الفصل 25 | من 46 فصل

رواية سيطرة ناعمة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
23
كلمة
4,323
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

شل الخوف حركتها وشعرت وكأنها هوت في حفرة عميقة. لا تدرك ما حدث بعد، ولا على من سقطت، لكنها على علم تام بأنها الآن في مأزق. وأن هناك يد قوية غليظة تحتضنها الآن، تتمنى لو كانت يد ماهر الذي تكرهه. لكنها فتحت عينيها لتصطدم بأعين غائرة حادة، غير عيني ماهر. وصوت بدأ يخرج يسب وينهر بغطرسة، لكنه تلجم وانخرس وهو يبصر كل هذا الجمال أمامه، مستشعراً ملمس جسدها الغض بين ذراعيه.

أحياناً الجمال يُفيد. ليس نقمة دوماً، فللجمال سطوة تفتح أبواب لمن يتقن استخدامه فقط. وقد بدأت تفهم ذلك ببطء، وهي ترى تحول حدته ونبرة صوته لأخرى متوولة، لتفطن أن سحر جمالها قد فُعل معه. لكنها ما زالت خائفة، مرعوبة، خصوصاً من تجمهر رجال عظام الجثة، صانعين دائرة بشرية حولهما. وقد استمعت لصوت شد أجزاء جماعي لأسلحتهم التي صوبت ناحيتها في الحال. وصوت قائدهم يردد: "أمن الوزير. أمن الوزير." وزير؟!!

أطبقت عينيها بتعب. هذا ما كان ينقصها فعلاً. حاولت الوقوف رغم شلل مفاصلها وتسيبها من الرجفة والخوف. لكن الحرس تقدموا ليوقفوا الوزير، متممين على صحته وأنه بحالة جيدة. وما زالت مسدساتهم موجهة ناحية تلك الواقعه أرضاً، غير مهتمين، كل همهم السيطرة على الموقف. يتحدث القائد بصوت صارم: "معاليك بخير يافندم؟ في أي حاجة؟ أسكته بحركة من يده وهو يقول: "تمام يا قدري، تمام. مافيش حاجة."

ومن مد يده كان الوزير بذاته تجاه تلك الحلوة التي رفعت يديها علامة الاستسلام، تقول بصوت باكي: "أنا ما عملتش حاجة والله." كانت مرعوبة، ولم يطمئنها سوى تلك النظرة التي كانت تمقتها وتكرهها سابقاً. نظرة رجل أعجبه أنثى جمالها صارخ. باتت تشم رائحة تلك النظرات من كثرة ما تعرضت لها. هنا فقط عادت لرونقها ولم تعد خائفة.

وابتسمت داخلياً. علمت بأن جمالها قد فُعل سحره وسيُحميها. بدأت تلتمس كم أنه نافع، فقط من كانت بلهاء وقليلة ذكاء وخبرة لم تعرف كيف تستخدمه. شمت نفسها. وكأنها هنا، وبتلك اللحظة اتخذت قراراً غير معلن. هي لن تصبح خاسرة من جديد، لن تصبح لعبة، ولن تظل مفعول به. يجدر بها أن تكون الفاعل، عليها فقط التريس والتعلم.

زادت ثقتها وهي ترى تكون ابتسامة تحولت لضحكة، لكن لم يخف عليها نظرة الذئب الجائع الذي شمل بها جسدها المثير. وحاولت التغاضي عنها. كلهم نفس الرجل. مدت يدها ليده الممدودة فساعدها كي تقف. ثم قال: "انتي مين بقا يا حلوة؟ نظرت حولها لحرسه وهم ما زالوا شاهرين أسلحتهم مصوبة عليها. ثم قالت بخوف: "وانا هعرف أتكلم وانا تحت تهديد السلاح كده؟

قهقه عالياً لتكتمل صورته الأرستقراطية، خصوصاً وبأصبعه سيجاره الكوبي ما زال يدخنه. أشار بيده لهم فأنزلوا أسلحتهم فوراً. لينظر لها من جديد يقول: "همم.. خلاص نزلوا السلاح. ممكن أعرف بقا مين البنت القمورة قوي دي اللي وقعت عليا من السما؟

