تحميل رواية «سيليا والشيطان» PDF
بقلم رولا هاني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وضعت الهاتف علي أذنها تحاول التواصل مع شقيقها لكي يخرجها من تلك المنطقة المهجورة و لكن كما توقعت لم يرد عليها. زفرت بضيق. هامسة بنبرة خافتة و شعور التوتر يسيطر عليها بسبب وجودها بذلك المكان المرعب: -كان لازم يعني أروح الحفلة دي! أديني توهت! سارت بخطواتها البطيئة تحاول البحث عن أي أحد. ثم نظرت لهاتفها بتردد لتنوي وقتها مهاتفة والدتها فهي لا تملك أية حلول أخري. كادت أن تضغط علي الهاتف عدة ضغطات و لكنها توقفت تلقائيًا ليقع من بين يديها الهاتف عندما جاء رجل ما ليكمم فمها من الخلف ليهمس بنبرة مقززة و...
رواية سيليا والشيطان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رولا هاني
كانت تضع السكين على معصمها تنوي تمريره بعنف، ولكنها توقفت فجأة عندما استمعت لسؤاله المفاجئ ذلك.
رأت وقتها الدموع تلتمع بعينيه بصورة واضحة، فازدردت ريقها بصعوبة وهي تجيبه بنبرة مرتجفة:
- ليه بتسأل سؤال زي ده؟
فرك كلا كفيه بتوتر قبل أن يرد عليها بتلعثمه المعهود:
- واحدة... زيك شباب كتير يتمنوا بس نظرة منها أكيد... لازم تندم إنها اتجوزت واحد زيي.
تركت السكين على الطاولة وهي تزفر بألم. يكفيها إرهاقها وحزنها، فهي لن تحتمل ألم غيرها وهي تعرف ذلك جيدًا. ولكنها شعرت تجاهه بالشفقة الحقيقية، خاصة عندما وجدته يحتقر نفسه بتلك الصورة المحرجة. خاصة إنها لم تجد ردًا مناسبًا لقوله. أتخبره بالحقيقة وبضيقها من زواجها من رجل مثله لن تستطيع تحمل مسؤوليته أبدًا؟ أم تكذب عليه لتخبره بسعادتها الزائفة بتلك الزيجة؟ ولكنها فاشلة بالكذب، إن نطقت بحرف كاذب سيعرف هو بالتأكيد. لذا فضلت الصمت وعدم الرد.
وبعد عدة دقائق هتف هو بتساؤل:
- "ياقوت" انتِ مش بتردي ليه؟
زفرت مجددًا، ولكن تلك المرة بغضب لترد عليه بقسوة أصابت قلبه بألم غير طبيعي لتنهمر عبراته الحارة أمامها. بينما هي تتابع حديثها اللاذع بلا اهتمام لمشاعره التي لم تحترمها أبدًا:
- أرد أقولك إيه؟ أقولك إني اتجوزتك غصب؟ أقولك إني هعيش عمري وشبابي كله مع واحد مش هقدر أتحمل مسؤوليته أبدًا وكل ده بسبب حاجة غصب عني؟ أقولك إيه ولا إيه؟
تحدث من بين دموعه بنبرة مبحوحة وهو يطرق رأسه بأسى:
- أنا... أنا آسف.
نهض من على الفراش وهو يحاول الوصول إلى الأريكة. وبالفعل، وبعد عدة خطوات كاد فيها أن يتعثر ليقع، وصل إليها ليرتمي عليها جالسًا هاتفًا بـ:
- أنا هسيبلك السرير تنامي فيه زي ما تحبي وأنا هنام هنا.
ردت عليه ببرود وهي ترتمي على الفراش لتتمدد عليه:
- يكون أحسن.
ازدرد ريقه بصعوبة ويحاول التوقف عن البكاء. فأكثر ما ألمه هو خدعة والده التي انطلت عليه. فهو أخبره بأنها سعيدة بتلك الزيجة مثله تمامًا، فهو يعشقها منذ الصغر، ولكن الحقيقة أصابته بالصدمة بتلك اللحظة. وفجأة توقف الزمن به لعدة لحظات ليمر بباله عدة أسئلة. كيف لفتاة مثلها أن تعشق شخص مثله؟ كيف لفتاة مثلها أن تعشق شخص كالطفل الصغير يحتاج لرعاية؟ كيف لفتاة مثلها أن تكن زوجته؟ ولأول مرة يراوده ذلك الشعور المؤلم. لماذا يرفضه الجميع؟ رفضه أصدقاؤه وعائلته، وكل الناس، حتى هي. ولكن رفضها كان أكثرهم ألم. رفضها كان غير متوقع. كان ينتظر أحضانها التي ستحتويه ليشكو لها باكيًا ممن ظلموه وجرحوه ورفضوه. كان ينتظر، ولكن انتظاره كان بلا جدوى، وكأن حياته انتهت أو توقفت بتلك اللحظة. لتمر عليه حياته كشريط سينمائي، ليتذكر مجددًا كل شيء. أهله الذين ظلوا يخططوا ليتخلصوا منه وبالفعل استطاعوا من خلال الزواج. أصدقاؤه الذين خذلوه. معشوقته التي حطمت قلبه بلا مبالاة.
تمدد على الأريكة وحاول تجاهل ذلك الشعور الذي راوده. فهو لا يريد أي شيء منها ولا يريد حتى طلب شيء ما منها. ولكن جفاف حلقه حاربه ليهتف وقتها بتردد:
- ممكن تجيبي لي أشرب؟
فتحت جفنيها ببطء وهي تلتفت للناحية اليمنى لتراه متمددًا على الأريكة وهو ينتظر منها ردًا. فنهضت هي من على الفراش بعدما التقطت كوب الماء الزجاجي من على الكومود لتتجه ناحيته ببطء، مما جعله يظن عدم اكتراثها لطلبه. فاعتدل هو في جلسته بعدما سيطر عليه شعور الندم مما قاله. ولكن تفاجأ عندما شعر بها بجانبه وهي تقبض على كفه لتضع به الكوب قائلة بنبرة غير مفهومة:
- اتفضل.
ارتشف من الكوب عدة رشفات ليهمس بعدها بامتنان:
- شكرًا يا "ياقوت".
أخذت منه الكوب لتضعه على الطاولة قائلة بعجرفة:
- في أي حاجة تانية عايزها ولا أروح أكمل نوم؟
هز رأسه نافيًا وهو يتمدد على الأريكة ليحاول تجاهل غطرستها والتعجرف الذي كانت تتحدث به. ثم غاص بسبات عميق بعدما أرهقه التفكير. بينما تتجه للفراش وهي تبكي بصمت وجسدها يرتجف بعنف لتتذكر ما حدث منذ عامين تقريبًا.
(عودة للوقت السابق)
- صورك معايا في التليفون ده، تعالي على **** وهاتي الفلوس وامسحيهم بنفسك ولو عايز تاخدي الموبايل كمان خُديه.
قرأت تلك الرسالة بصوت مسموع لتهتف وقتها شقيقتها "وسيلة" بعدم اطمئنان واضح:
- ما بلاش يا "ياقوت" أنا مش مطمنة للواد ده.
ضغطت على الهاتف بأصابعها بعنف شديد كاد أن يحطمه صارخة بغضب وهي تجز على أسنانها بقوة:
- عايزاني أعمل إيه يعني؟ مروحش عشان ينزل الصور الزفت المتركبة دي زي ما هو بيهددني!
مررت "وسيلة" كلا كفيها على خصلاتها بصورة عنيفة قبل أن تهمس بقلة حيلة:
- مش عارفة، بس بردو فكرة إنك تروحي هناك لوحدك ده معناه إنك هتبقي في خطر.
ثم تابعت بتوسل وهي تجلس أمامها على الفراش:
- طب خدي معاكي بابا حتى.
هزت "ياقوت" رأسها عدة مرات بهستيرية بعدما جحظت عيناها بشدة وهي تصيح برفض قاطع لا يتقبل النقاش:
- لا طبعًا، أنا مش عايزة أعرف حد حاجة وبعدين انتِ عارفة أبوكي مش هيسكت ومش بعيد يطلعني أنا اللي غلطانة.
قضمت "وسيلة" أظافرها بارتباك وهي تهتف بنبرة شبه عالية:
- طب ما تاخدي معاكي "زاهر" وأهو غلبان ومش هينطق بحاجة.
زفرت "ياقوت" بعبوس وهي توبخ شقيقتها قائلة بقسوة:
- انتِ غبية ولا بتفكري إزاي!؟ ده مش بعيد لما أخده معايا يموت من الضحك على أساس إنه هيحميني منه وكده!
امتعضت ملامح وجهها قبل أن تصيح بتجهم:
- طب هتعملي إيه؟
ردت "ياقوت" بنبرتها المتوترة وهي تضع رأسها بين كفيها بحيرة:
- هروحله هعمل إيه يعني!؟
___________________________________________
بعد مرور عدة ساعات
- هو فين الزفت ده!؟
قالتها بعنجهية بالرغم من ذلك الموقف الذي وقعت به، و بالرغم من ذلك، فهي لم تتخل عن كبرياءها وغطرستها. وفجأة انتفضت برعب عندما استمعت لنبرة ذلك الرجل وهو يهتف بـ:
- ليه الغلط بس؟ ده أنا ممكن أزعلك في أي لحظة.
ازدردت ريقها بتوتر وهي تستدير له قائلة بارتباك:
- انتَ "إياد"؟
رد عليها بابتسامته الخبيثة التي لا تبشر بالخير:
- لا أنا صاحبه "بلال".
عقدت حاجبيها وكادت أن تصرخ بوجهه بنفور واشمئزاز، ولكنها لم تستطع عندما أتى ذلك الرجل المجهول من الخلف ليكمم فمها بعنف جعلها غير قادرة على الحديث أبدًا. ولكنها حاولت الفرار من بين يديه ليصبح بعدها الأمر أكثر صعوبة، خاصة عندما حملها ذلك الرجل ومعه "بلال" ليأخذاها تجاه المصعد. وكل ذلك وسط حركات جسدها العصبية والعشوائية. وخلال عدة دقائق من المقاومة التي كانت بلا جدوى، وجدت نفسها بداخل تلك الشقة الغريبة التي لا تعرفها. وفجأة تملكها شعور الهلع ليجعلها في حالة اهتياج هستيري لتزداد مقاومتها، خاصة عندما أخذاها تجاه تلك الغرفة. ولم تنتبه لتفحصها حتى هي، فقط تحاول الهروب من بين يدي هؤلاء الحمقى. وفجأة تركها شخص ما فحاولت هي مقاومة الآخر بمنتهى الضراوة. ولكن توقف بها الزمن عندما شعرت بتلك الإبرة التي انغرزت في ذراعها ليصيبها دوار عنيف جعلها تترنح في وقتها لتغيب عن الوعي بعد عدة دقائق مباشرةً!
___________________________________________
بعد مرور عدة ساعات.
فتحت جفنيها ببطء شديد لتعقد حاجبيها بذهول وهي تتفحص الغرفة بعينيها سريعًا متسائلة أين هي؟ حاولت الاعتدال في جلستها من بين تأوهاتها العالية لتتذكر ما حدث صباح اليوم عندما أتت لذلك المكان لتأخذ صورها ولكنها تم خداعها لتكن نهايتها مفزعة هكذا. سحبت الغطاء لتستر جسدها العاري وعبراتها تتساقط على وجنتيها بلا توقف. وفجأة انقبض قلبها بألم لتنتحب بحسرة كل ما فقدته على يد هؤلاء الذئاب. ثم ارتجف جسدها بصورة قوية وهي تصرخ بأعلى صوتها ولكن لم يستمع أي شخص لصوت صرخات تلك المسكينة لأنه ببساطة لم يوجد أي شخص بالمكان بعد ما حدث لها!
نهضت من على الفراش بعدما تشبثت بالغطاء ليستر جسدها، وسارت بخطواتها البطيئة بسبب ذلك الألم غير المحتمل الذي أصابها. وفجأة وقعت عيناها على ملابسها التي كانت مرمية على الأرض بإهمال. فوقعت هي على الأرض بصورة عنيفة وهي تلتقطهم لترتديهم وهي تجهش بالبكاء المتواصل لتتعالى شهقاتها التي ألمت قلبها المسكين ليزداد انتحابها وهي تبكي بمرارة على ما حدث لها.
ارتدت ملابسها بالفعل وهي تنهض بعدما استندت بكلا كفيها على مقبض الباب. ثم خرجت من الغرفة وهي تصرخ باكية بتلك النبرة المسموعة. وخرجت من الشقة التي كان بابها مفتوحًا لتجد أمامها بالشقة المقابلة تلك المرأة التي ترمقها باشمئزاز واحتقار واضحين. فازداد انهمار عبراتها وهي تتمنى فرصة من تلك المرأة لتوضح لها سبب وجودها هنا. ولكنها لم تجد تلك الفرصة خاصة عندما أغلقت الباب بوجهها. وفجأة وبعد عدة دقائق من لحظات الانهيار التي كانت تمر بها مر على رأسها ذلك السؤال المخيف. كيف ستكون رد فعل والدها عندما يعلم بما حدث لها!
رواية سيليا والشيطان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رولا هاني
أخذت تتذكر صدمة والدها الذي لم يصدق ما حدث، وبكاء والدتها الذي لم يتوقف لعدة ليال، وشقيقتها التي أصابها الندم الشديد بسبب عدم ذهابها معها، بالإضافة إلى ذهابهم إلى تلك الشقة التي ذهبت إليها ليجدوها خالية من السكان من الأساس.
أطبقت جفنيها بإرهاق وهي تتشبث بالغطاء الذي سحبته على جسدها، ثم غاصت بسبات عميق بعدما تهاوت عبراتها على وجنتيها بلا توقف لتلهبهما.
***
باليوم التالي.
دلف للبيت بخطواته السريعة وعلى وجهه علامات الغضب الواضحة فوجدها أمامه مباشرة وهي جالسة على تلك الأريكة ببرود لتلقي عليه نظرات تتحداه بوضوح، بينما والدته "بيسان" تقف لتراقب الموقف بارتباك.
ازداد ارتباكه عندما وجدته يقترب منها بنفس سرعة خطواته ليبض على ذراعها بعنف ساحبًا إياها خلفه كالبهيمة، فصاحت وقتها "بيسان" برفض:
-"تميم" كفاية كده.
رد على والدته بجمود وهو يمر خلفها ساحبًا تلك التي تصرخ بعصبية وانفعال واضحين:
-متتدخليش يا ماما.
صعد الدرج وهو ما زال يسحبها خلفه، بينما هي تحاول سحب ذراعيها من بين قبضته بحركاتها العشوائية لتكمل صراخها بسباب لاذع جعله يستدير لها ليرمقها بنظراته الشيطانية المرعبة التي جعلتها تبتلع بقية كلماتها المقززة.
لترمق بقلق وهو يهتف بتحذير واضح وعينيه تجحظ بصورة ملحوظة، وهو يشدد قبضته على ذراعها:
-كلمة زيادة وهاوريكي وش عمره ما هيعجبك.
لاحظت صدره الذي يعلو ويهبط بصورة واضحة بسبب لهاثه الهستيري وأنفاسه المتلاحقة فتوقت هي سريعًا سبب اهتياجه ذلك، نعم فقد مر ببالها ما قالته شقيقته بالأمس لتخبره بأن صديقه يتحرش بها، بالتأكيد الأمر تسبب في عصبيته الشديدة تلك.
