تحركت حبيبة بتعب بعد أن أنهت عملها بإحدى محلات ملابس المحجبات في أحد المولات الشهيرة، وهي تنظر إلى ساعة يدها التي تشير إلى الحادية عشر مساءً. تنهدت بضيق وهي تغلق المحل، لتلفت انتباه زميلتها بالعمل التي تساعدها في إغلاقه، قائلة بجدية: = مالك يا حبيبة، في إيه؟ قالت حبيبة بضيق:
= إتأخرت يا منال.. إتأخرت، وعلى ما أوصل البيت هتكون الساعة عدت 12، وصاحبة البيت هتسمعني مرشح عن الأدب والأخلاق، وإن المفروض الواحدة المحترمة متتأخرش بره البيت لوقت متأخر كده. وطبعًا هتقعد تهدد إنها تطردني برا البيت وترميني في الشارع، أنا خلاص أعصابي مبقتش متحملة. منال بهدوء وهي تتوجه مع حبيبة إلى الباب الخلفي: = معلش يا حبيبة، إن شاء ربنا هيرزقك بابن الحلال اللي هيريحك من الهم ده كله، وبكرة تقولي منال قال.
حبيبة بحسرة: = وده هايجي إزاي؟ وأي واحد يعرف إن أنا متربية في ملجأ بعد ما عمي رماني فيه بعد أبويا وأمي ما ماتوا بيهرب ومبيرجعش تاني. ربتت منال على كتفها بتعاطف: = ولا يهمك، أكيد ربنا شايلك الأحسن، بس خلي أملك في ربنا كبير. حبيبة بابتسامة مرتعشة: = ونعم بالله.. يووه، كفاية كلام ويلا بينا عشان منتأخرش.
ثم قامت بالتخلص من الحذاء ذي الكعب المرتفع الذي يكاد يقتلها من شدة شعورها بالألم، وهي تتنهد براحة لتضعه بداخل حقيبتها وتستبدله بحذاء رياضي مريح، قائلة بتعب: = أيوه كده.. يا ساتر، أخيرًا.. رجليا كانت هتموتني، ربنا يتوب عليا بقى. ثم ودعت صديقتها وهي تتوجه سريعًا نحو الدرج الكهربائي في طريقها إلى الخارج، عندما استوقفها صوت رنين هاتفها القديم.
عقدت حاجبيها بتعب وهي تنظر لشاشة هاتفها الذي ظهر عليه اسم شريف ابن عمها، والذي تعده بمثابة شقيقها، فهو وعلى الرغم من معاملة والدته السيئة والقاسية معها ورفضها أن تقيم معها وإجبار زوجها الراحل على وضعها في ملجأ للأيتام، فهو كان على عكسها تمامًا، كان يعاملها بود وحنان. تنهدت بتعب وهي تقوم بالرد عليه بمرح: = أيوه يا اسم على غير مسمى.. عاوز إيه..؟!! وقبل ما تتكلم أنا لسه مقبضتش ومعييش فلوس، وقدامي يومين على ما أقب…
إلا أن شريف قاطعها وهو يهمس بصوت جاد لم تعتاد عليه منه: = حبيبة اسمعيني كويس عشان مفيش قدامي وقت.. أنا عاوزك لو جرالي حاجة تاخدي بالك من ماما، ومهما حصل متسبهاش لوحدها… ليكمل وهو يتنهد بتعب: = أنا عارف إن ماما كانت قاسية عليكي وبتعاملك وحش، بس عشان خاطري وخاطر بابا الله يرحمه تاخدي بالك منها في غيابي. حبيبة بتوجس وهي تشعر بانقباض قلبها بخوف: = في إيه يا شريف، أنت بتتكلم كده ليه؟ وغياب إيه اللي بتتكلم عنه؟ في إيه؟
