استيقظت من نومها تشعر بعظامها ذائبة مكسرة. لقد فتك بها ليلاً كان كالمجنون شوقاً بعدما حرمت نفسها عليه لمدة طويلة. أغمضت عينيها تتذكر همساته اللاهثة المهووسة وهو يخبرها في خضم جنونه بها كم اشتاق لها، يطلب منها ألا تبتعد عنه لفترة طويلة كما فعلت.
فتشت بجوارها على السرير لم تجده. جعدت حاجبيها مستغربة، ثم وقفت لتذهب للمرحاض تغسل وجهها. دقت على الباب معتقده أنه بالداخل، لكنها لم تتلقى ردًا ففتحت الباب وغسلت وجهها ثم جففته وخرجت لباقي البيت. لكنه غير موجود. غير موجود في المطبخ أو الصالة أو أي مكان. وقفت في منتصف البيت تضع يدها على رأسها تفكر: أين ذهب؟ هل خرج وسيعود أم أنه عاد لمصر وتركها؟ تركها؟!!! حقاً؟
تركها وحدها في بلد غريبة عنها لا تعلم فيها شيئًا. حتى ولو طلبت ذلك مسبقًا وتمنته، لكن أن تتفاجأ بعدم وجوده كان مريعًا بالنسبة لها. لكن سرعان ما ابتسمت. تتمنى أن يكون تفكيرها صحيحًا وقد غادر. غادر أخيرًا وحل عنها. طارت من الفرحة وهي تتخيل. فليذهب فقط وهي ستتصرف. ما هو بالأساس يمنع عنها كل السبل بوجوده. ربما ستتصرف أفضل في غيابه.
فكرت سريعًا وهرولت ناحية غرفتها من جديد لتتأكد. آآآه. تنهيدة مرتاحة صدرت عنها بعدما دلفت تبحث عن حقيبة سفره ولم تجدها. تهلل وجهها وشعرت أن غمًا قد انزاح من على صدرها وظلت تدور وتدور حول نفسها من الفرحة. غير واعية لذلك الذي كان يقف في حديقة البيت الصغيرة يتحدث في الهاتف بعيدًا عنها كي لا تسمع، لكنه لاحظ حركتها داخل البيت من شرفة الصالة. فأغلق المكالمة متهللاً وهو يراها تخرج من الغرفة في البداية بحثًا عنه.
زغرغت الفراشات معدته يستبصر بريق أمل في علاقته بها. حبيبته تبحث عنه، تحتاج له، حتى لو لتكن مطمئنة في تلك البلاد الغريبة عنها. هو راضٍ والله. فتقدم ليدلف عندها يخبرها أنه لازال هنا بجوارها. أسرع لعندها ليفرح بها ويفرحها بوجوده. ولكن…
هبط ضغط دمه مع نبضات قلبه وسقطت روحه الحالمة مقتولة بعدما دلف للبيت بخطى حثيثة كي يفاجئها ويأخذها بأحضان. ليتفاجأ هو بها تتأكد من خلو الغرفة من حقيبة ملابسه فتفرح ويهلل وجهها بسعادة لم يراها على وجهها مذ قابلها. لحظتها يمكنه القول أنها أسوأ لحظة مرت عليه بحياته أو قد تمر. أسوأ حتى من اللحظة التي طلبها فيها طارق للزواج ولم يبرحه ضربًا ويعلن ملكيته لها. لحظة كانت كفيلة بإذهاق روحه بسكتة قلبية من شدة الحزن. تدور الدنيا
به وروحه تصرخ بجملة واحدة: (أريد حياته ويريد قتلي) . حالته كانت تصعب على الكافر إن رآه وهو يتقدم منها يضع يده على كتفها كي تلتف له فتصدم من وجوده ومن الدموع المحتجزة بعينيه. همست بتفاجؤ: -أنت. حبس دموعه وكبت ألمه يردد: -لسه هنا.. ما خلصتيش مني.
