبل ما توصلي إني رايح المزرعة عندنا في البلد."
وبحماس اندلع من عينيها، أخذت تهتف راجية.
"أرجوك خليني أروح معاك."
كانت كالطفلة، مُلحة في رجائها.
"فريدة، أنا مش رايح فسحة، فيه مشاكل رايح أحلاها بدل عامر."
واردف بعدما أدار مفتاح سيارته، وقد أشاح عيناه بعيدًا عنها.
"عامر بيروح المزرعة كتير."
وقبل أن يُخبرها إنه سيخبر عامر ليصطحبها معه المرة القادمة، كانت تندفع صاعدة نحو المقعد المجاور له، تزيل نظارتها عن رأسها متمتمة.
"أرجوك، أنا عمري ما شفت الريف وهتكون رحلة جميلة بالنسبالي."
اعترض، بل ووضع الحجج التي تمنع قدومها معه، ولكنها لم تكن تسمعه، تنهد ضجرًا وهو يرمقها قبل أن يتحرك بسيارته نحو الطريق لمدينة المنصورة.
فارتسمت السعادة فوق ملامحها غير مصدقة أنه اصطحبها معه، رغم رفضه الشديد.
رمقها خلسة حانقًا، فنفرجت شفتيها في ضحكة جميلة لا تُصدق أنه حانق هكذا.
"مش هتتخلص مني، غير لو فتحت العربية ورمتني منها."
مازحته وهي تضحك، وما كان عليه إلا أن يشاركها الضحك بل والمزاح.
وفي تلك اللحظة لم تكن تُصدق بأن الذي يُثرثر ويضحك معها هو أحمد السيوفي.
***
رفعت عينيها عن الدفاتر بإرهاق، بعدما وجدت السيد فتحي قد دلف للتو أخيرًا، فنهضت عن مقعدها وأسرعت إليه تحمل له أحد الدفاتر حتى تسأله عن شيء ما، ولكن فتحي كان في عجالة من أمره هاتفًا.
"أنا رايح البيت عندي، أي حاجة تحصل رن عليا."
"بس أنا محتاجة أفهم حاجة منك يا أستاذ فتحي، الحسابات هنا فيها شوية لخبطة."
رمقها فتحي بضجر، وأسرع مغادرًا.
"بقولك إيه يا صفا، أنا وافقت على شغلك هنا، عشان تعملي كل المطلوب."
وانصرف قبل أن يسمع عباراتها، التي لو كان سمعها لطردها على الفور.
"ده أنا بقيت شغالة بدالك في كل حاجة."
وأردفت متهكمة، بعدما أصبح لديها معلومة بأنه زوج لاثنتين.
"ما أنت لازم متكونش فاضي، مش متجوز اتنين."
***
توقف أحمد بسيارته جانب الطريق، يلتقط أنفاسه بصعوبة بعدما لم يعد لديه قدرة على المواصلة.
طالعته فريدة بقلق تتسائل وقد أنتابها الذعر.
"أحمد مالك؟"
"مخنوق يا فريدة، حاسس إن روحي بتنسحب."
"طيب تعالا مكاني، واسوق بدالك."
استجاب لها بعدما طالع الطريق أمامه، فهو لن يتحمل المرور منه، فالذكرى مازالت محفورة داخلها.
احتلت مقعده، ثم طالعتها بعدما طالعت الطريق الزراعي الطويل متسائلة.
"أفضل ماشية على طول الطريق؟"
أماء لها بعدما أغمض عينيه، واسترخى برأسه فوق زجاج السيارة، غارقًا مع ذكرياته وتفاصيل الحادث قد عادت إليه رغم مرور خمس سنوات، ولكن كل شيء ظل محفورًا بداخله.
تحركت بالسيارة ببطء بسبب وعورة الطريق، ومن حينا لآخر كانت تنظر إلى تشنجات وجهه وتلك الحالة العجيبة التي أصبح عليها فجأة.
ترقبته بنظرات طويلة بعدما توقفت أمام البوابة الضخمة الخاصة بالمزرعة، فرأته يعتدل في مكانه، يفرك جبينه بقوة وكأنه يطرد شيئًا يقتحم عقله.
"خلينا نروح مستشفى هنا، شكلك بيقول إنك مش كويسة."
هتفت بها فريدة وقد عاد القلق يرتسم فوق ملامحها.
طالعها بنظرة ضائعة، وهو يحاول الثبات للعودة ونفض ذلك اليوم الذي اقتحمه بشدة عندما أصبح في البلدة.
"أنا كويس يا فريدة."
"هو إيه اللي حصلك يا أحمد فجأة؟"
رمقها قبل أن يلتقط زجاجة الماء من أسفل قدميه، وترجل من السيارة، يزفر أنفاسه، ثم مسح وجهه بالماء بعدما ارتشف منه القليل، فغادرت السيارة هي الأخرى واتجهت نحوه.
"فريدة لو سمحتي مش عايزك تسألني عن السبب."
طالعته في دهشة، فهي تشعر بالقلق عليه، وتريد معرفة السبب الذي جعله هكذا، وهو يخبرها بكل بساطة أن لا تسأل عن شيء، وقبل أن تهتف بحديث آخر كان يتجه نحو مقعده وينتظر صعودها السيارة وهو يدق بوق السيارة بقوة، لتنفتح البوابة على مصراعيها بعد لحظات.
***
استرخت صفا في جلستها، متنهدة براحة بعدما جاء وقت استراحتها.
تمتمت حانقة وهي تنظر للمكتب الخالي، فبالتأكيد السيد فتحي الآن في منزله يتناول الطعام، لدى زوجته الثانية، ويأخذ قسطًا من الراحة ويتركها هي بين الدفاتر، ولا تهاتفه إلا إذا حدث أمر طارئ، وخاصة إذا جاء السيد عبدالرحيم اليوم، ذلك الموظف المسؤول عن عقود التجار وعقود صفقات البيع.
مدت ذراعيها للأمام لعلها تخفف آلامها من شدة تصلبهم.
ثم شعرت بالجوع فاسرعت في اجتذاب حقيبتها ولكن توقفت عن التقاطها وهي تتذكر أن السيد فتحي ذو كرش متسع تناول طعامها.
ألقتها حانقة فالخروج من المزرعة قبل موعد الانصراف غير مسموح سوى لفرد واحد بالتأكيد السيد فتحي الذي لديه صلة قرابة مع السيد الكبير.
"أنا لازم بعد كده أعمل حسابه معايا في السندوتشات، مش كل يوم تفضل معدتي تتعصر من الجوع وهو ياكل أكلي."
تمتمت بطفولة، وهي تمسح فوق معدتها الجائعة.
عادت تفرد بجسدها قليلاً وخاصة تلك المرة ساقيها، ولكن هناك شيء قد جلبته معها بل شيئين.
اتسعت حدقتاها سعادة، إنها قد تذكرت، فحقا لم يعد لديها ذاكرة بعد تلك الحسابات والمراجعات التي لم يعد لعقلها أن يتسع لغيرهما.
التقطت حقيبتها مرة أخرى، حتى تخرج كنزها الثمين الأول، كعكة قد ابتاعتها وهي آتية حتى تدلل معدتها مع كأس الشاي.
وكنز آخر، ها هو يخرج ببطء، كتاب لكاتبها المتيمة به.
ورغم فقدانها لشغفها بعد ما مرت به إلا أن أمس أتت إليها جنة به حتى تسليها في عملها عندما تجد وقتًا.
طالعت الكتاب بشغف، تسأله كأنها تسأل حالها.
"تفتكر هقرأ كلامك زي ما كنت زمان؟"
وخرجت تنهيدة حزينة منها وهي تفتحه، ولكن هذه المرة كانت تعيش داخل ما افتقدته منذ أشهر.
استمعت لصوت في الخارج ولكنها لم تهتم، فاهتمامها كان منصب على كعكتها وكتابها.
"نورت المزرعة يا أحمد بيه."
تجمدت عيناها نحو الأسطر، فالصوت أصبح قريبًا منها للغاية.
"فين فتحي يا صفا؟"
والصوت لم يصبح قريبًا فقط، بل هتف أحدهم باسمها.
انتفضت عن مقعدها وقد اتسعت عيناها ذهولاً، وهي ترى الواقفين أمامها.
السيد عبدالرحيم الذي رمقها حانقًا من ذهولها اللعين، وسيدة جميلة أنيقة تطالع المكان بعينيها بنظرة لا تعرف لها معنى، ورجل يقف بشموخ وقوة ورغم الإرهاق الظاهر فوق ملامحه إلا أنه كان وسيم بل وسيمًا جدًا كأبطال الروايات.
تعلق عينان أحمد بالكتاب الذي تمسكه وقد ظنت إنه يرمقها هي، وسرعان ما أشاح عينيه عنها، يهتف بغضب.
"مش معقول يكون فيه إهمال كده يا أستاذ عبدالرحيم، فين أستاذ فتحي؟"
توتر عبدالرحيم وهو ينظر نحو صفا التي وقفت متجمدة الملامح، تنظر إليهم.
"قولتلك يا بشمهندس إن فتحي مستقوي بالقرابة اللي بينكم."
تنهد مضجرًا، وقد عاد يطالع صفا بنبرة جامدة.
"أنتي هتفضلي واقفة كده، فين أستاذ فتحي يا أستاذة؟"
صدح صوته الصارخ، مما أفزع فريدة الواقفة جواره، انتفضت صفا من حالتها الغريبة، فما الذي حدث لها لتكون هكذا أمام هذا الرجل.
تمالكت حالها وبنبرة حاولت أن تخرج ثابتة.
"أستاذ فتحي راح يشوف مشكلة حصلت في الأرض."
رمقها عبدالرحيم وهو يعلم بكذبتها، فاسرع بنداء العامل الذي يقف خارج الغرفة.
"عبدالمجيد، روح الأرض ونادي فتحي، قوله البيه هنا."
أسرع العامل مغادرًا، فبهتت ملامح صفا، وهي ترى نظرة السيد عبدالرحيم المتهكمة نحوها.
ولكن ما أفزعها تلك النظرة التي رمقها بها السيد الآخر صاحب الهالة القوية.
"أحمد خلينا نروح الأرض إحنا، ونشوف الموظف المهمل ده هناك."
تمتمت فريدة بنبرة رقيقة، وهي ترمق صفا التي انشغلت في البحث عن شيء ما فوق سطح المكتب.
أعجب السيد عبدالرحيم بهذا الاقتراح الذي هتفت به السيدة الجميلة، لأنه يعلم بأن فتحي ليس هناك، وهكذا سيتخلص منه ومن عجرفتها التي يمقتها.
"أنا شايف إن اقتراح الهانم صح يا أحمد بيه، واه حضرتك تشوف المحصول."
كاد أن يوافقهم أحمد على الاقتراح، رغم إنه لا يريد الدلوف لداخل المزرعة، فقد استطاع تجاوز شعوره هنا بصعوبة.
طالعتهما صفا وقد نسوا وجودها، ولكن أخيرًا تنفست براحة وهي ترى السيد فتحي يجيب على مكالمتها وقد فتح الخط، وبالتأكيد قد استمع للحديث الدائر هن.
رمقها أحمد بنظرة ممتقعة، فكيف لها أن تعمل هنا، وعلى ما يبدو إنها لا تفهم شيئًا.
"أستاذ عبدالرحيم، دفاتر محصول الشهر اللي فات، مش المفروض هتوريها للبيه، ده أستاذ فتحي قالي لازم حضرتك تطلع عليها."
تمتمت بها وهي تتجه نحوه، دون أن تعير صاحب المكان أي نظرة، فقد انتهت لحظات هيامها بذلك المتعجرف من أصحاب المال.
التقط السيد عبدالرحيم منها الدفتر، بعدما علم إنها فعلت ذلك لتؤخره عما يريد حدوثه، ولكن ما أذهلها وأذهله، أن أحمد هو من مد يده ليأخذه منه، بعدما رمقها بنظرة قاتمة لتجاهلها له.
ابتسمت صفا وهي ترى نظراته إليها وقد تبدلت، بعدما كان يظنها فتاة لا تعرف أن تتحدث.
طالعتها فريدة ولم تخفي عنها ابتسامتها، بعدما استطاعت تلك العاملة أن تجذب انتباه، حتى لو بتلك الطريقة التي فهمتها.
