الفصل 2 | من 18 فصل

رواية سيد القمر الأسود الفصل الثاني 2 - بقلم زينب مصطفى

المشاهدات
33
كلمة
4,963
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

بعد مرور شهر، وقفت حبيبة خلف باب غرفتها في المنزل الذي استأجره شريف، وحرص أن يكون في مكان آمن بعيداً عن العيون. وقفت تستمع إلى صوته وهو يتحدث في الهاتف بانفعال، واقتربت أكثر من الباب تحاول معرفة سبب انفعاله الشديد، ولكنها فشلت. لتتفاجأ بباب الغرفة يفتح فجأة وبشدة، جعلتها تتراجع للخلف بعنف وهي تشاهد شريف يقتحم الغرفة وهو يقول بغضب حارق:

= بنت الكـ*ـلب.. فكراني لقمة سهلة.. بعد ده كله قافلة تليفوناتها ومش راضية ترد عليا لا هي ولا الحيزبونة أمها. تراجعت حبيبة للخلف وهي تتأمله بغضب: = مستني منها إيه يعني.. واحدة باعت خطيبها وابن خالتها واتفقت معاك على قتله.. طبيعي تعمل معاك كده واكتر كمان. ثم جلست على طرف فراشها وهي تشعر بالدوار يكتنف رأسها، وهي تتابع بحيرة وغضب: = اللي أنا مش فهماه.. هي ولا أمها يعملوا كده ليه!!

دا ابن خالتها وخطيبها وشكله بيحبها أوي.. إزاي جالها قلب تعمل فيه كده. نظر لها شريف بدهشة، ثم انطلقت ضحكاته بسخرية: = انتي مجنونة يا حبيبة.. إيه فاكرة نفسك عايشة في فيلم كارتون وجو سندريلا.. مقصر عليكي وبيحبها وبتحبه والجو الرخيص ده. ثم تابع بجدية:

= فوقي يا حبيبة.. حب إيه وكلام فارغ إيه اللي بتتكلمي عنهم.. الفلوس هي كل حاجة دلوقتي.. معاكي قرش تساوي قرش.. ودول مش قروش.. دول ملايين وقصور ومصانع.. تطير علشانهم رقاب مش رقبة واحدة. ثم تابع بغضب مكتوم: = بس لو كانت كل حاجة مشيت صح.. كان زماني مكانه دلوقتي.. وكل اللي ملكه ده.. بطرفة عين بقى ملكي. شعرت حبيبة بالكراهية والغثيان من كلماته الجشعة، وهي تقول بغضب:

= طيب انت وفهمنا.. كنت عاوز تتخلص منه علشان طمعان بفلوسه.. لكن خطيبته تعمل كده ليه!! ماهي لما تتجوزه.. كل حاجة هتبقى بتاعتها وملكها.. يبقى عملت كده ليه!؟ ابتسم شريف بسخرية: = ببساطة.. لأنها مش عارفة تعيش حياتها ولا تستمتع بيها.. عمر الرشيدي قافل عليها وبيتحكم فيها.. كل حاجة بحساب.. مفيش خروج.. مفيش فسح.. مفيش سفر.. مفيش حفلات.. إلا بأمره ومعرفته.. وهي مش قادرة تكمل حياتها بالشكل ده. حبيبة بغضب: = تقوم تتفق على قتله!!

طيب ماتسيبه وتعيش حياتها زي ما هي عاوزة. شريف بسخرية: = وتصرف هي وأمها منين.. وتعيش العيشة اللي عيشاها دي منين.. بالساهل كده تفتقر وتسيب الملايين دي كلها تضيع من اديها.. وتسيبها تروح لواحدة تانية ليه.. وفي حل أسهل من كده ومش هيكلفهم حاجة.. رصاصة تمنها ملاليم.. حبيبة بكراهية واحتقار: = بالساهل كده تنهوا حياة واحد وتتفقوا إنكم تقتلوه.. شريف بسخرية: = أيواه.. عليكي نووور. ثم جذبها بعنف من يدها وهو يقول بغضب:

= وهقتل أي حد يقف بيني وبين الثروة دي.. حتى لو كان الحد ده هو انتي يا حبيبة.. فاهمة!؟ ثم صرخ فيها فجأة بعنف جعلها تنتفض: = فوقي لنفسك.. وإفهمي الوضع اللي انتي فيه.. البوليس لو قبض عليكي وإتسجنتي.. هيبقى أهون مية مرة من لو أن عمر الرشيدي اللي صعبان عليكي ده.. عرف يوصلك.. ساعتها هتتمني المو*ت.. مش هتلاقيه. ارتعشت حبيبة وهي تقول بخوف: = ولما انت عارف كده.. ورطتني معاك ليه.. أنا ذنبي إيه في كل ده!! ثم انهارت

