الفصل 3 | من 42 فصل

رواية سيد الكبرياء الفصل الثالث 3 - بقلم ميفو سلطان

المشاهدات
31
كلمة
5,406
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

كانت فلك قد دفعت القسط وانتوت أن تعود للبيت، إلا أن قربها من الجيم جعلها تقرر أن تذهب لخطيبها وتعود معه إلى البيت. دخلت فلك الجيم تبحث عنه بعينيها، كان الجيم خاليًا، ليتسلل إلى سمعها صوت هتاف وشجار مكتوم. تجمدت لحظة في مكانها، ثم اندفعت نحو الصوت بخطوات متسارعة.

وما إن انعطفت حتى انصعقت، عندما وجدت رجلاً ذا بنية عريضة يمسك خطيبها من ياقته يهزه بعنف، ووجه عماد محتقن بالاحمرار، وأنفاسه متقطعة كمن يختنق، والرجل كالمجنون يصرخ فيه. ظنت أنه يضربه، وبلا تفكير اندفعت، وامتدت يدها سريعًا تمسك أحد الأسطوانات الخاصة بالجسم، وبغضب وخوف معًا، هوت بها على ظهر صهيب، وترزعها في ظهره.

كان صهيب مهتاجًا يصرخ بجنون في عماد، وفجأة شعر بخبطة مفاجئة قوية أطاحت بتوازنه وجعلته يرتتمي على عماد من شدتها. تسمر مرة واحدة، ثم استدار بعنف. وما إن استدار حتى توقف فجأة بلا حراك. أمامه فتاة تقف كالعاصفة، عيونها تقذف شرارًا، ووجهها متجهم، ونظرتها حادة. عيناها متسعتان تلمعان بغضب مشتعل، شعرها الكيرلي الكستنائي ينسدل حول وجهها بعشوائية جذابة. جميلة جمالًا خلابًا يخطف العقل ويشل الحركة.

دق قلبه بعنف أمام تلك القوة التي تقف أمامه، كانت عيونها كأمواج البحر الهائجة لا تهدأ ولا ترحم. توقف صهيب فجأة بلا حراك. ثباته لم يكن هدوءًا، بل صدمة مشحونة. عيونها كانت تشتعل غضبًا، ومع ذلك جذبه بريقها بقوة غريبة. نظرتها اصطدمت به، جذبه بريقها بقوة غريبة. نظرة تحدته، فاشتعل داخله شيء لم يعرف له اسمًا. شرارة انطلقت بينهما في صمت ثقيل. قلبه خانه، دق بعنف لا يليق بالموقف ولا بالغضب الذي كان يملؤه منذ لحظة.

تلاقت العيون لثانية، بدت أطول من العمر، وفي تلك الثانية سكن غضبه واشتعل شيء آخر. لكنها لم تتراجع، شدت قبضتها حول الأسطوانة، ورفعت ذقنها بتحدٍ. نظرتها كانت سلاحًا، أعلنت حربًا عليه. عاد الغضب إلى عينيه، اشتعال يقابل اشتعالًا. لم ير مثيلاً لها. كان مترنحًا، وفي الوقت نفسه مشدودًا بطلتها، قوة حضورها ضربته على حين غرة. سمع صراخها، فانتفض مرة واحدة وعاد لنفسه، يستعيد غطرسته. صرخ فيها بحده: "انت مين يا حيوانة؟

وازاي اتجراتي على أسيادك؟ هاجت هي، لم تتراجع ولم تخف. صرخت في وجهه: "هي مين اللي حيوانة يا حلوف؟ اتسعت عيناه، لم يعتد أن يكلمه أحد بهذه الطريقة. صرخ هو الآخر: "هو مين اللي حلوف يا جربوعة؟ صرخت فيه، رفعت إصبعها في وجهه: "الجربوعة دي انت وعيلتك وصنفك يا كسر رجالة يا مجايب إبليس." هاج وتقدم بخطوة عنيفة، ومسك يدها بقسوة. كل ذلك وعماد يقف مرتعشًا، يحبس أنفاسه. الخوف على وظيفته يشل جسده.

وما إن أمسك يدها حتى رفعت يدها الأخرى وقبضت على ملابسه من الأمام بعنف. صرخ هائجًا: "انت يا بت معتوهة بتمسكي قميصي يا زبالة." كلبشت في القميص تعتصره بقوة، وكأنها تريد أن تقتلع صدره من مكانه. هدرت به هياجًا: "زبالة لما تقطع وشك. سيب وأنا أسيب ياض. لتكون فاكر إني هخاف منك." هزته من ملابسه بعنف، فاهتز جسده تحت قبضتها: "ايه عامل مجنح على خلق الله.. زغدته في صدره.. فوووق." صوتها كان يجلجل في المكان.