"أحمد مش هنروح الأرض؟"
"لو عايزة تروحي أنتي يا فريدة، ممكن أستاذ عبدالرحيم ياخدك معاه، ويبعتلي بنفسه الموظف اللي المفروض كنت ألاقيه موجود في مكتبه."
تمتم بها أحمد الذي جلس على أحد المقاعد، يطالع الدفتر ويتمنى بداخله أن تكون هذه الفتاة مهملة، لتنال طرده فهي لم تروقه.
تنهدت فريدة بضجر وحنق من معاملته، واقتربت من أحد المقاعد تمسحها بمنديل، فحدقت صفا بها ولم يعد لسانها يستطيع أن يكف عن الحديث.
"المكتب نضيف يا فندم، متقلقيش."
ولكن فريدة لم تهتم بحديثها.
"هاتي دفتر موسم الصيف."
تمتم بها أحمد ومازالت عيناه نحو الدفتر.
"صفا، لسه جديدة هنا، شغالة من أسبوع، متتوقعش هتعرف حاجة عن توزيع الدفاتر."
رفع أحمد عينيه نحو الواقفة التي اتجهت على الفوز نحو أحد الأركان تبحث عن أحد الدفاتر، متمتمة بعدما التقطت الدفتر.
"الدفتر، آه يا فندم."
تجهمت ملامح عبدالرحيم وخرج من الغرفة حتى يهاتف التاجر الذي حدثت معه المشكلة الأخيرة بسبب المحصول الذي لم يحصل إلا على نصفه كما اتفق مع فتحي.
التقط منها أحمد الدفتر، وعيناه لأول مرة منذ زمن تدقق في تفاصيل ملامح امرأة بتلك الطريقة.
ارتبكت صفا من نظرته، وقد أشاح عيناه نحو الدفتر، وعاد لجموده وقد انشغلت فريدة في تصفح هاتفها.
أتى السيد فتحي أخيرًا وقد خلصها من متطلبات هذا الرجل وجموده.
ولأول مرة تشعر بالسعادة وهي تستمع لتوبيخ أحدهم، ولكن توبيخ الجالس، لفتحي الذي وقف مطرق الرأس قد أطربها.
"يا أحمد بيه، مشكلة التاجر منه هو، هو اللي مرضاش ياخد النص التاني الطلبية لأنه شايفها مش بنفس الجودة."
"وليه المحصول مبقاش بنفس الجودة؟"
طرق أحمد كفه بقوة فوق سطح المكتب، فطالعه فتحي بتوتر.
"مافيش مهندس زراعي كويس، اللي كان قبل ده، كان بيفهم في أمور الأرض لكن."
والتف خلفه، يرمق عبدالرحيم.
"أستاذ عبدالرحيم هو اللي معين، عشان ابن أخته."
وهنا قد بدأت حرب طاحنة، بين عبدالرحيم وفتحي بالألفاظ، حتى أتى اسمها بالحديث وكل منهما يخرج ما بجعبته.
"عامر بيه، لازم يعرف كل اللي بيحصل هنا، وقريب هيكون له زيارة."
ألقى الواقف عبارته، بعدما ظهرت معالم الغضب فوق وجهه، وقد نسي أي حديث قد تم قوله ولم يتذكر إلا أن تلك الواقفة ليست تمتلك شهادة خاصة بمجال المحاسبة.
"وانتي يا أستاذة."
لم تنتبه صفا على حديثه، بل كانت تقف مبتسمة كالبلهاء وهي تستمع للتوبيخ الذي حدث لفتحي وعبدالرحيم وكيف وقفوا مطرقين الرأس في صمت.
وبنبرة قوية كان يكمل حديثه متسائلاً بغلظة.
"معاكي شهادة ولا مجرد دبلوم يا أستاذة؟"
انتبهت صفا على حديثه، وقد توقفت عيناها نحوه، وقد رمقها بنظرة محتقرة بعدما فهم الوضع.
"لا أنا مهندسة اتصالات يا فندم."
ألقت عبارتها بثبات، حتى تزيل تلك النظرة التي تقلل من قدرها.
"وأظن يا فندم محدش بيشتغل بتخصصه، لكن الكفاءة بتحكم، وحضرتك شايف الدفاتر قدامك."
تفاجأ أحمد بردها، فالفتاة التي يظنها بلهاء، تقف تجيبه دون أن تهتز.
"بس الحسابات مش من تخصصك، وممكن تخسري المزرعة فلوس كتير."
قالتها فريدة، وهي ترمق صفا بنظرة متهكمة.
"مافيش مشكلة يا فندم، تقدر تفصلني عن الشغل."
قالتها بثبات وقوة لذلك الواقف، والتفت بعينيها نحو فريدة التي رمقتها بحقد.
طالعت فريدة أحمد تنتظر أن يؤكد على كلامها ولكن أحمد كان يحدق بالواقفة أمامه، إنها تذكره بها ليس في الملامح ولكن بشخصيتها، شخصية لا تعرف أهي بلهاء، أم ضعيفة، أم قوية، تفرض حضورها إذا لزم الأمر.
***
انتبهت جنة بكل حواسها لما تقصه عليه صفا غير مصدقة ما حدث اليوم، ومناطحتها لهذا الرجل الذي وصفته بالبرود الذي لم تر مثيله بحياتها.
قطبت جنة حاجبيها وقد عادت صفا لوصفه لها.
"أنا شايف إنك كنتي مركزة مع عيونه أوي يا صفا."
هتفت بها جنة بمكر قد خفي عن عيني صفا التي انشغلت في طي الملابس ورصها في الخزانة الصغيرة.
"ولا شعرة يا جنة، شعرة ناعم وأشقر، هو مش أشقر أوي، بس زي الأجانب كده."
اتسعت عينا جنة ذهولاً، ولطمت صدرها تشهق بقوة.
"نهار أسود، ده انتي فصصتي الراجل، فين صفا اللي بتخاف تبص على أي راجل، ده أنتي كان آخرك الروايات."
طالعتها صفا بعدما شعرت بالصدمة من حالها، فكيف أخرجت ذلك الحديث من داخلها.
"هو أنا حكيت حاجة أكتر من وصفه يا جنة؟"
رمقتها جنة بتلاعب، وقد أدركت الوضع الأحمق الذي شردت به صفا برجل لن تصادفه مرة أخرى.
"أنتي حتى لو مقولتيش، عينك فضحتك."
طالعتها صفا حانقة، بعدما دفعت بالثوب الذي طوته للتو إليها، ثم ألقت بجسدها فوق الفراش.
"أول مرة راجل يخطف قلبي كده يا جنة."
لم تتحمل جنة، ذلك الهيام الذي تسمعه منها، فتعالت ضحكتها غير مصدقة حالتها اليوم.
"يا صفا يا حبيبتي انتي آخرك أبطال الحكايات اللي انتي بتتخيليهم في أحلامك، ومراد زين الكاتب العجوز اللي بتحبيه."
ولم ينته تهكم جنة إلا عندما قذفتها صفا بالوسادة الثقيلة، وقد انبطحت بعدها، انفرجت شفتي صفا في ضحكة عالية.
أتت عمتها عليها متسائلة وهي تنظر إليهم.
"مالكم في إيه؟"
وكاد أن يخرج من شفتي جنة الحديث، إلا أن صفا اندفعت نحوها ترفعها من فوق الأرض، وتكتم شفتيها بكفها تخبر عمتها.
"أصلها مش مصدقة إن فتحي اداني مكافأة النهاردة."
***
عاد بعد يوم عصيب مرهق قد مر به، أنعش جسده بالماء البارد لعله يفيق قليلاً من تلك الحالة التي وصل إليها.
فقد تجاوز اليوم أمرًا لم يظنه أنه سيتجاوزه يومًا، لقد ذهب للمزرعة، ذهب للمكان الذي فقد فيه حبيبته، للمكان الذي شهد بعضًا من لحظاتهم السعيدة.
خرج من المرحاض يُجفف عنقه وشعره، واتجه نحو الفراش يهوي عليه دون أن يبدل مئزره، فلم يعد يتحمل الإرهاق الذي ينهش جسده.
تمدد فوق الفراش ثم أغمض عينيه، وصورة واحدة كانت تظهر أمامه، صورة تلك الفتاة التي تعمل بالمزرعة.
نفض رأسه سريعًا وهو ينهض عن الفراش وكأن عقربًا قد لدغه، فكيف لعقله أن يُخزن بذاكرته أمرأة غير مها، ومن مجرد لقاء واحد قد جمعهم.
اتجاه نحو مكتبه الخاص في غرفته الفسيحة، يفتح أحد أدرجه ويخرج إطار صورة، كانت من أجمل ذكرياتهم وهي تضحك، بضحكتها الجميلة التي سلبت فؤاده في أول لقاء بينهم كما سلبت قلبه بأكمله.
كانوا يُداعبون الفرس الذي كان هو ورقته الرابحة في سباقاته والمفضل لديه، وكان أيضًا سببًا في كرهه للفروسية، إنه السبب في موتها.
ألقى الصورة داخل الدرج، بعدما لم يعد لديه قدرة كالعادة في مطالعة أي شيء كان يجمعهما، فالشوق والحنين يأخذه إليها.
واللحظات الجميلة ها هي تتدافق على عقله، يتذكرها وكأنها كانت بالأمس بين ذراعيه.
"أحمد كفاية بقي خلينا نمشي، أنت عندك شغلك وأنا كمان."
داعب عنقها بشفتيه، وهو غارق في دفئها ولذتها.
"مش مهم أي حاجة، المهم تفضلي في حضني."
أخذها في جولة أخرى في بحور عشقه، وبصعوبة كانت تتخلص من أسره ضاحكة بعدما رأت نيته.
"لا ده أحنا كده هنفضل طول اليوم هنا، وأنا لازم أفتح المكتب النهارده."
اصطدم فوق الفراش بثقله، بعدما لم يستطع جذبها.
"مفكرتيش برضوه في كلامي؟"
اقتربت منه، بعدما ضمت الغطاء فوق جسدها بإحكام، وتنهدت وهي تطالع نظرته إليها.
"وأنا نفسي يبقي ليا كيان يا أحمد، حتى لو في مجرد مكتب بسيط، كفايه إنك بتصرف على أهلي."
وأردفت متحسرة على حالها.
"ويمكن في يوم تسيبني، وهكون خسرت كل حاجة في حياتي."
اجتذبها إليه، بعدما لم يعد يتحمل رؤيتها بهذا الضعف، وحديثها عن تركه لها يومًا.
"أنا عمري ما هحب ست غيرك يا مها، ولا هقبل بست تاني إلا أنتي."
لامس خدها بحنو، يمسح عنها دموعها، يهمس لها بعشق.
"بحبك."
فاق من ذكرياته وقد وقف أمام مرآته يطالع حاله.
"لازم تبعد عن فريدة يا أحمد، قلبك لمها ومافيش ست هتقدر تاخد مكانها."
***
ورغم الفتور الذي استيقظ به هذا الصباح، إلا أن ما كان ينتظره منذ عام قد تحقق وهو يتلقى تلك المكالمة الهامة التي لم يصدقها.
طالع بريده الإلكتروني وقد أتت عليه رسالة بريدية أمس، ولكنه لم يُجب عليها، ف اضطرت المؤسسة لمُهاتفاته حتى تخبره بالخبر السعيد وسعادتهم في الانضمام إليه.
نهض عن مقعده وقد أخذ يدور في أرجاء غرفة مكتبه بحماس، ثم عاد ينظر نحو الفاكس المُرسل، وجلس مرة أخرى على مقعده خلف مكتبه مسترخيًا بملامح سعيدة، منتصرًا لما حقق.
"أحمد: يا أخيراً وصلت لحلمي، وانضميت للمؤسسة في أمريكا."
وسرعان ما كان يعتدل بثبات، وقد دلفت سكرتيرته تُخبره بوجود رامي صديقه.
"أحمد: دخليه بسرعة يا داليا."
غادرت الغرفة بعدما تلقت أمره، وقد اعتلى ملامحها الذهول، من تلك السعادة الغريبة التي ترتسم فوق ملامحه الجادة، فلم تعتاد على رؤيته هكذا طيلة الثلاث أعوام التي عملت فيها معه.
طالع رامي بغرابة بعدما دلف ورآه على حالته العجيبة، فاتجه نحوه متسائلاً بشك.
"ما تقولي سبب سعادتك ديه، وفرحني معاك يا ابن السيوفي."