شعرت بالحرج وهي ترى حالته. دومًا كان سبب متاعبها، تتمنى زواله وحين المواجهة تشعر بتأنيب الضمير ناحيته. تسب نفسها المتذبذبة لألف مرة. عليها أن تصبح مباشرة وأن تمتلك شخصية قوية واضحة. لكن ما يحدث معها الآن خطأ بكل تأكيد. همس بحزن: -أنا فتحت لك حساب في البنك عشان تقدري تصرفي منه. -شكراً بس أنا عايزة... قاطعها بتعب يعلم ما تريده وسيقوله: -عارف... اصرفي منه لحد ما تشتغلي وتقبضي من شغلك. تقدم يجلس على الأريكة
بتعب ثم ردد بإنهمام: -أهو اللي يجي مني أحسن مني... بلاش تخسري كل حاجة. رفعت عينيها له ترد: -عندك حق. تفاجأ من رده وطريقته ثم قال بتعب: -حضري نفسك عشان نخرج نشتري كل لوازم البيت تكفيكي فترة طويلة وأي حاجة انتي محتاجاها. تنهد يزم شفتيه متحدثًا: -مش عارف همشي إزاي وأسيبك هنا لوحدك.. الفكرة لوحدها مقلقة. -وانت ماكنتش عارف كده من واحنا في مصر؟ نظر لها بصمت. كان يعلم، لكن معايشة الشعور أقوى وأصعب. بعد صمت
عاجز وقف من مكانه يردد: -أنا هدخل أغير تكوني جهزتي. كاد أن يدلف للغرفة لكنها نادته: -ماهر. مازال جسده يقشعر كلما نادته اسمه من صوتها المتدلع. إنها تمس أوتار قلبه بلا هوادة أو رحمة. التف ينظر لها. تباً له، إنه يعشقها بلا سبب. جاوب متعباً وقد أضناه الحب القاسي: -نعم. -فين شنطتك؟ -في العربية.. محضرها من بدري عشان الحق وقتي. شملها بنظرة رجل عاشق لفتاة لا تبالي به ثم قال:
-غيري يالا والبسي حاجة مقفلة أنا ممكن أرجع في كلامي في أي وقت. تذكرتك ذهاب وعودة أصلًا فاهماني طبعًا. قالها والتفت يلج للغرفة بعدما هددها صراحة. الجبروت جبروت. فهو ورغم كل الواقع مازال يهدد بما ليس بقادر عليه، لكنه يهدد. *** وقفت متفاجئة من ذلك الذي يجلس في صالون منزلهم على بكرة الصباح. لقد رفضت بالأمس منذ ساعات طلب صداقته لتصبح فتجده يجلس ببيتهم. لكن… يا مرحباااا. سحبت نفس متوسط وتقدمت منهم وهي تسمع
صوت والدها ينادي بحماس: -تعالي يا حبيبتي شوفتي مش بذمتك مفاجأة تجنن… سلمي على رشيد يا جميلة. -جميلة؟!!! همس بها رشيد منبهراً. أهذه جميلة ابنة خاله؟ لقد كبرت وصارت جميلة جداً، لم يكن يتوقع ذلك. بثقة عالية جداً بالنفس مد يده وصدره منفوخ مزهو بحاله يردد: -إزيك يا جميلة. بحيادية عالية مدت يدها تقول مرحبة: -إزيك يا رشيد. رفع إحدى حاجبيه. لم يعجبه أنها تعامله عادي وترد عادي بلا تأثر، فلفتت أعصابه وزود مرددًا:
-رشيد بس كده من غير أبيه؟!! غبي… هكذا نعتته داخليًا بعدما تكرمش وجهه من سؤاله السخيف وهو قد تدارك الأمر وشعر بما لم تقوله. الضربة الأقوى حين ابتسمت كسيدة راقية تبتسم لطفل عبيط لتسكته عن البكاء وردت: -لا إزاي؟! إزيك يا أبيه رشيد وحمدلله على السلامة. استشاط بداخله وبدأ في سلسلة من التصرفات الغبية يردد وهو يشير على السيدة الواقفة بجواره: -مش تسلمي على علياء مراتي؟!