انطق، وقعت قلبي؟! صاح شريف بغضب شديد: = أنا رايح دلوقتي للكلب اللي عاوز ياخد حبيبتي مني ويتجوزها غصب عنها، هخلص عليه وهعرفه إن مش كل حاجة يقدر يشتريها بفلوسه، وإن برصاصة واحدة تمنها ملاليم هنهي حياته وكل ملايينه ونفوذه مش هينفعوه. هتفت حبيبة برعب: = يا نهارك أسود، عاوز تقتل وتودي نفسك في داهية.. تموت مين ورصاص إيه اللي بتتكلم عنه..؟!! ثم تابعت بارتعاش وهي تجري باتجاه الطريق العام تحاول إيقاف سيارة توصلها
لمكانه الذي مازالت تجهله: = أنت فين يا شريف، وغلاوة أمك عندك تقولي أنت فين..؟! صاح شريف بغضب: = مش مهم أنا فين، المهم أنا هاخد حقي، وبعد اللي عمله فيا امبارح هقتله، ومحدش هيقدر يمنعني، وعمري قصاد عمره. ابتلعت حبيبة ريقها قائلة بخوف: = قتل إيه يا شريف اللي بتتكلم عنه، أنت اتجننت؟ وبعدين مش أنا كلمتك امبارح وقلت إنك كويس وبايت عند واحد صاحبك. شريف بغضب وكراهية:
= أنا قلت كده بس عشان أمي متشوفنيش وأنا مضروب وكرامتي متبهدلة.. بس أنا هاخد بتاري منه وهرد كرامتي اللي داسها في التراب. حبيبة بارتجاف: = مين ده اللي ضربك وبهدلك وعاوز تنتقم منه؟ أنت بتتكلم عن مين؟ أنا مش فاهمة حاجة..!! شريف بغضب: = بتكلم عن الكلب اللي اسمه عمر الرشيدي. حبيبة بتوتر: = عمر الرشيدي مين..!! ده صاحبك ولا حد بتشتغل معاه..؟! ثم شهقت برعب واستيعاب:
= أوعى يكون قصدك عمر الرشيدي بتاع مصانع الحديد والصلب.. صاحب المصانع اللي أنت شغال فيها..!! شريف بكراهية شديدة: = أيوه هو.. اللي فاكر إنه ملك الدنيا كلها بماله ونفوذه، واللي نهايته هتكون النهاردة على إيدي. نظرت حبيبة حولها برعب وهي لا تستوعب طريقته الغريبة في الحديث، لتصيح برعب: = أنا مش فاهمة حاجة، واحد زي ده هيأذيك ليه؟ إيه اللي هيخليه يعمل كده؟ وإيه اللي عرفه بيك أساسًا؟
دا أنت واحد شغال من الألفات اللي شغالين عنده. شريف بغضب: = بعد ما عرف علاقتي بـ "مي" طردني من شغلي، وخلى رجّالته يرموني برا الشركة، وخلاهم يمشوا ورايا ويرقبوني، ومن غير ما أحس.. وفجأة… ليتابع بغضب شديد: = لقيت نفسي متكتف ومرمي في جراج قديم، وهو واقف قدامي بكل جبروته، اتهمني إني بطارد خطيبته وبفرض نفسي عليها، ولما قلتله إننا بنحب بعض.. ضحك بسخرية وهو بيعايرني بفقري،
وابتدى يضرب فيا وهو بيقول: "دا جزات اللي يبص لحاجة ملك عمر الرشيدي". لحد ما اغمى عليا ومحستش بنفسي إلا وأنا مرمي في الشارع.. ومكتفاش بكده، لا دا منعها إنها تكلمني وخلاها تغير نمرة تليفونها عشان معرفش أوصلها، بس ورحمة أبويا مش هسيبه حتى لو عمل إيه، ولازم أندمه على عمره قصاد اللي عمله فيا. حبيبة بذهول: = يا مصيبتي السودا، أنت بتتكلم على مين..!!