وجلس بعدها ينتظر سماعه، فوق المقعد المقابل له، اتسعت ابتسامة أحمد وقد شعر رامي بالقلق من هيئته الغريبة، فلم ير صديقه هكذا منذ سنوات دراستهم بالجامعة.
"أحمد: الشركة الأمريكية وافقت على المشروع السياحي اللي قدمته ليها، وموافقة إني أكون شريك معاهم بنسبة 30%."
ندهش رامي مما سمعه متمتماً بعدما نهض عن مقعده هو الآخر وقد ألجمه الخبر.
"رامي: أحمد انت بتهزر!"
"أحمد: كان حلم حياتي أوصل للشركة دي وانضم ليها، انت عارف إنها بتضم أكبر مهندسين العالم في المعمار."
حضنه رامي بسعادة غير مصدقًا ما وصل إليه صديقه.
"رامي: مبروك يا أحمد، متعرفش أنا فرحان ليك قد إيه."
ولكن سرعان ما تلاشت سعادته وطالت نظراته نحوه، بعدما تذكر أن صديقه سيرحل عن مصر، لتصبح حياته في بلد آخر.
"رامي: طيب والكتابة وشركتك هنا في مصر؟"
"أحمد: الشركات هنا في عامر وهو أجدر مني في كل حاجة، أما كتابة الروايات فأنا قررت أوقف كتابة خلاص، جيه الوقت اللي أوقف خداعي للناس أنا مش مراد زين، صحيح أنا الكاتب الأصلي بس مراد زين مات من 15 سنة."
واردف وهو يشيح عيناه عن صديقه.
"أحمد: أنا بخدع الناس بالمثالية والحب، الحب اللي بقيت عايش فيه مع الذكريات، أنا شخص مات من زمان يا صاحبي، مات مع أول صدمة كانت في حياتي."
وارتفعت وتيرة أنفاسه وهو يتذكرها.
"أحمد: موت الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها."
واتبع حديثه بمرارة اقتحمت حلقه.
"أحمد: مراد زين، الكاتب اللي كتاباته مغرقة السوق، سواء عن الحب أو الظلم أو العدالة أو الرضا، عالم بيحاول يبنيه لنفسه عشان يقدر يعيش والإنسان اللي جواه ميموتش."
وابتسم وهو يتابع حديثه، وقد ترك حلمًا آخر خلفه.
"أحمد: مراد زين اعتزل خلاص، زي ما اعتزل الفروسية زمان."
ومد ذراعيه نحو رامي الذي أصبحت ملامحه حزينة لفراقه.
"أحمد: محدش يعرف حقيقة مراد زين غيرك انت وعامر، أنا واثق إن عامر هيفرح من خبر اعتزالي للكتابة، لأنه من زمان أوي كان معترض."
واردف وهو متحسرًا على حال شقيقه.
"أحمد: هو شايف إن العالم اللي لازم نعيشه هو عالم الفلوس والصفقات."
"رامي: وأنا يا أحمد؟"
تمتم بها رامي، فرمقه أحمد وقد تلاشت سعادته وهو يرى حزن صديقه.
"أحمد: هنفضل ديما على تواصل يا رامي، ومين عالم يمكن تغير فكرتك وتيجي أمريكا معايا، لسا فاضل شهر على رحلتي."
احتضنه رامي بقوة، فرغم حزنه على فراقه، إلا أنه يتمنى له النجاح ولعل يجد حياة جديدة له هناك بعيدًا عن الذكريات.
"رامي: أهم حاجة عندي يا ابن السيوفي إنك تنجح وتنجح، تنجح بقى في عالم الأدب، تنجح في عالم المال، تنجح في عالم الهندسة والعلم، المهم إنك تنجح لأنك تستاهل يا صاحبي."
وابتسم بحزن وهو يطالعه.
"رامي: هفتقدك أوي يا أحمد، أوعى رحلتك تطول في أمريكا وتعيش عمرك كله هناك."
رواية سطور عانقها القلب الفصل الثامن 8 - بقلم سهام صادق
ظن ما سمعه من شقيقه مجرد مزحة سخيفة. صحيح هو يعلم أن تلك الخطوة كانت من أهداف شقيقه وكان يخبره في الماضي أنه يحلم للانضمام لتلك المؤسسة. وهو كان يأخذ الأمر ضاحكاً.
"مش شايف، فرحة في عينك يا عامر"
ابتسم وهو يمازحه بعدما اقترب منه.
"تقريبًا أنت زعلان على المشروع اللي هسيبك في نصه.. وهتكمله أنت يا باشا"
"مقه" عامر بنظرة غاضبة، ورفع يده محذرًا له من مزاحه الذي لا يروقه اليوم.
"تمام يا باشا هسكت خالص، بس أنا فعلًا محتاج أسمعك وأنت بتُباركلي وتاخدني في حضنك"
"ممكن تسكت شوية يا أحمد؟"
أخيرًا قد نهض عن مقعده، وأخذ يدور حول حاله، يفرك جبينه بإرهاق.. تحت نظرات أحمد. فهو يعلم مدى صعوبة الأمر على شقيقه.
أطرق عامر رأسه، متأملًا سجادة مكتبه الفاخرة وكأنه يرتب أفكاره من تحديقه بها. فأفكاره كانت مشتتة، وقلبه لا يحتمل ترك شقيقه له.. ليكون كل منهما في دولة أخرى.. وتطول الأيام والسنين ويزداد بعدهما، ويصبح كل منهما ذكرى للآخر.
اعتصرت قبضة الفراق قلبه، فهو ليس لديه قدرة على بعده.. لقد سعى لتزويجه من فريدة حتى يربطه به أكثر، ربطه بكثرة الأعمال حتى لا يدعه يفكر في البعد، بل من الهروب من حياته.
"عامر، أنا مش هكون فرحان لو أنت رفضت.. عامر، أنا محتاج أبعد عن هنا"
رفع عامر عينيه، ينظر إليه بعدما استمع لعبارته.. فلم يجد إلا الرجاء بهما. حاول الثبات في وقفته، بعدما هدأت وتيرة أنفاسه المتهدجة، وأصبحت المسافة بينهم منعدمة، وبصوت رخيم هتف:
"أنا محتاجك جانبي يا أحمد، محتاج أخويا اللي مليش غيره، عايز تبعد عني وتسافر؟"
وتلك المرة كان يهتف هو برجاء متسائلاً:
"طيب أنا زعلتك في حاجة.. لو موضوع تدخلي في حياتك مضايقك.. أوعدك هبطل أفرض قراراتي عليك.. مع إني بعمل كده حب صدقني"
قاوم أحمد دموعه، بعدما تأثر بحديث شقيقه، وهو يرى مدى الحب في عينيه.
"أنت ابني مش أخويا يا أحمد"
أخفى أحمد عيناه عنه وأطرق رأسه أرضًا، وقد لمعت الدموع في عينيه، فلم يحب يومًا تلك اللحظات، والأكثر أن تكون مع من يحبهم.
"مش هنكر وأقولك إني مش عايز أبعد، بس أنا محتاج أبعد.. يمكن أنسى الماضي"
"هتنسى الماضي، وتنساني معاه يا أحمد؟"
صرخ بها بقهر، وقد بدأت المخاوف تقتحم فؤاده.
"أنت بتقول إيه يا عامر، أنساك.. لو قولت متسافرش هنسى حلمي وهقعد يا عامر، ولا في يوم تفكر إني ممكن أنساك"
جذبه عامر إليه وقد دمعت عيناه هو الآخر، يضمه بين ذراعيه بقوة.
"صدقني يا عامر، ده كان حلم حياتي إني أنضم لمؤسسة زي دي، أنت عارف إنها أكبر مؤسسة للمهندسين المعماريين في أمريكا"
"عارف يا أحمد، عارف وفخور بيك"
تمتم بها بقلة حيلة، فقد بدأ قلبه يرفق بحال شقيقه، ولن يحرمه من حلمه وقراره.
"وصدقني مش هطول هناك، هعمل اسمي وأثبت وجودي وأرجعلك"
"كام سنة يا أحمد؟"
هتف بها عامر بعدما ابتعد عنه، يطالعه بمشاكسة.. ينتظر أن يسمع رقمًا حتى يعاقبها بعدها إذا لم يعود إليه.
صدحت ضحكات أحمد بعد تلك اللحظات المؤثرة.
"بتحط العقده في المنشار"
عاد يجذبه عامر إليه، بعدما ضحك هو الآخر.
"متخافش يا عامر، الغربة مش هتاخدني وأنسالك.. هحقق حلمي وأجي أحط إيدي في إيدك من تاني"
"طب الكتابة وشهرتك هنا هتسيبها؟"
أراد أن يضع له حلمه الآخر الذي سعى في تحقيقه.. منذ خمس سنوات.. وبالفعل كما قال له.. إنه يضع له العقده بالمنشار.
ضحك أحمد ساخرًا وهو ينظر لشقيقه، وقد وقف يرمقه بترقب منتظرًا جوابه، ولكن جوابه صدمه.
"أنا اعتزلت يا عامر، ومن مدة بفكر في الحكاية دي"
ثم اردف متذكرًا خاله:
"الكاتب المشهور مراد زين.. هو خالك الله يرحمه، يعني أحمد السيوفي لا وجود له"
طالعه عامر متجهماً بعدما خسر ورقته الأخيرة.
"أنا كنت معترض على العالم ده، عالم خلاك ديما منفصل عن الواقع ومقدرتش حتى تنسي الماضي معاه وتكون شخص جديد"
واردف متهكمًا بعدما طالعه أحمد بابتسامة واسعة:
"لأنت بقيت عارف تكون أحمد السيوفي ولا بقيت عارف تكون مراد زين.. بقيت عامل زي بياع الورد، بيبيع للناس الورد عشان يفرحهم مع إنه أكتر واحد بيتأذى من شوكه"
وتابع حديثه:
"طيب اتجوز فريدة وخدها معاك، فريدة مهندسة شاطرة وذكية وفي نفس مجالك، وأكون اطمنت عليك"
وها هي عقده جديدة يضعها شقيقه أمامه، ويعلم أنه لن يفعلها.. فقد حرم النساء عليه وانتهى الأمر.
"فريدة بنت هايلة يا عامر، لكن أنا منفعلهاش.. وبلاش تحط العقده من تاني يا عامر"
رمقها عامر ماقتاً من عقله الصلد، الذي للأسف يشبه عقله.
"نفسي تسعى ليك، وتتجوز أنت يا عامر"
"لسه برضه منستش الماضي، منستش مها"
هتف بها حتى يهرب من عبارة شقيقه.
"شايف آه أنت بتهرب من حصاري ليك يا عامر، أظاهر إننا هنفضل مضربين عن الجواز لنهاية العمر"
ألقى عبارته الأخيرة مازحًا، فانفرجت شفتي عامر بابتسامة واسعة. وفتح له ذراعيه مجددًا.
"مدام فاضل شهر على سفرك، حاول تشوف فريدة بصورة تانية يا أحمد.. يمكن تلاقيها شريكة حياتك المناسبة ليك.. مدام مش هتختار بقلبك.. مش عايزك تكون زي أسير الماضي"
ابتعد عنه أحمد، وقد أصبح بالفعل يشفق على حال شقيقه.. وهو يدفن عمره، ويرى النساء في صورة والدته.
"أنا صعب أنسى يا عامر، لكن أنت تقدر تسامح وتنسى.. عاقبة ماما كتير وكفاية عليها كده وعليك"
وعندما وجد الجمود يرتسم فوق ملامح شقيقه ثانية، تمتم بمزاح حتى يُخرجه من تلك الحالة قبل أن يتقمصها.
"شعرك بدأ يشيب يا بوس!!"
ربت أحمد فوق كتف صديقه، يمد له بآخر عمل قد كتبه، وانتهت معه رحلة أعماله الأدبية.
طالع رامي الأوراق المدون بها العمل، ينظر للاسم يحاول أن يفهم اختيار صديقه.
"المواجهة!"
هتف أحمد، بعدما رأى نظرات الاستفهام من عينين صديقه.
"الكتاب ده متتنشرش دلوقتي غير لما أبعتلك، وهو ده اللي هتكتب فيه قرار اعتزالي للأبد"
اندهش رامي مما يسمعه، فلم يؤجل صديقه نشره، ولما يعطيه له اليوم قبل موعد رحيله بعد غد.