في البكاء وهي تقول بخوف: = أنا ذنبي إيه في كل ده يا شريف.. أنا كنت بعتبرك زي أخويا.. ومن خوفي عليك مشيت وراك من غير ما أفكر.. ووديت نفسي في داهية.. ومبقاش قدامي غير طريق نهايته واحدة.. السجن أو المو*ت. جلس شريف بجانبها وهو يقول بدهاء وهو يدعي الطيبة: = إسمعي يا حبيبة.. أنا وانتي دلوقتي في مركب واحد.. لأما إحنا الإتنين نمشي المركب ونوصل لبر الأمان.. أو المركب تتقلب بينا ونغرق ونمو*ت.. وساعتها مش هيكون لينا دية.

حبيبة من وسط دموعها التي تغمر وجهها: = تقصد إيه.. أنا مش فاهمة؟ شريف بهدوء: = أقصد إننا.. بالنسبة للناس دول.. نكرة منسواش حاجة.. ممكن يفعصونا بجزمهم وكأننا حشرات.. ولا لينا تمن.. وعشان كده.. لازم أنا وانتي نبقى إيد واحدة.. نخاف على بعض ونحافظ على مصالح بعض. حبيبة بدهشة ودموعها تتساقط:

= مصالح إيه وإيد واحدة إيه اللي بتتكلم عنهم.. فوق يا شريف.. إحنا لازم نمشي من هنا ونحاول نهرب ونخرج برة البلد.. قبل ما عمر ده يوصل لنا ولا يقبضوا علينا. شريف وهو يشعل سيجارته بهدوء: = انتي معاكي حق.. أنا فعلاً لو لقيت الأمور اتعقدت.. هسافر.. هسافر بس لوحدي. انتفضت حبيبة واقفة برعب: = إيه.. عاوز تسافر لوحدك.. طيب وأنا.. هتسيبني هنا اتسجن واتبهدل؟ شريف بحنان زائف:

= وده برضه معقول.. أنا بقول لو الدنيا اتعقدت.. يعني مش دلوقتي خالص.. وبعدين.. أنا قبل ما أفكر في حل لنفسي.. أكيد فكرت في حل ليكي انتي كمان. نظرت إليه حبيبة بتوتر وهي تعدل من وضع حجابها: = حل.. حل إيه؟ ابتسم شريف بمكر وهو يلقي قنبلته الأخيرة عليها: = بصي يا ستي.. أنا هبعتك تشتغلي عند ناس معرفة.. ثم تابع وهو يراقب انفعالاتها بهدوء:

= ناس أغنية ومحترمين.. هتاخدي منهم مرتب كويس.. وتلاقي مكان تعيشي فيه.. بدل الشقة اللي اتطردتي منها.. بس بشرط.. حبيبة وهي تنظر إليه بتوجس: = شرط.. شرط إيه؟ ابتسم شريف بقسوة:

= بصي يا حبيبة.. إنتي مش صغيرة.. وكل حاجة وليها تمن.. يعني إنتي دلوقتي.. مالكيش مكان تعيشي فيه.. ولا وظيفة تصرفي منها.. دا غير إنك مطلوب القبض عليكي في قضية قتل.. وقتل مين.. واحد من كبارات البلد.. يعني لو حط إيده عليكي.. هيبقى السجن ده بالنسبالك رفاهية.. هتتمنيها ومش هتلاقيها. ارتعشت حبيبة بخوف وهي تسمعه يتابع بهدوء:

= بس لو سمعتي كلامي.. هخليكي تخرجي منها زي الشعرة من العجين.. وأنا بنفسي هخرجك بره البلد.. تبتدي حياة جديدة ونضيفة.. من غير تهديد ولا قلق. ثم تغيرت نبرة صوته إلى القسوة الشديدة وهو يتابع بتهديد: = لكن لو رفضتي.. أنا بنفسي اللي هبلغ عنك.. ومش هكتفي بكده.. لاء.. دا أنا هبلغ عمر الرشيدي بمكانك.. وأتأكد إنه هيوصلك. حبيبة بخوف:

= بقى دي آخرتها يا شريف.. عاوز تبلغ عني.. وبعدين.. تمن إيه اللي عاوزني أدفعه.. مش كفاية كل اللي أنا فيه ده كان بسببك!! تجاهل شريف حديثها وهو يقف أمامها يتطلع إليها بقسوة وجبروت: = إنتي هتروحي تشتغلي عند عمر الرشيدي.. في القصر بتاعه. تراجعت حبيبة للخلف بصدمة والدموع تقفز من عينيها برعب: = إنت اتجننت.. إنت عارف انت بتقول إيه.. عاوزني اروح اشتغل عند عمر الرشيدي.. إنت عاوز تسلمني له.. إنت عارف ده لو شافني هيعمل فيا إيه؟!