أوعى يكون قصدك على البت اللي كنت بتخرج وتسهر معاها كل ليلة في الديسكوهات.. هي دي تبقى خطيبته..؟! ثم صرخت بغضب وهي تستوعب معنى كلماته: = أنت اتجننت، رايح تعمل علاقة مع خطيبة واحد زي ده..!! بكلمة منه ممكن يمسحك من على وش الأرض، وهي إزاي تخرج وتسهر وتسافر معاك وهي مخطوبة وهتتجوز.. ومستغرب إنه ضربك وطردك من الشغل!! لتتابع بخوف وغضب: = ده أنت تحمد ربنا إنه سابك لسه عايش. ثم ابتلعت ريقها قائلة بخوف وتوتر:
= اسمعني كويس، أنت مش في وعيك، واكيد اللي حصلك مأثر عليك، تعالى على البيت وآحنا هنفكر سوا وهنشوف حل. صاح شريف بغضب: = حل إيه اللي هنشوفه؟ بقولك طردني من الشغل وضربني وبهدلني وعاوز يتجوز حبيبتي غصب عنها، هستنى إيه تاني؟ هستنى لما أشوف فرحهم بعنيا؟ ولا لما ينفذ تهديده ويسجني؟ ثم انفعل غاضبًا: = وبعدين أنتِ معايا ولا معاه؟
أنا غلطان إني اتصلت بيكي وكلمتك، أنتِ طول عمرك ضعيفة وكرامتك متداسة من الكل، وعاوزة الكل يبقى زيك….. ليتابع بغضب: = بس أنا مش زيك.. وهعرف أدافع عن كرامتي كويس. تساقطت دموع حبيبة وهي تغلق عينيها بألم من أثر كلماته المهينة، ولكنها تغاضت عنها وهي تقرر مهادنته حتى تستطيع معرفة مكانه واللحاق به قبل أن يرتكب جريمة تقضي على مستقبله. = أنت.. أنت عندك حق.. بس أنا كلامي ده من خوفي عليك. ثم تابعت برجاء وهي تحاول أن
تقنعه أنها تريد مساعدته: = على الأقل قولي أنت فين وأنا هاجي أساعدك.. أنت عندك حق، اللي زي ده ميستهلش إنه يعيش، ولازم نجيب حقك منه. شريف بتوتر وهو يشعر بالندم على كلماته المهينة والقاسية لها: = لااا، خليكي أنتِ بعيد، أنا مش عاوز أورطك، دا طاري وأنا اللي هاخده. حبيبة بمهادنة وهي تحاول إقناعه: = أنا مش هتدخل، أنا بس هراقبلك الطريق عشان محدش من رجّالته يشوفك.. دول ممكن يقتلوك لو عرفوا أنت ناوي على إيه. ثم تابعت بارتعاش
وهي ما زالت تحاول إقناعه: = قولي أنت بس على مكانك وأنا زي ما قلتلك هراقبلك الطريق وهساعدك تمشي بسرعة قبل ما حد يشوفك. ابتلع شريف ريقه بتوتر وهو يحاول تقرير ما سيفعله، وذهنه المشتت لا يساعده على اتخاذ القرار الصحيح، إلا أن إلحاح حبيبة عليه جعله يرضخ في النهاية ويعطيها عنوان إحدى المطاعم المشهورة في إحدى شوارع القاهرة الراقية، قائلاً بتوتر: = أنا مستنيه في الجراج، أول ما يخرج هخلص عليه.
صعدت حبيبة إلى إحدى سيارات الأجرة وهي تعطيه العنوان بلهفة، قائلة لشريف بخوف: = شريف متعملش حاجة لحد ما أجيلك.. إحنا هنعمل كل اللي أنت عاوزه بس اصبر لحد ما أوصلك. إلا أنه أغلق الهاتف دون أن يجيبها. صرخت حبيبة بغضب وخوف في سائق السيارة: = بسرعة يا أسطى.. بسرعة الله يخليك. يزيد السائق من سرعة السيارة وهي تجلس تتساقط دموعها من شدة الرعب، وهي تدعو الله أن تستطيع اللحاق به قبل أن يرتكب حماقة تقضي عليه وعلى مستقبله.