"حاولت أنهيه قبل ما أسافر، ومكنتش مقرر أنشره غير وقت اعتزالي من عالم الأدب أو بالأصح عالم رفضي الواقع.. بس كل حاجة اتغيرت حسابتها بعد ما جات فرصة سفري لأمريكا"
رمقها رامي متفهمًا، فهو كان يعلم بنية صديقه عن الاعتزال ولكنه كان يتمنى أن يتغاضى عنها يومًا، ولكن صديقه اتخذ الأمر بجدية بعد جاءه عقد الانضمام.
وسؤال واحد كان يطرق عقل رامي بإلحاح، فلما اختار صديقه هذا الاسم؟
"مواجهة إيه بالظبط، اللي أنت عايز توصلها لقرائك؟"
أحمد بابتسامة واسعة:
"مواجهة الألم!"
وها هو يواجه ألمًا آخر لم يكن يحسب له، وهو يهاتف فريدة يرغب في لقائها بعد انصراف صديقه.
طالعته في سكون تام، وقد تلاشت سعادتها رويدًا.. ظنت إنها أصبحت قريبة منه وقد بدأ يشعر بها وبحبها.. ولكنه اكتشفت اليوم ما كانت إلا تركض وراء سراب حذرتها منه عمتها وللعجب والدها أيضًا بعدما لم يجد أي ردة فعل تتخذ.
رمقها بعدما أنهى حديثه متسائلاً، بعدما رأى الشحوب يعتلي ملامحها.
"فريدة، أنتِ كويسة؟"
ابتلعت غصتها، وقد أطرق عينيها نحو فنجان القهوة الذي أخذت تديره بحركات دائرية.
"كويسة؟"
همست بها بصوت خافت، ولكنه كان يسمعه.. شعر بالضيق وهو يرى ما وصل إليه معها.. ولكنه حذرها من حبه.. أخبرها مرارًا أن ما بينهم ليس سوى عمل.. وأن نظرته نحوها ما هي إلا نظرة تقدير وإعجاب.. ولكن حب.. كان أبعد عن مشاعره، فلن يحتل أحدًا قلبه مجددًا.
"فريدة، تحبي نقوم طيب؟"
"ببساطة كده، طيب ليه؟"
هتفت بها، دون أن يفهم مقصدها.. ولكنها اتبعت عبارتها وقد جلا في صوتها الألم.
"وحبي ليك، محسيتش ابداً بقلبي"
لم يتفوه بشيء، فبما سيخبرها وهي التي كانت تركض خلفه.. تدفع نفسها نحو حب ستكون هي الخاسرة فيه.
"رد عليا يا بشمهندس"
"أنتِ اللي جريتي ورا سراب يا فريدة، أنا عمري محسستك بحاجة تقول إن بحبك، كل مشاعري كانت تقدير ليكي وإعجاب"
عادت الغصة تقف بحلقها، فتجرعت مرارة كلماته.. تخفي دموعها.
"وأنا اللي حسيته ده كان سراب، دعوتك للعشا ليا، اهتمامتنا بحاجات لقينا نفسنا مشتركين في حبها، ابتسامتك اللي بقت تظهر وأنت معايا، رحلة المزرعة"
ولم تعد تتحمل ثقل دموعها، فانسابت فوق خديها.
"كلامك معايا عن أحلامي... وعن حلمنا إن المشروع يخلص"
"فريدة، كفايه"
"لأ مش كفاية يا بشمهندس"
تعالى صوتها، فالتف البعض يرمق تلك الباكية.
"فريدة خلينا نقوم"
التقط ذراعها بعدما نهض عن مقعده، فدفعت قبضته عنها حانقة.
"أنت بتهرب مني ومن هنا عشان لسه عايش مع الذكريات.. ذكريات مع واحدة ماتت"
نهضت عن مقعدها، بعدما ألقت عبارتها وقد تجمدت عيناه وملامحه.. تركته في صدمته وأسرعت بخطواتها نحو الخارج.
فاق على حاله، وقد علقت عيناه بها وهي تغادر من باب المطعم.. فاسرع نحوها يلتقط ذراعها.
"عرفتي منين عن، مها؟"
"هو ده كل اللي يفرق معاك، إني عرفت"
دفعته عنها، وأسرعت تعبر الطريق وقد أغرقت الدموع خديها.. صدح صوت بوق سيارة قادمة بسرعة فائقة.. فسكنت مكانها مرحبة بقدومها لعلها ترتاح من ألم الحب الذي اقتحم حصونها وجعلها ذليلة لأحد هكذا.
"فريدة!"
صرخ بها وهو يجذبها، لا يصدق إنها كانت ستفقد حياتها بسببه ويعيش بذنب آخر ثانية.
"مستحقتش تعملي في نفسك كده يا فريدة، ولا حد يستحق ده يا فريدة"
كان يضمها نحو صدره حتى تلتقط أنفاسها، وتستوعب ما كان سيحدث لها، دفنت رأسها بصدره تشم رائحته.. فربما كانت هذه اللحظة الأخيرة التي ستجمعهما.
ابتعدت عنه وقد انتبهت للتو على عبارته.
"عندك حق، محدش يستاهل إن أخسر عمري عشانك"
وتراجعت بضعة خطوات، تصفق له بكفيها.
"أنا اتعلمت الدرس كويس يا بشمهندس"
وبقوة واهية كانت تمسح دموعها، تفجر له ما عرفته.
"ابقى اسأل عامر، إيه السر اللي مخبيه عنك"
وابتسمت بهون وقد التفت بجسدها راحلة.. فقد انتهى لقاء الوداع الذي دعاها من أجله ولحماقتها قد ظنت إنه سيخبرها اليوم بحبه لها.
"مبروك على إنجازك الكبير يا بشمهندس"
تركته في سكونه يتساءل داخله، عما تقصده من حديثها الأخير وما الذي يخفيه عامر عنه؟
اندفعت لغرفة عمتها، ترمي بين ذراعيها.. فضمتها السيدة كريمة إليها وقد انتابها القلق.. فمنذ ساعات كانت تطير من السعادة بعدما طلب لقاءها وقد ظنت صغيرتها إنه سيخبرها بحبه.
"هيسافر يا عمتو، كان عايز يودعني مش يقولي إنه حبني ونفسه يكمل عمره معايا"
ارتسم الألم فوق ملامح السيدة كريمة، فما الذي فعله هذا الأحمق بصغيرتها.
"حب يودعني قبل ما يمشي بكرة يا عمتو"
"النهاردة مسافرة؟"
هتفت بها السيدة كريمة بدهشة، فبالتأكيد لم تأتِ رحلة سفره بهذه السرعة، منحتها فريدة الإجابة التي كانت تبحث عنها متمتمة بقهر.
"كان عارف من شهر، وبيرتب لرحلته، ليه خلاني عايشة في وهم حبه مدام مقرر إنه هيمشي"
تركتها كريمة تُخرج كل ما تشعر به، ضمتها بقوة إليها وقد بدأت الصورة تتضح إليها.
"مش معقول يكون غبي لدرجة دي يا فريدة وبيهرب من الحب"
ابتعدت عنها فريدة تنظر إليها، وقبل أن يعود الأمل داخلها.
"أو فعلًا محبكيش يا فريدة، وهدفه الوحيد إنه يحقق أحلامه، لكن الحب بقى برة حساباته"
وبقسوة لمن تكن تقصدها كريمة تمتمت وهي تعيدها لأحضانها مجددًا.
"مش معنى إننا خسرنا في الحب، يبقى اتهزمنا يا فريدة.. فوقي لنفسك.. فريدة الصواف عمرها ما جرت ورا راجل رافض حبه"
تملكها الحقد رغماً عنها، فقد دعسها أسفل قدميه دون رحمة، لقد جعل فريدة الشامخة.. تهبط من عليائها وتترجاه أن يمنحها حبه.
"إيه اللي خفيته عني من الماضي يا عامر؟"
هتف بقوة، بعدما اقتحم غرفة مكتبه.. ينظر لملامح شقيقه المستفهمة عما يقصده.. اقترب منه أحمد بخطوات جامدة، ينتظر سماعه.
"أنت تقصد إيه يا أحمد؟"
"عامر يا سيوفي.. بلاش طريقتك اللي أنا عارفها"
"أنت اتجننت؟"
صرخ بها عامر وهو يقترب منه، فتنهض أحمد غاضبًا من حالها، فعامر شقيقه الأكبر، شقيقه الذي دوماً يرى داخل عينيه السعادة والفخر كلما نجح وحصل على شيء.. شقيقه الذي لا يبحث عن شيء غير سعادته حتى لو بعقليته المتحجرة، القاسية.
"جاوبني يا عام"
تنهد عامر بضجر وملامح جامدة، فهو لا يفهم مقصده.
"مخبي عليا إيه في موت مها؟"
من نظرة عامر الجامدة، ثم أشاحه للوجه بعيدًا عنه، كان أحمد يتأكد من صدق كلام فريدة، هناك شيء لا يعرفه عن حبيبته.. ولكن ما هو هذا الشيء؟
انتظره أحمد أن يجيب عليها، ولكن عامر ابتعد عنه.. وقد عاد لأوراقه.
"بلاش يا أحمد، أنت متخطيتش ذكرياتك معاها.. عايز ليه تضيف سطر جديد في القديم"
"أنت بتلعب بيا يا عامر، كفاية بقى.. مش كفاية أنت السبب في تعاسة فريدة، قربتها مني وأنت عارف إن قلبي اتقفل على مها"
"متستحقش حبك"
عاد يصرخ به، بعدما نهض.
"فاهم يعني إيه متستحقش حبك، ولا الذنب اللي حملت نفسك.. إنك السبب في موتها"
"أنت بتقول إيه؟"
اهتزت شفتيه وهو يتمتم باسم شقيقه راجيًا.
"عامر"
"معرفتش تتحكم في لجام الفرس، عشان كانت واخده نسبة مخدرة.. عارف يعني إيه... كانت مدمنة"
اتسعت حدقتاه صدمة، فما الذي فعلوا بحبيبته.
"مش هقدر أظلمها في موتها وأقول إنها كانت ضحية لعيلة قذرة، ممكن يخلوا بنتهم تدمن عشان تبقى تحت طوعهم"
تسارعت أنفاسه وهو يستمع لما يخبره به شقيقه.
"كانوا بيستغلوها تشيل الممنوعات في المزرعة يا بشمهندس"
وبنبرة جامدة، وقد سلط عيناه نحو المساحة الواسعة التي تتمتع بها شرفة مكتبه، هارباً من نظرات شقيقه المتألمة.
"أظن أنت فاكر الليلة، اللي جت فيها الشرطة للمزرعة"
وهل ينسى هو تلك الليلة.
فتح عيناه مسترخيًا بانتشاء، يمد ذراعه جانبه، يبحث عنها. اعتدل في رقدته.. يلتقط هاتفه.. فقد أصبحوا في منتصف الليل.. ف أين هي؟
دُلفت الغرفة بتوتر.. وعندما وقعت عيناها عليه وقد استيقظ من غفوته تساءلت برتباك.
"أنت صحيت يا أحمد؟"
ابتسم وهو ينظر لهيئتها، مستغربًا من حالة ثيابها.
"أنتِ كنتي في الأسطبل يا مها؟"
أومأت له برأسها، وتقدمت منه تشعر بالخوف.
"روحت أقعد مع شمس شوية"
كان شمس أحد أسماء أحصنته، وقد أصبحت مرتبطة به بشدة.. مد له بذراعه متفهماً.
"تعالي يا حبيبتي، أنا بس قلقت عليكي.. مالك مخضوضة كده ليه؟"
اقتربت منه بتوتر، فاجلسها فوق ساقيه.. يمسح فوق خديها، يتفرس ملامحها المرةقة.
"مها، أنتِ مبقتيش عجباني، حاسس إن فيكي حاجة، أو مخبية عني حاجة"
بهتت ملامحها، ولكن سرعان ما كانت تعود لطبيعتها.. فماذا سيحدث لو علم أن حبيبة قلبه أصبحت مدمنة.. خاضعة بجسدها لذلك الرجل الذي يمنحها جرعة المخدرات بعدما كان والدها سببًا في إدمانها، بل لم يرحمها بعد كل ما فعله واجبروها أن تدس الممنوعات هنا في المزرعة.
خاطبت حالها متحسرة فقد دُنس جسدها الذي أقسمت أن لا تهبه سوى للحبيب.. وها هو الحبيب يغرقها بين ذراعيه.. متناولًا شفتيها في قبلة حانية، يخبرها عن مدى عشقه لها.