لم تكد تخرج صوتها وقد حضر في الحال فاخر. الذي شاهد من بعيد تجمهر حول الوزير، مما يعني وقوع كارثة في حفلته، ووقوع كارثة مع الوزير شخصياً يعني خسارات لا أول لها ولا آخر. وفاخر كلب لمصالحة، لذا ذهب على الفور بقلب مرعوب، ينتوي السيطرة على الموقف وترضية الوزير. وكلما اقترب اتضحت له الرؤية أكثر فزاد رعبه.

المشكلة مع وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية. مشاريعه كلها بخطر. وما إن لمح "لونا" تلك العاهرة الرخيصة حتى فطن بمن سيخرج كل غضبه. سيلقنها درساً قاسياً، ربما برد فعله العنيف هذا قد يهدأ غضب الوزير. اقتحم الموقف يعتذر بتذلل وخوف: "في ايه معاليك.. انا بعتذر والله بعتذر.. يارب تقبل اعتذاري.. وانتي يا... هم ليوجه حديثه لها يصرخ فيها، يسبها ويهينها. وهي تنظر له مصدومة، تراه يتذلل معتذراً للوزير. وقتها دوى صوت برأسها يخبره

(الكبير في الأكبر منه، وكل واحد مهما كان منصبه في حد أكبر منه عايز ينول رضاه) ولونا كانت قد اتخذت القرار. لن تترك فرصة ولو صغيرة لأي شخص يجرحها فيها أو يهين كرامتها. لذا هتفت تصرخ فيه، تخرس لسانه الذي حاول التطاول. لكن الوزير تداخل يحول بين سبه لها وردها عليه، يقطع كل ذلك وهو يردد: "بس بس يا فاخر. اهدى... ما حصلش حاجة." "ازاي بس يا باشا.. بعتذر منك والله بس يعني المهم حضرتك بخير؟ وحصل خير؟

"أنا هبقى بخير أكتر لو عرفت مين البنوتة القمورة دي. بسألْها من بدري مش عايزة ترد." التقط فاخر طرف الطعم. (البنوتة القمورة) . ضاقت عيناه. هو يشم رائحة المصلحة شَماً. وعلى ما يبدو أن بالقصة مصلحة، لا بل مصالح. سبحان المعز المذل. حينما تصبح عبداً للمال وللمصلحة فيزيدك الله ذل وهوان وتضيع الهالة والهيبة. فقد تغيرت نبرة صوته على الفور وتحول حرفياً لشخص آخر هي لا تعلمه.

لانت نبرة صوته، لانت لأبعد حد. واقترب منها بعدما رسم ابتسامة عريضة، متلهفة لحجم المنافع التي قد تصب بجعبته إن أحسن استغلال الوضع. ليقول: "دي لونا بنت أختي." اتسعت عيناها وشهقت بتفاجئ، وكذلك غضب وسخط. (لونا بنت أختي؟!!! ألآن فقط باتت والدته شقيقته؟ والدتها الملقبة بالعاهرة الفاجرة الهاربة مع عشيقها؟! من جلبت لهم العار؟! من تنصلوا منها ومن سيرتها؟! هل الآن فقط باتت لونا ابنة شقيقته؟!

ألم يدعوها مسبقاً بالفاجرة ابنة الفاجرة؟! لم تكن تحتاج للكثير كي تفهم. علمت ما بداخلة وما ينويه. وكل ذلك لم يمنع صدمتها واستغرابها من تحول البشر وتغيير المبادئ عند المصلحة. لكن بالأساس فاخر لا مبدأ له. ليس فاخر فحسب، بل تلك العائلة كاملة هكذا. انتبهت على صوت الوزير يردد بلمعة عين وصوت معجب: "لونا؟! اسمك لونا؟! أنا أول مرة أسمع بالإسم ده، بس جميل ومميز زيك." "شكراً.. ده من ذوق حضرتك."