انساق خلفه وهي تحاول السيطرة على أعصابها لتعرف ما الذي يريده، وفجأة وجدته يسحبها خلفه تجاه غرفته ذات الباب المكسور ليهتف وقتها بنبرة قاسية وبصوت أجش قبل أن يخرج من الغرفة:
-قدامك ربع ساعة تغيري هدومك وتجهزي عشان واخدك مكان هيعجبك أوي.
كادت أن ترفض بتمردها وعنادها المعتادين ولكنها توقفت بسبب فضولها الذي حثها على فعل ما يريده لمعرفة ذلك المكان الذي يريد أخذها إليه، وبالفعل ارتدت ملابس أخرى غير تلك التي كانت ترتديها، نعم فهي ارتدت ذلك القميص الوردي على ذلك البنطال الأبيض، بالإضافة إلى ذلك الحذاء الأبيض، ثم خرجت من الغرفة لتجده ينتظرها بمكان قريب منها.
فصاحت هي وقتها بفضولها الذي كاد أن يقتلها:
-أنا جهزت، فهمني بقى موديني على فين.
اقترب منها بوجومه الذي لا يبشر بالخير ليقبض على ذراعها مجددًا فنفضته هي بعنف صارخة بشراسة لم تستطع السيطرة عليها:
-إنتَ فاكرني إيه عشان تفضل تجر فيا وراك بالطريقة دي!؟
جز على أسنانه بقوة قبل أن يرد عليها من بين أسنانه المطبقة بغل واضح:
-إنتِ واحدة حقيرة حرامية قتلت ابن خالتي عشان شوية فلوس، دة اللي أعرفه عنك.
انهارت أعصابها، لم تعد تتحمل، لديها طاقة وللأسف انتهت، لذا وبصورة مفاجأة صرخت بصدق رآه هو بعينيها ومع ذلك ظنه خدعة جديدة تريدها أن تنطلي عليه:
-مسرقتوش صدقني مسرقتوش.
نظر في عينيها مباشرة قبل أن يهتف بحدة، بينما هي تتابعه بانفعالها الجحيمي:
-تنكري إنك قتلتيه.
هزت رأسها نافية وهي ترد بلا وعي وبلا تفكير، وكأنها تظنه سيصدق كل كلمة تقولها من فرط ثقته بها:
-قتلته بس مش عشان أسرقه.
أحاط وجهها بكلا كفيه ليصرخ بنبرة هزت أرجاء المكان وعينيه تجحظ بصورة مرعبة، بينما هي تتابعه والدموع ملتمعة بعينيها:
-أمال قتلتيــه لية؟
ردت عليه بتهكم وهي ترمقه باستهزاء:
-دة على أساس إنك هتصدقني!؟
رد عليها بجمود بعدما ابتعد عنها ليرمقها باحتقار:
-أكيد لا عشان إنتِ طول عمرك كدابة.
هبط الدرج بعدها مباشرة صارخًا بصرامته التي لا تتقبل النقاش:
-انزلي حالا عشان عندنا مشوار مهم.
***
"برق"!
قالتها "سماح" بصدمة مفرطة بعدما فتحت باب بيتها الذي تعالت عليه الطرقات لتجد أمامها مباشرة "برق" الذي كان على وجهه تعابير جامدة باردة، وربما غير مفهومة.
بينما هي تلتفت للخلف حيث داخل البيت بارتباك ملحوظ خشية من معرفته بوجود صديقتها "رحيق" بالمكان، فقاطعه هو شرودها ذلك بهتافه بـ:
-أنا عارف إنها هنا، خالها أساسًا مسافر برا مصر.
ثم أكمل بنبرة تهديدية خفية لاحظتها هي من فرط متابعتها لكل ما يقوله ولكل تعابير وجهه:
-وعارف إنك صاحبة "رحيق" جدًا لدرجة إنك تعرفي عنها كل حاجة، أنا عارف إنك هتستغربي من اللي هقوله بس دي هي الحقيقة، يعني أهلك لو عرفوا إنك مصاحبة واحدة زي دي تفتكري هيعملوا إيه؟
ازدردت ريقها براحة بعدما تذكرت أن صديقتها نائمة بغرفتها، فتنهدت بهدوء قبل أن تتسائل باهتمام وبنبرة خافتة:
-عايزني أعمل إيه؟
ارتسم على ثغره ابتسامة واثقة قبل أن يرد عليها بجدية وهو ينظر في عينيها مباشرة ليحاول معرفة ما يدور في عقلها:
-هقولك.
***
-تحبي نخرج؟
قالها "زاهر" بتساؤل وعلى وجهه تلك الابتسامة اللطيفة التي يحاول بها نسيان كل شيء يؤلمه، فردت هي عليه ببرودها المزعج الذي جعله يشعر بذلك الإحراج ليندم عما قاله:
-لا.
أومأ لها عدة مرات وبعد صمت دام لدقائق هتف هو بحماسه العجيب الذي يشبه حماس الأطفال البريئة:
-أكلك كان حلو أوي.
نظرت لصينية الإفطار التي أكل منها القليل لترد عليه بسخرية جعلته يندم مجددًا عما قاله:
-أكل إيه دة هو بيض وجبنة إيه الغريب يعني مش فاهمة؟
فرك كلا كفيه بتوتر وهو يطرق رأسه للأسفل بصمت، بينما هي ترمقه بتأفف.
ثم صاحت بتردد بعدما رأت تعابير وجهه التي جعلتها تشعر بالشفقة مجددًا:
-متزعلش مني يا "زاهر" أنا عارفة ساعات ببقى سخيفة أوي.
ارتسم على ثغره ابتسامة خفيفة وفضل الصمت مجددًا، فرمقته هي بحنق عندما ظنته حزينًا مما حدث منذ قليل، لذا همست هي بتردد مجددًا:
-طب تحب نخرج سوا زي ما قولت؟
اتسعت ابتسامته قبل أن يومئ لها عدة مرات وهو يهتف بفرح:
-ماشي.
***
طوال الطريق وهي شاردة غافلة عن كل شيء، شاردة فيما حدث منذ قليل، هي كادت أن تخبره بكل شيء وبالحقيقة بعدما فقدت القدرة على الصبر والتحمل، ولكنها فاجأها برد فعله غير المتوقع.
هو كان يحب ابن خالته بشدة حتى إنه لا يريد الاستماع لدفاعها عن نفسها، ولا يريد حتى الاقتناع بأي حقيقة أخرى سوى حقيقته الزائفة، هو لا يريد تصديق سوى أنها قتلت "إياد" لتسرقه!
وفجأة احتقرت عقله الغبي، فتاة مثلها لا تحتاج للمال بسبب وجودها بأسرة حالتها المادية جيدة لما تسرق!؟
أهل يظنها مريضة أم ماذا!؟
ماذا عن عقلها الذي يكاد ينفجر من فرط التفكير!؟
تريد إيقاف كل شيء ولو لليلة واحدة لعلها تجد أي حلول لمشكلتها.
وفجأة توقفت عن الشرود عندما وجدت نفسها أمامها ذلك البيت الذي قتلت فيه "إياد" فصرخت هي وقتها باهتياج بعدما اعتدلت في جلستها بغضب:
-جبتنا هنا لية؟
رد عليها بنبرته المستهزئة وهي يلقي عليها نظرات سريعة:
-طب في الأول كنتي بتخافي من الضلمة، دلوقت إيه مخوفك!؟
جزت على أسنانها بقوة قبل أن تلوم نفسها قائلة:
-أنا اللي عملت في نفسي كدة.
وجدته يخرج من السيارة فزفرت هي بإرهاق واضح على تعابير وجهها، وفجأة وجدته يفتح بابها ليقبض على ذراعها ساحبًا إياها للخارج، بينما هي تهتف بنبرة هادئة عكس تلك الحالة المهتاجة التي تسيطر عليها، ولكنها اصطنعت الهدوء حتى لا تقع معه في مشاجرة أخرى:
-لو سمحت ياريت نمشي من هنا.
سحبها خلفه بصورة سريعة لداخل البيت فنفضت هي ذراعها بعنف لتبتعد عنه موضحة مدى نفورها من فعلته تلك التي يكررها كثيرًا، ثم صرخت بإنفعال وهي تحاول ألا تنهار بسبب تذكرها لكل شيء مرت به بذلك البيت:
-بطل سكوتك المقرف دة ورد عليا، فهمني حتى جايبني هنا لية؟
تفحص البيت بنظراته المتعمقة قبل أن يجيبها بهدوء ما يسبق العاصفة:
-جايبك هنا عشان أخد حقه.
عقدت حاجبيها لتتفحص ملامحه بعدم فهم واضح، قبل أن تصيح بذهول شديد:
-يعني إيه هتاخد حقه!؟
وجدته يقترب منها فتراجعت هي بخطواتها للخلف والوجل والتوجس يسيطران عليها، وفجأة اصطدمت بالحائط خلفها ليزداد اقترابه هو منه، ثم باغتها بكفه الذي التف حول عنقها بصورة عنيفة سببت لها الاختناق، ليصرخ بعدها بغل والكراهية تشع من عينيه:
-هقتلك زي ما قتلتيه يا "سيليا".
رواية سيليا والشيطان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رولا هاني
رواية سيليا والشيطان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رولا هاني
أجهشت بالبكاء المرير وهي ترمي نفسها على الفراش لتخفي وجهها بكفيها، لتحارب وقتها تلك الذكريات الكريهة التي داهمتها بلا رحمة. لتتذكر وقتها ذلك الأحمق، وذلك البيت، وذلك اليوم.
بينما "بيسان" تدخل الغرفة بخطواتها المتوترة وهي تتساءل قائلة بنبرة لطيفة:
- سيليا، انتِ كويسة؟
جزت على أسنانها وهي تكتم صوت بكائها ليخرج منها وقتها ذلك الأنين الخافت، وهي تتمنى لو كان لديها قدرة على البوح بكل ما ينغص عليها حياتها، بكل ما يؤلم قلبها، بكل ما يحرق روحها المسكينة.
بينما "بيسان" تلاحظ تلك الحالة الغريبة التي كانت فيها، لتقترب وقتها منها بخطوات مترددة، لتجلس بجانبها على الفراش، ثم مدت كفها بارتباك، لتسحب كفيها من على وجهها، فوجدت تلك العبرات تغمر وجنتيها. لذا صرخت هي وقتها بصدمة، فهي ولأول مرة تراها بتلك الحالة المزرية:
- سيليا، حصلك إيه؟
صرخت باكية بألم، وهي ترمي نفسها بين أحضانها، لتنتحب بحرقة وهي تتشبث بملابسها. بينما "بيسان" تربت على كتفها بعدما جحظت عيناها بعدم تصديق. أتلك هي الفتاة القوية التي تزوجها ابنها؟ ما الذي حدث ليجعلها في حالة انهيار تصيب المرء بالدهشة هكذا؟
لاحظت ارتجاف جسدها العنيف، فاحتضنتها بحنان هامسة بـ:
- كل حاجة هتبقى تمام، اهدي، كفاية عياط وبـ...
وفجأة قاطعها "تميم" الذي دخل الغرفة بخطواته الراكضة كالثور الهائج، فسألته هي غاضبة بملامح عابسة، بينما "سيليا" تتشبث بها وهي غافلة عن كل شيء:
- عملت فيها إيه؟
كادت أن تتابع صارخة باهتياج، ولكنها توقفت عندما وجدته يخرج من إحدى الأدراج سلاحًا ناريًا ليضعه بجيبه، فهبت هي واقفة تاركة "سيليا" التي جففت عبراتها سريعًا لتتابع وقتها ما يحدث. بينما "بيسان" تصرخ برعب:
- واخد المسدس ده وهتعمل بيه إيه؟
كاد أن يتركها غير مكترث لها، ولكنها أوقفته عندما قبضت على ذراعه لتجعله يقف قبالتها، وهي تتابع صارخة بتساؤل:
- رد عليا السلاح ده واخده ليه؟
أجابها بنبرة مهتاجة والشر يتطاير من عينيه، بينما "بيسان" المصدومة تتابعه بعدم تصديق. أما "سيليا" فهي ما زالت تتابع ما يحدث لتفهم وقتها ما يقصده زوجها:
- بنتك مسافرتش لخالها، خالها مش في إسكندرية أساسًا.
عقدت حاجبيها لتحاول تجاهل ما يرمي إليه بحديثه قائلة:
- أمال سافرت لمين؟
تحرك وقتها ليسير بخطواته السريعة صائحًا بـ:
- ده اللي أنا هعرفه، بس لو طلع اللي في دماغي صح مش هرحمها يا ماما.
تسمرت بمكانها وهي تراه يخرج من البيت، وفجأة شعرت بدوار عنيف فترنحت في وقفتها وهي تستند على باب الغرفة. بينما "سيليا" تنهض من على الفراش سريعًا لتتجه ناحيتها صائحة بوجل:
- انتِ كويسة؟
ازدردت "بيسان" ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تهمس بهلع، وقد امتقع وجهها:
- هاتيلي تليفوني بسرعة من أوضتي.
عقدت "سيليا" حاجبيها ببعض من التعجب قبل أن تتركها وهي تؤمئ لها برأسها عدة مرات، بينما "بيسان" تتمتم بإصرار والدموع تلتمع بعينيها:
- حتى لو كان اللي بيقوله صح، لازم أنقذ بنتي.
***
- هروح فين بس الكام ساعة دول؟
قالتها "رحيق" وهي تزفر بحنق، ثم سحبت خلفها حقيبتها الكبيرة وهي تتنهد بعمق، هامسة بـ:
- كنت ناقصة الزفت اللي اسمه "برق" ده!
وفجأة وجدت سيارة تمر بجانبها فألقت عليها نظرة سريعة قبل أن تكمل سيرها، ولكن لفت نظرها ذلك الرجل الذي أخرج رأسه من النافذة قائلاً بجدية:
- مش انتِ "رحيق" أخت "تميم"؟
عقدت حاجبيها بذهول قبل أن تتوقف لتتوقف السيارة معها، اقتربت منه هامسة باستفسار وهي تشعر بعدم الاطمئنان ولكن فضولها الأحمق منعها من إكمال سيرها لتعرف هوية ذلك الشخص الذي يعرفها:
- أيوه خير؟
كاد أن يرد عليها، بينما هي تتابعه باهتمام واضح، وفجأة وجدت رجلًا ما يكمم فمها من الخلف ليسحبها تجاه السيارة بصورة سريعة أصابتها بالفزع الشديد، فظلت تحاول المقاومة ولكنها لم تستطع خاصة عندما أخذها بالفعل لداخل السيارة لتشعر وقتها برجل آخر يلف تلك القماشة على عينيها لتصبح الرؤية لديها معدومة.
***
- مبتردش دي ليه؟
قالها "بلال" بعصبية وهو يغلق هاتفه ليضعه بجيبه، ثم دخل لغرفته بذلك الفندق وهو يتمتم غاضبًا:
- المفروض بقى أعمل إيه بعد ما الهانم مردتش عليا؟
مرر كفيه على وجهه بعنف، قبل أن يرمي نفسه على تلك الأريكة متسائلاً بحيرة:
- ياترى "تميم" عرف بالحقيقة؟
***
- يابني ريحني ورد عليا بقى!