التفت لها جميلة لترى سيدة راقية الملامح هادئة تقف لجواره تتابع بصمت. فابتسمت لها بود تقول: -أهلًا وسهلًا بيكي نورتي مصر. ردت علياء بهدوء جاف: -منورة بيكي. قالتها وهي تبادل النظر بها وبين زوجها، ترى نظراته المغتاظة الصادرة منه لجميلة والوضع برمته غريب وغير مريح بالنسبة لها. قاطعهم دخول عمتها مهللة: -معقول… رشيد رجع بجد.. أنا ماصدقتش لما الحارس قالي.
وقف رشيد سريعاً يفتح ذراعيه لها يحتضنها بقوة وهي كذلك. وبعد وصلة من السلامات الحارة جلست بأعين مدمعة تردد: -كده بردو يا رشيد… كل السنين دي مسافر برا بعيد عن أمي مافيش مرة قولت تنزل إجازة تشوفني عاملة إيه؟! ابتسم لها رشيد يردد معتذرًا:
-حقك عليا يا أمي… الشغل ده عامل زي الإدمان أنا كنت بتسحل بالأسبوع والعشر أيام ومش ببقى فاضي آكل. وكل ما أقرر آخد إجازة يحصل حاجة تمنعني. مرة عشان شغلي ومرة شغل علياء ومرة حملها ومرة عشان الولادة. بكت والدته تقول: -اسكت ماتفكرنيش. إخس عليك… كده حفيدي يتولد بعيد عني ماقدرش أشوفه وأشيله وأحميه وأغيرله. ضمها بحنان يردد: -حقك عليا يا ست الكل.. أديني جيت لك أهو. -البركة في خطوبة جميلة.
قالتها عاتبة لتتسلط عينا علياء على جميلة تسمع زوجها وهو يسأل مهتمًا: -هي صحيح جميلة هتخطب؟ رد والدها بهدوء: -آه.. شاب هااايل. رمقها وهي تجلس أمامه بهدوء تام يغيظه ثم سأل: -مين بقا يا ترى؟ -ماهر الوراقي.. ممكن تكون تعرفه... على فكرة كان معاك في نفس الجامعة. -فاكره.
نطقها ببعض الضيق، قد تخلله لشعوره بالمقارنة متضايق لأنه بالأساس عقد مقارنة. هو يعلم ماهر جيدًا. كان معروفًا بالجامعة لأسباب كثيرة رغم أنه يشبه الكثير من شباب نفس الطبقة الذين يرتادون نفس الجامعة من شياكة وكياسة واهتمام بالنفس، ولكن ماهر كان ماهر وبه شيء زيادة تجعله مميز. وقفت جميلة تظهر غير مهتمة برأيه ومواصلة الحديث عن خطبتها وهي تردد: -عن إذنكم هطلع أغير. رد على الفور فهو غبي: -إيه مش عايزة تفطري معايا ولا إيه؟
ضحكه ساخرة مستهزئة صدرت عنها ثم ردت: -مين قال كده.. طالعة أغير وآخد دش وأنزل عادي. ماحدش بيقعد يفطر بعرقه يارشيد… آه سوري يا أبيه رشيد. قالتها ثم التفتت مغادرة وتركته ينظر عليها بضيق شديد وغيظ. فهي رسالتها واضحة لا تعطي لنفسك قيمة أكبر من مساحتها الحقيقية.
حاول وحاول السيطرة على ملامحه الظاهر عليها الغيظ ولم يقدر إلا بعدما لاحظ نظرات زوجته الحادة له. فحمحم صوته بحرج وحاول تغيير مجرى الحديث ليتحدث عن المال والأعمال مع خاله. ربما هدأت ثورته الداخلية من الاشتعال. *** الجولة في شوارع روما كانت منعشة جداً لحبيبته التي تسير لجواره مبتسمة وسعيدة معه لأول مرة.