"انت إيه ماحدش عارف يلمك. طايح بهيم بتنام وتتعلف." صرخ فيها بجنون وهو يعصر يدها على قميصه بعروق بارزة ونفس منفلت من هياجه: "يا بت هموتك. انت مش عارفة أنا مين. نهارك أسود. ههرسك في إيدي." قالت باشمئزاز وهي تميل برأسها وتنظر له من أعلى لأسفل: "مين؟ ابن بارم ديله.. سيادتك جناب الدوق حكمدار المركز ولا تكون خط الصعيد... ما تقول مين عرفني... إيه بتزمر وتصفر لوحدك؟ يلا اتشقلب نقف نتفرج ونرميلك شوية سوداني."

سخريتها كانت كسكين يمزقه. لوت فمها بقرف: "هتكون مين؟ حلوف من الحلاليف بلا دين ولا أخلاق." هنا لم يقدر على روحه، فاندفع يمسكها من شعرها بقسوة، فصرخت صرخة اخترقت المكان. واقترب عماد برهبة وخوف، يتعثر في خطواته، قائلًا بتلعثم: "خلاص.. خلاص يا صهيب بيه. أنا آسف. سيبها بالله عليك." صرخ فيه بجنون وعيناه تقدحان شررًا: "مين الجربوعة دي؟ أنا هطلع روحها." هتف عماد بصوت مرتعش: "خطيبتي. سيبها. خلاص أنا آسف." اهتاجت

فلك والدم يغلي في عروقها: "آسف.. آسف... ورددت الكلمة بسخرية موجعة، ثم رفعت قدمها بكل ما فيها من غضب ونزلت بها على قدمه، ضربة عنيفة موجعة. صرخ صهيب وترك شعرها فجأة، وتراجع مترنحًا من الألم، وهي تلهث أنفاسها متلاحقة. صرخت وقد تصاعد الدم إلى وجهها ودفعت شعرها للخلف بعصبية: "لو هتمد إيدك هقطعهالك عشان تبقى حلوف مكسح. انت تلم نفسك هاه بدل ما أبعثر كرامتك في الأرض يا جناب الدوق." صوتها كان نارًا تحرق كبرياءه وغروره.

"انت مين ياض وعايز من خطيبي إيه؟ قال بغضب جحيمي وعروقه بارزة: "ياض أنا يتقلي ياض. عارفة لو ما كنتيش ست كنت موتك بإيدي." هتفت ساخرة وهي تميل برأسها باستهزاء: "لا بجد خوفت يا غضنفر. لتكون فاكر ياض إنك تعدي من على عيني أو أخاف. لا يا شاطر انت تقف تحترم نفسك وتعرف أنت قدام مين." صرخ غاضبًا وصوته كتهديد واضح: "قدام جربوعة تناطح أسيادها. ما تشتغلش عندي خدامة تمسحي جزمتي."

أغمضت عينيها بقوة والغضب يعميها، تشعر أن الدم يغلي في رأسها وأنها على حافة جريمة. لتلمح أحد أكواب النسكافيه القريبة منها، فامتدت يدها في لحظة خاطفة والتقطته وقذفته بكل ما فيها من قهر في وجهه. تجمد صهيب مكانه، وشعر وكأن شياطين العالم اندفعت إلى داخله في لحظة واحدة. اندفع إليها، وهنا اندفع عماد هاتفا برعب وخوف من منظر صهيب: "خلاص يا فلك بقه. ما تخربيهاش. أنا غلطت لما خدت الساعة." صرخ صهيب وهو يدفعه بعنف:

"أوعى أوعى. هموتها. أنا هموتك وأخلص عليكي يا جربوعة." صرخت هي بغضب ورفعت يدها: "تناديه بتحدي. تعالي يا حلو وريني نفسك كده. بتتشطر على الستات... أوعى يا عماد دا ناقص ربايه. أبوك فين يا هباب البرك؟ سايبك كده ولا أنت زرع شيطاني مايعرفش يتعامل لا مع ست ولا راجل." هتف هو غاضبًا وصدره يعلو ويهبط وأنقاسه متلاحقة: "هو فين الستات؟ أنا شايف كسر يا وقيع. دانا ما ببصش لأشكالك." ضحكت هي ضحكة عالية مستفزة وقالت:

"أزغرط. أرقع زغروطة. وسع كده. اعمل فقرة التنورة. الحمد لله الحلوف مش شايفني. لا انقهر لو تشوفني حلوة. أعجبك؟ نهار أسود والله ساعتها أموت روحي. أصل اللي زيك آخره سوق النخاسة يجيب جاريه تملس على المقام." هتف عماد بنفاذ صبر وخوف وصوته يكاد يبكي: "خلاص بقه ارحمني." صرخت فيه وهي تشير عليه باحتقار: "مش شايف قلة ادب سيادته؟ فاكر إننا عبيد عند أهله." هتف عماد بيأس: "أنا غلطت لما خدت الزفت." نظرت إليه بغضب حارق وقالت:

"هو الحلوف ده بتاع الساعة؟ ما قولتلك دي أشكال واطية. تاخدها ليه؟ دا اللي تلاقي حاجته تدعسها تحت جزمتك وتفركها برجلك وتلمها تحشرهاله في بقه. عشان يفهم إن هو وحاجته تحت الجزمة." كان صهيب واقفًا يحدق بها، وشيء غريب يشتعل في صدره، لا غضب بل دهشة ممزوجة باحتراق. لاول مرة يقف أحد أمامه بهذه الجرأة. فصرخ بصوت أجش: "ليكو عين تتكلموا يا زبالة. واحد حاطط في إيده حاجة مش بتاعته. ما يحلمش يقربلها. إيه الوقاحة دي." فاشتعلت

أكثر وصاحت تخاطب عماد: "شفت آخرتها.. اهو شفت قلة الأدب. جه واحد ما يسواش قال كلام شبه خلقته." هتف عماد بانكسار: "خلاص بقه هترفد." فقالت بحده: "تترفد والا تولع. المهم تاخد منه حقك. شتمك اشتمه. مسكك تخلص عليه هو وصنفه. فاهم؟ ما تقفش توطي راسك لحيوان زي ده. أنا لو أطول أشقه نصين أعملها. إيه سيد وعبيد؟ ماتوطيش كده. واحد إيه قيمته من الزبالة... الزبالة متفرعة على خلق الله... إيه القرف ده؟ هيخش جنة ربنا إزاي؟

تقوم تاخد زبالته إنت وكمان تسكتله." لمعت عينا صهيب وهو يتأملها بذهول واعجاب رغما عنه، كفرس جامحة لا ترى شيئًا أمامها. وتوقفت أنفاسه لحظة وهو يحدق في وجهها المحمر. فصرخت فجأة: "شوفت؟ اهو واقف يتفرج زي الأبلة. بوادر الإعاقة واضحة عليه. بياخد منشطات تخلف." انتفض وعاد لوعيه وصرخ: "انت يا بت طايحة. ما حدش عارف يلمك." فاستدارت نحوه بسخرية: "ايه ده؟ أنت لسه واقف تقريبا. ما أخذتش جرعة تهزيق كفاية؟ عايز تتهزا؟

ما ورايش حاجة. آه يا جناب الدوق. طايحة لك فيه؟ ليك عندي حاجة؟ ماسك عليا حاجة؟ اقتربت منه فابتلع ريقه، لا يعلم لماذا يقف يدعها تتكلم وهو ليس هكذا. "اهزا براحتي واشتم براحتي. اللي بشوفه ناقص ربايه لازم ياخد نصيبه." اقتربت أكثر وزغدته في كتفه بسخرية لاذعة وقالت: "بقي يا حلوف ترمي ساعة في الزبالة بآلاف؟ عشان حتة كسر؟ حقك ما قلناش حاجة. واحد هايف وفاضي ومش مقدر النعمة اللي بإذن الله هتزول من وشك. جه حد خدها؟

تغل ويطلع دود قلبك وتبصله فيها ليه؟ إيه القرف ده؟ دانت مدود يا جدع من جوا." قالت بقرف واضح: "أنا أصلاً مش موافقة عالقرف ده. بس لو حد خدها فيها إيه؟ ماتسيبه بنفس راضية؟ والا الرضا مابيعديش على قلبك يا ساتر! إيه الغل ده." صرخ بهياج وصوته مبحوح: "حاجتي وبتاعتي أنا حر. أولع فيها مال أهلك." نظرت إليه بقرف واضح وابتسمت بسخرية: "واقف تقول حاجتي وبتاعتي وبتتفرد قوي؟ إيه جايبها من الجنة يا خي؟ حد جه جنب حاجتك؟