بعد مرور بضع دقائق، وقف شريف يتحسس بتوتر السلاح الناري الذي يخفيه بداخل ملابسه، وهو يتلفت يمينًا ويسارًا بتوتر محاولًا إخفاء نفسه خلف سيارة خصمه انتظارًا لظهوره والانتقام منه. إلا أنه تفاجأ بسماع صوت خطوات هادئة تقترب من السيارة، وبصوت خصمه عمر الرشيدي وهو يتحدث في الهاتف مع أحد الأشخاص قائلاً بجدية: = أنا عاوز كل الترتيبات بتاعة الفرح والجواز تخلص على نهاية الأسبوع، مش عاوز عطلة…… ليتابع بملل:
= عاوز أخلص عشان أفوق للي ورايا، هبقى أخلي "مي" و"عصمت هانم" يتواصلوا معاكم عشان تخلصوا الترتيبات كلها مع بعض. ثم أغلق الهاتف دون أن ينتظر الرد، وهو يستدير حول سيارته ليتفاجأ بشريف يقف أمامه وهو يستشيط غضبًا بعد سماعه لحديثه في الهاتف وترتيباته للزواج من حبيبته، فرفع سلاحه الناري مصوبًا إياه تجاهه بغضب وتحدي. رفع عمر حاجبيه بسخرية وهو ينظر ببرود لشريف الذي ينظر إليه بتوتر والعرق البارد يغرق وجهه. عمر بسخرية وبرود:
= شريف بيه الحرامي والمختلس هنا.. إيه اللي موقفك زي الفيران في الضلمة كده.. ثم تابع وهو يقترب منه ببرود وتحدي، في حين تراجع شريف للخلف بتوتر وهو ما زال يصوب سلاحه بارتعاش نحو خصمه: = ومدخلتش ليه المطعم جوه.. إيه الفلوس اللي سرقتها من خزنة الشغل خلصت.. طب كنت على الأقل تدخل عشان تشوفني أنا و"مي هانم" واحنا بنجهز لترتيبات فرحنا…… ثم تابع بسخرية شديدة: = يمكن تعقل وتبطل الأوهام اللي مالية عقلك.
صاح شريف بغضب وارتباك وهو يصوب السلاح نحو صدر غريمه، في حين واصل عمر الاقتراب منه ببرود: = اقف عندك ومتتحركش بدل ما افرغ رصاص المسدس جوه صدرك. ضحك عمر بصوت عالٍ بارد مستفز، وهو ينظر إليه بسخرية وما زال يقترب منه بتحدي: = ارمي يا شاطر اللي أنت ماسكه في إيدك ده بدل ما تتعور وتأذي نفسك، الحاجات دي خطر على الأطفال اللي زيك، سيبها للي يقدر يتعامل معاها.. شريف بغضب وهو يرفع سلاحه نحوه بتصميم:
= أنت مغرور وغبي وناسي إن أنا اللي في إيدي سلاح.. سلاح هاخد بيه حقي منك، استعد عشان أنا هوريك الطفل ده هيعمل فيك إيه! ليقوم بمحاولة الضغط على زناد سلاحه بسرعة في محاولة لإصابة غريمه، إلا أنه تفاجأ به يقف أمامه مباشرة، ويده ترفع اليد التي تحمل السلاح للأعلى وتستولي عليه بحركة خاطفة. ثم قام بركله بقوة في وجهه ثم في معدته، ركلة طرحته أرضًا. وهو يصيح بغضب مصوبًا السلاح في اتجاه رأس شريف الغارق في الدماء
والغير مستوعب ما حدث له: = مش قلتلك متلعبش بحاجات ممكن تأذيك.. أنا دلوقتي هوريك اللي أنت كنت ماسكه ده بيتعمل بيه إيه. ليقوم بتصويب سلاحه بدقة في اتجاه رأس شريف وهو يبتسم بسخرية شديدة.
"قبل لحظات".. دخلت حبيبة إلى مرفأ السيارات التابع للفندق الشهير، وهي تتلفت حولها بخوف وتعدل بارتباك من وضع حجابها الذي يكاد يسقط من فوق رأسها، وعينيها تدور في المكان شبه المظلم بتوتر تحاول الوصول إلى مكان شريف سريعًا قبل أن يتسبب في حماقة تنهي بحياته ومستقبله.