إشترى لها الكثير من الثياب وهاتف جديد غالي. وبعد فترة طويلة من التسوق جلس معها بمقهى مطل على أشهر شوارع روما السياحية يتأملها معجبًا، يقع في عشقها من جديد للمرة المليون. ينظر بوله على وجه حبيبته المشرق وأشعة الشمس مسلطة عليها تزيدها بهاء وإشراق. تبتسم فتبتسم له الحياة. إنها جميلة وإنه يحبها.. بلا سبب محدد. لأول مرة فتحت حديث معه وسألت: -بتبصلي كده ليه؟ -خايف عليكي. قالها مهمومًا وبنفس الوقت مضطرًا. فسألت:
-خايف عليا من إيه؟ -هسيبك إزاي في البلد هنا وامشي. لازم أرجع مصر جدي فاق ورجع البيت. تنهدت ترد عليه: -ماتخافش عليا هنا زي هناك. وأنا كنت أعرف إيه في مصر يعني ولا ليا فيها مين؟ -بس على الأقل بلدك والناس اللي فيها بتتكلم لغتك. لو حصل أي حاجة هتعرفي تتصرفي.
-في بلدي الناس بتتكلم عن بعض وبيطلعوا سمعة وإشاعات على بعض يوقفوا بيها حال ناس ويموتوا ناس بالحياة… يمكن هنا أحسن لي. ولو على اللغة والتعامل ماتقلقش دي مش أول مرة أسافر. علم ذلك مسبقًا وهو يستخرج لها تصريح سفر. لكنها أكملت بحزن:
-سافرنا قبل كده عشان ماما وتعبها لألمانيا. وطبعًا ما كناش بنعرف نتكلم ألماني فكنا بنتعامل بالانجليزي لحد ما اتفرج. أكيد هنا هيبقى الوضع كده وهعرف أتعامل… على الأقل ماحدش هنا هيبص لي على إني واحدة شمال. ضرب بيده على الطاولة يردد بغضب: -ماتقوليش على نفسك كده تاني. سحبت نفس عميق فهي تردد ما حفظها إياه وبالنهاية يعترض. لن تجادله فهو حالة ميؤوس منها تستنفذ طاقتها فحسب. لذا عمدت للمهادنة: -حاضر يا ماهر.
طاقتها خسارة فيه وهي بحاجتها للفترة القادمة كي تقف على قدميها. لكنها انتبهت عليه يردد: -انتي مش شمال بس فيكي طمع… ماتديش الأمان قوي كده يا لونا بلاش تقلقيني عليكي. نظرت له بطرف عينها ثم قالت: -حاضر. القادم واضح جداً وهو ليس بساذج. فهو ابن سواق وقد تربى بالشوارع. لونا صنعت هدنة ريثما تقف على قدميها. هو يشعر بذلك. ***
عاد للمطار وقلبه معلق بروما حيث تتواجد حبيبته القاسية التي حرمته من ترياقه أمس ونامت مبكرًا تدعي أنها متعبة. وظل هو ساهدًا لجوارها يتشرب ملامحها بعينيه ويصفق خصلاتها. ربما شبع منها وكحل عينيه بحسنها حتى يعود لها. زم شفتيه بتوتر وهو يفتح باب البيت الداخلي يستعد للدخول. فيرى چنا تنزل من على الدرج بلهفة وسرعة. ما إن رأته تردد: -أبيه… كنت فين؟ وفين لونا؟ ده جدو قالب الدنيا عليك. قبل جبينها يقول بهدوء متعب:
-هقولك كل حاجة يا حبيبتي بس قوليلي ماما عاملة إيه؟ ناظرته بعتاب تخبره: -زعلانة منك جدا يا أبيه. كام مرة طلبتك تروح لها ماروحتش. أول مرة تعمل كده وبجد انت غلطان جدا. أسبل جفنيه بتعب هو مخطئ ويعلم. فقال: -هروح لها حالًا وهراضيها… تعالي معايا. كاد أن يصعد معها الدرج لولا صوت الجد الذي خرج غرفة مكتب بالدور الأول يناديه بغضب. نظر لجنا مستغربًا لتقول:
-أصلهم نقلوا أوضة جدو لتحت عشان مش هيقدر يطلع وينزل… روح له ده طالبك من أول ما رجع. سحب نفس عميق ثم تقدم من غرفة الجد يدلف بهدوء فيرى كمال يجلس بجواره يحاول مساعدته على الاتكاء براحة. فيسأل الجد: -أخيرًا رجعت يا ماهر؟ حمد لله عالسلامه. كنت فين؟ وفين لونا بنت عمتك. قال الأخير متكئًا على كل حرف ليجيب ماهر: -سافرت. نظر كمال بقلق على الجد الذي حاول كظم غضبه ثم سأل: -سافرت فين؟ -روما. -ليه؟ -هي اللي طلبت وتقدر تتأكد.