لتتابع بخوف هيستيري: = أنا مستحيل أعمل كده.. فاهم! حتى لو بلغت عني البوليس.. هيبقى أهون عندي من إني أسلم نفسي له. شريف بقسوة: = إهدي يا حبيبة.. واسمعيني كويس.. طول مانتي بتسمعي كلامي وتنفذيه.. استحالة أبلغ عنك أو أئذيكي. ثم تابع بثقة: = عمر الرشيدي مش هيعمل فيكي حاجة.. لأنه.. وببساطة.. مش فاكر أي حاجة. حبيبة بدهشة: = إيه.. يعني إيه مش فاكر أي حاجة.. ثم شهقت وهي تولول بخوف وانهيار:

= قصدك الخبطة عملتله حاجة في عقله.. يا نهار أسود.. يا نهار أسود.. أنا كنت عارفة الخبطة كانت شديدة أوي.. وأكيد مكنش هيقوم منها بالساهل كده. صرخ فيها شريف يُسكتها بغضب: = إخرسي بقى.. وبطلي ولولة.. عمر الرشيدي كويس وزي الحصان.. رجع لشغله وحياته وصفقاته.. بس.. ابتلعت حبيبة ريقها بخوف وهي تستمع إليه يبتسم بمكر: = بس.. ولحسن حظنا.. نسي كل حاجة حصلت له في يوم الحادث. ثم تابع بتهكم:

= أو زي ما الدكاترة بيقولوا.. عنده فقدان ذاكرة جزئي. صرخت حبيبة باستنكار: = فقدان إيه.. إيه الكلام الفارغ اللي أنت بتقوله ده.. أنت فاكرني هبلة.. وهتضحك عليا بالكلام الفارغ ده اللي أنت بتقوله. جذبها شريف فجأة بقسوة من ذراعها وهو يقول بغضب:

= اسمعي.. علشان أنا جبت أخري معاكي.. قدامك حل من اتنين.. يا أما تستعدي علشان تقضي بقية حياتك في السجن.. وده طبعًا لو عمر ما حطش إيده عليكي الأول وخلص على اللي باقي من عمرك.. أو تسمعي كلامي وتروحي تشتغلي عنده في فيلته.. وكل حاجة تحصل هناك.. تبلغيني بيها. ثم تابع بتأكيد وهو يشد على ذراعها بقسوة شديدة: = انتي هتبقي هناك.. عنيا اللي بشوف بيها.. ووداني اللي بسمع بيها.. وقبل ده كله.. هتبقي إيديا اللي بنفذ بيها.

ثم تابع وهو يحاول إقناعها: = وقصاد اللي هتعمليه.. هتضمني حريتك.. ههربك بره البلد.. هديكي فلوس تبتدي بيها حياتك.. والموضوع مش هياخد كام شهر.. أنا وانتي نتحملهم.. وفي الآخر.. كل واحد فينا هياخد اللي هو عاوزه ونتفارق أصحاب وأخوات.. زي ما كنا وأحسن كمان. حبيبة ودموعها تتساقط بخوف: = أنا خايفة يا شريف.. أفرض اتعرف عليا! شريف بتأكيد:

= أنا متأكد إنه مش هيتعرف عليكي.. وعشان تتأكدي.. أنا روحت له المستشفى وقابلته.. وعملت نفسي بطمن عليه.. وهو قابلني عادي.. ورجعني الشغل كمان.. ودا بعد طبعًا ما تحججت له إني سرقت فلوس من الخزنة علشان أعالج أمي.. واعتذرت واتذللت له.. فوافق وأمر لي بفلوس مساعدة كمان.. أظن إنه لو كان فاكر حاجة.. كان زماني مرمي في السجن.. ولا رجاله خلصوا عليا. ثم ترك يدها وهو يشعل سيجارة أخرى:

= شوفتي.. أنا خاطرت بنفسي علشان أتاكد إن حوار فقدانه للذاكرة صحيح ومش لعبة منه.. ها.. أظن كده اتطمنتي. حبيبة بتردد: = بس.. اقصد يعني.. انت هتستفاد إيه من كل ده.. كمان.. أنا خلاص مبقتش عاوزة اتورط في مشاكلك اكتر من كده.. كفاية اللي جرالي بسببك. شريف وهو يقترب من باب الغرفة مغادرًا:

= هستفاد إني هبقى مسيطر على كل حاجة.. إنتي هتبقي عنيا في بيته.. وأنا رجعت لشغلي تاني.. وهراقب كل حاجة من تاني.. ومش هدي فرصة لا لمي ولا لأمها.. إنهم يلعبوا بديلهم من ورايا.. ويحفرولي مصيبة عشان يتخلصوا مني.. ويكوشوا هما على كل حاجة.. أنا حاسس من ناحيتهم بالغدر.. بعد كل حاجة ما باظت.. عاوزين يخلعوا.. ويتمموا الجوازة.. ويبقوا مخسروش حاجة.. بس أنا مش لقمة سهلة.. وهفيها.. ولا أخفيها.. وأطربقها فوق دماغهم. ثم نظر

لارتجافها الواضح بتهكم: = اعملي حسابك.. هتروحي الفيلا من بكرة.. هتشتغلي مرافقة لجدة عمر.. وياريت بلاش نغمة مش عاوزة اتورط في مشاكلك دي.. إنتي اتورطتي.. وإللي حصل حصل.. بلاش تخليني أقلب عليكي انتي كمان.. عشان قلبتي وحشة.. ملهاش غير طريقين.. السجن أو القبر. ثم تركها وغادر.. لترتمي أرضًا وهي تنهار في نوبة من البكاء الشديد.

بعد مرور يومين.. جلست حبيبة مساءً بداخل الغرفة الصغيرة المخصصة لها بجناح جدة عمر.. دولت هانم الشويحي.. والتي تحتل جانب كبير من الناحية الغربية للطابق الأرضي بقصر عمر الرشيدي.. وهي تحاول النوم ولكنها لا تستطيع من شدة شعورها بالتوتر والقلق.. فقد استلمت عملها من يومين.. وتفاجأت بمعاملة جدة عمر الطيبة لها.. واكتشفت أنها سيدة رقيقة وعطوفة.. تتعامل معها بكل رقة وطيبة.. تشاركها بذكرياتها وأحاديثها المرحة الطيبة.. مما يجعل

وقت العمل يمر سريعاً وكأنها في نزهة ممتعة.. ولكن ما يثير حنقها ورعبها.. هو مكالمات شريف المستمرة لها.. واستفساره عن كل كبيرة وصغيرة تحدث بداخل القصر.. واضطرارها لإجابته عن أسئلته التي لا تنتهي.. بالإضافة لقرب وصول عمر الرشيدي للقصر.. فهو قد أخفى عن جدته أخبار الحادث الذي تعرض له.. كي لا تتأثر صحتها الواهية بخبر إصابته.. وأقام بإحدى الشقق المملوكة له.. حتى يكتمل شفائه.

تقلبت في الفراش بأرق.. وهي تشعر بعدم رغبتها في النوم.. وعقلها يبحث عن مخرج من الكارثة التي أحلت بها.. لتنهض فجأة وهي تحدث نفسها بغضب: = فاكر إني هصدقه تاني.. ولا هورط نفسي في طريق الإجرام اللي عاوز يمشيني فيه.. بس ده مستحيل.. أنا هطاوعه وهحسسه إني موافقة على كل اللي بيطلبه.. لحد ما يطمن.. وأخد مرتب الشهر ده.. وأسافر بعيد.. شرم ولا الغردقة.. ولا حتى أسوان.. اشتغل هناك في مكان بعيد عنه وعن القرف ده كله. لتتابع برجاء:

= بس أتأكد إنه عمر ده فعلاً مش فاكرني.. ولا فاكر اللي عملته فيه.. ههرب منهم لأخر مكان في العالم.. وأختفي بعيد عنهم كلهم. ثم تنهدت براحة بعد قرارها الأخير.. وهي تجمع شعرها في عقدة فوق رأسها غير مرتبة.. وتسحب حجاب صغير وضعته فوق رأسها دون أن تهتم بإحكام وضعه.. وهي تقول بعدم صبر: = طيب كده خلاص.. عرفت هعمل إيه.. واللي اسمه عمر ده أكيد مش هيجي هنا دلوقتي.. يبقى أنا قلقانة ومش عارفة أنام ليه!؟ ثم تنهدت بفراغ صبر

وهي تتأمل الفراش بقلة صبر: = يووه.. أنا هروح أجيب حاجة دافية أشربها.. يمكن أعرف أنام. ثم نظرت بإنتقاد للبيجاما الوردية القديمة التي يزينها صور لطيفة لبعض شخصيات الكرتون.. وهي تقول بتعب: = أنا لسه هغير.. زمان الكل نام.. ومش مستاهلة تغيير.. أنا هجيب حاجة دافية أشربها وأرجع جري.. من غير ما حد يحس.