ليلفت انتباهها صوت جلبة ضعيفة تأتي من بعيد، جعلها تبتلع ريقها بتوتر وهي تدعي الله أن تجد شريف قد غادر المكان دون أن يرتكب الحماقة التي أخبرها عنها، ثم توجهت سريعًا إلى مصدر الصوت وهي تتشبث بحقيبتها الكبيرة بخوف محاولة ألا تحدث أي صوت يلفت الانتباه إليها.
تسمرت حبيبة في مكانها لا تستطيع الحركة، وهي تضع يدها على فمها تكتم شهقتها برعب، وهي تشاهد شريف يقف بإعياء يستند إلى الحائط، ووجهه تسيل منه الدماء وملابسه شبه ممزقة، في حين يقف أمامه شخص آخر تظهر عليه معالم القوة والثراء وهو يصوب إليه سلاحًا ناريًا وهو يتحدث معه ويبتسم بسخرية.
انتفضت حبيبة وهي تزيح عنها رعبها، فتقوم بالبحث حولها عن أي شيء تستطيع به رد الهجوم عن ابن عمها، إلا أنها لم تجد، فكل ما حولها هو بضع سيارات مصفوفة بترتيب وأرض مصقولة نظيفة. لتشعر بالعجز يستولي عليها وهي تنظر برعب للمكان الخالي وشبه المظلم من حولها، وهي تحاول إيجاد من تستطيع الاستنجاد به فلا تجد أحد. ثم شهقت برعب وهي ترى شريف ينحني بألم والدماء تقفز من أنفه وفمه من أثر ضربة قوية سددها له الرجل الذي يحمل السلاح.
اندفعت الدموع من عينيها وهي تقول بغضب: = يا ابن الـ*…… ثم نظرت إليه بغضب مجنون وهي تحمل حقيبتها الكبيرة والثقيلة والممتلئة بكل متعلقاتها الشخصية، واندفعت بجنون إليه يدفعها خوفها الشديد على ابن عمها، فهي تراه يضرب ويعذب وعلى وشك فقدان حياته على يد الطاغية الذي أمامه.
وفي لحظة خاطفة مجنونة كانت خلفه تضربه بكل قوة لديها بحقيبتها الثقيلة برأسه التي ارتدت بعنف إلى الوراء وجعلته يختل توازنه ويفقد اتزانه، مما جعله يسقط بعنف على الحافة البارزة لسيارته، فاندفعت نافورة من الدماء من رأسه تغطي الأرض جعلته يغيب عن الوعي مباشرة. نظرت حبيبة برعب للدماء المنتشرة على الأرض أمامها وهي تقول بذهول: = مات.. مات.. أنا قتلته.. قتلته. ثم صرخت بقوة وهي تلطم خديها وتنهار بجانبه أرضًا ودموعها تسيل بقوة:
= أنا قتلته.. قتلته. لتتفاجأ بشريف يحاول رفعها وهو يقول بتعب: = قومي.. قومي يا حبيبة خلينا نمشي من هنا قبل ما حد يشوفنا. إلا أنها لم تستجب له وهي تنظر برعب لعمر الغائب عن الوعي والدماء تسيل من رأسه. لتقول بهستيريا وهي تبكي وتلطم خديها: = أنا مكنتش أقصد.. كان هيقتلك وأنا كنت عاوزة أبعده عنك بس.. أنا مكنتش أقصد صدقني يا شريف والله ما كنت أقصد. صاح شريف بغضب وهو يحاول إبعادها عن المكان:
= أنا عارف إنه مكنش قصدك بس خلينا نمشي من هنا قبل ما حد يجي ونروح في داهية. إلا أنها صرخت فجأة بأمل: = استنى دا شكله لسه عايش، أنا شفته بيحرك راسه. صاح شريف بغضب: = أنتِ مجنونة، يلا بينا من هنا قبل الحراس بتوعه ما ييجوا، وادعي ربنا إنه يكون مات لأنه لو عاش مش هيسيبنا على وش الدنيا ولا حتى ليوم واحد. إلا أنها تجاهلت حديثه وهي تقترب من عمر بأمل وهي جاثية تبكي وتقول بخوف:
= أنت عايش مش كده.. أنا والله مكنش قصدي، مكنش قصدي صدقني.. ثم مسحت دموعها وهي تنظر إليه وتقول بارتعاش: = استنى.. استنى متخافش.. أنا هساعدك… أول حاجة.. أول حاجة أنا هربطلك الجرح ده عشان الدم يوقف. ثم نظرت حولها بارتباك تحاول إيجاد أي شيء تربط به جرحه النازف، إلا أنها لم تجد.