-طيب ماشي. سقط فك كل من كمال وماهر (طيب ماشي؟! . ثم أغمض عينيه؟!!! بكل بساطة؟! هل اقتنع؟!!! فتح الجد عينيه يداري بسمته الماكرة وهو يلاحظ تبادل النظرات بين أحفاده ليقول: -مالكم بتبصوا لبعض كده.. روحوا يالا قولوا لحد يجهز الغدا… نظر بطرف عينه على ماهر المزهول ثم قال: -كده ماهر اتجوز. نظر له ماهر مصدومًا ليقول مصححًا مدعي الخطأ وهو يضحك:
-قصدي خطب.. جميلة أبو العينين. فاضل أتطمن على كمال… على آخر الشهر تكون شايف عروسة يا كمال عايز أتطمن على أحفادي. نظروا لبعضهم ليقول ماهر ساخرًا من قراراته وطريقته كلها الجديدة تمامًا: -فاضل چنا؟ -ولونا يا ماهر. احتقن الدم في وجهه ليضحك عليه الجد ثم يكمل: -ناسيها ولا إيه؟ خرج صوته متحشرج ضعيف يقول: -لا مش ناسي. -ولا أنا… يالا بقا اخرجوا وسيبوني عشان زهقتوني.
التفوا بصدمة وكأن ذلك الجالس معهم ليس بجدهم الذي يعرفونه، كأنه أساسًا ليس ذلك الرجل العجوز الذي خرج من المستشفى بعد أزمة صحية عويصة. قبلما يغادروا نادى: -چنا. توقف ثلاثتهم ينظرون له فقال: -تعالي عايزك. تقدموا ليقفوا معها لكنه علق: -عايزها لوحدها. نظروا لبعضهم فقال بابتسامة سمجة: -الدكتور موصيني آخد بالي من صحتي وأقعد مع بنات حلوة مش خناشير زيكم. -خناشير؟!!! نطقوها بصدمة ليقول: -آه ويالا بقا اطلعوا برا.
خرجوا مضطرين وأغلقوا الباب ليتنهد الجد ثم ينظر على چنا الحلوة ويبتسم يمسك يدها مرددًا: -كبرتي يا چنا وإحلويتي. -شكراً يا جدو. حك الجد جانب فمه مرددًا: -بقولك إيه يا حبيبة جدو. -إيه؟ -مش آن بقا الأوان نفرح بيكي؟ -بيكي اللي هو أنا؟ -آه.. حمحم بصوته الخشن ثم قال بترقب: -عايز أجوزك كمال. ألقى الجملة في وجهها وتركهها تنظر له ببلاهة ثم سألت: -كمال؟ كمال مين؟ كمال بتاعنا؟ أبيه كمال؟!!! بتهزر صح؟
زم الجد شفتيه بتعب وقلة حيلة وقد علم أن طريقه سيكون طويل وصعب. *** العفوية شيء جميل ومميز لكن لا يستحقه الكثيرون. خرجت تسير في شوارع روما تبتسم بإنشراح وقرار الحذر هو أهم قراراتها…. ستتوقف عن تصرفاتها السابقة قد بات الحذر واجب بعدما ألصقت بها العفوية تهم كثيرة. دلفت لكل الشركات تقريبًا تعطيهم سيرة ذاتية صغيرة لا تملك الكثير لتمؤها به. ينظرون على مؤهلاتها باستغراب ثم نظرة الرفض بعدها.