قالتها "سندس" وهي تسير خلف ابنها لتتابع بعدها وهي عابسة الوجه:
- لا ماهو انت لازم تفهمني كل حاجة وإلا مش هسيبك.
حاول "يحيي" الهروب بعينيه من عينيها التي تراقبه بلا توقف، ثم رد عليها بجمود:
- كل حاجة بس إيه يا ماما؟ محسساني إن في مصيبة، مفيش أي حاجة صدقيني.
وبتلك اللحظة أصبحت نبرتها حادة لتصرخ وقتها بنزق:
- انت هتخبي على أمك ولا إيه؟ ما تنطق يالا.
زفر بنفاذ صبر قبل أن يصيح باهتياج وهو ينظر في عينيها مباشرة:
- أقولك إيه؟ أقولك بنتك قتلت واحد عشان تسرقه وابن خالته جه عشان ينتقم منها وهو عيلته واتجوزها عشان كده؟ أقولك إيه ولا إيه؟
جحظت عيناها بصدمة وهي تتراجع بخطواتها للخلف لتهز رأسها رافضة تلك الفكرة من الأساس، ثم تساءلت صارخة وهي تلطم على وجنتيها:
- اللي بتقوله ده صح؟
ازدرد ريقه بصعوبة قبل أن يومئ لها وهو يطرق رأسه ليصيبه شعور الندم عما قاله. بينما هي تتلاحق أنفاسها قبل أن تصرخ بنبرة مهتاجة:
- لا.. لا، بنتي متعملش حاجة زي دي، انت أكيد كداب.
رفع رأسه قليلًا ليتابع وجهها الشاحب بتوتر ملحوظ، ليهتف بعدها مباشرة بتوجس:
- ماما..
قاطعته صارخة بتلعثم، وهي تقع على الأريكة جالسة بعدما لم تتحمل قدماها حملها:
- ب...بنتي...بنتي في...في خطر أكيد هما عايزين يأذوها.
اللمعت الدموع بعينيها قبل أن تهمس بأسى:
- سيليا.
فقدت الوعي بعدها مباشرة، فصرخ وقتها "يحيي" بذعر وهو يركض ناحيتها:
- مـامـا.
***
- رد على مامتك.
قالها ببجاحة بعدما حل وثاقها، فرمقته هي باحتقار، صارخة باشمئزاز واضح بنبرتها التي ظهر فيها النفور:
- تميم مش هيرحمك يا برق، لو عرف اللي عملته ده مش هيسيبك.
أغلق هاتفها ثم رماه بإهمال على الأرضية، ثم اقترب ليجلس أمامها على ذلك الكرسي الخشبي قائلاً بثقة أصابتها بالصدمة:
- تميم لو عرف إني خطفتك هيشكرني.
تفحصته بعينيها جيدًا قبل أن تصيح بذهول:
- يعني إيه؟
رد عليها وابتسامته تتسع أكثر، بينما هي تفغر فمها بعدم تصديق، لتحاول استيعاب إن كل ما خططت له خلال تلك الفترة كان بلا جدوى:
- بما إني عارف إن خالك مسافر الفترة دي ومش في إسكندرية، وبما إني عارف إنك سافرتي إسكندرية ومفهمة أخوكي إنك رايحة لخالك، قولت بقى أكلم خالك أقوله إن تميم زعلان عشان مكلمتوش ومجيتش فرحه وكده، واكيد طبعًا خالك كلمه وفهمه إنه مسافر برا.
اتسعت حدقتاها وهي تهز رأسها رافضة بهستيرية، هامسة بـ:
- أكيد لا، أكيد انت بتكدب، أكيد معملتش كده.
ازدرد ريقه وهو يحاول تجاهل حالتها التي على وشك الانهيار تلك، ثم صاح بثبات وهو يرمقها بكراهية زائفة:
- لا هي دي الحقيقة، وضفي على كده حكيتله كل حاجة وكل اللي بينك وبين بلال... هو صحيح مصدقش بس أكيد لما عرف كدبك ابتدى يشك فيكي.
نهض ليوليها ظهره بعدما شعر بضعفه الأحمق يظهر على تعابير وجهه ما إن رأي عبراتها المصدومة تنهمر على وجنتيها بلا توقف، ثم تابع بهدوء مصطنع ولكنه مستفز:
- وأنا كمان اللي خليت صاحبتك تمشيكي من بيتها، قوليلي بقى تحبي أكلم أخوكي ولا تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف؟
لاحظ صمتها الذي طال فاستدار لها ليجدها تهمس بصعوبة واضحة:
- تميم... ل..لو عرف..هيقتلني.
ارتسم على ثغره ابتسامة جانبية متهكمة، قبل أن يجيبها بنبرة مستهزئة:
- عنده حق، بصراحة أنا لو مكانه كنت دفنتك مكانك مش بس قتلتك.
ارتجف جسدها وهي تتوقع رد فعل شقيقها وحالته الحالية، ثم انكمشت على نفسها برعب، وهي تدفن وجهها بكفيها، لتهز رأسها بهستيرية رافضة كل ما يحدث، لتتمنى أن يكون ذلك ما هو إلا مجرد كابوس ستستفيق منه بأي لحظة. وفجأة أفزعتها نبرته الباردة وهو يهتف بـ:
- واضح من سكوتك إنك عايزاني أكلم أخوكي فعلًا، مفيش أي مشكلة.
وجدته يتجه ناحية هاتفه ليلتقطه، فوجدته يضغط عليه عدة ضغطات، لذا هبت واقفة وهي تتجه ناحيته راكضة، وفجأة تعثرت قدمها لتقع أمامه وهي تلتقط كفه لتقبله عدة مرات صارخة بتوسل من وسط عبراتها التي غمرت وجنتيها:
- أبوس إيدك أخويا هيقتلني.
سحب كفه من بين يديها قبل أن يهتف بثبات، وهو ينظر في عينيها مباشرة:
- يبقي تنفذي اللي هقولك عليه بدون نقاش.
رواية سيليا والشيطان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رولا هاني
صباح يوم جديد.
- مش عايزة أكل حاجة.
قالتها رحيق بعدما وجدته يضع صينية الإفطار أمامها على الفراش، ثم تابعت وهي ترفع عينيها المتورمتين من فرط البكاء لتنظر في عينيه مباشرة، قبل أن تهمس بنبرة ضعيفة:
- هكلمه إمتى؟
جلس أمامها على الفراش قبل أن يهتف بجدية وعلى وجهه علامات الجمود الواضحة:
- إحنا مش اتفقنا أي حاجة أطلبها تنفذيها بدون نقاش وإلا هقول أخوكي كل حاجة.
لوت شفتيها بإشمئزاز، ونظرات الكراهية تشع من عينيها بوميض ملحوظ، ثم مدت كفها ناحية الصينية لتلتقط منها عدة لقيمات قبل أن تأكلها بصورة سريعة، لتبعد عنها الصينية وهي تبتلع الطعام بصعوبة واضحة، ثم هتفت بنبرتها المبحوحة قائلة:
- هكلمه إمتى؟
أخرج هاتفها من جيبه قبل أن يهتف ببرود، وهو يضغط عليه عدة ضغطات، ليتفحص تعابير وجهها الشاحبة بإهتمام:
- دلوقتي، والدتك إتصلت بيكي كتير أوي، أكيد عايزة تحذرك من أخوكي.
جحظت عيناها بصدمة قبل أن تهتف بإستهجان:
- هي ماما ممكن تكون عرفت!
هز كلا كتفيه قبل أن يجيبها بصوته الأجش، لتلمع تلك الدموع بعينيها مرة أخرى:
- ممكن لية لأ؟
ثم تابع بهدوء وهو يضغط على الهاتف عدة ضغطات، قبل أن يضعه على أذنها قائلاً:
- خدي كلميه، وزي ما اتفقنا.
قبضت على الهاتف بخفة وبعد عدة ثوان همست بثبات:
- الو.
أتاها رده فإزدردت ريقها بتوتر، قبل أن ترد عليه بنبرتها التي لا تطمئن:
- معلش يا بلال حصلتلي مشكلة هبقى أحكيلك عليها، ومع الأسف مقدرتش أكلمك.
كادت أن تتابع حديثها ولكنها وجدته يهمس بنبرة لم يسمعها غيرها:
- إفتحي الـ Speaker.
فتحت مكبر الصوت بكفها المرتجف، ثم تابعت بنبرة شبه هادئة:
- فاكر الكافيه اللي اتقابلنا فيه هنا قبل كده يا بلال؟
أتى رده عليها بنبرته اللعوب التي جعلت برق يرمقها بإحتقار، رأته هي في عينيه لتطرق رأسها بحرج:
- طبعاً، وهو اليوم ده يتنسي؟ دي كانت أول مرة تزوغي من أخوكي وتجيلي نتقابل يا روحي.
لعقت شفتيها بإرتباك، قبل أن تهمس بضيق، وهي تزفر بحنق:
- هنتقابل فيه كمان ساعتين.
أغلقت الخط بعدها مباشرة، وهي تلقي الهاتف على الفراش، ثم ضمت كلا ركبتيها لصدرها بصمت مريب، بينما هو يتابعها بنظراته التي تحولت خلال ثوان من نظرات مشمئزة إلى أخرى مشفقة على حالتها التي لم يتوقع أبداً تدهورها إلى تلك الدرجة، إزدرد ريقه قبل أن يهتف بلهجة آمرة وهو ينهض ليلج لخارج الغرفة:
- كُلي... عايز أرجع ألاقي الأكل كله خلصان.
تابعته بنظراتها الغير مفهومة، وبعد لحظات تعلقت أنظارها بالهاتف وعينيها تلمع بوميض قوي، وفجأة تراجعت عن تلك الفكرة، نعم فهي لن تحذر بلال، يكفي ما حدث لها بسببه، كل ما تفكر به الآن هو الهروب من ذلك الحقير، ولكن ماذا عن شقيقها؟ ماذا عن والدتها التي علمت عنها كل شيء؟ وبتلك اللحظة انهمرت عبراتها بلا توقف... لم تكن تتمنى أن تعرف والدتها أي شيء عن حقيقتها المخجلة، الحيرة تكاد تقتلها وهي تسأل نفسها: هل عشقت بلال أم لا؟ ماذا عن إياد؟ كورت قبضتها بعنف وهي تطبق جفنيها بألم شديد لتتابع أسئلتها! من هي برواية الجميع؟ هل هي الشريرة ذات الشخصية الكريهة؟ أم إنها البطلة المعشوقة؟ أم هي الفتاة الطيبة التي تنتظر رجل ما لينتشلها من وسط كل ذلك؟ أم إنها جميعهم؟
وفجأة مر على بالها أهم سؤال: لما لم يخبر برق شقيقها بوجودها معه؟ أم إنه ينتظر بلال ليسلمه لشقيقها وهي معه؟
***
- ممكن تهدي؟ أكيد هنلاقي حل لكل ده... بس أرجوكي إهدي.
قالتها سيليا بتوتر، وهي تربت على ظهر بيسان برفق، فردت وقتها والدة زوجها باكية وهي تخفي وجهها بين كلا كفيها:
- مش عارفة أوصل لحد من عيالي، مصيبة لو يكون تميم أذى أخته!
فركت سيليا كلا كفيها قبل أن تهتف بتساؤل بعدما مرت تلك الفكرة مباشرة على رأسها:
- تعالي نسافر ليهم، مش هما في إسكندرية زي ما بتقولي.
إتسعت حدقتاها قبل أن توافقها الرأي قائلة:
- صح عندك حق، يلا لازم نسافر دلوقتي.
هبت بيسان واقفة لتركض ناحية غرفتها، بينما سيليا تزفر بضيق وهي تهمس بنبرة خافتة:
- لولا إني خايفة من المشاكل ومن كلام الناس كان زماني هربت من بيت المجانين ده.
***
- سيليا... بنتي.
همست بها سندس بعدما فتحت عينيها مباشرة، فوجدت ابنها يحيي يركض ناحيتها صائحاً بـ:
- هدي نفسك يا ماما، الدكتور قال بلاش عصبية.
تلاحقت أنفاسها وهي تعتدل في جلستها قائلة والدموع ملتمعة بعينيها خشية من إصابة فلذة كبدها بأي ضرر:
- بنتي، سيليا فين؟
لعق كلا شفتيه بحيرة وهو يتأمل حالة والدته التي كانت على وشك الانهيار، ثم هتف بعد عدة لحظات وهو يقترب منها ليربت على ظهرها بحنو:
- أبوس إيدك إهدي وأنا أوعدك بليل هاخدك ونروح نشوفها.
هزت رأسها رافضة وهي تصرخ بـ:
- دلوقتي يا يحيي، أنا مش هسيب بنتي في المصيبة دي.
كادت أن تنهض ولكنها أوقفها قائلاً برجاء:
- يا أمي أرجوكي إسمعي الكلام، إنتي تعبانة دلوقتي، إهدي كده وصدقيني بليل هاخدك ونروح.
أومأت له بقلة حيلة وهي تمرر كلا كفيها على وجهها بحزن لتتسائل بعدها بحيرة:
- يا ترى إنتي عاملة إيه يا بنتي؟
***
- ياقوت.
صاح بها زاهر بعدما نهض من على فراشه يبحث عنها، فدَلفت هي للغرفة لتجيبه قائلة:
- في حاجة يا زاهر؟
إزدرد ريقه قبل أن يرد عليها بنبرته الهادئة:
- كـ..كنت بدور عليكي.
رمقته بتأفف، فشعر هو بضيقها، لذا صاح بتوتر:
- إنتِ لسه زعلانة من اللي حصل امبارح؟ أنا مـ...
قاطعته بقسوتها المعهودة وهي تصيح بنبرتها الحادة:
- هتطلقني إمتى؟
إزدرد زاهر ريقه مجدداً قبل أن يرد عليها والعبرات تلمع بعينيه:
- نتطلق! نتطلق لية؟
عقدت كلا ساعديها أمام صدرها قبل أن ترد عليه بنبرة باردة:
- طالما مش بتنفذيلي طلباتي يبقى تطلقني.
فرك كلا كفيه بتوتره المعتاد قبل أن يرفض قائلاً بإرتباك:
- ياقوت إحنا متكلمناش في موضوع الشغل ده قبل الجواز، وحالياً أنا رافضه لكذا سبب منهم إني مش عايز أقعد لوحدي ومش متعود أقعد لوحدي، وبعدين هتشتغلي لية ما بابا بيدينا كل شهر..
قاطعته مجدداً صارخة بنبرة جحيمية لا تتقبل النقاش:
- وأنا مش هستنى فلوس من حد أنا عايزة أنزل أشتغل عادي جداً زي أي حد.
زفر ببعض من العصبية وهو يشعر بعنادها الذي أصبح يتحكم في حياتهما، كان يتقبل كل ذلك حتى لا ينغص عليها حياتها ولكن بات الأمر غير محتمل، لذا وبعد عدة لحظات من الصمت صاح هو بثبات:
- لا يا ياقوت مفيش لا شغل ولا طلاق.
زفرت بإنفعال قبل أن تصرخ بإهتياج والشر يتطاير من عينيها:
- إنتِ كمان بتتحكم فيا، مش كفاية وافقت أتجوزك.