ضمها بقوة إليه، قبل أن يُدمغها مرة أخرى بنوبات جنونه.. ولكنه ابتعد عنها متسائلاً بنظراته، وهو يلتقط إحدى أوراق الشجر من بين خصلاتها، وهي ورقة لشجرة منفرده في بيت المزرعة.
فاق من شروده وهو يتذكر فزعها صباحًا عندما استمعت لسرينة الشرطة، عندما نهض على رنين هاتفه.. وصوت شقيقه يخبره أن الشرطة لديه بالمزرعة.
"أنت عرفت كل ده إزاي يا عامر؟"
تمتم بها مصدومًا، فمها لا تفعل به هذا.
"خليت عامل عندي في المزرعة، يراقبها، لم تكونوا موجدين هناك"
واردف بعدما أخذ يطالعها لبرهة، ثم أشاح عينيه عنه.
"تفتكر إني مكنتش عارف بلقائتكم في المزرعة يا أحمد، أنا كنت عارف وساكت.. سيبتك يا أحمد تعمل اللي عايزه.. قولت يمكن أطلع في النهاية غلطان"
وبحقد كان يتغلل داخله من النساء.
"كلهم زي بعض، مافيش ست مخلصة"
"مها لاء يا عامر، أكيد كانت مجبورة على ده"
تمتم بها، بعدما هوى بجسده فوق الأريكة، فلم يعد يتحمل ارتخاء ساقيه من هول ما سمعه.
"يمكن مكنتش وحشة، يمكن ظروفها أجبرتها على ده.. ويمكن حاجات كتير تكون اتفرضت عليها.. لكن أنت مش سبب موتها وهي مكنتش ست وافية لدرجة تعيش عمرك كله على ذكراها"
"وليه محذرتنيش، ليه موجهتهاش.. فضلت تتفرج على الصورة من بعيد ليه؟"
وبنبرة جامدة كان يصرخ به.
"لو كانت واثقة فيك وفي حبك.. كانت جريت عليك وحكتلك.. لكنها كانت مستسلمة، ضعيفة.. رضيت تتجوزك في السر ورضيت تضيعك وتضيع نفسها"
أطرق رأسه أرضًا، يفرك عنقه.. بعدما استمع لكلامه.. فلو كانت تثق به.. لكانت أخبرته عن السبب الذي جعله تفعل ذلك.
"وعشان مفضلش عمري كله، في الصورة الوحشة دي، أحمد أنا وأبوك.. كنا هنرضخ لرغبتك.."
رفع رأسه، بعدما استمع لعبارة شقيقه الأخيرة، فقد مضى الوقت وفات الأوان ومن يتحدثون عنها قد رحلت.
"كانت ماتت يا عامر، مش كده.. ماتت وابني اللي في بطنها مات وراح"
رواية سطور عانقها القلب الفصل التاسع 9 - بقلم سهام صادق
احتضنته بقوة تضمه إليها كالطفل الصغير تخشى مفارقته.
انحنى أحمد نحوها بشفتيه يلثم كفيها يتمتم بدعابة:
- هتوحشيني أوي يا نونة، خلي بالك من نفسك.
فبكت ناهد وهي تشده نحوها أكثر، لا تريد تركه.
- هيوحشني حنانك عليا يا ابني، أنت الوحيد اللي معقبتنيش على غلطتي.. الزمن عاقبني، وأخويا عاقبني بكرهه ليا، لكن أنت لأ.
طالعها أحمد وقد ألمه قلبه عليها، ولكنه يعلم بأن عامر لن يظل هكذا، ومن حبه الشديد لها يعاقبها. وللأسف هذه هي طريقة شقيقه مع من يحبهم.
- عارفة يا ماما، الدنيا علمتني حاجة واحدة.
واردف وهو يضمها لصدره بحنان، يمسح عنها دموعها:
- علمتني معاقبش حد على حاجة عملها، مش يمكن الزمن يلف وأعمل أنا الحاجة دي... وملقاش اللي يسامحني.
وتنهد بألم يتذكر حديثه الأخير مع شقيقه:
- أو يمكن الظروف تكون بتجبر اللي بنحبهم، لكن ميقصدوش إنهم يأذوا.
لم تفهم ناهد عبارته الأخيرة، التي تمتم بها بحرقة لم تُخفِ عنها.
- أنت شبه أبوك الله يرحمه يا أحمد.. كان قلبه ديما كبير وبيغفر، يمكن هو ده كان سبب أخطائي الكتير، وعلى قد ما حبني كرهني وكنت أستحق ده.. في أخطائك مبتتغفرش يا ابني ولا بنعرف نغفرها.
- وضحت ساخرة من نفسها، فليتها كانت تتمتع بتلك الحكمة قديماً، ما كانت خسرت زوجها وأولادها.
- أصل في ناس بتفتكر إن الغفران والصفح والفرص الكتير اللي بنديهالهم ده ضعف، وإن عمرهم ما هيكرهونا أو هيتوجعوا مننا مهما عملنا في حقهم.
والتلمعت الدموع في عينيها مجدداً.
- وهو ده اللي أنا عملته مع أبوك، هو يغفر وأنا أغلط، يسامح وأنا أتمادي أكتر.
وأردفت بعدما ابتلعت غصتها، تتذكر غرورها ورونقتها بجمالها:
- أنا عارفة إن عامر بيحبني أوي، لكن مش قادر يسامحني ولا ينسى.
أغمضت عيناها، تندم على ما فعلته بهم.
- الذكريات فضلت مرسخة جواه، يمكن أنت كنت صغير، لكن عامر كان كبير وكان قادر يفهم ويستوعب.
وبكت بحرقة وهي تردف بخزي:
- أنا خذلتكم يابني، وضيعت منكم صورة الأم.. الأم اللي بتضحي وبتستحمل... مش الأم الأنانية اللي كل همها جمالها ومتعتها.
عاد أحمد يعانقها، يمسح عنها دموعها، يهتف بحنان:
- أوعي تعيطي يا ماما، إحنا جنبك أه.
وأخذ يداعبها بحديثه، لعله ينسيها ويُنسي حاله إنه سيبتعد عنها.
- عامر، أول ما حنان بلغته، إنها هتمشي عشان هتتجوز، قلب الدنيا والبلد عشان يجبلك مرافقة تخدمك وتبقى تحت رجلك، عامر طيب أوي، ومسيره في يوم هيحن ويلين وينسي كمان.
ذرفت دموعها، فضمها لحضنه حزيناً عليها، يستنشق رائحتها ويلثم جبينها حتى غفت.
وضعها برفق فوق وسادتها ثم دثرها بالغطاء، ونهض من جوارها مغادراً الغرفة.
وقف خارج غرفتها، يُحدق بشقيقه الواقف أمامه.
- حاول تعوضها عن غيابي يا عامر، كفاية قسوة عليها.
ابتسمت وهي تنظر في أسطر الكتاب الذي تقرأه، فقد أخذتها الكلمات للغوص في أحلامها الماضية ثانية. فارس الأحلام.. قصة خيالية تحكي عنها لأحفادها يوماً.. رجلاً تجمعها به حكاية مختلفة، وها هي تغرق في ملاح رجل لن تراه يوماً، ولن يجمعها به القدر ثانية.
شهقت بفزع وقد أطرقت جنة بخفة فوق رأسها لعلها تفيقها من شرودها البائس.
- شايفاكي رجعتي تسرحي من تاني، وده ميبشرش بالخير.
رمقتها صفا بمقت، وبخفة كانت جنة تلتقط منها الكتاب، تُطالع الصفحة التي تقرأها.
- اممم، كلام جميل.. فيها فلسفة عن فن اختيار الناس.
وانتبهت على إحدى العبارات، فحدقت بها تلوي شفتيها ممتعضة.
- لأ وكمان فن اختيار شريك الحياة.
وأخذت تُقلب في الصفحات، حتى بدأت ترى مواقف يسردها الكاتب عن علاقات البعض.
- هو اختيار شريك الحياة، محتاج كتب ودراسة كمان.
استاءت صفا من تهكمها، فالتقطت منها الكتاب حانقة.
- أنتِ إيه فهمك في الكتب، وآخرك كان قصص الأطفال.
اتسعت عينين جنة، وخرج صوتها في شهقة عالية.
- قصص أطفال.
هكذا كان يبدأ مزاحهما وينتهي بمجاورتهم لبعضهم، وكل منهن تخبر الأخرى عن أحلامها.
غفت جنة مرهقة، فلديها في الغد يوم حافل من المحاضرات.. لكن صفا عادت لأسطر الكتاب.
وقف رامي يلوح له بيده، بعدما بدأ الإعلان عن موعد رحلته.
علقت عيناه بـ أحمد مودعاً له، فقد اختار بداية الطريق.. طريق يشعر إنه مخبأ له الكثير من الأحداث.. إنها رحلته الجديدة ورحلات الحياة لا تكون إلا حافلة.
اختفى أحمد من أمام عينيه، فتنهد رامي بحزن وهو يغادر المطار.
طالع عامر الوقت، فقد أصبحت طائرة شقيقه مُحلقة في السماء الآن.
أغمض عيناه وقد بدأ الشوق يجثم فوق قلبه.
- سبتك تبعد عشان نفسك يا أحمد، يمكن تبدأ طريق جديد وحياة جديدة.
تنهد وهو ينهض عن مقعده في غرفة مكتبه، ينظر للملفات التي كان منكب عليها لمطالعتها، ولكنه هذه الليلة لا يمتلك الرغبة في فعل أي شيء.
صعد درجات الدرج بارهاق وبذهن شارد، لم يشعر بقدميه وقد أخذته نحو غرفة والدته.
وقف يحدق بالباب المغلق يصارع مشاعره، وبرفق كان يفتح الباب، يقترب من فراشها وقد غطى الظلام الغرفة إلا من تلك الإضاءة الخافتة المنبعثة من الأنوار الخارجية.
وبحب مهما أنكره وقسوة تملكت به مع الأيام، كان يطالعها، يتأمل ملامحها الحزينة على مفارقة صغيرها.
جثى فوق ركبتيه جوار فراشها وبرفق أخذ يمسح فوق كفها.
ضمت فريدة جسدها بالسترة الخفيفة التي تضعها فوقها، فارتعش جسدها برجفة خفيفة.
لقد رحل دون أن يرفق بحالها، دون أن يشفق عليها.. فقد صدق والدها حينا أخبرها إنها لن تجني من تلك العلاقة إلا التعاسة، وها هو والدها قد صدق وجنت التعاسة.
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق محياها، وهي تتذكر كيف عاد الأمل لوالدها أمس حينا علم برحيل أحمد.
فقد سنحت الفرصة لابنته أن ترى عامر السيوفي بنظرة أخرى، عامر الذي يعتبر هو الرأس الكبرى، ومن يمتلك الزمام في مجموعة السيوف.
فأغمضت عينيها، وقد عادت كلمة والدها تخترق أذنيها:
"لو عايزة تكوني سيدة أعمال ناجحة يا فريدة، أنسي حاجة اسمها حب.. لكن لو عايزة تختاري طريق الحب.. فخسارة يا بنت محسن الصواف."
وضعت سكرتيرته أمامه إحدى الدعوات، فطالع الدعوة دون أن ينظر إليها مستفهماً.
فأسرعت تخبره بما ينتظره:
- دعوة حضور حفلة لناصف بيه، واتصل بيك يا فندم من ساعتين، لكن حضرتك كنت في اجتماع، حتى إنه طلبك على رقمك الخاص.
رفع عيناه عن الأوراق التي أمامه، والتقط هاتفه ينظر للأرقام المسجلة في سجل المكالمات الواردة، فبالفعل الرجل هاتفه اليوم قبل ثلاث ساعات.
انصرفت السكرتيرة من أمامه، فحدق بالدعوة، دون أن يعرف موعد الحفل.
فليس لديه رغبة في الترفيه هذه الأيام، وقد ثقلت على أكتافه أعباء العمل.
غادر هذه الليلة من شركته في ساعة متأخرة بعض الشيء عن مواعيد خروجه، نهض الحارسان عن مقاعدهم ينتظرون تحركه بسيارته.
وقد انطلق بها سريعاً، فقد سمح لسائقه أن يعود لمنزله وألا ينتظره بعدما رأى علامات التعب فوق ملامحه.
غادرت المبنى التجاري الذي تعمل به، تنظر لساعة يدها في قلق.