سيطر عليها الإحباط القاهرة مثل روما مثل كل البلاد للابد من شهادة. بقى أملها الأخير… محل مجوهرات يطلب مصممين ربما فلحت. دلفت للمحل الفخم… كل شيء يلمع والتعامل بحذر. نفسك الخارج من فمك قد يزعجهم. المكان كان مبهر وخاطف. نظرت حولها مأخوذة ثم تقدمت تتحدث الإنجليزية التي لا تعرف غيرها مع أحد الشباب المتواجدين بالمحل: -أنا هنا بخصوص الإعلان عن مصممين. رد عليها باقتضاب: -حسنًا… انتظري المدير.
وقفت تنتظر ومر الوقت حتى ألمتها قدماها وبعد أكثر من نصف الساعة حضر المدير الذي مر سريعًا وهو يلقي أوامره على العاملين ثم دلف لمكتبه ولم ينظر عليها أو يلاحظها. لتمر نصف ساعة أخرى حتى تقدم منها ذلك الشاب يقول: -المدير بانتظارك. دلفت لعنده تدق الباب ثم تحييه بالإنجليزية. رفع عيناه لها بنظرة خاطفة أو هكذا ظنت….. ثم عاد ينظر لأوراقه يحدثها بالإيطالية فلم تقدر على الرد ليقول: -ألا تتحدثين سوى الإنجليزية؟ -نعم.
جاوبت بقلق. شملها كلها بعينيه الغامضة ثم سأل: -مصرية؟ -كيف عرفت؟ سألت بقلق وخوف ليرفع حاجبيه وعيناه تشير على سلسال من علامة العنخ ترتديه على رقبتها. لتبتسم بتوتر وهو أضاف: -قالوا لي إنك تجيدين التصميم. تقدمت بفرحة تعطيه الأوراق التي بيدها متأملة خير تردد: -آها… حتى أنظر أنا ماهرة جداً. جعد حاجبيه وهو يطالع تصاميمها يرى نظرة الحماس على وجهها ليقول ببرود: -يبدو أنك قد فهمت خطأ. أنا أريد مصمم مجوهرات.
تيبست ملامحها. ذلك المكان كان آخر أمل لها لتعمل فيما تحب… وبخلاف ذلك ستعمل نادلة أو بائعة في محل. حزنت كثيرًا لكنها لم تظهر ذلك و وقفت تقول: -حسناً… شكراً لوقتك. همت لتغادر لكنه أوقفها يردد بهدوء: -انتظري. توقفت بقلق ليقول: -بإمكانك العمل هنا؟ -ماذا سأفعل هنا؟ -ممكن بالنظافة مثلًا. إجتاحها الشعور بالضيق وذلك الإيطالي البارد ينظر عليها بعلو وكبر منتظرًا ليخفي ابتسامته وهو يسمعها تجيب مضطرة: -موافقة. ***
عادت للبيت بشعور بالألم والضيق. كانت تعلم أن الوضع لن يكون أفضل من ذلك لكن معايشة الشعور نفسه شيء مختلف. سلمت أمرها وجلست تتابع صور تلك الشركة التي رفضت منها. كان حلمًا من أحلامها أن تعمل في شركة مثلها… وصلة طويلة من تأنيب الضمير وجلد الذات سيطرت عليها. لو كانت متعلمة كفاية، لو اشتغلت على نفسها كفاية لنالت تلك الوظيفة. أسبلت جفنيها بتعب وهمت لتخلد للنوم لكن وردتها رسالة على هاتفها من رقم غريب.