ثم خرجت بهدوء وهي تتلفت حولها بقلق خوفاً من أن يراها أحد بملابس النوم.. ليواجهها القصر الغارق في الظلام والهدوء الشديد.. فتوجهت سريعاً للمطبخ.. وقامت بتحضير كوب من اللبن الدافيء.. وحملته للخارج.. إلا أنها توقفت فجأة.. وهي تسمع صوت خطوات مريبة بالخارج. فنظرت بقلق لساعة يدها التي تعدت الثانية بعد منتصف الليل: = معقول لسه فيه حد صاحي لحد دلوقتي؟!

إلا أنها عادت وتذكرت أن الخدم ينامون في مبنى مستقل في حديقة القصر.. كما أنه من المستحيل أن تكون عصمت هانم مازالت مستيقظة.. فمواعيد نومها واستيقاظها شيء مقدس بالنسبة لها.. كما أن مي تسهر كل يوم بالخارج حتى الصباح. ليزداد الصوت وضوحاً.. وهي تتلفت حولها بارتباك وقلق: = أستر يارب.. ليكون حرامي! ثم تابعت بخوف وهي تتسلل على أطراف أصابعها إلى الخارج:

= يادي النيلة.. دا إيه النحس ده.. هو أنا كل ما أروح مكان.. لازم تحصل فيه مصيبة! كتمت أنفاسها بخوف وهي تتلفت يميناً ويساراً.. وتتمسك بقوة بالكوب الممتلئ بالحليب الساخن.. لتجد الهدوء والصمت والظلام يخيمان على المكان.. ولا يوجد ما يثير الريبة أو الشك. لتتنهد براحة وهي تضع يدها على موضع قلبها.. وتلتقط أنفاسها وهي تتمتم: = الحمد لله.. مفيش حاجة.. دي أكيد تهيؤات من كتر الضغط النفسي اللي أنا فيه.

ثم استدارت وهي تنوي العودة إلى غرفتها.. إلا أنها لمحت بطرف عينيها خيال ضخم لشخص يتحرك بخفة من خلفها ويتجه إليها. شهقت برعب.. واستدارت سريعاً تحاول الهرب إلى غرفتها.. وعقلها الخائف والمرتبك يصور لها أشياء مخيفة ومرعبة.. فحاولت الهررب سريعاً.. إلا أنها تفاجأت باقترابه السريع منها.. حتى أصبح خلفها تماماً.. مما جعلها تصرخ برعب: = إلحقوني.. حرااامي.

انتفضت برعب وهي تشعر بذراعين كالحديد تطوقها.. وتسحبها للخلف.. وبيد قوية تكتم فمها تمنعها من الصراخ.. في حين حاولت هي الهرب والتملص من بين ذراعين مهاجمها الذي يطوقها بشدة ويمنع هروبها.. وهي تلف رأسها بعنف يميناً ويساراً محاولة التخلص من اليد التي تكتم صرخاتها.. إلا أنها فشلت.. لتقوم بكضم يد مهاجمها بقسوة.. وهي تقذف كوب الحليب الساخن في وجهه.. في محاولة أخيرة منها للهروب.

تعالى سباب مهاجمها.. وهو يسحبها للخلف بقوة.. حتى التصقت به تماماً.. وتحرك بها إلى أقرب زر إضاءة أناره.. وهو يسب بشدة. وهي تواصل المقاومة بطريقة هيستيرية.. وقد انساب شعرها الأسود الغزير حول وجهها من شدة مقاومتها.. لتتوقف فجأة عن المقاومة.. وضربات قلبها تزداد بشدة.. ووجهها يعلوه الشحوب الشديد.

وقد تعرفت على وجه مهاجمها.. الذي كان يتأملها وهو يغلي من شدة الغضب.. فقد كان يقف أمامها مباشرة.. عمر الرشيدي.. بكل عنفوانه وغضبه. لتشهق برعب.. وتغيب فجأة عن الوعي بين ذراعيه. بعد قليل من الوقت.. فتحت حبيبة عينيها ببطء وهي تتأوه بألم.. لتجد نفسها مستلقية على إحدى الأرائك الكبيرة في بهو القصر.. فرفعت وجهها ببطء وهي تحاول التذكر.. لما هي مستلقية هنا.. لتشهق برعب وهي تحاول النهوض بفزع.. وقد تذكرت ما حدث.