فقامت بخلع حجابها دون تردد ولفه حول رأسه تكتم به الدماء الغزيرة التي تسيل من جرحه، وهي تبكي والدماء تغرق يدها الممسكة برأسه حتى استطاعت السيطرة بصعوبة على نزيف الدماء التي تخرج من جرحه. وشريف يصرخ بها بغضب وهو يجذبها من يدها بقوة: = بتعملي إيه يا مجنونة.. أنتِ أكيد مخك جراله حاجة.. قومي.. قومي هنروح في داهية.
إلا أن يده تسمرت وهو يشاهد جفون عمر التي ارتفعت بضعف وتركزت على وجه حبيبة الباكي لثوانٍ معدودة، ثم أغلق عينيه وراح مرة أخرى في غيبوبة ثقيلة. وشريف يصرخ بجنون هيستيري: = قومي يا غبية.. قومي.. ارتحتي أهو، مامتش وشاف وشك أنت كمان.. كده خلاص.. خلاص أنا وأنتِ انتهينا. ثم جذبها بعيدًا وهي تحاول مقاومته، فاخذت تبكي قائلة: = حتى لو فيها موتي.. مش همشي قبل ما نطلبله الإسعاف.
جذبها شريف للخارج بدون إرادتها وهو يرفع حقيبتها الملوثة بالدماء يحملها قائلاً بغضب: = إسعاف إيه.. أنتِ اتجننت.. يلا بينا هنروح في داهية. دفعته حبيبة وهي تصرخ بغضب: = أنت إيه يا أخي ده إنسان وهيموت لو سبناه.. أنا مش همشي قبل ما نطلبله الإسعاف واللي يحصل.. يحصل. تنهد شريف قائلاً بقلة حيلة: = طيب تعالي.. تعالي نطلب الإسعاف من أي تليفون برا، لو اتصلنا من تليفوناتنا هيجيبونا عن طريقها بسهولة. هزت حبيبة رأسها موافقة
بتوتر وهي تستوعب حديثه: = ماشي.. في محل قريب من هنا أنا شوفته وأنا داخلة نروح نتصل منه. شريف بمهادنة: = ماشي بس خلينا نخرج من هنا الأول.
تبعته حبيبة ودموعها تتساقط وهي تنظر بندم وحزن لجسد عمر الملقى أرضًا وهو ينزف بين الحياة والموت، وهي تشعر أنها مغيبة عن الواقع وكأنها تعيش كابوسًا بشعًا يمنع عنها الهواء، تسير على قدميها تتبع ابن عمها وهي تشعر بارتخاء عجيب وكأن روحها تصعد ببطء إلى السماء، حتى وجدت نفسها في الخارج وشريف يسحبها إلى إحدى السيارات القديمة والمركونة في شارع جانبي بعيدًا عن الأنظار، وهو يقوم بقيادة السيارة بعيدًا عن المكان. نظرت حبيبة
حولها برعب وهي تقول بغضب: = واخدني ورايح على فين.. إحنا مش اتفقنا هنطلب الإسعاف الأول. شريف بغضب وحقد: = اخرسي.. كنت هتودينا في داهية.. إسعاف إيه اللي عاوزانا نطلبهوله.. ده أنا لو طولت أقتله ألف مرة هعمل كده. حبيبة برعب: = شريف أنت اتجننت.. الراجل لو سيبناه هيموت. انطلقت ضحكة بشعة ساخرة من بين شفتيه: = ما يموت وألا يروح في داهية.. زعلانة عليه ليه أوي كده.