قالتها مبتسمة. فقد التمست بداية طرف الخيط وعرفت من أين تؤكل الكتف. لكنه قال: "بس أنا زعلان منك قوي يا فاخر بيه." أسرع فاخر يسأل بلهث: "ليه بس يا باشا كفى الله الشر." "بقى يبقى عندك بنت أخت زي القمر كده ومخبيها عننا.. ينفع؟! "وانا أقدر بردو يا باشا... هي بس مش بتخرج كتير ومالهاش في التجمعات والحفلات." نطقها بسرعة. باتت الرؤية واضحة، ومعه مصالح بالكوم. ليكمل الوزير بعدما التف ينظر للونا مبتسماً:

"ده أنا على كده بقا حظي حلو الليلة دي عشان تقع لي من السما بنت بالجمال والرقة دي.. زي الملائكة بالظبط." رغم أن حديثه يوترها، لكنها كانت تحاول الابتسام. فمد يده مبادراً بالتعرف: "أنا فاروق دويدار واتشرفت جداً بيكي يا لونا." مدت ترد السلام: "أهلاً بحضرتك... الشرف ليا." "=طب إيه هنفضل واقفين كده مش نقعد أحسن؟

قالها فاخر يستغل الفرصة وهو يرى عينا فاروق تأكل لونا أكلاً، يتحين منها أي نظرة أو ردة فعل أو حتى مبادرة منها على حديثه. فمهما كان هو وزير لا يلاقي اهتمامه بلا شيء كما تفعل تلك المغفلة.

ولونا لم تكن مغفلة. بل فطنت على الفور بعد طلب فاخر أنه يجهزها لتصبح صيداً ثميناً، وهذا ما ترفضه تماماً. ليس لكونها نزيهة، ولكن لديها مبدأ. هو غير نزيه، لكنه موجود. وهو قرارها بأنها لن تجعل أي شخص يستفيد منها ويستغلها، خصوصاً لو كان هذا الشخص من عائلة الوراقي. يكفيها استخدام ماهر لجسمها في متعته.

حتى لو كان تعرفها بهذا الوزير قد يعود عليها بالنفع، لكنها لا تريد ذلك النفع لو كان هناك شخص من الوراقيين سيستفيد منه. بل قد تهدم المعبد على رؤوس من فئة أهون عليها من أن يستفيد فاخر منها. لذا رفعت رأسها بكبر وتحدثت بغطرسة: "لا. أسفة مش هقدر." ثم نظرت للوزير تكمل: "عنئذنك." تكوّرت قبضة فاخر بغضب، خصوصاً وهو يبصر اتساع أعين الوزير وصدمته الشديدة، وكأنه يسأل (هل رفضته للتو؟!! . وبداخله عقله يصرخ ويشير عليها

(أنا عايز البنت دي) التف فاخر يردد باعتذار وتذلل: "أنا أسف... أنا أسف جداً يا باشا." -إيه اللي حصل من شويه ده؟! -أص.. أصلها.. بتِتكسف و.. هي خجولة جداً... أنا أسف حقيقي أسف." ليرد الوزير بنبرة تحمل في طياتها الكثير من المعاني: "لا أنا زعلان.. زعلان جدا يا فاخر." -لا طبعاً كله إلا زعل معاليك. أنا هجيبها حالا تعتذر لسيادتك... دقايق وراجع لك يا باشا."

تحرك ورائها على الفور ينوي مساواة وجهها بالأرض، كي تعتبر وتتعلم كيف ترفض له أمراً. وصل لعندها يقبض على ساعدها بغل: "انتي شكلك اتجننتي.. مفكرة نفسك مين عشان ترفضي أمر أمرك بيه." نجحت في نفض يده تأمره هي بدلاً ما كان هو الفاعل: "شيل ايدك أحسن لك." -والله؟! "والله. ولا إيه رأيك أجري على فاروق باشا دويدار أعيط له وأقوله إنك بتمد ايدك عليا وبتضربني وأطلب حمايته، وشوف ساعتها ممكن يحصلك إيه؟