وطالعها وجه عمر الصارم.. الذي وقف أمامها يتأملها بصمت. ابتلعت حبيبة ريقها برعب.. وهي على وشك الصراخ مجدداً من شدة خوفها. إلا أن عمر وضع يده على فمها وهو يقول بصراخ وغضب شديد: = إخرسي.. عارفة لو سمعت صوتك بتصرخي تاني.. هقطعلك لسانك اللي عامل زي سرينة الإنذار ده. هزت حبيبة رأسها بطاعة.. وعينيها تتجمع بها دموع الرهبة. وهو يتابع بغضب وعينيه تتأمل ملامحها المذعورة بدقة:

= أنا هشيل إيدي.. وإوعي تصرخي.. ولا صوتك يعلى.. مفهوم!! هزت حبيبة رأسها موافقة برعب. فرفع يده ببطء.. وهو يحذرها بصرامة بعينيه.. ويتابع بصوت هادئ: = إنتي مين.. أنا أول مرة أشوفك هنا؟ التقطت حبيبة أنفاسها.. وهي تغلق عينيها براحة.. تستمع لكلماته التي أعادت الطمأنينة لها. ونهضت سريعاً عن الأريكة.. وهي تكاد أن تتعثر وتقع مرة أخرى. لتلتقطها ذراعيه تمنعها من السقوط.. وهو يقول بغضب.. وقد أساء فهم دوافعها:

= إهدي.. وبطلي حركة شوية.. ومتخافيش.. أنا مش حرامي زي ما انتي فاكرة.. أنا عمر الرشيدي.. صاحب القصر ده. ليتابع بغضب: = يعني مفيش داعي للجنان اللي بتعمليه.. وردي عليا.. علشان أنا خلاص جبت أخري.. انتي مين.. وبتعملي إيه هنا.. في الوقت المتأخر ده. تراجعت حبيبة للخلف.. وهي تقول بتقطع: = أنا.. أنا… شغالة هنا.. شغالة.. شغالة.. لتنتفض برعب.. وهو يقاطعها ببرود.. وقد بدت عليه أمارات الغضب: = شغالة إيه.. انطقي.

أشارت حبيبة للخلف.. وهي تقول بارتباك: = شغالة عند نازلي هانم.. يعني أقصد.. شغالة مرافقة ليها. عمر ببرود.. وقد راق له ملاعبتها: = وبتعملي إيه هنا.. في وقت زي ده.. وباللبس اللي إنتي لبساه ده.. أنتي مش عارفة إنه ممنوع تخرجي من أوضتك.. في ساعة متأخرة زي دي.. ومن غير اليونيفورم بتاعك!؟

استمعت له حبيبة بدهشة.. وعينيها تتسع برعب.. ونظرت إلى منامتها الضيقة والطفولية التي ترتديها.. بعدم تصديق.. وارتفعت يدها إلى رأسها تتحسس شعرها المكشوف والمفرود خلفها بصدمة. ليتفاجأ بها تنظر في كل اتجاه.. وكأنها تبحث عن شئ ضائع.. ثم تندفع فجأة للأمام.. تزيحه بعنف.. وتلتقط حجابها الملقى بجانب قدمه.. تضعه على رأسها بسرعة شديدة.. تحاول به مداراة شعرها المنساب بغزارة حول وجهها.. إلا أنها تفشل.. بسبب ارتباكها الشديد.

تابع عمر تصرفاتها الهوجاء بتسلية شديدة.. وارتفع حاجبيه بدهشة.. عندما ضربت الأرض بقدمها بطريقة طفولية غاضبة.. عندما فشلت في السيطرة على شعرها الهائج.. ثم تفاجأ بها تركض فجأة هاربة من أمامه. إلا أن صوته الغاضب ارتفع يستوقفها: = انتي رايحة فين.. تعالي هنا حالاً.. أنا لسه مخلصتش كلامي معاكي. ابتلعت حبيبة ريقها بخوف.. وهي تعود إليه صاغية.. ويدها تطبق على الحجاب تغلقه حول وجهها بطريقة مضحكة. عمر بصرامة..

وهو يدرك ارتباكها الشديد: = إسمك إيه. حبيبة بهمس: = ح.. بيبة. رفع عمر حاجبيه بتساؤل.. وهو يدعي عدم سماعها جيداً: = بيبا.. إسمك بيبا! هزت حبيبة رأسها بارتباك.. وهي تقول: = لاء.. لاء.. ح… حبيبة. هز عمر رأسه.. وهو يتابع ببرود: = هممم.. بيبا.. طيب يا بيبا.. مجاوبتيش عليا.. بتعملي إيه هنا.. في وقت زي ده؟! أشارت حبيبة لنفسها بارتباك: = حبيبة.. اسمي حبيبة.. مش بيبا. عمر ببرود.. وقد راق له إرباكها:

= حبيبة.. بيبا.. مش مهم.. المهم إيه اللي مخرجك من أوضتك.. في ساعة زي دي.. وباللبس ده؟! توهج وجه حبيبة باللون الأحمر.. وهي تشير للمطبخ بارتباك: = أصلي… أصلي كنت مش عارفة أنام.. فقلت أجيب حاجة سخنة أشربها.. ومعرفش إن يعني.. حضرتك.. يعني موجود. عمر وهو يقصد إرباكها: = آه.. حاجة سخنة.. قصدك اللبن اللي لسه مغرقاني بيه. شهقت حبيبة بصدمة.. وهي تنظر للقميص الذي يرتديه.. والظاهر عليه آثار السائل الذي قذفته به.