أطبق جفنيه بألم وهو يحاول تحمل كلماتها القاسية تلك، ثم مد كفه ناحية ذلك الحائط الذي بجانبها، ثم سار بحذر حتى خرج من الغرفة، بينما هي تخرج خلفه صائحة بنبرتها المهتاجة:
- إنتِ هتسيبني وتمشي؟ رُد عليا زي ما بكلمك وبطل أسلوبك البارد المقرف ده..
وفجأة إبتلعت بقية كلمتها بذعر عندما وجدته يستدير فجأة ليقبض على فكها بعنف، فشـهقت هي بصدمة وهي تنظر لتعابير وجهه الحادة بتوتر، ثم إنتفض جسدها بصورة مفاجأة عندما صاح هو بإحتدام أفزعها:
- متستغليش محاولتي في إني أكون كويس معاكي بالطريقة دي، مش عشان محترم زعلك ومشاعرك تهينيني كده وتفتكري إني مش قادر أخليكي تعيشي في جحيم... فوقي.
ثم تابع بنزق وهو يشدد قبضته على فكها:
- الأعمى اللي مش عاجبك ده ممكن يدمرك يا ياقوت.
ثم أكمل بقلة حيلة وهو يتركها:
- بس أنا مش هعمل كده.
إزدردت ريقها وأنـفاسها متلاحقة فأخذ صدرها يعلو ويهبط من فرط لهاثها، بينما هو يردف من بين تنهداته الحارة:
- عشان أنا بحبك يا ياقوت.
إستدار للخلف وهو يتابع سيره تجاه غرفة أخرى، بينما هي تحاول استيعاب ما حدث منذ قليل، كانت تظن إن لهجتها الصارمة تلك ستؤثر على شخصيته الضعيفة لكي لا يرفض لها أي مطالب، ولكن خاب ظنها لتحاول وقتها أن تجد خطط بديلة!
***
- إتأخرت لية دي!
قالها وهو ينظر في ساعة يده بتأفف، وفجأة وجد النادل يقترب منه وعلى وجهه تلك العلامات الماكرة، فتسائل هو بعجرفة:
- خير؟
رد عليه النادل بلؤم وهو يتفحصه بنظراته الخبيثة بعدما أخرج تلك الورقة الصغيرة من جيبه:
- في واحدة برا قالتلي أديك الورقة دي.
إلتقط منه الورقة ليفتحها قبل أن يتفحصها بعينيه فوجد محتواها (أخويا شكله عرف كل حاجة وشكله كمان موجود هنا وبيدور عليا، إطلعلي برا الكافيه هتلاقيني مستنياك)... عقد حاجبيه بعدم فهم وهو يشعر بعدم إطمئنان شديد خاصة من نظرات ذلك النادل الغير مريحة، فتنهد بعمق قبل أن ينهض من على كرسيه وهو يتجه ناحية الخارج بخطواته البطيئة وشعوره بعدم الأمان يزداد، تقدم بخطواته للأمام وفجأة وجد عدة رجال يقتربون منه، ففهم وقتها إن هناك فخ ما منصوب له خاصة عندما عنّت نظراته تجاههم ليجد برق معهم، فركض وقتها بأقصى سرعته و خلفه هؤلاء الرجال وبرق!
- مش كنا استنينا لبليل أحسن؟
قالها يحيي ببعض من التوتر وهو يسير بجانب والدته التي تجاهلت ما يقوله من الأساس.
لتتقدم بخطواتها تجاه الحارس قائلة:
- عايزة أقابل بنتي سيليا.
نهض الحارس باحترام، هاتِفًا بلباقة:
- سيليا هانم وبيسان هانم سافروا يا سندس هانم.
عقدت حاجبيها بذهول، قبل أن تتساءل بصدمة قائلة:
- سافروا! سافروا فين؟
رد عليها الحارس تلقائيًا بابتسامة خفيفة:
- كل اللي أعرفه إنهم كلهم حتى تميم بيه سافروا اسكندرية، بس هي والهام لسة مسافرين من يجي ساعة كدة ولا حاجة.
أومأت للحارس عدة مرات وهي تستدير للخلف لتسير قائلة وهي توجه حديثها لابنها:
- يلا بينا.
سار بجانبها وهو يتساءل قائلاً:
- هنروح فين؟
ردت عليه بصرامة لا تتحمل النقاش:
- هنسافر لبنتي اسكندرية.
كانت تأكل بعض اللقيمات من على تلك الصينية وفجأة توقفت عندما استمعت لباب الشقة الذي ينفتح.
فظنته برق ولم تهتم، ولكنها هبت واقفة بصدمة ظهرت على تعابير وجهها ما إن وجدت شقيقها تميم يدلف للغرفة.
لتجحظ عيناها بذعر، وجسدها يرتجف بهلع!
رواية سيليا والشيطان الفصل السادس عشر 16 - بقلم رولا هاني
إنهمرت عبراتها تلقائيًا ما إن اقترب منها، وكادت أن تركض صارخة، ولكن منعها عندما قبض على خصلاتها بعنف، صارخًا باهتياج والشر يتطاير من عينيه:
- كنتِ فين يا روح ***.
تعثرت قدمها لتقع على الأرضية، فجذب هو خصلاتها بعنف أكبر، جعلها تتأوه بصراخ مفزع، بينما هو لا يستطيع السيطرة على غضبه الجحيمي ليتابع صراخه بـ:
- بتعملي إيه هنا؟
انتحبت بقهر، وقدميها لا تستطيع حملها، فظلت على الأرض وهي تتوسل إليه قائلة من وسط دموعها التي غمرت كلا وجنتيها:
- أبوس إيدك سيبني.
لم يستطع السيطرة على أعصابه، فصفعها بقوة قبل أن يهتاج صارخًا بكراهية واحتقار ظهر في عينيه:
- إيه اللي بينك وبين "بلال"؟ ردي.
رفع يده مجددًا ينوي صفعها بتلك الصورة المهينة، ولكن وجد شخصًا ما يمنعه ليدفعه بعيدًا عنها، فدفعه هو الآخر ليجده "برق" وهو يحذره قائلًا:
- إياك تمد إيدك عليها.
سار بخطواته السريعة ليحذره هو الآخر بنبرته الصارخة:
- إبعد عن وشي بدل ما أقتلك معاها.
قبض "برق" على كلا ذراعي صديقه ليمنعه من الحركة بصعوبة بالغة، قبل أن يصرخ بوجهه والرجاء يشع من عينيه بوميض واضح، بينما "رحيق" تتشبث بملابسه وهي تدفن وجهها بقميصه خشية من تصرفات شقيقها التي باتت غير متوقعة:
- أختك غلطت مرتين، مرة مع "إياد" ومرة مع "بلال"، وصدق اللي بقوله عشان فعلاً حقيقي، وكونك عايزة تقتلها دلوقتي ده مش هيفيدك حاجة غير إنك هتودي نفسك فداهية، خلاص اللي حصل حصل وصدقني هي عايزة تتغير وتبطل كل القرف اللي كانت بتعمله زمان.
ثم تابع بتساؤل وهو يلتفت للخلف ليرمُقها بنظرات ذات مغزى:
- مش كده يا "رحيق"؟
أومأت له بهستيرية من وسط عبراتها التي كانت تزداد لتغمر وجنتيها أكثر، بينما هو يلتفت ناحية "تميم" الذي جحظت عيناه بعدم تصديق هامسًا بصدمة واضحة:
- إياد!
ازدرد "برق" ريقه وهو يومئ له عدة مرات بصمته الذي فضله في تلك اللحظة، بينما "تميم" يتحرك بخطواته البطيئة وهو يحاول استيعاب ما استمع إليه منذ قليل، أما "رحيق" فهي عادت مجددًا لتختبئ خلف ظهر "برق" خوفًا منه، وفجأة انتفض جسدها وعبراتها الحزينة تتهاوى على وجنتيها عندما استمعت لنبرة شقيقها القاسية وهو يقول:
- مش عايز أشوف وشك تاني في البيت وكفاية أوي إني مدفنتكيش مكانك.
خرج من الشقة بأكملها بخطواته الراكضة، بينما هي تتنهد براحة ما إن خرج، ثم ارمت بين أحضان "برق" بلا تفكير وهي تصرخ باكية لتهمس بعدها بامتنان:
- شكرًا يا "برق"، عمري ما هنسى اللي عملته معايا أبدًا.
طوق خصرها وهو يربت على ظهرها بحنو، ليتذكر ما حدث منذ ساعة تقريبًا!
(عودة للوقت السابق)
توقف عن الركض وهو يلهث بعنف، ليعلو صدره ويهبط، ثم نظر تجاه إحدى رجاله الذي استطاع الإمساك بـ"بلال" الذي حاول المقاومة ولكنه لم يستطع بسبب ذلك العدد الكبير من الرجال الذين قيدوه بمكانه، كاد أن يتحدث ولكنه توقف عندما قاطعه رنين هاتفه المزعج، فأخرجه من جيبه وهو يتفحص هوية المتصل من على شاشته ليجدها والدة صديقه "بيسان"، فابتعد قليلًا عنهم وهو يحذرهم قائلًا:
- خدوا بالكم ليهرب منكم.
ضغط على الهاتف قبل أن يضعه على أذنه قائلًا:
- أهلًا بحضرتك.
استمع لنبرتها شبه الباكية باهتمام ملحوظ على تعابير وجهه التي انكمشت بانتباه:
- متعرفش أي أخبار عن "تميم" يا "برق".
ازدرد ريقه بتعجب، قبل أن يهز رأسه نافيًا هاتفيًا:
- لا معرفش، هو حضرتك بتدوري عليه؟
تجاهلت سؤاله لتتوسله قائلة:
- الله يخليك لو عرفت عنه أي أخبار ابقى قولي علطول.
رد عليها وهو يخرج تنهداته الحارة:
- حاضر.
أغلق الخط معها، وفجأة مر بباله شيء جعل الصدمة تظهر على وجهه بصورة ملحوظة، ليتذكر أن مفتاح شقته بالإسكندرية مع صديقه "تميم"، وبالتأكيد ما إن سيصل لهنا سيأتي إليها، ليتذكر وقتها "رحيق" التي اختطفها إليها هروبًا منه، لذا ركض بأقصى سرعته تجاه رجاله ليهتف بنبرته المتوترة الواضحة:
- خدوه على المكان اللي اتفقنا عليه وبكرة هاجيلكم.
ثم تراجع بخطواته راكضًا ليذهب لشقته وهو يتمنى عدم وجود صديقه بالمكان، فهو وبالتأكيد سيقتلها بلا تردد!
(عودة للوقت الحالي)
أبعدها عنه ببعض من الوجوم، وبعد عدة لحظات هتف بقتامة وهو ينظر في عينيها مباشرة:
- ياريت بس تنضفي زي ما قولت من شوية وتبطلي كل القرف اللي بتعمليه ده.
ابتعد عنها وكاد أن يخرج من الغرفة، ولكنها أوقفاته بهمسها بنبرتها المرتبكة بـ:
- انت هتسيبني هنا!
استدار ناحيتها ليرمُقها بتساؤل، فهمته هي سريعًا، ففركت كلا كفيها بتوتر شديد، قبل أن تهمس برجاء وعبراتها تلتمع بعينيها مجددًا:
- "برق" متسيبنيش، أنا بقيت لوحدي.. معادش ليا أهل، مفاضلش حد ليا غيرك.
رمقها بحيرته التي أصبحت تراوده خلال تلك الفترة الأخيرة، ثم نظر في عينيها التي كانت تذرف دموعًا حارة، ليراوده عدة أسئلة، أهل بالفعل لن تعود لتلك الفتاة المتعجرفة ذات التصرفات الحمقاء؟ أم إن تلك عدة كلمات قالتها في وقت ضيق لم تجد فيه أي شخص غيره؟ أخفض نظراته عندما لم يتحمل رؤية عبراتها الراجية، ثم رد عليها بعدة كلمات أصابت قلبها بالألم الشديد لتبتلع وقتها تلك الغصة المريرة وهي ترمُقه بعدم تصديق:
- مبقتيش تستاهلي يا "رحيق"، صدقيني مبقتيش تستاهليني ولا حتى تستاهلي حبي.
اتسعت حدقتاها وانفرجت شفتاها قبل أن تهمس باستنكار:
- حبي!
ارتسم على ثغره ابتسامة جانبية ساخرة قبل أن يومئ لها عدة مرات، هامسًا بقلة حيلة وهو يرمُقها بنفور واضح:
- أيوه حبي، حبي اللي مهما بتعملي بيفضل زي ما هو، بحميكي من أخوكي وبحاول أبعدك عن كل القرف اللي بتجري عليه ومش قادر أفهم السبب، حبي اللي انتِ متستحقيهوش أبدًا يا "رحيق"..
قاطعته صارخة بانهيار وهي تضع كلا كفيها على أذنها رافضة استماع المزيد من كلماته الجارحة التي تحرق روحها بلا رحمة:
- كفاية بقى كفاية أرجوك.
تحركت بخطواتها البطيئة لتخرج من الغرفة، فخرج هو خلفها صارخًا بـ:
- رايحة فين؟
سيطرت على عبراتها بصعوبة بالغة لتنظر في عينيه مباشرة، قائلة بنبرتها المرتجفة بعنف:
- همشي من هنا، عايزني أقعد معاك إزاي وانت كارهني كده؟
قبض على ذراعها بقوة وهو يصرخ مجددًا بغضبه الجحيمي:
- عايزة تروحي لـ"بلال" مش كده ولا ترى المرادي هتروحي لمين؟
حاولت سحب ذراعها وهي تطبق جفنيها لتحاول السيطرة على دموعها التي تحاربها وبكل ضراوة لتسقط، ثم همست هي بنبرتها المرتعشة:
- يهمك أوي أروحله أو مروحلوش؟
ترك ذراعها لينظر في عينيها الباكية ليرد عليها بصوته القاسي الذي بات كالجلاد الذي لا يتركها بلا شفقة:
- مش فكرة تروحيله، فكرة إنك عمرك ما هتنضفي من البتاع اللي انتِ فيها.
ثم تابع بتساؤل وهو يتراجع بخطواته للخلف قليلًا:
- عايزة تمشي يا "رحيق"؟
ليكمل بعدها صارخًا بصورة جعلت جسدها ينتفض لتصرخ هي بذعر:
- إمشي ومتورينيش وشك تاني.
تحركت بالفعل راكضة لتخرج من الشقة، بينما هو يتابعها، حتى توارت عن أنظاره، فصرخ بندم باكيًا بحرقة، لم يكن يريد ذهابها، لم يريد ابتعادها، ولكن كرامته باتت تمنعه من توضيح عشقه الذي سيظل يعذبه حتى آخر أنفاسه، جز على أسنانه بعصبية شديدة وهو يتساءل.. لم الفتاة الوحيدة التي عشقها تكون بتلك الحقارة؟ كان يتمناها نقية طيبة وليست خبيثة ماكرة، هو ليس أفضل رجال العالم وهو يعرف ذلك ولكن هو ليس بذلك السوء، هو لم يخدع أقاربه ولم يكن وقحًا هكذا بيوم ما، وفجأة شعر بجدية الأمر، ليزكن وقتها إن عند خروجها من بيته سيفقدها ولن يجدها بسهولة أبدًا، لذا وبلا تردد خرج من الشقة هابطًا الدرج بخطوات راكضة، ليلبي طلبات قلبه الذي يسيطر عليه متجاهلًا كل شيء وأهم ما يتجاهله هو كرامته التي تأبى كل ما يحدث، وجدها تبكي بداخل البيت فابتسم بحزن من وسط دموعه التي أراد إخفاءها عن عينيها فركض ناحيتها وهو يسحبها بصورة مفاجأة جعلتها تشهق بصدمة، فلم تستطع وقتها استيعاب أي شيء سوى إنها بين أحضانه وهو يهمس بشجن:
- مقدرش أسيبك تضيعي من بين إيديا.
