تتجمع العائلة أخيرًا على مائدة واحدة. لا يتذكرون آخر مرة تجمع كل هذا العدد على تلك المائدة، فقط ينقصهم "نور" و"مالك". ينظر "رعد" لموضع ابنته بعدم رضا. قد حدثه "سيف" أنهم خرجوا لعمل ليومين، ولكنه لم يقتنع، يعلم أنها تستطيع إنهاء أعمالها وهي بالمنزل. كان يود بقاءها بجواره، ألا تكفي كل تلك السنوات بعيدة عنه؟ أما "حور" و"روز"، فكان حديثهما عن الزفاف وتحضيراته، لتبدأ "روز" حديثها قائلة:
"أنا تكلمت مع كم مهندسة ديكور تيجي تزين القصر عشان الفرح." لتردف "حور" قائلة بحماس أيضًا: "وأنا برضو كلمت طاقم الشيف عشان ييجي على الوقت المحدد ونبقى نحدد أصناف الأكل والحلوياوات بعد الفطار." ليحدثهم "أحمد" قائلاً: "متقلقوش إن شاء الله هنلحق ونخلص على الوقت." بينما "رعد" لم يكن معهم، عقله مع صغيرته التي لا يعلم مكانها. ليستأذنهم مغادرًا، يجب أن يعلم مكانها وما ذلك العمل الذي اضطرها لترك القصر.
أما "عمرو"، فيختلس النظرات لتلك الحورية التي أمامه بين والدتها وشقيقها. يؤنب ذاته لأنه جلب لها ذلك الفستان الذي لا يجعل منها سوى ملاك البنفسج هبط من السماء للتو. كيف سيتركها تذهب هكذا؟ كلما خطرت له أن الجميع سيكونون عينهم عليها، بل ويتغزلون بها بعيونهم أيضًا، يشعر بالدماء تصعد لعقله من شدة الغضب. لن يتركها تذهب وحدها، بل سيكون معها، نعم، هذا أنسب حل.
وهناك عند عصافير حب الكناري "عمر" و"حنين"، يزعجها الآخر بقدمه من أسفل الطاولة. يبتسم باستمتاع لمناغشته لها. أما هي، فتبعد قدمها، لكن كلما أبعدتها وصل لها الآخر. لا تعلم كيف، ويظل يضايقها. لم تجد حلاً إلا ضربه بكعب صندلها كي يجلس بأدب. لم تمضِ لحظات حتى ضرب "عمر" بيده على الطاولة مما جعل الجميع ينتبه له. ليردف "عمرو" قائلاً باستغراب لفعلة أخيه تلك: "مالك يا عمر، في إيه؟
ليتوتر الآخر، متألماً من فعلة تلك المجنونة، قائلاً بابتسامة سمجة: "لا ولا حاجة، هوا لقيتكم ساكتين قولت أفكككم، بس ههه." ليعودوا جميعًا لما كانوا يفعلونه. ليرمقها بنظرات غاضبة متوعدة، بينما الأخرى تحاول كتم ضحكاتها، مما جعله يغضب أكثر. ويفكر بخبث بخطط لها. *** مضى الكثير من الوقت و"مالك" جالسًا ينظر لتلك الأميرة النائمة أمامه. لا يذكر كم من الوقت جلس يناظرها، ولكنه لم يمل ولن يمل.
لتبدأ الأخرى بالاستيقاظ. ليقف مبتعدًا عنها على الفور، يعلم أنها لن تمرر فعلته مرور الكرام. لتبدأ بفتح عينيها، ليُهاجمها ذلك الصداع الشديد، يكاد يفتك برأسها. تحاول تحريك يديها وقدميها، لكنها لا تستطيع. تتذكر ما حدث، لتنظر لذلك المالك بغضب شديد. كيف يتجرأ على خطفها؟ ليبدأ "مالك" بالحديث قائلاً: "عارف إنك متعصبة، بس أهدي الله يباركلك. اسمعيني بس الأول، تمام؟ لتقاطعه الأخرى قائلة ببرود قاتل، يقسم
أنها تفكر في طريقة لقتله: "فكني يا مالك." ليردف الآخر قائلاً: "هفكك حاضر، بس اسمعيني الأول. إحنا هنا لوحدنا، يعني مفيش إسعاف هنا. هتتهوري مش هتعرفي تسعفيني. فاسمعيني كده الأول بهدوء قبل كل حاجة، واللي تقوليه هيتعمل." ليجدها تنظر إليه نظرات غير مفهومة، لكنه يعلم أنها غاضبة منه، وإذا فك قيدها بالتأكيد ستنفجر في وجهه، وهو لن يؤذيها مهما فعلت. ليجلس على الكرسي المقابل لها، ليكمل حديثه قائلاً بهدوء وهو ينظر بعينيها:
"أنا كنت عارف إنه حلمي، وقت كان ياخدك من القصر وتغيبي بالشهور وتيجي يوم كل سنة، مكنش عشان يفسحك، بس أنا مكنتش أعرف بيعمل معاكي إيه ولا إيه بيحصل معاكي. أنا فضلت أدور كتير وأحاول ألحقكم، بس معرفتش. في كل مرة كنت أفشل، وإنتي مكنتيش بتحكي لي حاجة يا نور. إنتي عارفة إنه حلمي برضو، مسبنيش، بس أنا قدرت أستحمل، متغيرتش. يمكن لأنه زي ما قولتي، كنت كبير شوية، تعاليم أهلي مؤثرة، مكنتش ابن يوم زيك. أنا مش جايبك هنا غصب عنك عشان
أقنعك بحبي ليكي زي ما إنتي فاكرة، لا. أنا جايبك هنا عشانك، عشان يبقى ليكي حق اختيار حياتك. اتجبرتي قبل كده على حياة كلها عذاب ودم. دلوقتي في إيدك تختارى تعيشيها بكل تفاصيلها، تعيشي الحلو والمر، تعيشي السعادة والحزن. عاوزك تعيشي حياتك كبنت. أنا جبتك هنا عشان تعوضي طفولتك اللي اتسرقت منك. أنا أيوه بعشقك وهفضل أعشقك، بس عمري ما هقبل تكوني معايا غصب عنك يا نور."