وأشارت بيدها بازدراء: أيييييه مقام؟ واقف فارد وطايح على إيه؟ كت ربنا. أنت آخره تربة متر في متر يا خي. منك لله. دا النفس الهينة سهلة تدخل القلب وانت القلب مليان غل ودود. حد كان قالك إنك مخلوق لوحدك؟ إحنا كلنا عبيد ربنا يا ابن بارم ديله. إيه كفنك هيبقي من إيه؟ ماهو كفن هتترمي فيه لوحدك عادي ويلقحوك وماحدش هيترحم على صنفك." اندفع صهيب صارخًا وقد انفجر غضبه:

"لا انت لازم تتقتلي يا زبالة عشان تعرفي سيدك تقفيله إزاي. دانا صهيب الشامي." ضحكت هي ضحكة مستهزئة قاسية: "صهيب الشامي؟ دا إيه آخر؟ ربنا يشفيك. أنت خارج من الخانكة برخصة صح؟ هربان؟ عايز ترجع؟ زمانهم بيدورو عليك بالجلابية البيضة. آخره تمسك عصاية وتلف زي المجانين. عايش من أيام السينما الصامتة وفرق الطبقات. يلا ياض غور يا حلوف بقه. أنا تعبت تهزيق على الآخر وبطني قلبت. منك لله أعوذ بالله. له." واستدارت

غاضبة لعما بعصبية ثم صرخت: "فين الطين اللي خدتها." لتجدها في يده: "مش دي بتاعتك يا حلوف." خطفطها منه ورمتها على الأرض، ثم اتجهت لإحدى الأسطوانات ورفعتها بكل ما فيها من غضب وهشمتها بعنف دوى صداه في المكان، وصرخت بتحدي: "ايه رايك حلوة؟ هاج صهيب واندفع صارخًا: "انت مجنونة؟ انت عارفة دي بكام؟ مدت يدها فجأة وقبضت على يده بقوة:

"خد يا شاطر حاجتك. كنا بنحاول ننضفها بس تقريبًا الوساخة ما بتطلعش منها. حطها في حضنك. والا أقولك ابلعها. انت واحد رميت حتة منك عاملها قيمة وهي مالهاش. حطها في حضنك. ما ينفعش تاني وسختك تحدفها عالناس توسخهم." هتف هو بغضب حارق وصدره يكاد ينفجر: "بقي عايزاني مارميش حاجتي للناس؟ انتي تطولي تقربي من حاجتي؟ انت مش من الدنيا وما تعرفيش أنا مين؟ دانا أوديكي ورا الشمس." هتفت بسخرية باردة: "توديني ورا الشمس؟

قدام الشمس برضه قيمتك هتفضل زي ما أنت. اللي زيك بيتحامى في مركزه ونفوذه اللي مهما علا مابيعملش قيمة. أنت في نظري مالكش قيمة." هنا اندفع صهيب نحوها بعنف محاولًا الإمساك بملابسها، فواجهته دون تردد وشدت قميصه بكل ما لديها من قوة، فتمزق بين يديها تمزقًا واضحًا جعله يتجمد لوهلة غير مصدق أن فتاة تقف له بهذا الشكل، بينما كان عماد يقف على بعد خطوات يرتجف جسده ولا يجرؤ على النطق بحرف. صرخ صهيب بهياج أعمى: "انت قد المسكة دي؟

أنا هندمك. إزاي تمدي إيدك على أسيادك." فرفعت يدها في لحظة خاطفة تكبش وجهه ودفعته للخلف بقوة وقالت بحده: "طب يلا بقه بدل ما أهرس وشك." نظر إليها مذهولًا، فهي لا تبدو أكثر من فتاة رقيقة وبنيتها ليست ضخمة، ومع ذلك كانت جراتها تصدمه وهو صاحب البنية العريضة. هتف بغضب متقطع تقريبًا: "تقريبًا انت واحدة مريضة. مش عارفه اتحطيتي في إيه." ضحكت باستهزاء: "اتحط عليك الهم أكوام يا شيخ. ما تغور بقه. كل ده عشان حتة ساعة؟

إيه القرف ده." أمسك معصمها يعصره وهو يلهث: "انت عارفة دي بكام؟ نظرت إليه بثبات في عينيه وقالت: "طز. إيه رأيك؟ طزين تلاتة. أنت وساعتك وفلوسك. ها لسه هتتكلم؟ ماهتزهقش عشان أنا ممكن أقف وأهزق فيك للصبح." عماد بغضب وانكسار: "ما خلاص بقى اتفضحنا." فالتفت صهيب إليه وهو يغلي: "ماهو لو سيادتك راجل كنت قدرت عليها. كسرتلها دماغها. إيه غول طايح؟ حنش بيعض؟ أنت راجل أنت إزاي؟ فأحنى عماد رأسه في صمت. فدفعته هي بعيدًا وقالت بصرامة:

"راجل عنك وعن اللي يتشددلك. إيه رأيك؟ ومش شايفه حواليا غيره. أصل فيه رجالة تتشاف ورجالة تنداس." صرخ هو في عماد بعينين محمرتين: "انت عارف لو مالمتهاش فاهم؟ هجبهالك نصين. ماترجعش تنح زي النسوان." ضحكت هيا ضحكة مستفزة وهي تراقب عماد حين هم بالكلام: "تجيب مين نصين يا حلوف؟ غور من وشي بقه بدل ما أطابق وشك." هتف عماد بتوسل وتوتر: "ما تعمليلي حساب بقه وتسكتي." نظر صهيب إليه بسخرية:

"لا والله حمدالله بالسلامة. أنت جيت يا دكر." فافتربت منه وزغدته في كتفه باستخفاف: "دكر عن عين أهلك." رفع يده يهم أن يصفعها، فتراجعت في اللحظة الأخيرة واشتعلت تنظر إليه بجنون: "ايه ده؟ نهارك أسود." راحت تتلفت حولها بجنون، فارترد للخلف لبرهة، فقد بدت خارجة عن السيطرة، تبدو غير طبيعية. صرخت وهي تدور في المكان، تتلفت حولها بهياج: "انت عايز تمد إيدك؟ والله لا أوريك."

اندفعت نحو أحزمة الآلات الحديدية، والتقطت واحدًا منها أشبه بسلك قاس، واندفعت تجري خلفه: "أنا هخلص عليك عشان تبقي تمد إيدك." كان السلك خطرًا، لو أصابه سيجرحه. ولمع ومع كل خطوة يقطع الهواء، يرج الصالة، وهي ترزعه عالأرض. كان يجري وهي خلفه، وعماد خلفهما، فصرخ: "ماتحوشها يا زبالة! أنت جايب مجنونة؟ البتاع ده ممكن يكسر إيدي يا بهيم."

اندفع عماد يحاول اللحاق بها، وهي تجري خلف صهيب، لكنها أفلتت وتركت الحزام فجأة، ثم قفزت خلف صهيب وقفزت على ظهره وتمسكت برقبته بقوة: "أنا تمد إيدك عليا؟ كنت عايز أنا؟ ماحدش مد إيده عليا يا حلوف يا بواقي راجل." كانت تمسك في شعره ورأسه وتعض في يده التي تحاول الفكاك، وهو يصرخ مهتاجًا، ليدخل صديقه أدهم.

تسمر مكانه، فأمامه منظر عجيب، فتاة على ظهر صديقه ووجهه أحمر من كثرة الضرب، الخرابيش وهو يتلافاها باعجوبة، وهناك رجل يقف ولا يفعل شيئًا. صرخ برهبة: "فيه إيه؟ هتف عماد بصوت مرتعش: "حوشهم بالله عليك." اندفع أدهم دون تردد واحتضنها بقوة محاولًا إنزالها عنه، وهي تصرخ وتقاوم: "أوعى سيبني عليه. أموته." وقف صهيب أمامها يلهث، وعيناه ممتلئتان غلا، تنظران إليها بحقد خالص، وهي تقف بثبات تنظر إليه بقوة لا تنكسر. فهتف بصوت فحيح:

"هتندمي والله لأنـدمك. مابقاش راجل إن ماندمتك." صرخت فيه بينما أدهم يكلبش فيها ويمنعها من الاقتراب: "ومين اللي هيندمني؟ مش شايفه حد عدل وراجل. إيه؟ فينه؟ عامل دكر علينا. عادي مالدكورة كتير. فيه دكر الحلوف ودكر الخنزير. ماتفرقش." هم صهيب أن يهجم عليها، فتركها أدهم واندفع نحوه، ليدفع أدهم صارخًا بهياج: "اوعى. هموتها." شده أدهم بكل قوته محاولًا إبعاده، وفي لحظة استدارت هي تلهث نحو عماد بلا اهتمام ولا خوف:

"يلا نروح. كفاية قرف لحد كده. أنا تعبت." وخرجت من سكات، ولم تنظر خلفها، كأنها لم تفعل شيئًا. كأن شيئًا لم يكن. وقف صهيب مكانه مترنحًا بين الغضب والدهشة، وعيناه تلاحقان كل خطوة تخطوها بعيدًا عنه. قلبه ينبض بعنف، لم يعتد على شعور كهذا. كان يشعر بغرابة وكأن جزءًا منه يتفتت وهي تخرج من المكان بلا خوف ولا اهتمام. حركة جسدها الواثقة ونظرتها الصافية حرقته من الداخل، كأنها تقول له بصمت أن لا أحد يستطيع تقييدها.