نظرت له حبيبة بدون تصديق. وقبل أن تعارضه ارتفع فجأة رنين هاتفه وسحبه وهو يقول بهدوء غريب وهو يبتسم: = أيوه يا حياتي.. المهمة تمت زي ما كنا مخططين.. مبروك يا قلبي. وضعت حبيبة يدها على فمها برعب وهي تستمع بذهول لضحكاته ترتفع وهو يتابع بهدوء: = أهم حاجة متخليش حد من رجّالته يروح عند العربية بتاعته دلوقتي.. لحد السر الإلهي ما يطلع ونرتاح كلنا.. ثم ارتفعت ضحكاته وهو يقول بتسلية:
= لا يا قلبي متخافيش محدش شافنا، وكاميرات المراقبة كلها عطلانة، هكرتها قبل ما أدخل الجراج.. يعني كله في السليم.. أنا كده خلصت دوري.. دورك أنتِ بقى تبشريني إنه خلاص غار في داهية. ثم أغلق معها الهاتف وهو يبتسم بسعادة. وحبيبة تنظر إليه قائلة بذهول ودموعها تتساقط دون إرادتها:
= يا مصيبتي السودة.. يا مصيبتي السودة.. هي دي "مي" اللي كانت بتكلمك وأنت وهي كنتم مخططين لكل ده.. أنت كنت مخطط تقتله.. يعني مش لحظة جنون عشان اللي عمله فيك!!؟ ضحك شريف بسخرية: = تصدقي إنك عبيطة وغبية.. لحظة جنون إيه اللي بتتكلمي عنها، وهي لو لحظة جنون زي ما بتقولي يبقى جبت المسدس منين….؟! ثم ارتفعت ضحكاته عالياً وهو يقول بمرح: = إيه لقيته جنب الحيط مثلًا..؟! حبيبة وهي تكاد تموت من شدة الرعب:
= ولما أنت ناوي تقتله قولتلي على مكانك وعلى اللي هتعمله ليه.. مخفتش أفضحك..؟!!!! شريف بمرح: = بصراحة يا حبيبة ومتزعليش مني، أنتِ طيبة أوي.. طيبة بغباء، وأنا كنت محتاج حد زيك كده.. حد يثبت إنه كان بيحاول يقتلني قبل ما أنا أقتله عشان يعني لو خطتي باظت واتكشفت ألاقي مخرج وألاقي حد يشهد معايا، طبعًا مفيش أحسن منك يقوم بالدور ده، بس أنتِ طلعتي جدعة ووفرتي عليا كتير وخلصتي عليه وريحتيني.. شعرت حبيبة بإنسحاب الدماء
من وجهها وهي تقول بغضب: = وأنت إيه اللي مخليك متأكد كده إن أنا مش هروح للبوليس دلوقتي وأبلغ عنك؟! شريف بجدية:
= براحتك.. اعملي اللي أنتِ عاوزاه.. أنا أمي هتشهد إني كنت معاها طول اليوم.. وإنك بتكرهينا وبتتبلي علينا عشان بتحبيني وأنا رفضت اتجوزك عشان ولا مؤاخذة يعني تربية ملاجئ وعايشة لوحدك من غير راجل، يعني بالبلدي كده عايشة على حل شعرك.. وإنك كنتِ على علاقة بالمرحوم اللي بالمناسبة الكل عارف إنه عنده علاقات بعدد شعر راسه، يعني مش هيكون غريب عليه إنه يكون ماشي مع واحدة زيك انتقمت منه وقتلته بعد ما سابها وخطب واحدة تانية.. و"مي" روح قلبي هتأكد على كلامي، ها!!
حلو السيناريو ده ولا أعملك سيناريو تاني؟! ثم ارتفعت ضحكاته تشق المكان بسخرية. وحبيبة تتأمله بذهول ودموعها تتساقط وهي تستوعب كلامه المهين.. والمصيبة التي وجدت نفسها بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!