توقف بسيارته ليتفحص هاتفه الذي وجد عليه مئات المكالمات الفائتة من والدته، فضغط عليه عدة ضغطات قبل أن يضعه على أذنه قائلًا:
- في إيه يا ماما؟
ردت "بيسان" وقتها بنبرتها الصارخة التي أزعجته:
- انت فين يا زفت؟
رد عليها بتأفف وهو يمرر كفه بعنف على وجهه:
- ما انتِ عارفة أنا فين.
وجد ردها الصارخ مجددًا لينتبه وقتها لحديثها جيدًا:
- أنا في إسكندرية في *****.
جز على أسنانه بغضب وهو يضرب بكفه على باب السيارة بعنف، هاتفه بنزق، وقد سيطر على اهتياجه بصعوبة واضحة:
- أنا جايلك حالاً.
***
"زاهر"... إنت ليه مش بترد عليا!
قالتها بعدما دلفت لتلك الغرفة لتجده جالس على الفراش بصمته الذي يصيب المرء بالتوتر المفرط، فظلت هي تتفحصه قليلاً قبل أن تقترب منه لتجلس بجانبه، فرأته وهو يبتعد عنها ليترك مسافة ليست صغيرة بينهما، نظرت أمامها ببعض من الشرود الذي ازداد خاصة في وسط ذلك الهدوء لتهمس هي بنبرة مسموعة دلت على عبراتها التي على وشك السقوط:
- زمان قبل ما يحصل اللي حصلي كنت "ياقوت" تانية خالص، بحب الضحك والهزار، مش دايماً عصبية وزعلانة زي دلوقتي.
ثم تابعت بنبرتها الباكية وهي تكفكف عبراتها التي كادت أن تغمر وجنتيها، لتنظر بعدها له ولكن الصورة أصبحت مشوشة مجدداً بسبب عبراتها التي حجبت عنها الرؤية بصورة واضحة:
- عارف! إنت اللي تستاهل واحدة أحسن مني يا "زاهر".
وجدته يطرق رأسه وهو يميل بها ناحيتها بعض الشيء، فعلمت وقتها إنه يستمع لها بإنتباه، لذا أكملت بنبرة مهتزة وهي تنتحب بلا توقف لتتذكر كل شيء:
- تستاهل واحدة أحسن مني بكتير، على الأقل مش معقدة زيي.
لم يستطع استماع صوت بكائها الذي يصيب المرء بالشفقة ذلك وهو بصمته هذا، فاقترب منها قليلاً ليمد ذراعه للجانب بحثاً عنها ليجدها هي الأخرى تقترب منه لتلمس كفه وهي تتشبث به، فسحبها هو ببطء لأحضانه التي ارتمت بداخلها وهي تتابع بكاءها بلا هوادة، بينما هو يربت على ظهرها بحنان وعبراته تخونه حزناً عليها فهو لم يتمنى بيوم ما أن تكن في تلك الحالة المزرية، ثم ضمها له أكثر وهو يميل برأسه للأسفل ناحيتها ليقبل رأسها وهو يهدهدها وكأنها طفلة صغيرة، بينما هي تصرخ بانهيار وهي تضرب صدره عدة ضربات عنيفة لتخرج شحنة غضبها التي سيطرت عليها لفترة طويلة، بينما هو يستمعها بصمت ليعطيها الفرصة الكاملة في التخلص من كل تلك الذكريات السيئة:
- لو مكنتش روحت يومها ليهم مكانش حصلي كده، مكانتش روحي هتتشوه بالمنظر ده.
ارتجف جسدها بقوة وهي تجهش بالبكاء من جديد، بينما عبرات "زاهر" تتهاوى على وجنتيه هامساً بأسف:
- لو كان بإيدي كنت حاولت أحميكي حتى لو كان التمن حياتي، أنا فعلاً أسف.
لاحظ صمتها الذي طال فهمس بعدها بعدة لحظات ببعض من القلق:
- "ياقوت"!
ردت عليه هي الأخرى هامسة وهي تزداد تشبثاً بملابسه:
- خليني في حضنك يا "زاهر".
أومأ لها بصمت، وشعور العجز يسيطر عليه فهو أصبح غير قادر على مساعدتها، ليراوده أسئلة كثيرة أهمها.. كيف يساعدها لتخرج من حالة الإنهيار الشديدة التي سيطرت عليها تلك؟
***
- يعني أختك كويسة؟
قالتها "بيسان" متسائلة بتوجس وهي ترمقه بوجل، فأومأ هو لها عدة مرات، بينما هي تتنهد براحة وهي تستطيع تصديق ما يقوله فهي استطاعت الاتصال بابنتها منذ قليل من الأساس، ثم وبعد عدة لحظات هتفت بـ:
- طب أنا هروح أجيب حاجة ناكلها من المطعم ده.
أومأ لها "تميم" بصمت، بينما "سيليا" تتابعه بعدم اطمئنان بنظراتها المطولة لتجده منتبه لوالدته بصورة كبيرة، وفجأة التفت هو لها قائلاً بصرامة لا تتقبل النقاش بعدما قبض على معصمها ليسحبها خلفه:
- يلا بسرعة.
سارت خلفه عنوة وهي تتسائل بنبرة عالية بعض الشيء:
- هو إيه اللي يلا؟
صعد سيارته صارخاً بنبرة مهتاجة وهو يرمقها بنظراته التحذيرية التي جعلتها تدرك بعض من خطورة الأمر المجهول الذي لا تعرفه:
- يلا بسرعة من غير أسئلة.
صعدت السيارة سريعاً، وقد تهدجت أنفاسها من فرط الارتباك، لذا تسائلت هي مجدداً بعدما انطلق هو بسيارته:
- في إيه؟ ... وليه سيبنا مامتك ومشينا؟ ... فهمني حتى واخدني فين؟
رواية سيليا والشيطان الفصل السابع عشر 17 - بقلم رولا هاني
-حصل إيه يومها؟
قالها بجدية بعدما توقف في مكان ما. فقعدت هي حاجبيها بعدم فهم متسائلة ب:
-يوم إيه؟
قبض على كلا ذراعيها ببعض من العنف ليصيح بنفاذ صبر، ناظرًا في عينيها مباشرة، ليحذرها:
-ركزي، اليوم اللي قولتي إن "إياد" حاول يعتدي عليكي فيه.
جحظت عيناها بدهشة قبل أن تنظر له مطولًا لتهتف بغضب، وهي ترمقه باحتقار، بعدما نفضت كلا ذراعيها:
-وهو إنت مش قولت إنك مش هتصدق ولا كلمة أقولها.
زفر بضيق، وهو يدير رأسه للجهة الأخرى ليتأمل الطريق بشرود ملحوظ، وفجأة التفت ناحيتها عندما همست هي بنبرة باكية:
-عايزني أحكيلك عن إيه؟ على أساس إنك هتسمعني من غير ما تكدبني.
كور قبضته بارتباك، قبل أن يهتف بإصرار، وهو يرمقها بثقة:
-المرة دي هصدقك يا "سيليا".
أطرقت رأسها لتخفي عبراتها التي كانت تحاربها كعادتها بتلك الفترة الأخيرة، لتهمس بعدها وهي تزدرد ريقها بتوتر وتردد واضح على تعابير وجهها التي حاولت إخفائها بصعوبة شديدة:
-يومها كنت راجعة من حفلة من عند صاحبتي.. وتقريبًا.. تقريبًا توهت.
فركت كلا كفيها بارتباك، ليلاحظ هو وقتها مدى صدقها الذي كان يشع من عينيها بوميض قوي، لتنهمر بعدها مباشرة عبراتها وهي تصيح بقهر:
-وقتها حاولت أوصل لأخويا ولكن معرفتش، وقبل ما أحاول أتصل بماما لقيت حد بيسحبني لبيت مهجور وهو بيحاول ي....
انتحبت بعنف، وهي تتابع صارخة من بين عبراتها التي تتهاوى على وجنتيها بهستيرية لتلهبهما، بينما هو ينظر لها وعيناه تجحظ بصدمة، فهو وبتلك اللحظة لم يستطع إنكار رؤيته للصدق في عينيها:
-مكانش قصدي أقتله، أنا حتى كنت همشي وأسيبه بعد ما ضربته.
ثم تابعت بتوسل، وهي تلتف ناحيته ليري هو ضعفها بتلك اللحظة، ضعفها الذي ظلت تخفيه لعدة أشهر:
-صدقني يا "تميم".. صدقني.
وأكملت بتلعثم، وجسدها يرتجف بصورة عنيفة، بينما هو يفغر فمه وهو يحاول استيعاب ما تقصه عليه:
-هو مسابنيش أمشي وكان عايز يعمل فيا كده، وقتها مسكت عصاية كبيرة وضربته على راسه وبعدها على طول جريت وخرجت من الباب.
أخفت وجهها بين كفيها وشعور الندم يلاحقها بسبب إظهارها لكل ما تحمله من هم أمام ذلك الأحمق، ذلك الشيطان الذي اقتحم حياتها التي عادت هادئة مستقرة بصعوبة ليخربها بانتقامه، وأكثر ما يؤلمها إن الجميع يظنها الجانية وهي المجني عليها، الجميع يظنها مذنبة وهي بريئة، وفجأة ازداد الغل والكراهية بقلبها تجاه زوجها المخادع، الذي خدعها باسم الحب، حتى عشقها كذب، حبها خدعة، معشوقها شيطان، ولكنها أخرجت عشقه من قلبها منذ تلك الليلة التي علمت فيها بكل شيء، مشتتة! نعم هي مشتتة أصبحت لا تعرف ما الذي يجب عليها فعله.. حتى خططها التي كانت تحاول التفكير فيها خربت بسبب كل شيء مفاجئ حل على رأسها كالمصيبة، وفجأة خرجت من شرودها على صوته، فكفكفت دموعها وقتها وهي ترفع رأسها له لتنتبه له بعينين مشتعلتين بنيران الغضب الجحيمي:
-طب والحاجات اللي كانت مسروقة منه.
تفحصته بعينيها لعدة لحظات قبل أن تهمس باقتضاب:
-معرفش عنهم حاجة.
تنفس بعمق، قبل أن يتسائل بتهكم، وهو يشعر بالتضعضع الشديد:
-كنت عايزاني أعمل إيه؟ أنا حتى لسه حاسس بالتشتت.. في حاجة جوايا بتقول أصدقك وحاجة تانية بتقول إنك كدابة وإن "إياد" بريء.
كور قبضته بعصبية قبل أن يصيح بانفعال، وهو ينظر لها باهتياج، فلاحظ وقتها تعابير وجهها الغير مفهومة:
-بس كل حاجة بقت ضد "إياد"!.... ضد صاحب عمري.
لوت كلا شفتيها باشمئزاز، قبل أن تهمس بنفور، وهي تحارب عبراتها بكل ضراوة:
-طلقني.
وجدته يدير محرك سيارته وهو يرد عليها بقتامة:
-لما أتأكد الأول من كل كلمة بتقوليها، ساعتها هحدد إذا كنت هطلقك... ولا هقتلك.
***
صباح يوم جديد.
-رحيق.. رحيق إنتِ فين يا رحيق؟
قالها "برق" بنبرة جنونية وهو يبحث عنها كالطفل الذي فقد والدته، فلم يجدها بالغرفة ولا حتى بالبيت. وفجأة لفت نظره تلك الورقة الموضوعة على الكومود، فاقترب منها بخطواته السريعة وهو يتمنى أن يكون ما مر على باله ما هو إلا توقع خائب. التقط الورقة ليفتحها بكفه المرتجف، ثم أخذ يقرأ المكتوب بها بنبرة مسموعة:
-"برق"!... عمري في حياتي ما كنت أتوقع إن يكون في حياتي حد بيحبني بالطريقة دي. محبيتش أمشي من غير ما أسيبلك حاجة تطمنك عليا. أنا آسفة يا "برق" ولكن أنا عمري ما هقدر أسامح نفسي لو أذيتك. أنا وحشة ومش كويسة وأنا وإنتَ عارفين ده، وممكن في أي لحظة أذيك. سامحني، وأوعدك إني هتغير وهبقى واحدة تانية لكن مش معاك. إنتَ تستاهل واحدة أنضف وأحسن مني. وعايزاك تطمن أنا كويسة وهسافر برا مصر لواحدة صاحبتي وهشتغل هناك. متزعلش مني وأسفة لو كنت سببتلك في يوم من الأيام شعور الخذلان.. أتمنى تكون بخير يا "برق".
ضغط على الورقة بكلا كفيه وعبراته تتهاوى على وجنتيه لتغمرهما، فهمس هو وقتها بألم، وهو يقع على الأرض بانهيار، وقد كانت قدميه غير قادرة على حمله:
-"رحيق" لا... ده أنا ما صدقت لقيتك.. ليه تضيعي من بين إيديا؟
ثم صرخ بنبرة عالية وهو ينتحب بحسرة على عشقه الذي ضاع من بين يديه بمنتهى السهولة:
-لـيــة؟
***
-ياقوت اصحي... "ياقوت" أهلنا برا.
قالها "زاهر" وهو يهزها بخفة، فانتفضت هي جالسة صائحة برعب:
-حصل حاجة؟
شعر بهلعها العجيب ذلك فعقد حاجبيه بذهول قبل أن ينفي قائلاً:
-محصلش حاجة متخافيش.
لاحظت تعابير وجهه الهادئة فزفرت براحة وهي تحاول نسيان تلك الكوابيس التي أصبحت لا تتركها لليلة واحدة. ثم همست بتساؤل وهي تسحب الغطاء من عليها:
-أما بتصحيني ليه بس؟
رد عليها بهدوء وهو يجلس بجانبها على الفراش:
-أصل أهلنا برا.
عقدت حاجبيها بدهشة قبل أن تصمت لعدة لحظات، ثم أومأت له عدة مرات بقلة حيلة فتسائل هو بحيرة:
-هو إنتِ ساكتة ولا سبتيني ومشيتي؟
ابتسمت بخفة قبل أن ترد عليه بصوتها العذب:
-خلاص يا "زاهر" أخرج إنتَ اقعد معاهم لغاية ما أغير هدومي وأخرج.
أومأ لها عدة مرات وهو يتركها بالفعل ليخرج من الغرفة، بينما هي تزفر بضيق، وهي تتذكر ذلك الكابوس الذي يأتيها بكل ليلة ليذكرها بذلك اليوم الذي جرحت فيه روحها لتصبح كحطام الأنثى!
***
-جهزي نفسك يلا عشان كلها كام ساعة ونرجع القاهرة.
قالها "تميم" بقتامة بعدما فتحت هي باب غرفتها بالفندق مباشرة، ليدلف هو بعدها بخطواته البطيئة ليرتمي على الفراش جالسًا، فاستدارت هي ناحيته بتلك اللحظة بعدما أغلقت الباب ليلاحظ هو وقتها شحوب وجهها الواضح، وقد بدت مرهقة بصورة شديدة دلت وبمنتهى الوضوح على عدم نومها بتلك الليلة التي مضت!