لم يستطع أن يحرك ساكنًا، ولا حتى أن يتكلم. كل ما استطاع فعله هو متابعة خطاها بعيون مليئة بالدهشة والانكسار والإعجاب المختلطين بغضب مكتوم. كان يريد الصراخ، لكن صوته ضاع في حنجرته. لم يستطع منع نفسه من الانجذاب لكل تفاصيلها، الشعر المتطاير على كتفيها، خطى قدميها السريعة، استقامتها رغم الفوضى من حولها. كل ذلك جعله يشعر بالارتباك، وكأن العالم كله توقف للحظة واحدة ليجعلها هي محور كل ما حوله.

وقف عماد في مكانه يشعر بالخجل، يضغط صدره، واقترب متلعثمًا يحاول أن يبرر وهو يقول: "والله آسف. ماعرفش مالها دي. رقيقة والله وكيوت. مين دي." قاطعه صهيب بحده قاتلة: "اخفي من قدامي بدل ما أقتلك." فتجمد عماد لحظة، ثم استدار وخرج مسرعًا دون أن يلتفت خلفه. وما إن خلا المكان حتى استدار صهيب مهتاجًا، التقط إحدى الأسطوانات الحديدية ورزعها في الأرض بعنف، اهتز له المكان، وصرخ من أعماق صدره بغضب مكتوم. اندفع أدهم نحوه برهبة:

"فيه إيه؟ مين اللي كانت قافشة فيك دي؟ فيه إيه؟ صرخ صهيب بغيظ أعمى: "جربوعة مسكت فيا ونازل قلة أدب. الهانم اللي ما استغناش أشكالها تمسحلي جزمتي." هتف أدهم: "أنا ماشفتهاش كويس، بس شكلها بت جامدة. اللي تقف لصهيب الشامي بالشكل ده تبقي جامدة." أغمض صهيب عينيه رغما عنه، فاندفعت صورتها إلى ذهنه، عيونها المشتعلة، ثباتها الوقح، ثم فتحهما فجأة وهو يهتف بغضب: "بقي أنا ما يتبصليش؟ بقي أنا حلوف؟ انفجر أدهم ضاحكًا:

"هي قالتلك كده." فضحك بصوت عالٍ، فنظر إليه صهيب بشرر: "انت بتضحك على إيه يا طين انت." رد أدهم وهو ما زال يضحك: "أول مرة ألاقي ست مابتترميش تحت رجلك. بجد قالتلك يا حلوف." ضحك أكثر، فاقترب صهيب منه ووجه له لكمة غاضبة من غير وعي من غيظه، فصرخ أدهم: "منك لله." قال صهيب مهتاجًا:

"اخرس بقه. هموت. هموت البت. وقفت تتبجح مش هاممها حد. إتنين حيطان واقفين، أنا والحلوف خطيبها، وهيا طايحة مش عاملة حساب لحد. هموت وأقتلها. دا مسحت بيا الأرض." شرع يردد كلامها بذهول: "أنا بواقي راجل. أنا حلوف. أنا ما استغناش تبصلي. دانا أجيب منها آلاف أدعكهم بجزمتي." هتف أدهم وهو يحاول يفهم: "أهدي كده. مين دول وإيه الحكاية." حكي له بغضب، فضحك أدهم، فصرخ صهيب: "انت هقوم أرقدك. بتضحك على إيه." هتف أدهم بسعادة:

"كان نفسي آجي بدري أتفرج. دا يتحط في التاريخ. صهيب الشامي تم بعثرة كرامته من فتاة." ابتسم: "حلوة يا واد. ماشفتهاش." صرخ صهيب بغيظ: "انت يا طين بتقول إيه؟ انت منك لله. بلا حلوة بلا زفت. كنت هموتها. دي عاملة زي الوحش. دا خطيبها الحيوان ده بتدافع عنه كأنه حاجة غالية قوي. ما همهاش وهو ما يسواش. دا مسكت في طوقي كأني عيل صغير. ولا همها فرق الطول ولا الجنس. إيه؟ فيه حد كده؟