فتحت الرسالة المكتوب فيها بعتاب (كده تسافري يا لونا من غير ما تعرفيني ومع ماهر؟ أفهم من كده إيه بقى) . ثم أتبع رسالته باتصال لم تجب عليه وقد باتت على علم بهوية المتصل. اتخاذ القرار كان سهل هذه المرة. (صاحب بالين كداب) هكذا همست لنفسها… وابتسمت. تكتشف. لقد باتت قادرة على اتخاذ قرارات بعدما كانت كل قراراتها مائعة مثل الماء بلا لون ولا طعم ولا رائحة.
سحبت نفس عميق تشعر بقوتها الداخلية. عليها إغلاق صفحتها مع ماهر أولاً وبعدها ترى إن كان طارق موجود ينتظرها أم ذهب لحال سبيله. استعدت تغلق عينيها من جديد لتتفاجأ برسالة جديدة. لكن هذه المرة من ماهر الغاضب جداً يقول: -طول اليوم بكلمك مش بتردي… هو عشان انتي في بلد وأنا في بلد مفكرة نفسك بعيد عن إيدي؟ ماشي يا لونا والله لا أوريكي. تهديدات تهديدات تهديدات. ثم يعقبها رسالة جديدة: -ردي عليا بقا والله وحشتيني قوي.
هزت رأسها. مجنون وسيجعلها مجنونة مثله لو استمرا معًا. بعد وقت من التفكير لم تجد حل كي تمر الفترة القادمة عليها بخير سوى البرود. لذا عمدت لإغلاق هاتفها نهائيًا ثم النوم ولا شيء غيره. فعندها بالغد بداية جديدة في عمل جديد صحيح لا ترغب فيه لكن لا تملك غيره حاليًا حتى تدبر أمرها. *** كانت تعود من الخارج تقود سيارتها البيضاء العالية تلج لداخل قصرهم بعدما عبرت البوابة.
لتقف بصدمة وهي ترى ذلك الحائط البشري قد ظهر لها من العدم. سحبت فرامل اليد و وقفت بسرعة ثم ترجلت من السيارة بغضب تصرخ فيه: -إنت اتجننت يا رشيد… إيه اللي موقفك فجأة كده قدام عربيتي عايز تلبسني مصيبة؟ -كبرتي يا جميلة؟ نفخت أوداجها بضيق وسأم منه ثم صرخت بنفاذ صبر: -يعني انت طالع لي في الضلمة تقف قدام عربيتي عشان تقولي الكلمتين دول… كبرتي كبرتي.. مانت قولت لي كده كذا مرة خلاص شكراً على المعلومة. -وبقيتي عصبية… بزيادة.
-بتعصب لما اللي قدامي يكون بارد. اهتز فكيه بضيق. ضيقه الأكبر شعوره أنها تتحدث بصدق. ألا تشعر بالحنين تجاهه؟ الإعجاب؟ هل نست اعترافها البائس له قبلما يسافر؟!!! تقدم منها خطوات يردد مغترًا: -بارد؟ شكلك لسه زعلانة مني؟ -وازعل منك ليه؟ جرحها كبره جعله يتصرف بتهور فألقى جملته في وجهها كأنه كان يتحين الفرصة: -عشان آخر مرة شفتك فيها قبل ما أسافر لما اعترفتي لي بحبك. زمت شفتيها بضيق. كانت متوقعة فقالت:
-كنت متأكدة إنك هتحاول تحشر الكلمتين دول في أي حوار بس الواضح كده يا رشيد إن أنا كبرت فعلاً بس كبرت لوحدي وانت لسه. -نعم؟ نطقها بغضب لتكمل عليه: -خد بقا الكبيرة! ناظرها بضيق فأعطته القاضية: -انت يومها نصحتني أنسى وأعيش سني وأنا يا رشيد عملت كده وعيشت سني فعلاً ونسيت. لكن أنا ماكنتش أعرف إنك عايش طول السنين دي فاكر… لوحدك انت فاكر وأنا خلاص شايلة الموضوع من دماغي.