فقد تأخرت عن موعد انصرافها، وذلك بسبب تأخيرها اليوم عن ميعاد العمل.
وأما كان يُخصم من راتبها الذي يكاد يكفيها بجانب معاش والدها الزهيد هي وعائلة شقيقها أو تنضاف عليها ساعات من العمل.
أسرعت في خطواتها، تعبر الشارع الواسع الذي يسير خلاله قلة من السيارات، فهي تختار الخروج من البوابة الأقل ازدحاماً، في طريقها نحو الخارج.
التقط هاتفها وقد عاد رنينه يصدح للمرة الثانية.
- أيوه يا ابتسام، أنا لسه خارجة من المول دلوقتي.
وقبل أن تشرح لها سبب تأخيرها.. كانت تسمعه ما اعتادت عليه يومياً.
أغمضت عيناها بقوة تمنع دموعها.
- الساعة عشرة يا هانم، ولا أنتِ عايزة الجيران ياكلوا وشنا.. مش كفاية لسه قاعدة معنسة لحد دلوقتي ولا حد راضي يبصلك ويخلصنا من همك.
تجاوزت حديثها الذي انغرز سهمه بسمومه في قلبها.
فما عساها أن تفعل وهي تعيش مع شقيقها.. وحتى لا تدمر حياته وتشتت أطفاله ما عليها إلا الصمت والتظاهر بالرضى.
- حاضر يا ابتسام.. هاخد مواصلة بسرعة وساعة وأكون في البيت.
خرجت شهقاتها وهي تسقط أمام السيارة التي صدمتها صدمة خفيفة بعض الشيء.
وقد أسرع سائقها في الترجل منها، ووقف يُعاينها بعينيه متسائلاً بقلق.
- أنتِ كويسة يا مدام؟
لم تهتم بكلمته، فبالتأكيد فتاة مثلها ترتدي ملابس واسعة من العصور القديمة كما يُخبرها صاحب العمل ورفيقاتها بالعمل، ذو جسد ممتلئ بعض الشيء.. سيراها الناس هكذا "مدام".
انحنى عامر صوبها وقد أصابه القلق من صمتها.
- يا مدام.
رفعت حياة عيناها نحوه، بعدما التقطت هاتفها الذي تحطم.
- أنا كويسة.. ممكن بس تبعد رجلك شويه.
قطب جبينه مستغرباً، ما نطقت به، ولكنه فعل لها ما أرادت يهتف داخله حانقاً من هذا اليوم الذي يريده أن ينتهي.
انتبه على ما التقطته من أسفل قدمه، ولم تكن إلا بطارية الهاتف.
وعلى ما يبدو إنه كان هاتف جديد.
تنهدت بحزن فهي لم تدفع ثمنه بعد، وها هو يتحطم منها.
- قوليلي عنوانك إيه وأبعتلك مكانه واحد.. رغم إنها غلطتك وكنتي بتتكلمي في التليفون.. لكن أنا متحمل الخساير.
ألقى عبارته ورمقها متفحصاً، حتى يتأكد إنها بخير، فاشاحت عيناها عنه متمتمة بعدما نفضت ملابسها.
- أنت قلت إن أنا اللي غلطانة، وحصل خير يا فندم.
ألقت عبارتها الأخيرة، وأسرعت مبتعدة، تحت نظرات عامر الذي وقف مصدوماً وأسرع بالهتاف.
- يا مدام.
ولكنها ابتعدت دون أن تلتفت نحوه، التوت شفتيه بامتعاض وهو يحدق بها.
- هي حرة، أنا عرضت وهي رفضت.
دلف للحفل التي تضم صفوة المجتمع، مقرراً إنه سيظل بضعة دقائق ثم سيرحل.
رحب به السيد ناصف بشدة واجتذبه نحو بعض الأصدقاء ليعرفهم عليه.
اتخذ الحديث مواضيع كثيرة، ولم يستطع عامر التخلص منهم.
التقط أحد المشروبات الباردة، وقد علقت عيناه بـ فريدة التي دلفت للتو دون والدها.
أشفق عليها، فبالتأكيد أصبحت تكرهه هو وشقيقه رغم أن الأعمال بينهم مازالت مستمرة.
ارتشف عصيره دفعة واحدة، يحاول أن يبتلع تلك الثرثرة التي أصابته بالضجر.
فاستطاع أخيراً التملص من رفقة الواقفين معللاً:
- اسمحولي أعمل تليفون مهم.
- اتفضل يا عامر بيه.
اتجه نحو الشرفة الواسعة التي تطل على حديقة المنزل، يقف قليلاً داخلها يعبث بهاتفه.
انتبهت فريدة على وجوده بعدما كانت تلتف حولها، ولا تعلم لما تضع اللوم على عامر الذي قربها من شقيقه وجعلها تقع في شرك الحب.
التقطت كأس العصير وعيناها عليه حتى وقف في الشرفة بعيداً عن الأنظار.
- كأس العصير ده مش بتاع حضرتك يا فندم.
أراد النادل أن يلتقط كأس العصير منها، وقد بهتت ملامحه، وهو ينظر نحو السيدة الأخرى التي انزوت في ركن بعيد تطالعه بغضب، فها هي قد خسرت فرصتها.
- نعم.
هتفت بها فريدة حانقة، وقد أشاحت بكأس العصير عنه، جوارها.
- أنت سامع نفسك بتقول إيه.
- يا هانم أنا مقصدش.
وأشار نحو أحد الأشخاص وقد كان على بضعة خطوات منها، إنه يعرف هذا الشاب، ابن شقيقة السيد ناصف.
- يا فندم، أرجوك.
كان النادل ملحاً في رجائه، حتى إنه كاد يبكي.
- بصراحة عجبني العصير.
في دفعة واحدة كانت تبتلعه، عناداً به.
اتسعت عينين النادل وقد غادرت السيدة التي أعطته هذه المهمة بعدما خشيت مما سيحدث.
أسرع النادل بالمغادرة، فبعد عشر دقائق سيبدأ مفعول المنشط وستحترق من الرغبة وستحدث فضيحة سيتحدث عنها الجميع.
لم يكن هذا الهدف الأساسي، بل من دبرت للأمر لم تكن تريد إلا ابن عمتها.
أرادت أن تشعل الرغبة بداخله ثم تجره لغرفتها حتى تريحه ويتم الأمر كما خططت له مع أصدقائها.
شعرت فريدة بالحرارة تسري بجسدها، فقررت الخروج للشرفة، وقد أتتها الفرصة حتى تخرج غضبها نحو عامر، ذلك الذي يظن نفسه فوق الجميع.
اقتربت منه، وقد زادت حرارة جسدها رغم ما ترتديه من ثياب خفيفة بعض الشيء.
- شجعتني قرب منه، وفي الآخر سابني.
التفت عامر بعدما استمع لصوتها الحزين، واقترب منها.
فهو بالفعل يلوم حاله ولم يكن يتمنى أن ينتهي الأمر هكذا.
- أنتِ تستاهلي أحسن من أخويا يا فريدة، أحمد هو الخسران.
صفقت بيديها وهي تسمعه، وقد اشتعلت نيران الغضب داخلها.
- أخوك مخسرش حاجة، أخوك كسب إدارة كبيرة في أمريكا.. لكن أنا خسرت.
- كلنا بنخسر في الحب عادي يا فريدة.. اعتبري الموضوع صفقة وخسرتيها.
مقتت عبارته، فهل يقف يحدثها بعبارات والدها هو الآخر.. صفقة وقد خسرتها.
- صفقة؟.. صحيح عامر بيه هيتكلم في إيه غير صفقات.
طالعها بجمود، فتعالت ضحكتها واقتربت منه حتى أصبح لا يفصلهما شيء.
فعادت السخونة تسري بجسدها، وبألم حارق لا تعرف مصدره تساءلت، بعدما تجاوزت عن حديثها.
- هي الدنيا حر، ولا أنا حرانة.
طالع المكان حولها، متعجباً سؤالها.
- الجو حلو يا فريدة.
- بس أنا حاسة إن الدنيا حر.
هتفت عبارتها وهي تمسح فوق وجهها.
تعجب عامر من رؤية خديها يتوردان بتلك الطريقة.
- مش قادرة آخد نفسي.
أصابه القلق وهو يراها هكذا، وكيف ابتعدت عنه تنحني بجسدها.
- فريدة تعالي أخدك لدكتور.
التقط ذراعها، وتحكم في إسنادها.
- حاولي تقفي وتمشي معايا ثابتة.. تمام.
أومأت له برأسها، وسارت جواره وقد غادروا الحفل، وسخونة جسدها قد ازدادت، بل وهناك شعور مختلف يخترقها.
أجلسها في سيارته برفق وقد أعطى سائقه مهمة توصيل سيارتها لمنزلها.
استقل مقعده، ينظر إليها وهي تعبث بحمالة ثوبها.
- عامر ممكن تشغل المكيف.
أسرع في إجابة طلبها، بعدما أغلق نوافذ السيارة، وقد بدأ المكيف بالفعل ينشر برودته داخل السيارة.
ولكن تجمدت عيناه فجأة، وهو يجدها تحرك كفها فوق ذراعه، بل وتلتصق به.
- فريدة.
توقف جانب الطريق بعدما لم يعد يتحكم في التخلص من ذراعيها وقد وصل الأمر لأشياء لم يتخيلها.
كان طريق مظلم وخالي من السيارات.
- فريدة أنتِ بتعملي إيه.
وبعبارات لم يكن يتخيل أن يسمعها منها، كانت تهمس بها.
اتسعت عيناه في صدمة، فقبض فوق كفيها يدفعها عنه.
- أنتِ أكيد شاربة حاجة، فريدة فوقي.
صفعها بقوة، ألمتها، فسقطت دموعها تهتف اسمه.
- عامر، أنا مش عارفة فيا إيه.
شعر بالندم لفعله، واقترب منها يمسح فوق خدها.
- خدي اشربي ميه، الموضوع فيه حاجة.
وقبل أن يتم عبارته، كانت تندفع نحوه، لا يستوعب إنها تقبله بل تخبره إنه طيب وحنون.
دفعها عنه، صارخاً بها.
- أنتِ مش في وعيك.
حاول أن يدير سيارته ثانية ويتحكم في القيادة، ولكنها كانت امرأة أخرى أمامه، امرأة يرى فيها الإصرار نحو شيء ما.
رواية سطور عانقها القلب الفصل العاشر 10 - بقلم سهام صادق
فتحت عيناها بصعوبة، وقد أخذ الألم يطرق رأسها. طالعت المكان حولها، فانتابها الخوف وهي تنتفض من فوق الفراش. إنها ليست في منزلها.
علقت عيناها بحذائها الملقي جوار الفراش. وعندما التفت بجسدها قليلاً، كانت المرآة قبالتها. فستانها أصبح مجعد، ملامحها ملحوظة بزينتها. ثم اقتربت من المرآة ببطء تفحص حالها بتأكيد بعدما بدأ الذعر يرسم فوق ملامحها. وسؤال واحد يخترق عقلها: فما الذي حدث ليلة أمس؟
عاد ألم رأسها يطرق بقوة، ومعه كانت تتضح لها الصورة المخزية. وشهقة قوية كانت تخرج من شفتيها. تتذكر بعض المقتطفات.. فقد تحرشت برجلاً، بل إنها كادت أن..
وقبل أن تقتحم الحقيقة عقلها.. كانت حدقتاها تتسعان، تضع بيدها فوق شفتيها.
"لاااا"
هذا الرجل من يكن، وقد بدأت تتضح لها ملامحه شيئاً فشئ. إنه "عامر السيوفي".
أغمضت عينيها بقهر، تتذكر وهي تقبله بل وتخبره بألفاظ لم تخرج من شفتيها يوماً، بل لا تخرج إلا من فتيات الليل.
فركت وجهها بقوة، وتراجعت نحو الفراش تتهاوي عليها. فلا لم يعد لديها قدرة لتنظر نحو حالها في المرآة.
طرقات خافتة كانت تُخرجها من شرودها، وتلك الذكرى السيئة التي ستظل في ذهنها. دلفت الخادمة بعدما لم تجد رداً. فكما أخبرها سيدها، إذا لم تحصل على الإجابة.. فتدلف وترى الضيفة حتى تطمئن عليها.
والضيفة لم تكن مجهولة بالنسبة إليهم. لقد أتت مرتين لهنا من قبل للسيد الصغير.
"عامر بيه مستني حضرتك على الفطار يا هانم."