بينما هي تسير بخطواتها البطيئة تجاهه لتجلس بجانبه قائلة بنبرة مبحوحة:
-مش هجهز حاجة أنا مش معايا لبس أساسًا.
كاد أن يسألها حول سبب تعبها الظاهر على وجهها هكذا ليتأكد من شكوكه حول عدم راحتها ونومها، ولكن قاطعه رنين هاتفه، فأخرجه من جيبه وهو يتفحص هوية المتصل من على شاشته بحنق ملحوظ، ثم هب واقفًا ليدلف للشرفة وهو يرد على المكالمة، بينما هي تقف لتتجه ناحية الشرفة هي الأخرى لتعرف هوية المتصل الذي هرب هو منها ليتحدث معه، ولكنها تراجعت سريعًا وهي تضع كلا كفيها على رأسها بسبب ذلك الصداع الذي كادت أن تنفجر رأسها على أثره، ثم ارتمت على الفراش وهي تحاول الاستسلام للنوم الذي حاربه تفكيرها الأحمق طوال الليل، ولكن رأسها لا ترحمها مازالت ترهقها بالتفكير بكل شيء، "تميم"، "إياد" وقتلها له، تلك الليلة الحمقاء التي تسببت في كل ما تعانيه الآن، طلاقها الذي سيكون بعد فترة قصيرة من زواجها، شقيقها التي أصبح ضدها، والدتها التي لا تعرف عنها أي شيء، أطبقت جفنيها بعنف، وهي تجز على أسنانها بقوة تتمنى أن ينتشلها أي شيء من زوبعة التفكير التي لا تبتعد عنها تلك، كورت قبضتيها وهي تحاول أن تهدأ حتى تنام، وبالفعل كادت أن تغوص بسبات عميق بعد محاولات عديدة ولكن خرج وقتها من الشرفة هاتفًا بجدية، فاستيقظت هي سريعًا وهي تعتدل في جلستها:
-أنا رايح مشوار مهم، وبعدها هرجع على هنا آخدك ونمشي.
همست هي وقتها باستفسار:
-طب ومامتك؟
رد عليها بإيجاز وهو يتجه لباب الغرفة:
-هي اطمنت على "رحيق" وهو ده اللي كانت عايزاه، هتروح أكيد.. وأنا هكلمها أتأكد مع إني عارف إنها رجعت القاهرة.
أومأت له بوجوم، وهي تتابعه بصمتها المريب وهو يخرج من الغرفة وفجأة تعالي رنين هاتفها، فالتفتت ناحيته لتلتقطه من على الكومود وهي تضغط عليه بدون النظر على شاشته لمعرفة هوية المتصل، ثم همست بنبرتها الضعيفة:
-الو.
استمعت لصوت والدتها، فتنهدت بارتياح، وهي تهمس بصدق:
-وحشتيني يا ماما.
وجدت صوت "سندس" الصارخ يقول:
-إنتِ فين يا "سيليا" يا بنتي؟
ردت "سيليا" بلا اهتمام بعدما ازدردت ريقها بصعوبة:
-في فندق *** في إسكندرية.
استمعت لصوت والدتها لتعقد حاجبيها بتعجب، خاصة عندما قالت:
-أنا جيالك حالًا.
كادت سيليا أن تسألها عن السبب، لكنها لم تستطع بسبب انقطاع الخط بتلك الصورة المفاجئة. لذا زفرت بغيظ وهي ترمي الهاتف بجانبها على الفراش بإهمال.
ثم نهضت وهي تتجه ناحية الشرفة بخطواتها البطيئة، لتنظر وقتها للسور بشرود. لا يطمئن ولا يبشر بالخير. وفجأة أصبح التفكير السلبي يؤثر عليها، فجعلها تقف على السور بحذر، وهي تنظر للأسفل بتردد.
وفجأة انتفضت وجسدها يرتعش بلا توقف عندما استمعت لصراخه ب:
"سيليا لا.. إياكي!"
رواية سيليا والشيطان الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رولا هاني
-إوعي ترمي نفسك.
قالها "تميم" بجدية وهو يقترب ليدلف للشرفة، فوجدها بتلك اللحظة تلتفت له وهي تهمس بنبرة مرتجفة:
-أنا تعبانة جدًا.
كانت تتحدث بلا وعي ليلاحظ هو الأمر، فظل يتابعها وهي تكمل بإنهاك:
-روحي مرهقة أوي.
إستدارت للخلف بحذر وهي تسير على أطراف أصابعها، فجحظت عيناه بهلع خشية من أن تقع فجأة، ثم وجدها تتابع بلوم وهي توبخه بنظراتها المعاتبة:
-إنت خذلتني يا "تميم".. ليه عملت كده؟
إرتسم على ثغرها ابتسامة جانبية مريرة قبل أن تهمس بنبرتها المبحوحة:
-ده أنا حبيتك.
إزدردت ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تهتف بحرقة وهي ترمقه بكراهية ونفور:
-محدش حاسس.. محدش حاسس إن كل حاجة بتهد فيا وإن أنا اتهديت.
ترنحت في وقفتها فمالت بجسدها للأمام، لذا تقدم هو ناحيتها بتلك اللحظة ليلتقطها بين يديه بعدما سحبها بصورة مفاجأة، فوقعا الإثنين على الأرض، بينما هي تهمس بندم وشعور الدوار يداهمها بلا رحمة:
-كان نفسي أكون أقوى لكني مقدرتش.
دفعته بكلا ذراعيها لتبعده عنها، ثم نهضت وهي تترنح في خطواتها، ثم دلفت للغرفة وهي ترتمي على الفراش، لتطبق جفنيها بقوة هامسة بنبرة خافتة:
-نفسي كل حاجة تختفي.. إنت، اللي حصل، خذلانك ليا، وجعي، نفسي أخلص من كل حاجة.
فتحت عينيها لتسأله باهتمام ظهر على تعابير وجهها:
-إنت فاهمني؟
رأته يومئ لها بهدوء فأطبقت هي جفنيها ببطء بعدما رأته يتحرك تجاه باب الغرفة، بينما هو ينظر لها مطولًا بتردده وكل مشاعره المشتتة وفجأة استمع لتلك الطرقات العنيفة على الباب، ففتحه سريعًا قبل أن تستيقظ ليجد أمامه "يحيي" و"سندس" التي كادت أن تصرخ بوجهه بغضب غير موصوف، ولكن أوقفه عندما وضع سبابته أمام فمه لتصمت، وبالفعل صمتت وهي تتابعه وهو يهمس بنبرة هادئة ليلقي على "يحيي" نظرات ذات مغزى:
-أنا عارف إنت جاية ليه بس صدقيني مش وقته.. "سيليا" تعبانة جدًا ومحتاجة ترتاح وتنام، ياريت تفضلي معاها الكام ساعة دول إنت وأخوها لغاية ما أرجع تاني وخدوا بالكوا منها.
خرج وقتها من الغرفة تاركًا إياهم، فركضت وقتها "سندس" للداخل وهي تبحث عن ابنتها بكلا عينيها، لتجدها أمامها نائمة على الفراش بصورة عشوائية، فركضت ناحيتها لترتمي جالسة بجانبها على الفراش لتلاحظ وقتها شحوب وجهها الواضح، فتمددت بجانبها وقتها وهي تسحبها ناحيتها لتحتضنها بحنو هامسة بحزن:
-يا حبيبتي يا بنتي.
تشبثت "سيليا" بثياب والدتها وهي نائمة بلا وعي، ولكنها فعلت ذلك تلقائيًا عند شعورها بالأمان، بينما "سندس" تربت على ظهرها بحنان وهي تهدهدها برفق، بينما "يحيي" يتابع الأمر بصمته الذي فضله في تلك اللحظات!
-أخباركم إيه؟
قالتها "ياقوت" بابتسامتها الزائفة التي رسمتها على ثغرها بصعوبة، فردت وقتها والدتها "شاهيناز" قائلة بابتسامتها السخيفة:
-زي الفل يا عروسة.
بينما الباقي يرد عليها بردودهم المجاملة عدا شقيقتها "وسيلة"، وبعد عدة لحظات صاحت هي بتساؤل وهي تلقي نظرات سريعة على زوجها الذي كان يجلس بجانب والده:
-تشربوا إيه؟
ابتسمت والدة "زاهر" قائلة بلطف مصطنع:
-عصير ليمون يا روحي.
أومأت لهم بصمت، ثم اتجهت للمطبخ بخطواتها السريعة بعض الشيء، وبعد عدة دقائق وجدت "روفيدا" والدة "زاهر" تلج للداخل قائلة ببشاشة زائفة كشفتها "ياقوت" سريعًا لتشعر وقتها بعدم الاطمئنان:
-أخبارك إيه يا عروسة؟
إزدردت ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تهمس بخفوت:
-بخير.
إتسعت ابتسامة "روفيدا" فتابعتها "ياقوت" بترقب، فهتفت هي وقتها بلهجة آمرة:
-روحي هاتيلي شنطتي من بره عايزة أديكي حاجة.
عقدت حاجبيها بتعجب قبل أن تخرج من المطبخ بقلق بائن على وجهها بوضوح، بينما "روفيدا" تخرج هاتفها من جيب بنطالها القماشي لتضغط عليه عدة ضغطات قبل أن تضعه على أذنها قائلة بنبرة عالية بعض الشيء:
-بقولك إيه أنا مش عايزة وجع دماغ.
ثم صمتت قليلًا حتى شعرت بـ"ياقوت" خلفها فتابعت حديثها قائلة بمكر:
-وهي تقدر تتكلم ده أنا أمرمطها وأوريها شغل الحموات بجد.
ثم أكملت بدهاء وابتسامتها تتسع لتظهر نبرة الكراهية فيها، بينما "ياقوت" تستمع لما تقوله والدموع تلتمع بعينيها:
-دي تحمد ربنا إن ابني رضي بيها رغم اللي كلنا عارفينه.
لتتابع بعدها بقسوة وبنبرة غاضبة:
-ومنسيش محدش عارف إن كان اللي حصلها ده بمزاجها ولا غصب عنها زي ما بتقول.
تنحنحت "ياقوت" وهي تكفكف عبراتها عندما لم تستطع تحمل المزيد من كلمات تلك المرأة التي أصابت قلبها بجروح عديدة كانت تظنها اندملت منذ وقت طويل، بينما "روفيدا" تستدير لها وهي تضغط على هاتفها عدة ضغطات قبل أن تضعه بجيبها قائلة بارتباك مصطنع:
-"ياقوت" إنت هنا من إمتي؟
إبتلعت تلك الغصة المريرة قبل أن ترد عليها بنبرة مبحوحة ملحوظة:
-لسه جايه.
ابتسمت "روفيدا" بثبات قبل أن تلتقط من بين يديها حقيبتها لتفتحها قائلة بنبرة لئيمة:
-جبتلك سلسلة تحفة يا "ياقوت" أول ما شوفتها قولت إنها عشانك علطول.
أخرجت السلسلة من حقيبتها وهي تضعها بين يدي "ياقوت" وابتسامتها الخبيثة تحتل ثغرها مجددًا:
-اتفضلي يا حبيبتي.
نظرت للسلسلة لتجد بها أداة حادة، فجحظت عيناها بصدمة قبل أن تهتف بعدم تصديق:
-موس!
أومأت لها "روفيدا" عدة مرات قبل أن تتحرك بخطواتها البطيئة تجاه الخارج قائلة:
-أنا همشي بقى عشان معطلكيش.
ضغطت بأصابعها بعنف على السلسلة قبل أن تتجه ناحية صندوق القمامة لترميها به قائلة بغضب:
-ده إحنا شكلنا داخلين على أيام مليانة خناقات...بقي تجيبلي سلسلة فيها موس معناه إيه ده؟
-هو فين؟
قالها "تميم" بقتامة وهو يستعد لرؤية ذلك الأحمق، فرد عليه "برق" بهدوء وهو يشير لداخل ذلك المخزن:
-جوه.
تحرك بخطواته الثابتة للداخل فراقبه "برق" بنظراته التي تتحدث عن حالته بالكثير والكثير، ثم وبعد عدة دقائق وجده يخرج وهو يجر خلفه "بلال" بتلك الصورة المهينة ليضعه بداخل سيارته وهو فاقد الوعي من فرط الضربات العنيفة التي تلقاها، بينما "برق" يقترب منه ليهتف بنبرته الحزينة:
-مش عايز تسأل عن أختك؟
رد عليه باقتضاب وهو يصعد سيارته بخطوات سريعة:
-لا.
تابعه وهو ينطلق بسيارته، ثم اتجه ناحية سيارته، لتمر بباله، لا تتركه ولن تتركه هو يعرف، ربما جرح قلبه يحتاج لوقت طويل ليندمل، ربما روحه المحترقة تحتاج لسنوات عديدة حتى تعد كما كانت، ولكن نسيانها! ذلك هو المستحيل.
بعد مرور عدة ساعات
فتحت كلا جفنيها ببطء شديد وهي تعتدل في جلستها، فإنتفضت بتعجب عندما وجدت والدتها وشقيقها أمامها، لذا صاحت بسعادة وهي تبتسم باشتياق:
-ماما.
ركضت "سندس" ناحيتها صارخة بتلهف:
-"سيليا" إنت كويسة يا بنتي؟
تشبثت بملابس والدتها وهي تهمس بلهفة:
-وحشتيني يا ماما...وحشتيني أوي.
ربتت "سندس" بحنو على ظهرها قبل أن تهمس بجدية:
-احكيلي يا "سيليا" حصلك إيه بالظبط عشان أنا مش مصدقة اللي أخوكي قاله.
تنهدت "سيليا" بعمق، وهي تلقي نظرات سريعة على شقيقها، قبل أن تومئ عدة مرات لوالدتها وهي تبدأ في قص ما حدث لها عليها.
كان يودعهم، بينما هي تدلف لغرفتهما منهارة بسبب ما حدث منذ قليل، وبعد عدة دقائق تحرك هو تجاه الغرفة وهو يتحسس الحائط فاستمع وقتها لصوت نحيبها الذي هز أرجاء المكان، لذا دلف للغرفة سريعًا وهو يهتف بتوجس بعدما مد كلا ذراعيه للأمام باحثًا عنها:
-"ياقوت" إنت كويسة؟
دفنت وجهها بالوسادة قبل أن تصرخ بصوت مكتوم:
-سيبني في حالي.
إقترب منها بعدما وجدها من خلال استماعه لصوتها، ثم جلس بجانبها وهو يسحبها لأحضانه قائلاً بأسف وبنبرة مرتجفة:
-أنا أسف، أنا حقيقي أسف على اللي حصل.
إرتجف جسدها بعنف وهي تصرخ بقهر باكية بحرقة:
-كلهم شايفين إنك تستاهل واحدة أحسن مني، أنا مكانش بإيدي حاجة صدقوني مكانش بإيدي حاجة.
ضمها لصدره بحنان قبل أن يبث الأمان لقلبها من خلال همسه بـ:
-إنت أحسن حد أعرفه في حياتي، أنا معنديش غيرك يا "ياقوت"، صدقيني إنت أنضف منهم كلهم.