أنا ماشفتش بت كده. وأقولها احترمي نفسك. متعرفيش أنا مين. تلاقيني بموشح... أنا جربوع أنا وأهلي أنا... أنا وسخ أنا وحاجتي... هموت هموت. أروح فين؟ صهيب الشامي تيجي جربوعة زي دي حنش بيعض تعمل كده؟ لا والواد الزبالة واقف الدلدول مش قادر عليها. عبوشكلك إيه؟ هتتجوز حنش تعض في أهله؟ بتحبه قوي كده ولا هاممها؟ والزبالة واقف مرعوب من الأشكيف اللي معاه." رد أدهم وهو يبتسم بسخرية:

"الواحد لما يبقى قدامه فرسة كده مابينطقش. بت فرسة يا حزين. كان نفسي أشوفها." تنهد صهيب وسهل قليلاً وصوته هدأ رغما عنه: "فرسة؟ وأي فرسة... كان فيها عنفوان وغضب لم يرهم في كل الفتيات حوله، فهم يتصفون بالخنوع والخوف. لجذبه لصعوبة طباعه. هتف أدهم باستغراب: "بقي الواد السيس اللي اسمه عماد خاطب الفرسة دي؟ دا عيل بتاع مصلحته. هيقدر عليها إزاي." أكمل بغزل واضح: "البت جامدة. دانا شفتها بالعافية. والا إيه؟ كانت حاجة تجنن."

نظر إليه صهيب قاطبًا بتقول: "إيه؟ أنت وإيه ده؟ ضحك أدهم: "بقولك مسكتها يا واد. حاجة طرية تخبل." اشتعل فجأة صهيب وخبطه: "ما تحترم أهلك. هو إيه اللي مسكتها؟ منك لله. عبوشكلك. أنت واقف بتاجر؟ تحرقلي دمي. مالك طرية ولا طين؟ غور بقه. انتو إيه ده؟ ألاقيها منين والا منين." ضحك أدهم باستغراب: "وانت غضبان ليه؟ أنت ملبوس؟ مش شتمك البت." نظر صهيب إليه وعيونه تشع غاضبًا:

"أنا بقه هعرفها الحلوف ده هيعمل فيها إيه. إن ما كنت اندمها على تطاولها على أسيادها. بقي أنا حاجتي عندها تحت جزمتها؟ بقي أنا ما يتبصليش." "طيب يا جربوعة. أنا هعرفك." انصرفت فلك وهي مشتعلة، تشعر لأول مرة بهياج، فهي فتاة لطيفة لم تثر هكذا من قبل، ولم تمر بموقف أشعلها، لم تعرف ماذا حدث لها، فهي رقيقة في حالتها الطبيعية. كانت تسير مسرعة، وعماد خلفها يشعر بأن هناك مصيبة ستنهال عليه. ظلت تغلي: "أنا مش عارفة مابطحتوش ليه؟

ال إيه جربوعة." لتستدير لعماد وتصرخ: "أنا جربوعة؟ أنا يا عماد؟ أعمل إيه؟ أرجعله؟ آه أرجعله." وهمت أن تستدير، ليمسكها عماد بغضب: "ما تهدّي بقه. فضحتنا." صرخت في وجهه: "بقي أنا اللي فضحتك يا سي عماد؟ أنا والا انت وعمايلك الطين؟ اتبسطت بقله القيمة عشان حتة ساعة؟ ندوسها بجزمتنا؟ البيه واقف يقل أدبه وانت فاتح بقك؟ ما فضحتوش ليه؟ هتف ساخطًا: "انت اديتني فرصة وابور. انت مالك؟ إيه أول مرة أشوفك كده؟

عمرك ما اتخانقتي ولا عليتي صوتك. انت مين؟ أنا ما عرفكيش. دانا واقف ببص عليكي وخايف. انت اتجننتي؟ اتبدلتي؟ دانت طول عمرك رقيقة وصوتك مابيعلاش." هتفت بغضب: "ماعرفش. ماعرفش إيه اللي هيجني كده. هو هو. آه الحيوان ده هبلني. منه لله. هموت اللي ما استغناش أشغله عندي خدام." هتف عماد: "هو مين؟ انت مجنونة؟ انت مش عارفة ده مين؟ دا غول يشترينا ويكيلنا بالفلوس." صرخت هيا: "هيا مين اللي يشتريها يا سي عماد؟

دانا كنوز الدنيا أدعكها بجزمتي ولا واحد زي ده يقفلي. فيه إيه؟ عاجبك في إيه؟ دا شكل الديناصور المجنح عملاق الحلوف بلا أخلاق. إيه القرف ده؟ بيربي عضلات من غير أخلاق؟ طالقهم على خلق الله. هموت كله بسببك. أعمل إيه." هتف ساخطًا: "ما تنبطي بقه. في يومك الجاز. أنا عارف هيقلب عليا." صرخت هيا: "امشي يا عماد. ماشي. امشي روح في أي حتة عشان هزعلك." وتركته ومشت. وقف مقهورًا: "هترفد؟