طالعتها فريدة، بعدما رفعت وجهها عن كفيها.
"محتاجة مني حاجة ياهانم؟"
وعندما لم تحصل إجابة منها، كانت الخادمة تنصرف لأسفل وعقلها يتنقل هنا وهناك.. غير مصدقة أن يكون السيد الكبير.. أنخرط في علاقة معها.
صعد "عامر" الدرج بعدما استمع لما تخبره به الخادمة. وقف أمام الغرفة التي وضعها بها ليلة أمس. ولا يعلم لما لا تذهب صورتها عن عقله. يلوم حالها، إنه بالفعل كان سيضعف معها لولا اقتراب تلك السيارة منهم.
نفض ما يقتحم رأسه، وزفر أنفاسه حتى عاد الجمود يرسم فوق ملامحه. وبرفق كان يطرق الباب هاتفاً باسمها.
"فريدة."
انتفضت "فريدة" من فوق الفراش الذي جلست عليه، وقد أصابتها الصدمة. وعندما علقت عيناها به.. سقطت دموعها.
"أنا مش عارفة عملت كده إزاي."
أخفت وجهها عنه من شدة خزيها، ثم تعالت شهقاتها وهي لا تصدق إنها فعلت هكذا ومع من. رجلاً شريك والدها.. رجلاً تحترمه وتقدره ولا تراه إلا في صورة الشقيق.. رجلاً شقيق لمن عشقت.
"مكنتش في وعي، صدقني مكنتش في وعي."
"فريدة ممكن تهدي، أنا متأكد إنك مكنتيش في وعي."
بصعوبة كانت تهتف، بعدما طرقت رأسها أرضاً حتى تبتعد عن نظراته. ويتذكر ما فعلته وتسقط من عينيه.
"أنا مشربتش غير عصير في الحفلة."
وعند هذه العبارة.. كانت تتسع حدقتاها وهي تتذكر إصرار النادل عليها.. ألا ترتشف من هذا العصير.
"أيوة العصير."
رمقها مستفهماً، وقد ضاقت عيناه ينتظر سماعها. ولكنها وجدها تهوي فوق الفراش وتدفن رأسها بين كفيها.
"مالها العصير يا فريدة، احكيلي اللي فكراه."
وبضعف كانت ترفع عيناها إليه. فهي لا تريد إلا أن تمحي تلك الليلة من ذهنها. لقد كانت في أحضانه.. تدفعه ليسقط في شرك الخطيئة. وبصعوبة كانت تسرد عليه.. ما حدث مع النادل وكأس العصير الذي كان من المفترض أن يكون لشخص آخر.
"أهدي يا فريدة، أهدي عشان نفكر هنقول إيه لوالدك."
عادت تنتفض من مكانها بوهن، فقد تذكرت أمر والدها.
"بابا، ارجوك بلاش تقوله حاجة."
انسابت دموعها مجدداً وقد خارت قواها. فقد ضاعت صورتها أيضاً أمام والدها. وعندما تعلقت عيناها بعينين الواقف.. هتفت برجاء.
"أرجوك، خليه سر بينا، وعمري ما هنساه ليك الجميل ده أبداً."
"مين قالك إن محسن باشا عرف حاجة، أنا بفترض."
وتنهد بأرهاق، فلم تغفل جفونه ليلة أمس. بعد ما حدث.
"عموماً أنا بلغت كريمة بوجودك في بيتي، لكن من غير أسباب..، وأظن إن كريمة هانم ست متفهمه وحكيمة."
رمقته بقلة حيلة، وقبل أن تتحرك نحو المرحاض.. حتى تمسح زينتها وترتب من ثيابها لترحل. ولكن كان صوت والدها يعلو بالأسفل باسمها.
"فريدة."
وقد حدث ما كانت تخشاه.
احتدت عينين "السيد محسن" وهو يرى ابنته تتبع "عامر" بتلك الهيئة. هيئة لا توحي إلا شيئاً واحداً.
"بنتي بتعمل إيه هنا، يا عامر بيه."
توترت "فريدة" تنظر نحو "عامر" الذي طمئنها بنظراته.
"وده سؤال برضوه يا محسن بيه، سؤالك بيوحي إنك مش مطمن على بنتك في بيتي."
راوغ "عامر" قليلاً. فتنهد "محسن" بضجر.
"أنت عارف إن واثق فيك يا عامر، لكن قولي السبب اللي يخليها هنا معاك وأنت راجل عازب."
وقبل أن يتخذ "عامر" أي ردة فعل.. ألقى "محسن" نحوه الجريدة.
"شايف سمعة بنتي بقت بسببكم إيه؟"
واردف متهكماً، وهو يرمق ابنته التي لأول مرة تقف أمامه دون أن تُدافع عن نفسها.
"الأخ الصغير، والأخ الكبير.. أيهما سينال وريثة محسن الصواف."
امتقعت ملامح "عامر" وهو يُلقي الجريدة أرضاً، وقد أسرعت "فريدة" في التقاطها حتى ترى ما دون عنها.
"اللي نشر الكلام السخيف ده لازم يتعاقب..، مش تيجي تتهمني يا محسن بيه."
طالعت "فريدة" الخبر، تنظر في عينين والدها. أنتابها شعور أن والدها هو الفاعل. والدها يسعى لتزويجها من "عامر السيوفي" منذ أول شراكة بينهم. وها هو يفعل فعلته. وبالتأكيد كان على علم بالصورة التي التقطت لها أمس مع عامر وهو يحيط خصرها حتى تستطيع الوقوف على قدميها بسبب ما وضع في المشروب الذي تناولته.
"الإجابة، لسا مأخدتش منك يا عامر..، بنتي هنا بتعمل إيه في بيتك بعد ما كنتوا في الحفلة سوا."
وبنظرة طويلة، كان يفهم ذلك الواقف أمامه. "محسن الصواف" يلعبها معه.
"الأجابة عند فريده..، لكن لو شاكك في بنتك وشاكك فيا..، فببساطة أختار أنت الحلو."
هنا لم تتحمل "فريدة" رؤية حالها هكذا. والدها يريد سماع كلمة واحدة.. كلمة تعلم أن إذا نطقها "عامر" سيكون من أجل إنقاذها. ولن تفرض نفسها في حياة رجل مرة أخرى.
وبصعوبة كانت تخبر والدها بما حدث في الحفل. ولكنها لم تخبره بما حاولت فعله. أشفق عليها "عامر" وهو يراها تتهرب بعينيها عن والدها. ولم يكن محسن بالغبي حتى يظن أن الأمر انتهى بجلبها لبيته دون أن يحدث شئ، وتكون حالة ابنته هكذا.
"معنديش مشكلة، نتجوز أنا وفريده يا محسن يا باشا."
وهنا كانت تلمع عينين "محسن" من فرط السعادة. فهذا ما كان يطمح إليه. تجمدت ملامح "فريدة" تهتف برفض.
"لا."
تقدمت من السيد فتحي تعطيه قطعة من الكعك الذي صنعته. طالع العلبة التي تضعها أمامه متسائلاً بعدما أغلق الدفتر الذي أمامه.
"عاملة حسابي في كل ده يا صفا."
نفت "صفا" برأسها سريعاً، فهي تعرض عليه قطعة واحدة.
"مش عارف أقولك إيه يا صفا، إنتِ حقيقي موظفة مخلصة."
أسرعت في إبعاد العلبة عندما رأته يصر على أخذ العلبة بأكملها.
"يا أستاذ، ما أنا هزيت راسي وجاوبتك، بلا.. يعني العلبه مش كلها ليك."
لم يعبأ السيد فتحي بحديثها، فالتقط العلبة منها. بعدما وقفت مصعوقة من فعلته.
"وأنا مش هزعل منك يا صفا، هاخد كل القطع وأسيبلك قطعة واحدة على قدك."
وبالفعل، تم ما أراده. وقد عادت لمكتبها الصغير تنظر للقطعة الصغيرة التي أعطاها له، وأخذ باقي القطع يلتهمهم بجوع.
"طلعة شاطرة زي عمتك، نفسكم حلو."
تمتم بها، بعدما مسح فوق شفتيه وهو يرمق القطعة الأخيرة التي أمامها ولم تمسها. وعندما رأت نظراتها نحوها.. التهمت القطعة سريعاً، تهتف بخفوت.
"أنا عرفت ليه محدش بيكمل معاك في الشغل..."
وأخذت تندب حظها.
"آه يا حظك يا صفا..، حظي اشتغل مع فتحي اللي مش راحم طبق."
"بتقولي حاجة يا صفا."
"بقول سلامتك يا أستاذ فتحي..، أصلك كنت بتكح."
شكلك مش مسامحة في الكيكه يا صفا.
رمقها مبتسماً بسماجة قد تعلمتها منه، كما أصبحت تخبرها "جنه".
"أنا أعمل كده يا أستاذ فتحي، ده أنت خيرك عليا."
اتسعت ابتسامة "فتحي"، يُداعب شاربه.
"يا صفا يا بنتي..."
وقبل أن يتم عبارته ويخبرها عن مدى كرمه وفضله على الجميع، أسرعت هاتفه.
"كله لوجه الله يا أستاذ فتحي."
"آه والله، الواحد مش عايز من الدنيا ديه غير الستر والصحة وحب الناس."
"والفلوس والأكل والستات، ولا إيه يا أستاذ فتحي."
"في إيه يا أستاذة صفا، أنتي جاية تهزري..، ولا عايزاني أخصم منك."
أسرعت تنكب فوق الدفاتر، فلا تحتاج للخصم آخر من راتبها. مر الوقت وقد ضجر "فتحي" من الصمت.
أخذ يسألها عن تفاصيل حياتها، وهل لوالدتها أهل، وأين هم باقية عائلته.
"معنديش غير عمتي بس يا أستاذ فتحي."
استمرت أسئلته، ولم يلاحظ ذبول عينيها عندما ذكرها بفقدها لهم. كادت أن تبكي ولولا ظهور صاحب العينين الزرقاء في مخيلتها ما كانت تجاوزت حالتها.
"هو أنت تقرب لصاحب المزرعة فعلاً يا أستاذ فتحي؟"
تمكنت من تجاوز الحديث عن حياتها، وقد تركت "فتحي" يحكي لها عن القرابة العظيمة التي يفتخر بها. ويا لسعادة فتحي وهو يخلق بعض القصص التي لا وجود منها. وصفا تطالعها بانبهار وتصدقه رغماً عنها.
أرادت أن تعرف كثير التفاصيل، عن صاحب الأعين الزرقاء ولكنها خشيت أن يُفسر سؤالها بشيء خاطئ. ولكن ها هي لديها معلومتين مؤكدتين عنه: "مهندس، وأعزب".
طالعت السيدة كريمة، شقيقها الذي تعلى صراخه على صغيرته لأول مرة. لم تفهم سبب صراخه في البداية ولكن ما جمدها في وقفتها وادهشها، أن "عامر السيوفي" أراد الزواج من "فريدة".
"عقليها يا كريمة، لأنها شكلك اتجننت خلاص."
صرخة بها وهو يغادر غرفتها، فاجهشت فريدة في بكاء مرير.
"كده يا عمتو تقوليله، إن في بيته وانتي عارفه إنه بيدور على أي فرصة عشان يجوزني ليه."
"والله يا بنتي غصب عنه، وخصوصاً موضوع الجريدة خلاني اضطر أقوله..، غير قلقي عليكي وأنا مش فاهمة سبب وجودك عندك في بيته."
دفنت "فريدة" رأسها بين ساقيها. فمدت "السيدة كريمة" يدها نحو خصلاتها تمسح فوقهم برفق.
"هو موضوع العصير ده صح يا فريدة؟"
رفعت عيناها نحو عمتها، مصدومة من سؤالها. فكيف لها أن تشك بها وهي من ربتها.
"أنتِ بتشكي فيا يا عمتو؟"
"لا يا حبيبتي، أنا عارفة أنك مبتكذبيش."
واردفت بعدما طالعت نظراتها الواهنة.
"الحكاية مش كاملة يا فريدة، أكيد في سبب خلي عامر السيوفي يعرض الجواز بسهولة كده على محسن، ويديكي فرصة تفكري."
انتظرت "السيدة كريمة" أن تسمع ردها وعندما طال صمتها.. أصابها الشك أكثر. وهي تنفي برأسها غير مصدقة.
"حصل بينكم علاقة؟"
لجمت الصدمة لسانها، تنظر لعمتها وقد تعلى الشحوب فوق ملامحه.