بكت بهستيرية قبل أن تضرب صدره بكلا يديها لتبعده عنها، ولكن لم يسمح لها بل ظل يضمها بقوة وهو يحاول تهدأتها عندما كان يربت على ظهرها برفق، بينما هي تصرخ بنزق قائلة:
-بطل كدب، إنت كداب.
تشبث بها قبل أن يهمس بجانب أذنها بلطف خفف من حدة الموقف:
-صدقيني يا "ياقوت" إنت هي أمنيتي في الحياة.
أبعدت رأسها قليلًا لتنظر لتعابير وجهه من وسط عبراتها التي غمرت وجنتيها، هاتفة بتوتر وبنبرة متلعثمة:
-ل... لو مكنتش أ.. أعمى كنت اتجوزتنيش يا "زاهر".
هز رأسه نافيًا وهو يرد عليها قائلاً:
-مش حقيقي، أنا بحبك وعمري ما حبيت حد قدك.
ضم رأسها لصدره وهو يهدهدها وكأنها طفلته الصغيرة التي أخذها لأحضانه ليحميها من بطش العالم!
كادت سندس أن ترد على ابنتها بصدمتها التي سيطرت عليها، لكنها توقفت عندما وجدت طرقات عالية على الباب.
نهضت سريعًا تجاهه لتفتحه، لتجد أمامها زوج ابنتها تميم.
رمقته بكراهية وغل غير موصوفين.
قبل أن تتحدث، هتف هو بجمود:
- يلا يا سيليا عشان هترجعي معايا، ولوحدك.
ضغط على كلمته الأخيرة، وألقى نظرات ذات مغزى على سندس.
رفضت سندس قائلة:
- بنتي مش هتمشي معاك، لإنك هتطلقها.
رواية سيليا والشيطان الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رولا هاني
-مفيش طلاق و "سيليا" هتمشي معايا.
قالها ببرود ونظرات التحدي تشع من عينيه بوميض مرعب لا يبشر بالخير، فردت وقتها "سندس" رافضة بصرامة:
-و أنا قولت لا.
قاطعتها "سيليا" عندما إقتربت منها لتربت علي ظهرها قائلة بتوتر، وتعابير الرجاء تظهر علي ملامحها بوضوح لتبرز مدي خوفها من أراء الناس حول حياتها:
-ماما مش هينفع أتطلق دلوقت، الناس هتقول عليا إيه بعد ما أطلق بفترة صغيرة من جوازي كدة؟
تنهدت والدتها بعمق قبل أن تومئ لها قائلة بنبرتها الصارمة التي باتت لا تتحمل النقاش:
-ماشي مفيش طلاق دلوقت بس مش هتفضلي معاه.
زفرت "سيليا" بضيق قبل أن تصرخ بغيظ وهي تحاول كظم غضبها الذي يتفاقم بصورة مرعبة:
-و لما الناس تعرف إني قاعدة عندك تقول إيه بردو؟
رأت الرفض بعيني والدتها، فجزت هي علي أسنانها بنزق قبل أن تتحرك بخطواتها المهتاجة للخارج متجاهلة كل شيء، ثم صرخت بنبرتها العالية التي جعلت تلك العلامات المنتصرة تظهر علي وجه "تميم" بصورة ملحوظة:
-يلا عشان نمشي.
باليوم التالي.
فتح كلا جفنيه ليجدها مازالت بين أحضانه هكذا، متشبثة بملابسه، بالإضافة إلي ملامحها الباكية التي ظلت هكذا منذ الأمس، أخرج "زاهر" تنهيداته الحارة وهو يربت علي كتفها برفق، قبل أن يعيد رأسه للخلف ليستند بها علي حافة السرير وهو يتذكر ما حدث بالأمس مما أدى إلى إنهيار زوجته الغير متوقع.
(عودة للوقت السابق)
خرجت "روفيدا" من المرحاض لتتجه ناحية "سامر" الذي جلست بجانبه لتلتقط أذنها تلك الجملة التي قالها بنبرة خافتة لإبنه الذي كان يجلس علي الجانب الأخر:
-يابني أنا مش شايف أي مشاكل في إن مراتك تشتغل طالما حابة دة.
شهقت وقتها "روفيدا" بصورة ملفتة للأنظار قبل أن تصرخ بنبرة عالية وضعت "ياقوت" في موقف محرج مزري، بالإضافة إلى كلماتها المسمومة التي أصابت تلك المسكينة بالألم الغير موصوف:
-هي مين دي اللي تشتغل إن شاء الله مش كفاية وافقنا نجوزها لإبننا رغم إنها واحدة ****!
صمتت "شاهيناز" والدة "ياقوت" من فرط الصدمة، بينما والدها "غنيم" يرمقها بنظراته المشمئزة ليوبخها بعينيه بسبب وضعها لهم في تلك المواقف المخجلة بالرغم من عدم وجود ذنب لها، بينما "وسيلة" تشهق بعدم تصديق لما استمعت فهي لم تصدق أن تكن "روفيدا" بتلك الوقاحة، أما "زاهر" فهو انتفض واقفاً ليحذر والدته قائلاً:
-ماما مسمحلكيش تغلطي فيها.
بينما والده "سامر" يهتف هو الآخر بإرتباك:
-ميصحش كدة يا "روفيدا".
رفعت روفيدا حاجبها الأيسر بتحد قبل أن تتابع بدهاء وهي تصطنع الحزن، لتنهض بعدها مباشرة لتستعد للمغادرة بسبب ضيقها الزائف:
-يعني هو أنا غلطانة عشان خايفة على إبني اللي ممكن تسوء سمعته بتصرفاتها المقرفة اللي محدش يعرف عنها حاجة؟
رمقتها "ياقوت" بمقت، وعندما وجدتها تستعد لمتابعة الحديث صرخت هي بإنهيار وهي تضرب الطاولة بقدمها ليقع من عليها صينية الأكواب الزجاجية الفارغة لتصدر ذلك الصوت المزعج:
-كفاية بقي كفاية.
تهاوت عبراتها على كلا وجنتيها لتنتحب بقهر، فاقترب منها "زاهر" بعدما حذر والدته مجدداً:
-إوعي تقولي حاجة تاني.
جثى على ركبتيه أمامها ليهمس أمام وجهها الباكي بنبرة لم يسمعها غيرها:
-متخافيش أنا معاكي، أرجوكي بطلي عياط.
و بتلك اللحظة قاطعته والدته التي صاحت بنبرتها التي أصبحت تصيب المرء بالإنزعاج:
-يلا يا "زاهر" عشان هنمشي.
جز على أسنانه بعنف، ولكنه حاول التحمل ليتخلص منهم في أسرع وقت، فتلك المسكينة على حافة الإنهيار المفزعة، لذا نهض وهو يتجه معهم تجاه الباب بعدما تحسس الحائط، فغادروا جميعهم سريعاً ليتنفس هو بإرتياح واضح.
(عودة للوقت الحالي)
فتحت كلا جفنيها ببطء وتضع كفها على صدره لتستند عليه وهي تعتدل في جلستها قائلة بنبرة ناعسة:
-إنت صاحي؟
مد كفه باحثاً عن وجهها فاقتربت هي منه لتجده يمرر كفه على خصلاتها بحنو بعدما وجدها، ثم رد عليها بلطف ليعتدل هو الآخر في جلسته:
-ياقوت إنت كويسة؟
إزدردت ريقها بصعوبة قبل أن ترد كاذبة بنبرتها الضعيفة:
-آه أنا تمام.
تنفس بعمق قبل أن يهتف بحزن بعدما لعق شفتيه:
-صوتك بيفضحك يا ياقوت.
زفرت بقلة حيلة قبل أن ترد عليه بقنوط:
-الكلام مبيجيبش فايدة يا زاهر.
تحركت لتنهض من على الفراش قائلة بإستياء وهي تكور كلا قبضتيها بعنف:
-أنا تعبت...تعبت ومعدتش مستحملة أكمل.
نهض من على الفراش ليتجه ناحية صوتها، فوقف قبالتها ليجدها تتابع بحسرة وعلامات القهر واضحة على تعابير وجهها التي انكمشت بأسي:
-عارف...إمبارح لما مامتك هانتني و بهدلتني اللي وجعني وقتها مش كلامها، اللي وجعني إني حسيت إن مليش حد...مليش حد يدافع عني ويمنعها من إن هي تكمل كلامها ويحميني.
ثم أكملت وعلى ثغرها ترتسم تلك الإبتسامة الجانبية المريرة:
-حتى بابا كل اللي لقيته منه شوية نظرات لوم وكأني أنا السبب في كل دة!
مد كلا ذراعيه ليطوق خصرها قبل أن يسحبها تجاهه وهو يضمها لصدره بحنان هامساً بنبرته اللطيفة التي تبث الأمان لقلبها:
-صدقيني كل دة مش هيتكرر.
ثم تابع بعتاب وهو يوبخها بنبرته التي كانت تلومها بمنتهى الجدية:
-وبعدين إزاي تقولي مليش حد وأنا موجود مش فاهم؟
أبعدها عنه قليلاً قبل أن يكمل بمزاح وهو يتمنى أن تتحسن حالتها من خلال ما سيقوله:
-ها هتبتدي تدوري على شغل إمتى؟
عقدت حاجبيها بتعجب قبل أن تتسائل بعدم فهم:
-شغل؟
إستطاعت إستيعاب ما قاله بعد عدة لحظات لتتسائل مجدداً بإستنكار:
-إنت وافقت؟
أومأ لها عدة مرات قبل أن يرد عليها بنبرة شبه عادية وهو يبتسم لها بهدوء:
-أيوة وافقت، طالما دة هيفرحك، وغير كدة الشغل هيساعدك تخرجي من الحالة اللي إنت فيها الفترة دي.
لعقت شفتيها قبل أن تشكره قائلة:
-شكراً يا زاهر.
ثم تحركت من أمامه لتخرج من الغرفة قائلة:
-هروح أجهز الفطار.
بينما هو يرتمي على الفراش هامساً بأسف وبنبرة خافتة غير مسموعة:
-ياريتني كنت أقدر أحميكي منهم.
-هنزل شغلي قعدتي هنا ملهاش لازمة.
قالتها "سيليا" بعدما تقدمت ناحية باب البيت، بينما هو خلفها يشاهد التلفاز بصمته المريب، فالتفتت هي للخلف لتعقد حاجبيها بدهشة، لذا تفحصته بنظراتها المشدوهة قبل أن تزفر بملل وهي تفتح الباب لتخرج منه للحديقة، ثم تابعت سيرها ولكنها توقفت فجأة عندما استمعت لصوت ذلك الصراخ الذكوري، ففغرت فمها بذهول وهي تهز رأسها مستفهمة بعدم فهم، تابعت سيرها ولكن تلك المرة خلف الصوت فظل الصوت يعلو كلما اقتربت من تلك الشجرة الكبيرة، فجحظت عيناها بتوتر عندما ازداد صوت الصراخ وما جعلها ترتبك أكثر هو عدم معرفتها بمكان مصدر الصوت، اقتربت من الشجرة لتتسلقها بمهارة، ثم قفزت على الجانب الآخر، فوجدت أمامها باب خشبي كبير، حاولت فتحه ولكنها لم تستطع فهو موصد بالمفتاح الخاص به، لذا وضعت أذنها على الباب ليزداد الصراخ وضوحاً:
-لو مخرجتونيش من هنا هوديكوا فداهيا...خرجوني من هنا.
كادت أن ترد عليه لتحاول مساعدته ولكنها تراجعت عندما شعرت بخطوات شخص ما خلف الشجرة، فجحظت عيناها بخوف قبل أن تركض ناحية إحدى الأشجار التي اختبأت بها وهي تراقب ما يحدث، لتجده "تميم" فتابعته هي بتمعن وهو يفتح ذلك الباب!
-ها يا "مرزوق" طلبت تقابلني ليه؟
قالتها "بيسان" بتلهف وهي تجلس أمامه على ذلك الكرسي الخشبي، فرد هو عليها بإبتسامته الهادئة:
-عشان اللي طلبتيه إتنفذ يا "بيسان" هانم.
رأته يخرج حاسوبه ليفتحه أمامها على سجلات كاميرات المراقبة، لذا التقطت الحاسوب لتسحبه ناحيتها وهي ترى الحقيقة التي كانت تشعر بها، رأت "إياد" وهو يسحب "سيليا" تجاه ذلك البيت بإسلوبه الهمجي، ولكن ما لفت نظرها هو ذلك الشخص الذي دلف للبيت بعدها بعدة دقائق لتتذكر وقتها أغراض إبن شقيقتها التي سرقت، إزدردت ريقها بصعوبة وهي تحاول اتخاذ قرارها..أهل تخبر "تميم"؟..أم تحاول حماية "سيليا" من بطشه فقط؟...ماذا عن إبنها الذي لن يتحمل صدمة حقيقة إبن خالته!؟...كورت قبضتها بعنف وهي تهز رأسها بحيرة شديدة هامسة بخفوت:
-"تميم" مش هيستحمل الصدمة!
نظرت إلى الحاسوب بتأفف قبل أن تهتف بإستفسار:
-"مرزوق" تعرف تجيبلي الواد دة؟
رد عليها بتساؤل وهو يهز رأسه عدة مرات:
-أنهي اللي خد البت لجوا البيت ولا اللي دخل بعديه؟
ردت هي عليه بثبات وهي ترمقه بترقب:
-أخر واحد دخل.
حك مقدمة رأسه بتردد قبل أن يومئ لها عدة مرات قائلاً:
-إديني أسبوع طيب.
رفعت كلا حاجبيها بتعجب هامسة برفض:
-بس أسبوع كتير أوي!
رد عليها بلا مقدمات وهو يهز كلا كتفيه بقلة حيلة:
-أقل من أسبوع صعب صدقيني، متنسيش إنت عايزاني أجيبلك واحد لا عارفة اسمه ولا أي تفاصيل عنه فياريت تسيبيني أسبوع أحاول.
زفرت بضيق قبل أن تلتقط حقيبتها الجلدية من على الكرسي الأخر لتخرج منها ذلك الظرف الورقي، ثم أعطته إياه قائلة:
-خد دي الفلوس اللي إتفقنا عليها، ولو جبلتي الواد دة هديك قدهم مرتين.
أومأ لها عدة مرات قبل أن ينهض ليخرج من المقهى بخطواته السريعة، بينما هي تطرق رأسها مدمدمة ب:
-مش لازم "تميم" يعرف دلوقتي أبداً.
- إنطق يالا.
صرخ بها "تميم" بإهتياج وهو يلكم "بلال" بعنف شديد، فبصق الدماء لتتلاحق أنفاسه قبل أن يهمس بنبرته الضعيفة:
- مليش دعوة باللي كان بيعمله، أنا مليش دعوة.
قبض "تميم" على مقدمة قميصه ليصرخ بنزق وعيناه تجحظ بصورة تحذيرية مرعبة:
- كداب، إنت كنت تعرف عنه كل حاجة.
لكمه مرة أخرى ليتأوه صارخًا هاتفًا بـ:
- هقول.. هقول كل اللي أعرفه.
قبض "تميم" مجددًا على مقدمة قميصه هاتفًا ببقـتـامـة تصيب المرء بالإرتعاد:
- "سيليا" مظلومة ولا لأ؟ إنت فاهم أنا بتكلم على إيه كويس أوي.