اتسعت عيناه بصدمة مما سمع يراها تتحرك ناحية سيارتها تفتحها وتجلس فيها تقول قلبما تقود مغادرة: -أبقى أكبر شوية يا رشيد ما يصحش كده. ثم قادت مغادرة تاركة رشيد خلفها مصدومًا. *** جلسوا على الفطار بصمت تام لم يقطعه سوى صوت الجد الذي نادى ماهر: -ماهر. نظر له يردد بترقب: -نعم يا جدي. أهداه الجد نظرة يفوح منها المكر والشماتة: -احجز النهاردة وروح هات لونا. صمت الجميع ليقول مكملاً: -أصل خطوبتك بعد يومين.. هو مش أبوك قالك.
نظر ماهر على والده ثم عاد ينظر لجده: -وأنا كلمته يأجلها. -ونأجل ليه بس يا حبيبي خير البر عاجله. -بر إيه بس.. حضرتك تعبان لسه يا جدي خليها بعدين. -لا أنا صحتي بومب… النهاردة تحجز التذاكر وفي خلال يومين تسافر. ثم نظر لچنا يقول ضاحكًا: -وانتي يا چنا. قاطعته بنبرة باكية: -وأنا إيه! أنا إيه بقا؟ عايز مني إيه.. أنا لسه صغيرة سيبني في حالي.
نظروا عليها مستغربين طريقتها ولما تجيب هكذا وزاد استغرابهم مع تعالي ضحكات الجد على رد فعلها. *** في روما كانت قد استقرت نوعيًا وهدأت وبدأت تتصالح مع ذاتها وتتصل بها. بالنهار تعمل في محل بيع المجوهرات تتعامل مع صفوة المجتمع. وقد تعرفت على شابة أوكرانية تعمل في محل مجاور لها بعدما سافرت لروما هربًا من ويلات الحرب في بلادها. وجاءت ذلك اليوم لها متهللة تقول: -لدي خبر بمليون جنيه؟ -أخبريني ما هو بسرعة. خرجت مع الفتاة تقف
بالشارع تسمعها وهي تخبرها: -هنالك شركة كبيرة هنا بروما قد طلبت مصممين جرافيك وأنا سأقدم على العمل لديهم وقلت لكِ كي تقدمي معي.. سنقبل بكل تأكيد. -لكنك لا تعملين بمجال التصميم. -قد طلبوا مهندسين وتلك هي دراستي. -لكن… قد يتم رفضي مجددًا. -كنتِ ترفضين لعدم امتلاكك الخبرة لكن تلك الشركة لا يشترطون الخبرة وتوجد تسهيلات للعمل يبدو مهتمين بالشباب. ابتسمت لونا وبدأت تنسج الأحلام.
دلفت بعدها للمحل تباشر عملها لا تلاحظ ذلك الرجل الإيطالي الذي يراقبها بعينيه متحرشًا. ثم أخذ يقترب منها رويدًا رويدًا يتحدث معها يسألها عن سعر إحدى القطع ثم خرج. لم تكن تعلم أنه ينتظرها بالخارج حتى تنهي دوامها. سارت فسار خلفها وقطع الطريق يحاول الحديث معها. لم تشعر بنفسها إلا وهي تضربه بحقيبتها الثقيلة على رأسه فبدأ يرفع يديه يهم بضربها.
لتصدم تمامًا من ظهور رجل ضخم من أحد المحال خلفها يبرحه ضربًا ثم يرفع عينيه لها متسائلاً: -أنتي كويسة يا هانم؟ لم تجب عليه… مصدومة… تشبه عليه.. كأنها رأته مسبقًا مع من؟ مع من؟ مع ماهر!!!! تذكرت مصدومة تفكر هل وضع لها شخص يراقبها ويحميها من بعيد؟ لم تفق من الصدمة والتفكير بعد لتصلها رسالة منه مكتوب فيها "اتغيرتي يا لونا… بس أنا شايفك… متابعك… لسه بتاعتي".
لا تدري متى وكيف تشكلت تلك الإبتسامة الغريبة والجديدة على شفتيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!