ترى الصدق يزين عينيه. لا تنكر تأثرها بكلماته. ألا يعلم أنها حاولت أن تتمسك بطبيعتها الأنثوية؟ ألا يعلم كم حاربت كي يتبقى بعض النور بداخلها؟ لكنها فُرضت عليها حياة الأدغال بين الحيوانات والمختلين الذين علموها كيف تتفنن بتعذيب البشر. طفلة كانت تركض بين الوحوش وتتعارك معهم لأجل قوت يومها. تعلمت كيف تأخذ طعامها من فم الأسد. الآن يريدها أن تعيش طفولتها، عن أي طفولة تتحدث يا عزيزي؟ لتردف الأخرى قائلة بهدوء: "هه، طفولتي؟
أنا معادش صغيرة يا مالك. تفضل فكني، عشان لو أنا اللي فكيت نفسي، ردي مش هيعجبك." لتتنهد الآخر، فتلك العنيدة لن تعطيه أي فرصة: "أدي نفسك فرصة يا نور. متحرميش نفسك من الفرح، متحرميش نفسك إنك تعيشي حياتك ليكي. كفاية وجع وضياع لحد كده، كفاية. أنا هفكك، ويا ريت تفضلي النهاردة تفكري وتردي عليا بكرة، واللي تقوليه أنا هعمله. بس بتمنى تفكري صح، أنا مش عايز إلا مصلحتك."
ليبدأ بفك قيدها. لتتحرر أخيرًا من ذلك الكرسي. بمجرد أن حررها "مالك"، ليجدها تسدد إليه لكمة أفقدته توازنه، بل ونزف فمه الدم من قوتها، ليتألم حقًا. لتردف الأخرى قائلة: "دي عشان تبقى تخطفني بدون إذني تاني يا مالك." لتسدد إليه لكمة أخرى بنفس القوة قائلة: "ودي عشان تفكرني صغيرة مش عارفة مصلحتي فين." لتتركه وتخرج من تلك الغرفة غاضبة منه ومن نفسها ومن الطريق الذي فُرض عليها. لم يكن اختيارها، لما لا تفهم؟
لا تستطيع الرجوع، لا تستطيع... لينظر إليها بألم، واضعًا يده على وجهه، يشعر أنه تهشمت عظامه. لينظر لنفسه في المرأة، ليصدم: "ينهار أزرق، معادش ليا ملامح. لولا إنك بنت، بس أبو الحب على اللي عايز يحب. بس بردو مش هسيبك كده، هطلعك من الضلمة اللي حابسة نفسك فيها يا نور. عارف إنك نفسك تعيشي، عارف إنه مكنش اختيارك، بس دلوقتي ده هيبقى اختيارك." ***
تقف "نور" في الغرفة المجاورة له، تغلق عليها الباب. تقف أمام المرآة تنظر لنفسها. عقلها لا ينفك يذكرها بالماضي. هي لم تختر أن تكون هكذا، هي لم تختر. Flash back... تركض تلك الطفلة وعلى وجهها ضحكتها البريئة، تجلجل القصر بأكمله. وخلفها ذلك الطفل الذي تعتبره كل شيء لها، يلعبون سويًا، يقضون معظم وقتهم معًا. كانوا سعداء حقًا. لكن لم يدم ذلك طويلًا. ليدخل ذلك الضخم الكريه الذي يلقبونه يزعم أنه والدهم، لكن الخدم أحن عليهم منه.