= أنا.. أنا أسفة.. بس أصل أنا كنت خايفة.. وفكرتك.. يعني.. أسفة.. حرامي. عمر بسخرية: = حرامي هنا.. في القصر.. مع كل الحراسة اللي برة دي.. وفكرتي إنه في حرامي.. يقدر يدخل هنا! توهج وجه حبيبة من الغضب من تهكمه الواضح عليها.. لترد بدون تفكير: = وفيها إيه يعني.. ما عادي.. ممكن أي حرامي يدخل هنا.. يعني هو قصر ولا وزارة الدفاع.. علشان ميقدرش يدخله. عمر بتحذير بارد: = بقى كده! حبيبة باندفاع:

= أيوه.. وبعدين حضرتك اللي غلطان.. كنت واقف في الضلمة.. وكتفتني بطريقة خوفتني.. طبيعي يعني إني أفتكرك حرامي. عمر ببرود: = كده.. يعني أنا اللي غلطان. تراجعت حبيبة بتوتر للخلف من نبرته الباردة: = أيوه.. بس أكيد متقصدش. عمر بتهكم: = مقصدش.. لا.. كتر خيرك. حبيبة وهي تتراجع للخلف أكثر: = أنا.. أنا هروح على أوضتي.. تصبح على خير. عمر بصرامة: = إستني عندك.. أنا أذنتلك تمشي؟ نظرت حبيبة حولها بتوتر:

= هو حضرتك لسه عاوزني في حاجة؟ عمر وهو يتجه إلى الدرج المؤدي للطابق العلوي الموجود به جناحه الخاص: = أه.. حضريلي العشا.. وهاتيه على الجناح بتاعي. حاولت حبيبة التحكم في غضبها.. إلا أنها لم تستطع.. وهي تقول بتسرع: = حضرتك.. أنا مرافقة لنازلي هانم.. مش خدامة.. ومليش دعوة بأمور المطبخ خالص.. تحب أصحيلك حد من الخدم! عمر ببرود وهو يزيد من استفزازها:

= أنا لو كنت عاوز حد من الخدم.. كنت استدعيته.. أنا بطلب منك انتي.. وياريت طول ما انتي هنا.. تتعلمي إني مبحبش أسمع غير تلات كلمات.. نعم.. وطيب.. وحاضر. ثم تجاهلها وصعد للأعلى.. وهي تنظر إليه بحقد وغضب.. ثم استدارت في طريقها للمطبخ.. إلا أن صوته البارد استوقفها. ليتابع ببرود مستفز: = بيبا.. متنسيش.. وإنتي بتحضري العشا.. تجيبيمعاه كوباية لبن. ثم تابع صعوده وهو يبتسم. في حين ضغطت حبيبة على شفتيها.. وهي تقول بغيظ:

= حبيبة.. اسمي حبيبة.. أعلق يافطة كبيرة باسمي.. علشان يصدق!! ثم دخلت إلى المطبخ.. وهي تكاد تصرخ من شدة الغيظ: = أبو شكلك بارد. ثم تابعت بغيظ وهي تعيد لملمة خصلات شعرها.. وإعادة ضبط الحجاب مرة أخرى بطريقة جيدة.. ثم شرعت في تحضير طعام العشاء.. وهي تُتمم بغضب: = أنا كده فهمت.. الواد شريف اتجنن وعمل اللي عمله فيه ليه.. أكيد قعد يغيظ فيه لحد ما اتجنن.. وعمل عملته السودة. ثم تنهدت بغضب.. وهي تحمل صينية الطعام

وتتجه بها إلى الأعلى: = ربنا يسامحك يا شريف.. أنت السبب في كل المصايب اللي أنا فيها دي. وصلت حبيبة إلى جناح عمر.. وطرقت الباب عدة مرات.. وهي تكاد تنفجر من الغيظ.. حتى سمعت صوته يأذن لها بالدخول. فتحت الباب بتردد.. وهي تنظر لداخل الغرفة.. لتجده يخرج من باب الحمام الداخلي.. وهو يجفف شعره.. وقد ارتدى بيجامة رجالية أنيقة.. عبارة عن بنطال قطني أسود.. وتي شيرت رمادي بدون أكمام.