لعق "بلال" شفتيه قبل أن يرد عليه من وسط لهاثه بنبرته التي خرجت بصعوبة بالغة، بينما "سيليا" تتابع ما يقوله من الخارج بصدمة:
- "إياد" كان عايزها بس عرف من صحابها إنها ملهاش في الـ... فقرر وقتها ياخد منها اللي هو عايزه غصب.
ثم تابع من وسط سعاله العنيف، بينما "تميم" يتركه بعدما إنفرجت شفتاه بعدم تصديق:
- وأنا وقتها ساعدته عشان يعرف يراقبها وكنت بقوله على كل مكان بتروحه، لحد ما جه اليوم اللي هو شافه مناسب وفضل ماشي وراها لحد ما دخلت الشارع المهجور ده، ومعرفش حاجة تاني.
وقتها "سيليا" لم تستطع السيطرة على أعصابها فدلفت للمكان بخطواتها السريعة وهي تصرخ بنبرتها المهتاجة، لتركض بعدها ناحيته كالثور الهائج حتى تنهال عليه بالضربات العنيفة التي لم يستطع "بلال" مقاومتها:
- يا ولاد الـ...
رواية سيليا والشيطان الفصل العشرون 20 - بقلم رولا هاني
- لقيتي شغل؟
قالها "زاهر" بتساؤل بعدما استمع لصوت انفتاح الباب ليعلم وقتها بوجودها، فردت هي وقتها بإرهاق:
- آه في صيدلية على آخر الشارع هشتغل فيها.
أومأ لها عدة مرات قبل أن يهمس بقلق وهو يقترب منها بعد استماع صوتها:
- ياقوت، إنتِ شكلك تعبانة أوي.
أومأت له عدة مرات قبل أن تهتف بنبرة أصبحت ضعيفة من فرط الإنهاك:
- أنا فعلاً تعبانة جداً.
ثم تابعت وهي تتركه لتتجه ناحية الغرفة:
- أنا هروح أرتاح شوية.
لم تكمل خطواتها تجاه الغرفة بسبب وقوعها على الأرض، لتقف على ركبيتها وهي تضغط بكلا كفيها على رأسها بعنف، لعل ذلك الصداع يتركها، بينما هو يتقدم بخطواته للأمام باحثاً عنها وهو يصيح بهلع:
- ياقوت... ياقوت إنتِ كويسة؟
مدت كفها تجاه الأريكة لتستند عليها وهي تنهض ببطء هامسة بنبرتها المرتجفة:
- أنا كويسة يا زاهر، متخافش.
دلفت للغرفة بخطواتها البطيئة، ثم ارتمت على الفراش بحذر، وهي تحاول مقاومة شعور الدوار الذي لاحقها بلا رحمة لتصبح في حالة واهنة هكذا، أطبقت جفنيها وعبراتها تتهاوي على وجنتيها لتتذكر وقتها الكثير من الأشياء، لتتذكر وقتها الماضي الذي لا يتركها، الماضي الذي ينغص حياتها، حياتها الذي تدمرت وما زالت تتدمر، زواجها الذي لا تعرف إن كان مناسب أم لا، "زاهر" الذي لا تريد أن تظلمه معها، لا تريد أن تظلمه مع فتاة تعيسة مثلها، لا تريد أن تظلمه مع فتاة ينظر لها المجتمع بنظرة ليست لطيفة، لا تريد أن تظلمه مع فتاة معقدة مثلها، وعند تلك اللحظة ذرفت عيناها دموع حارة ألهبت وجنتيها وهي تضع كلا كفيها على فمها لتكتم صوت نحيبها، لتصدر وقتها ذلك الأنين الخافت وهي تستسلم للنوم الذي كان يلح عليها بشعور النعاس، بينما هو يقف أمامها وهي لا تشعر به، بينما هو يقف أمامها وهو يشعر بصرخاتها المكتومة، يقف أمامها وهو يشعر بالعجز على جعلها سعيدة، شعور العجز ذلك يقتل الإنسان بلا تهاون، خاصة عندما يقف أمام معشوقه وهو غير قادر على مساعدته، عندما يقف أمام معشوقه الذي يغرق ومع الأسف وهو غير قادر على السباحة!
غزرت أظافر كفها الأيمن بوجه "بلال" الذي صرخ بألم، بعدها مباشرة، وغزرت أظافر كفها الأيسر بذراع "تميم" الذي حاول سحبها بعيداً عنه، بالإضافة إلى رفضها صارخة بنبرة عالية ألمت حنجرتها:
- إبعد عني.
ركلت "بلال" ببطنه عدة مرات بكلا قدميها وهو تسبه بسباب لاذع، صارخة بإهتياج، وغضبها الجحيمي يتفاقم بصورة لا تبشر بالخير:
- يابن الـ***... أنا مش هسيبك عارف يعني إيه مش هسيبك؟
سحبها هو وقتها بعنف مفاجئ وهو يصرخ بوجهها بإحتدام، لتتلاحق أنفاسه بعبوس:
- كفاية.
أخذ صدرها يعلو ويهبط من فرط اللهاث لتتابع بعدها صراخها بسخط، وهي ترمقه بإنفعال، ازداد حتى وصل لذروته:
- ها صدقتني دلوقتي؟
عم الصمت المكان خلال تلك اللحظات بسبب فقدان "بلال" للوعي من قوة الضربات التي تلقاها، فلم يشعر به أحد، لتكن وقتها النظرات هي المتحدث في ذلك الموقف، نظرات نارية يتبادلاها وعيناهما تشتعل بوميض تحذيري ينبه بوجود حرب سوف تدق طبولها بأي لحظة، ليكن وقتها التوتر بينهما أوج ذروته، لتكمل هي صراخها بإمتعاض:
- رد عليا.
تجهمت ملامحه وهو يتابعها بوجوم، فهو مازال في صدمته في ابن خالته صديق طفولته، وبالرغم من كل ما حدث إلا أن هناك شيء بداخله يحثه على عدم تصديق ما قاله "بلال"، ليس من السهل تقبل الصدمة وتجاوزها، هناك الكثير لا يستطيعون استيعاب الكثير من الصدمات، أما هي فصمته أثار حفيظتها أكثر لتصرخ وقتها بغضب، وعروق نحرها تبرز بعصبية:
- إنتَ أكتر واحد أنا كرهته في حياتي.
ثم تابعت بمقت، وبنبرة تزداد حدة:
- على قد ما حبيتك على ما كرهتك.
أطرق رأسه هروباً من كلا عينيها، بينما تعابير وجهها تكفهر لتتسائل بتهكم، وعلى ثغرها ابتسامة جانبية ساخرة:
- إيه خايف تبص في وشي؟
ثم تابعت بحسرة على كل ما حدث لها خلال تلك الفترة العصيبة:
- عمري في حياتي ما هسامحك على اللي عملته فيا.
تحركت بخطواتها تجاه الخارج راكضة لتخفي وقتها بكاؤها بأسى ظهر بوضوح على تعابير وجهها التي انكمشت بقهر، بينما هو يرفع رأسه وهو يهمس بتوتر:
- لازم يكون في حاجة غلط، استحالة أكون ظلمتها.
ثم تابع بعدم استيعاب وعبراته تلتمع بعينيه:
- أكيد ده مش حقيقي.
دلفت للبيت بخطواتها السريعة التي تظهر غضبها بمنتهى الوضوح، وفجأة توقفت عندما استمعت لصوت "بيسان" وهي تهتف بتلهف:
- سيليا في حاجة مهمة جداً لازم تشوفيها.
عقدت حاجبيها بعبوس قبل أن تستدير لترد عليها بنزق لم تستطع السيطرة عليه:
- مينفعش الحاجة دي تتأجل؟
هزت "بيسان" رأسها نافية لتلاحظ وقتها "سيليا" مدى اهتمامها بالأمر، فتنهدت بقلة حيلة وهي تسير معها تجاه المكتب، وما إن دلفت معها صاحت بتبرم:
- ياريت تقوليلي عايزة إيه بسرعة عشان معنديش طاقة لأي حاجة.
جلست "بيسان" أمامها على تلك الأريكة وهي تفتح ذلك الحاسوب الموضوع على الطاولة قائلة:
- تعالي إقعدي.
زفرت "سيليا" بضجر قبل أن تتقدم بخطواتها منها، لتجلس بجانبها بالفعل وهي تمرر كلا كفيها على وجهها بعنف، وفجأة توقفت عندما رأت نفسها بشاشة الحاسوب وهي تُسحب على يد ذلك الحقير لداخل ذلك البيت، فصاحت هي بذهول:
- الكاميرات اتصلحت!
أومأت لها "بيسان" عدة مرات وهي ترى تأثرها الشديد بما تراه من مقاومتها الضارية لـ "إياد" الذي كان يسحبها قسراً، لتري وقتها تلك العبرات التي ترقرق بعينيها وهي تطرق رأسها رافضة متابعة المشاهدة، وبتلك اللحظة هتفت "بيسان" بجدية وهي تنظر في عينيها مباشرة:
- مش ده المهم يا سيليا، ده كلنا عارفينه، المهم الجاي.
جففت "سيليا" عبراتها وهي تعقد حاجبيها بعدم فهم لتهز رأسها بإستفهام هامسة بنبرة متعجبة:
- إيه اللي جاي مش فاهمة؟
صوبت "بيسان" نظراتها تجاه الحاسوب، فنظرت "سيليا" تجاه ما تنظر هي له لتجد ذلك الرجل يدلف للبيت هو الآخر، فإتسعت هي حدقتاها صائحة بذهول:
- مين ده؟
ردت عليها "بيسان" بعدما تنهدت بعمق:
- ده أكيد الشخص اللي سرق "إياد".
أغلقت "سيليا" الحاسوب وعينيها مصوبة تجاه نقطة ما، لتهتف بعدها بتساؤل لتتابعها وقتها "بيسان" وهي غير مطمئنة لتعابير وجهها الغير مفهومة:
- تميم يعرف ده؟
لعقت "بيسان" شفتيها قبل أن تهمس بإرتباك وهي تنظر لـ "سيليا" بترقب:
- سيليا تميم كان قريب من إياد جداً، وكانوا تقريباً زي الأخوات ويمكن أكتر، صدقيني تميم مش هيعرف يستوعب الصدمة.
إرسم على ثغرها ابتسامة جانبية ساخرة قبل أن تهتف بنبرة متهكمة:
- للدرجة دي خايفة على ابنك؟
رأتها تطرق رأسها بحرج، فتابعت هي هامسة بيأس وابتسامتها المريرة ترتسم على ثغرها:
- أنا خلاص معادش هاممني غير إني أمشي من هنا، مش عايزة حاجة تاني.
ثم أكملت بنبرة صارمة لا تتحمل النقاش:
- تميم لازم يطلقني.
باليوم التالي.
- وهتفضل تهرب مني لحد إمتي؟
قالتها "سيليا" بحدة وهي تدلف خلفه للغرفة، فرد هو عليها بإقتضاب وهو يتعمد إخفاء وجهه عن نظرات عينيها:
- إبعدي عني يا سيليا.
كاد أن يبتعد عنها ليخرج من الغرفة و لكنها وقفت أمامه لتمنعه من إكمال سيره فلاحظت هي وقتها وجهه الممتقع بصورة واضحة، فهتفت هي بإحتدام لتحاول تجاهل حالته الغير طبيعية تلك:
- هنتطلق إمتي؟
نظر في عينيها مباشرة بشرود ملحوظ، ولم يرد عليها، هو فقط يتأملها ويتأمل عينيها التي كانت ترمقه بعدم فهم، ولأول مرة يقع في تلك الحيرة القاتلة، ولأول مرة لا يعرف ما الذي يجب عليه فعله، لذا وبعد عدة لحظات تحرك هو ببطئ مبتعداً عنها ليخرج من الغرفة، فأوقفته هي مجدداً عندما قبضت على ذراعه بقوة لتسحبه للداخل، فتراجع هو وقتها بصورة مفاجأة وهو يدفعها تجاه الحائط ليحاصرها بين ذراعيه صارخاً بنبرة مهتاجة جعلتها تنتفض بفزع:
- قولتلك إبعدي عني، لية مبتسمعيش الكلام؟... لية مش عايزة تستوعبي إني مش هقدر أتكلم دلوقتي؟.. مش هقدر أتناقش دلوقتي، تقبلي ده وإحترمي سكوتي.
ضربت صدره بعنف وهي توبخه صارخة بإحتدام:
- إنتَ مقدمتليش ده عشان أقدمهولك.. إنتَ كسرتني و كسرت قلبي.
قبض على كلا ذراعيها بقوة ألمتها وهو يرفعهما لأعلى رأسها، ليرد عليها بصراخ هز أرجاء المكان:
- مش عايز أتكلم إنتِ لية مبتفهميش؟
لاحظت إقترابه الشديد منها لتشعر وقتها بإنفاسه الحارقة وهي تلفح كلا وجنتيها، بالإضافة إلى نظراته النارية التي كادت أن تحرقها بمكانها، وبالرغم من التوتر الذي كان يسيطر على الموقف صاحت هي بإصرار:
- وجودي معادش له لازمة سيبني أمشي من هنا وطلقني.
إرسم على ثغره ابتسامة جانبية ساخرة قبل أن يهتف بإستهزاء:
- دلوقتي عايزة تتطلقي مش كنتي رافضة عشان الفترة الصغيرة اللي عدت على جوازنا؟
كورت كلا قبضتيها قبل أن ترد عليه بإنفعال:
- يولع الناس وكلامهم، أنا أساساً بعد ما أتطلق هسافر من هنا وهسيب مصر.
عقد حاجبيه بتهكم قبل أن يرد عليها بنبرة قاتمة أصابتها بالدهشة:
- مش بالسهولة دي هسيبك يا سيليا.
جحظت عيناها بتوتر، قبل أن تهتف بعدم فهم:
- يعني إيه؟
ترك كلا ذراعيها فأنزلتهما بألم، وهي تتابعه بنظراتها المشدوهة وهو يقول بجدية:
- يعني أنا وإنت ممكن نبقى زوجين ناجحين، وكمان حياتنا تبقى ناجحة.
لوت شفتيها بقسوة تحتقره، قبل أن تهتف برفض ظهر بعينيها بوميض واضح:
- وإن قولتلك لأ! ... إيه هتعيشني معاك بالعافية؟
هز رأسه نافيًا، قبل أن يوضح لها قائلًا ببساطة أثارت حفيظتها:
- لأ بس هقولك نجرب.
عبست ملامحها، قبل أن تزفر بملل وهي تتساءل قائلة بعجرفة:
- نجرب إيه؟
جلس أمامها على تلك الأريكة، قبل أن يرد عليها بهدوء جعل شعور الصدمة يزداد بداخلها:
- نجرب نبقى كده، يعني ندي نفسنا مدة سنة أو سنتين...
قاطعته بوجه مكفهر وهي توبخه بنبرتها المتغطرسة:
- سنة ولا سنتين مين ده! أنا عايزك تطلقني النهاردة قبل بكرة!
تابع هو حديثه بلا اكتراث، متجاهلًا ما قالته منذ عدة لحظات:
- منها نجرب نبقى ناجحين في حياتنا، ومنها متتطلقيش بعد فترة صغيرة من جوازك وتضطري بعدها تهربي من مصر عشان كلام الناس وتسافري.
ثم تابع بترقب، وهو يتابعها بنظراته المتمعنة:
- ها موافقة؟