"كان ممكن يحصل وأضيع..، لو مكنش هو موجود."
فتعالت شهقة "كريمة"، وقبل أن تستفهم عن شيء.. كانت تخبرها بما تريده.
"طيب ليه رافضة تتجوزي، يا فريدة..، اللي انتي بتقوليه إن عامر كان ممكن يتجاوب معاك."
نفضت رأسها، بعدما نهضت من فوق فراشها.
"أي راجل بيحصل معاه كده..، كان ممكن يتجاوب ويستمر كمان."
وأخذت تطرق فوق رأسها، مما جعل "كريمة" تنهض من فوق الفراش. تلتقطها نحوها وتضمها إليها.
"ارجوكي كفاية يا عمتو، أقف جانبي..، أنا كنت بحب اخوه ومازلت بحبه..، ليه عايزني أكون ضحية."
شعرت "كريمة" بالندم من حالها، وتجمدت ملامحها وهي تستمع لعبارة صغيرتها عن فعلة والدها.
"محسن بيه هو اللي ورا الصورة والمكتوب في الجريدة..، شوفتي عايز يوصلني لأيه."
ضمتها "كريمة" إليها، وقد بدأت الصورة تتضح أمامها.
"تجاوزي اللي حصل يا فريدة، ومن كلامك عن شهامة عامر السيوفي..، هيقف معاكي في أي قرار."
جلست "فريدة" قبالته في المطعم الذي اتفقت معه.. أن تقابله فيه. أطرقت رأسها هاربة من نظراته.
"فريدة لازم تنسى الحكاية، زي ما أنا نسيتها."
"مش قادرة، مش قادرة افتكر إني.."
قطع حديثها، فلن تتجاوز هذه الليلة إذا ظلت هكذا.
"خلينا نتكلم في الموضوع اللي متقابلين عشانه يا فريدة."
استطاع أن يجذبها نحو الحديث الذي التقوا من أجله، فرفعت عيناها نحوه.
"أنا مش موافقة على فكرة الجواز."
وبهدوء كان يسترخي فوق مقعده، يسألها عن السبب.
"ممكن أعرف السبب؟"
تسأل ببرود، مما أعاد إليها شخصيتها مجدداً.
"سبب إيه، هو إحنا بينا قصة حب..، ما حضرتك عارف السبب."
فرجت شفتيه في ابتسامة واسعة. فقد عادت فريدة التي يعرفها. وعندما رأت ابتسامته وفهمت هدفه من إثارة حنقها.
"شكراً على اللي عملته معايا، لو واحد غيرك-"
"فريدة، قولنا ننسى خلاص."
أومأت له برأسها، فيجب أن تنسى وتتجاوز هذه الليلة. وبهدوء كان يتسأل ثانية.
"رفضك بسبب أحمد مش كده؟"
عادت تُحرك له رأسها، وبنبرة خافتة كانت تُجيبه.
"أنا حبيبت أحمد، قولي ازاي أكون مراتك وأنا كنت برسم أحلامي معاه."
ابتسم "عامر" وقد ازداد تقديره لها. لقد خسرها شقيقه بالفعل.
"أحمد كان هيكون محظوظ لو اتجوزتوا يا فريدة..، لكن للأسف هو عايز يعيش في الماضي."
طالعته متفهمة، فلن تركض خلف سراب الحب مجدداً.
"أنت عارف إن بابا، ليه يد في نشر المقال في الجريدة."
فاجأه من معرفته بالأمر، وما زاده دهشة وهو يخبرها عن معرفته بنية والدها منذ البداية.
"أنت كنت عارف."
ابتسم وهو يري صدمتها في معرفته لكل شيء يدور حوله.
"محسن بيه للأسف نسي، إني عامر السيوفي يا فريدة."
واردف وهو يطالعها باهتمام.
"رأيك الأخير يا فريدة."
والجواب كان يحصل عليه مرة أخرى، وهو الرفض الذي أراحه.
دارت بعينيها في المكان، تبحث عنه في المطعم الذي اعتاد المجيء إليه منذ أن أتى لأمريكا. لقد أصبحت جميع معلوماته لديها. وما عليها إلا التقرب منه حتى تنال هدفها.
وجدته يدلف للمطعم يتجه نحو طاولته التي اعتاد الجلوس عليها، بعدما خلع معطفه الصوفي. ليلتقطه منه الشخص المخصص لهذا العمل.
طلب وجبة إفطاره الخفيفة من كعكة وقهوة برائحة البندق، وجلس مرتخي الجسد يُطالع المعالم الخارجية للمكان.
طالعته بنظرات طويلة، ولو لمح نظراته نحوها لأعتقد إنها معجبة به، لكنه كان لا يهتم بمطالعة أحد. جلب له النادل فطوره، ومعه الجريدة كما اعتاد. فقد أصبح زبون هنا.
الدقائق كانت تمر، وهي كانت تجلس تُطالعه لا أكثر. وقد اقترب موعد انصرافه ولم تتقرب منه بعد. التقطت أنفاسها ببطء. تُخبر حالها إنها في مهمة ويجب عليها تنفيذها.
استجمعت شجاعته ونهضت عن مقعدها، بعدما طالعت هيئتها في مرآتها خاصة. جذبت تنورتها القصيرة بعض الشيء، وبخطى هادئة. أخذت تقترب منه بثقة. فمن يقاوم أمرأة مثلها.
وقفت قبالته بقوامها المتناسق الممشوق، تبتسم إليه. وقد كان يرتشف من فنجان قهوته ويقرأ أحداث العالم من خلال الجريدة. وبخطوة مدروسة أتقنتها كانت تمد له يدها هاتفة.
"ازيك يابشمهندس."
رمقها "أحمد" بتمهل شديد، بعدما ترك فنجان قهوته. ترقبت ردة فعله من نظرته ولكنها لم تحصل على أي ترحيب منه. تجاوزت الأمر، وجلست فوق المقعد، تسب أهدابها تنظر إليه بخجل ونعومة.
"اكيد حضرتك مش عارفني، انا أميرة مهندسة منتدبة من شركة الامارات العربية للشركة المعمارية الامريكية هنا، اللي حضرتك مساهم فيها بأسهم وتصميمات."
وسمحت لعينيها هذه المرة تتعلق به بثقة.
"بجد أهنيك على علي نجاحك وبارعتك يا بشمهندس."
لانت ملامحه عندما علم بهويتها، فابتسم بدوره.
"أهلاً يابشمهندسة."
رحب بها برسمية لم تخفِ عنها. فادركت أن مهمتها لن تكون سهلة مع رجل مثله.
وبجرأة أصبحت من صفاتها، وعدم صدمة طلبها.
"ممكن آخد فطاري معاك..، حبة أدردش معاك شوية ولا هاخد من وقتك."
وقبل أن تستمع لحديثه، أعقبت حديثها بدعابة.
"جلسة عملية بحتة متقلقش يا بشمهندس."
ورغم عنه كان يضحك على حديثها، أومأ له برأسه. فلن يستطيع إحراجها.
"قدامي عشر دقايق بس، أنتي عارفة المواعيد هنا بالدقة."
"أكيد يا بشمهندس."
وقد بدأت أول خطواتها مع رجلاً مثل "أحمد السيوفي" صيدها القادم وشقيق "عامر السيوفي". ذلك الرجل الذي دهسها أسفل قدميه.
لقد صار العمل على قدم وساق، فالسيد الكبير في عطلة هنا لبضعة أيام. تنهدت بارهاق بعدما وقت الراحة خاصتها. دلكت جبينها ثم فركت عيونها ونهضت تتمطأ بذراعيها قليلاً فالغرفة خالية بها. "فالسيد فتحي" أصبح ملازم للسيد الكبير حتى يريه إخلاصه وتفانيه في العمل.
ارتسمت السخرية فرق محياها، فهذا ما يحدث له عندما تتذكر "السيد فتحي".
جاء وقت انصرافها أخيراً. وكان اليوم أبكر بساعتين. فهذا الشهر يتم فيه الجرد وليس به أعمال كثيرة.
قررت أن تسير داخل المزرعة وتخرج من البوابة الأخرى. ورغم إنها اتخذت الطريق الطويل إليها حتى تعود للمنزل.. إلا إنها أرادت السير قليلاً وتأمل الأشجار التي تُحيط المزرعة.
استمعت لصهيل فرس يمر جوارها، وقد انكمشت على حالها حتى تجاوزته. ولكن سرعان ما انتبهت أن الذي مر من جوارها ما هو إلا مالك المكان، السيد عامر الذي سمعت عنه.
التفت خلفها. ولكنها لم تر إلا الغبار الذي خلفه خلفها. أكملت خطواتها مستمتعة برائحة الفواكه وقد انعشتها نسمات الهواء التي أخذت تداعب خديها.
توقفت في مكانها وهي سيدتين يتحركان نحو الطريق الذي ستغادر منه. ومن هيئة إحداهن كانت تعلم إنها السيدة الكبيرة التي يتحدثون عنها.
غرزت قدم المرافقة في الطين ولم تكن منتبهة، فوقفت السيدة العجوز بعصاها.
"قولتلك يا هانم خلينا نمشي من الطريق التاني."
تمتمت المرافقة حانقة، وقد اختفى الارتياح من فوق ملامح "ناهد". تقدمت "صفا" منها وقد كانت تشاهد الأمر من بعيد. تمد للمرافقة كفها تُصافحها.
"أنا شغالة هنا في المزرعة، خليني أساعدكم..، زي ما إنتِ شايفة في طين المكان."
طالعت السيدة الجميلة، تنظر لعينيها بانبهار حقيقي.
"حضرتك أكيد كنتي ملكة جمال في شبابك."
وأسرعت في تكملة عبارتها، بعدما رأت تلك الابتسامة التي ارتسمت فوق شفتيها.
"ومازلتي، جميلة."
أطرب "ناهد" حديثها، وشعرت بالأرتياح لتلك الغريبة التي تستمع لصوتها متسائلة.
"اسمك إيه."
"صفا."
"نرجع يا هانم."
هتفت بها المرافقة بعدما شعرت بالضيق من وقفتها في الطين هكذا، وقد اتسخت ملابسها.
"ارجعي إنتِ، صفا هتاخدني تفرجني على المكان."
اتسعت حدقتي "صفا" ذهولاً من طلبها. ولكن سرعان ما حركت رأسها بحماقة. وكأن السيدة الكبيرة تراها.
"مش كده يا صفا، ولا عندك شغل."
"عامر بيه، مفهمني مسيبش حضرتك يا هانم."
ولكن "ناهد" انتظرت سماع عبارة الواقفة.
"من عنيا."
وببساطة كانت تجيبها، ابتعدت المرافقة. بعدما احتلت "صفا" مكانها وقد ابتسمت "ناهد" وهي تستمع لصوت المرافقة المتذمر.
أتبعتهم المرافقة غاضبة، ولو غصب السيد عامر، لكانت عادت لبيت المزرعة.
طالت الجولة، وقد ضجرت التي تسير خلفهم. ولكن "ناهد" كانت مستمتعة رغم تعب ساقيها. ولكن فجأة توقفت عن السير تلتقط أنفاسها. فأسرعت المرافقة إليه تدفع "صفا" عنها.
"مش قولتلك يا هانم نرجع، آه ميعاد الدوا جه وإحنا لسا برة المزرعة."
"طيب فين علاجها، بدل ما بتتكلمي اديهولها."
حدقت بها المرافقة بملامح ممتعضة، وتجاهلتها تبحث في هاتفها عن حتى تهاتف رب عملها لتخبره عما حدث. رمقتها "صفا" بغضب ولكن سرعان ما كان يتملكها الخوف وهي ترى وتيرة أنفاسها ترتفع وتلتقط أنفاسها بصعوبة. انتبهت على صوت المرافقة وهي تُحادث الطرف الآخر بخوف وتعلم ما ينتظرها حين العودة.
"حاولي تاخدي نفسك براحتك يا هانم."
وعندما انتبهت على وجود "صفا" هتفت بضيق.
"إنتِ لسا واقفة هنا، البيه لو جه وشافك فيها طردك."
امتقعت ملامح "صفا" وتجاهلتها، فقلقها كان منصب نحو السيدة الجميلة التي ذكرتها بوالدتها.
"هطمن عليها وأمشي."
"يبقى خليكي واقفة، لأن البيه لازم يعرف إنك السبب."