ابتلعت حبيبة ريقها بتوتر.. وهي تضع سريعاً صينية الطعام على الطاولة.. وتتراجع للخلف بتوتر.. وهي تنوي مغادرة الغرفة.. إلا أن عمر استوقفها.. وهو يتجه إلى صينية الطعام.. وهو يقول ببرود: = بيبا.. استني. انفجرت حبيبة فيه.. وقد وصلت إلى أقصى طاقة لتحملها: = حبيبة.. اسمي حبيبة.. في حرف ح قبل بيبا.. تحب اجيب لحضرتك البطاقة.. علشان تتأكد؟! تناول عمر زيتونة صغيرة.. وضعها في فمه.. وهو يمغط شفتيه باستفزاز:

= حبية.. بيبا.. مش فارقة.. إيه هنقعد نتناقش كتير في اسمك.. وعدد حروفه! ثم تابع ببرود: = اتفضلي.. انزلي على أوضتك.. أظن ميصحش تكوني هنا.. في وقت متأخر زي ده. نظرت إليه حبيبة بعدم تصديق.. وهي تقول بصدمة: = مش حضرتك اللي.. عمر ببرود.. وهو يمعن في استفزازها: = حضرتي اللي إيه… اتفضلي انزلي أوضتك.. ميصحش كده.. لو حد شافك هنا.. في وقت زي ده.. هيقول إيه؟

توهج وجه حبيبة باللون الأحمر من شدة الغضب.. وهي تكاد تنفجر فيه.. ثم توجهت إلى باب الغرفة سريعاً. إلا أن عمر استوقفها: = بيبا.. استني. استدارت حبيبة تنظر إليه بغضب: = نعم.. في حاجة تاني؟ إلا أنها تفاجأت به يضع كوب الحليب الساخن في يدها.. وهو يقول بتسلية: = خدي كوباية اللبن دي معاكي.. إشربيها.. بدل اللي اتكب.. أنا مبشربش لبن. ثم أشار للباب: = اتفضلي.. مستنية إيه.. وإقفلي الباب وراكي.

تمسكت حبيبة بكوب اللبن بشدة.. وهي تخرج وتغلق باب الغرفة بغيظ.. تتبعها ضحكات عمر القوية والمستفزة.. وهي تتمتم: أبو شكلك بارد.. يارب عدي الأيام دي بسرة.. خليني أغور من هنا. وفي نفس التوقيت.. راقبت عصمت هانم.. خالة عمر.. خروج حبيبة من غرفة عمر بغضب حارق.. وهي تقول بحقد: = وده لحق يعرفها أمتى.. علشان ياخدها الأوضة عنده.. لتتابع بغيظ:

= بس الحق مش عليه.. الحق على الغبية بنتي.. اللي هتضيعه من إيدها.. بالتصرفات الغبية اللي بتعملها. ثم تناولت الهاتف.. وقامت بالاتصال بابنتها.. ليأتيها صوت ابنتها المختلط بأصوات الموسيقى العالية والصاخبة. مي بصوت أشبه بالصراخ: = أيوة يا ماما.. في حاجة.. بتصلي ليه.. في حاجة. عصمت هانم بغضب: = إنتي لسه عندك.. بتعملي إيه.. إحنا بقينا وش الصبح. مي بضيق:

= يووه.. لسه بدري يا ماما.. الحفلة لسه في أولها.. وأصحابي كلهم لسه موجودين. ضغطت عصمت هانم على الهاتف بغضب: = حفلة إيه اللي بتتكلمي عنها.. ارجعي بسرعة.. عمر وصل.. ولو عرف إنك لسه برة.. هيطربق الدنيا فوق دماغنا. شهقت مي بخوف وضيق: = وده إيه اللي رجعه بس.. ما كنا مرتاحين.. خلاص يا ماما.. أنا هودع صحابي.. ونص ساعة وهكون عندك.. بس افتحيلي باب القصر الصغير.. علشان أدخل منه.. ومحدش يحس بيا. عصمت بتأكيد:

= أنا هفتحلك الباب.. وإنتي متغيبيش.. وربنا يستر. ثم أغلقت الهاتف.. وهي تقول بارتياح: = كده كويس.. نص ساعة بالكتير.. ومي تبقى هنا.. الباقي بقى عليا.. لازم بكرة أفاتحه في إننا لازم نتمم جوازته من مي.. اللي اتأجلت بسبب اللي حصله. ثم تابعت بتفكير.. وهي تتذكر مشهد خروج حبيبة من غرفة عمر.

= لا.. البنت دي مش خطر.. زيها زي غيرها.. أكيد لعبة وبيسلي نفسه بيها.. بس لما ينوي يتجوز.. هيتجوز بنت خالته.. مي هانم مندور.. دا تربية إيدي.. وأنا حافظاه كويس. ثم ابتسمت بثقة.. وهي تتجه للأسفل.. لمساعدة ابنتها في الدخول للقصر دون أن يراها أحد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...