الله يخرب بيتك منك لله. أول مرة تهيج كده. مين دي؟ هيا اتجننت؟ دي قطة بسكوتة عمرها ما عملت كده. مالها يا رب؟ الهم ورايا ورايا." وذهب وراءها يكلم نفسه: "أنا لازم أروح أعتذرله. أمال اسكت؟ دا هم إيه اللي اتحط عليا دا هيرفدني." دخلت فلك البيت ودخلت حجرتها غاضبة، لتأتي: "أمه فيه إيه؟ مالكم متخانقين؟ يادي الهنا." هتف عماد بغضب: "بطلي بقه. أنا فيا اللي مكفيني." هتفت أمه مستفسرة: "عملت فيك إيه." تنهد وحكى لها، فصرخت:

"نهار أسود. بهدلت الراجل كده؟ يا لهوي! هتعمل إيه يا زفت." هتف هو بغلب: "هروح أعتذرله. هعمل إيه." ليسمع صرختها: "هو مين اللي هتعتذرله؟ هاه قلي مين؟ أنت عايز تعتذر للحيوان ده؟ والله أموتك." هتفت أمه بغضب حاد: "انت عايزة تبوظي شغله؟ مالك؟ هو الراجل وانت تكتمي؟ دا إيه الهم دي؟ ما وراكيش إلا القرف." نظرت إليه غاضبًا: "انت هعتذر للي قال علينا جرابيع الزبالة ده؟ أنت بتقول إيه." هتف هو حانقًا: "أعمل إيه يعني؟ شغلي."

صرخت بحرقة: "يولع الشغل واللي عايزه. فاهم؟ الشغل اللي يذل من قيمة حد يغور. الشغل اللي يوطي الرأس يبقي ذل. مش شغل." هتف غاضبًا: "أنا ماقدرش استغني عن شغلي." صرخت بحدة: "وتستغني عن كرامتك صح؟ يعملك ممسحة في الراحة والجايه مش كده؟ وآخرتها نبقي جرابيع." وقفت أمه أمامها: "انت بتوحي عالخراب. مش كفاية فضحتنا قدام الناس؟ زمانهم بيقولوا دي راكبة ومدلدلة." صرخت فلك: "ده كل اللي همك؟ راكبة وزفت؟ إنما نتهاون من حد زي ده؟

ماتعرفيش ابنك اتمسك في طوقه واتقال جربوع؟ عندك عادي؟ أنا مش مصدقة نفسي. إيه الهوان ده؟ أنا فين؟ أنت يا عماد؟ دانت نزيه وبتحب نفسك أكتر حاجة؟ تقبل عليها كده." هتف هو مبررًا: "لا ما أقبلش. بس الظروف تحكم ساعات إننا مانناطحش اللي أعلى مننا قيمة. ما ينفعش." صرخت هيا: "ما فيش أعلى مننا قيمة. إحنا قيمتنا عالية. فيه طبقات آه. ربنا خلقنا غني وفقير. إنما القيمة محفوظة في نفس صاحبها. وإحنا أعلى من أهله وصنفه." هتف هو:

"خلاص بقه. هنقضي اليوم بنتخانق. خلصنا." نظرت إليه بتحذير: "عماد. إياك. أسمع إنك رحت. فاهم." نظر إليها قاطبًا: لتستدير بغضب وتذهب وتغلق على روحها. اقتربت أمه: "ما تعبريهاش. روح للراجل واستسمحه. دي مجنونة. وظيفتك يابني فاهم؟ أوعى." تنهد عماد وهتف: "هروح يا ماما. أنا ماقدرش أسيب وظيفتي حتي لو إيه." ودخل وهو ينوي الاعتذار من وراء فلك. دخل صهيب مكتبه محترقًا: "أروح فين؟ حرقة دم في كل حتة. والحيوان يقلي طرية مزة بقله أدبه؟

ماهو حضنها؟ ألاهي كان حضنه قطر البعيد." دار هائطًا: "أنا والع ليه؟ دا إيه ده؟ البت عملت فيا إيه؟ حاسس إني هتشل. لاااا. أنا لازم أجيب قرارها. مين دي؟ مين دا؟ وحش مطلوق." "ماشي ماشي." ورفع سماعة التليفون و...................

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...