ليردف ذلك الضخم بصوته الأخشَن قائلاً: "نور، تعالي يلا معايا، رايحين مشوار." لتقف تلك الطفلة خلف شقيقها تحتمي به. ليردف "مالك" بغضب طفولي: "واخدها على فين؟! ليقترب منهم "حلمى" يدفع "مالك" أرضاً، وأخذ "نور" بالقوة يحملها. تبكي وتلكمه بيدها الضعيفة، ليضربها على وجهها بعنف قائلاً: "لو تحركتي تاني هرميكي للكلاب اللي برا، ده فاهمة؟ لتضع الأخرى يدها على فمها تكتم بكاءها بحرقة. ليردف الآخر لذلك الطفل العنيد:
"وعقاباً ليك انت كمان، هتنزل تنام في المخزن من غير أكل ولا شرب." ليأخذ "نور" معه، بينما "مالك" لم يهتم لكلامه وبدأ بضرب "حلمى" والصراخ كي يترك شقيقته. ليدفشه الآخر بعنف داخل الغرفة ويغلق خلفه الباب بالمفتاح كي لا يخرج ذلك المزعج. تفيق من شرودها على دَق "مالك" لباب غرفتها قائلاً: "الأكل جاهز يا نور، مستنيكي ناكل سوا." ليتركها وينزل لأسفل كي يعد المائدة. لتفتح باب غرفتها كي تنزل لأسفل. ********************************
يخرج "عمرو" برفقة "رحمة" ليوصلها للمشفى، وهو عازم على إكمال اليوم معها، لن يتركها. يصلون في ربع الساعة، لتخرج "رحمة" وفي يدها بالطو الأطباء والـ ID. ليفاجئها خروج الآخر أيضاً من سيارته. لتعتقد أنه خرج لكي يطمئن على دخولها فقط، لتردف قائلة: "خلاص ياعمرو، متقلقش أنا وصلت أهو. روح على شغلك عشان متتأخرش." ليسير يقف أمامها قائلاً بابتسامة: "مقدرش أسيب الجمال ده كله يدخل كده لوحده. أنا جاي معاكي." لتبتسم ضاحكة تظنه يمزح،
قائلة: "ههههه، ماشي ياعم الغيور. يلا بقا عشان متتأخرش على شغلك وأنا كمان هتأخر." ليردف الآخر قائلاً بهدوء جاد: "أنا مبهزرش يا سكر انت. أنا جاي معاكي فعلاً." ليأخذها من يدها ذاهبين للداخل. ليصلوا لغرفة المحاضرة، ليوقفه الحارس قائلاً: "الكارنيه بتاع حضرتك فين؟ *************************** تنزل "نور" لأسفل لتجد "مالك" ما زال في المطبخ، يتضح ذلك من صوت غناءه النشاز. حقاً كم هذا مزعج.
لتدخل للمطبخ لتراه ماذا يفعل. لتصدم برؤيته يرتدي مريول المطبخ ويحاول أن يطبخ، بل يحاول تدمير المطبخ. يحاول "مالك" إعداد الخبز، يعجن ويعجن، لكنه يعجن وجهه لا العجينة. فوجهه ملطخ بالكامل. هنا دقيق وهنا عجين. لتصفر حلو الضغط معلنة أنها ستنفجر بعد قليل. ليركض لها "مالك" ليخبط العجين ليسقط أرضاً. ليقف "مالك" ينظر لهذا ولهذا بخيبة أمل. بينما جذب انتباهه ضحكات "نور" التي أصبحت تجلجل تلك الفيلا، واضعة يدها على معدتها تضحك على منظره وعلى مجهوده في المطبخ الذي وقع أرضاً أمامه. بينما هو ينظر إليها بهيام، لا يتذكر متى رآها تضحك آخر مرة. ربما عندما كانت بالخامسة من عمرها. ليتها تعلم كم أن ضحكتها جميلة بحق.
لتنتبه الأخرى من نظراته لها لتبتسم له ذاهبة إليه قائلة: "انت بتعمل ايه يا مالك؟ ليضع مالك يده الملطخة بالعجين أسفل رأسه قائلاً: "بحاول أطبخلنا أكل." لتمسك يده تنظر لشعره الذي تلطخ بالعجين، تضحك قائلة: "ههههه، خلاص يابني تعالى معايا كده. ربيت نفسك وربيت المطبخ." لتأخذه المرحاض قائلة: "حط راسك تحت المياه دي وأنا هشيلك العجين ده."
لينفذ ما تقوله، يشعر بلمساتها على شعره ليغمض عينيه يستمتع بذلك. بعد قليل تنشف شعره بالمنشفة ويعودوا مرة أخرى إلى المطبخ. بتلبس "نور" المريول وهوا بجانبها لتردف قائلة: "سيب الطبخ لصحابه. هههه، الله يخربيتك بهدلت المطبخ. وعقاباً ليك إنك تبدأ تنظفه لحد ما أنا أطبخ." ليبتسم بأمل، يعلم أنها أعطت نفسها الفرصة، فإنها إن كانت تريد الذهاب لذهبت. يبدو أن خطته الآن بدأت بالنجاح حقاً. فالأنثى تظل أنثى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!