تهللت داخلياً وأبتسمت وهي تبصره قد تراجع خطوة للخلف. يعني نجحت. تسمعه يردد: "ده إحنا طلع لنا صوت." "لا صوت إيه.. لسه ما علتش صوتي وروحت قلت لابن أخوك إن شغال معرّفاتي... وبتظبط مراته لواحد يا راجل يا راجل." غمزت له بإحدى عينيها تسأله بوقاحة وقلبها يدق رعباً من رد فعله على ما ستقوله: "شغال الشغلة دي من زمان ولا إيه؟ بالفعل رفع كفه كي يصفعه بعنف: -أه يابنت ال.." -أهو ماهر جه. إحنا نحكمه مابينا."

لف خلفه ليبصر تقدم ماهر. الدي نجدها هي ودقات قلبها العالية برعب. فهي ما زالت تختبر قوتها وجرأتها. تقدم منهم ماهر يردد: "انتي كنتي فين؟ قلبت عليكي الدنيا." نظرت نظرة تحدي لفاخر أن يتجرأ وينطق، لكنه لم يستطع لحسابات كثيرة. فاضطر لأن يغادر بسخط وهزيمة، يتركها شامته فيه، فائزة. ليسأل ماهر مستغرباً: "هو في إيه؟ "ولا حاجة." "هو إيه اللي ولا حاجة؟ انتي بقالك شوية مختفية، كنتي فين؟ "كنت بشوف البوفيه... هو هيفتح إمتى؟

أنا جعانة قوي." حرك رأسه وهو يضحك بيأس عليها. ثم مسح على معدتها مردداً: "دي.. دي هتوديكي في داهية دي... ماشية تدوري على البوفيه؟ ليه مجوعك أنا؟ كانت عيناها متسعة من تصرفه الحميمي. وردت بخوف: "ماهر." "يا عيون ماهر." "الناس يا ماهر." "ما يولعوا." رفعت إحدى حاجبيها تسأل: "طب وجميلة؟ تنهد بضيق يسأل: "مالها؟ "مش خايف على مشاعرها؟ هو إنت صحيح يا ماهر مفضلني عنها؟ "انتي ليه مش مصدقة؟

طالت نظرتها على جميلة المندمجة في حديث راقٍ مهذب مع إحدى سيدات المجتمع الراقي. تراها بارزة، نجمة الحفل، ابنة عيلة، والكبير والصغير يبجلها. جمالها متفرد ومتعوب عليه وواضح فيه رائحة المال. هي على عكسها تماماً. لونا تشعر بالغيرة الآن. فتقدم ماهر منها يسحبها لعنده أكثر مردداً: "والله العظيم ما قادر أشوف غيرك." رفع إحدى حاجبيه متوجساً يسألها: "لونا هو انتي عاملة لي عمل؟

رمقته بنظرة جانبية كأنها تخبره أنها بالأساس تتمنى التخلص منه. لكنها صمتت. ما ترغب بقوله لن يخدم نواياها. فكرت لثوانٍ ثم همست بدفء: "على فكرة يا ماهر." "همم." "طارق جه وحاول يتكلم معايا." انتفض بغضب: "إيه؟ كان يهم ليتحرك ويذهب يبحث عنه، لكنه أوقفته تردد متصنع القوة والحزم: "بس أنا ما سكتلوش." توقف ينظر لها بترقب لتكمل بأعين جرو: "قلت له ما يصحش يتكلم معايا تاني. أنا دلوقتي ست متجوزة وعلى ذمة راجل."

لمعت عيناه مما سمعه: "بجد؟ هزت رأسها وهي تبتسم له. فضمها بقوة يردد: "طب أكلك دلوقتي ولا أعمل فيكي إيه؟ ها؟! أعمل فيكي إيه؟! "تعملي خدمة مش هنساهالك أبداً." المقابل منه كان الصمت. خاب أمله. ابتلع غصة مؤلمة بحلقه ثم قال: "خدمة إيه دي بقا؟ "مش ليا." "كمان.. عظيم.. لمين بقا؟ "سما صاحبتي... هي شغالة في برنامج راديو ومتهددة تمشي منه. وانت ممكن تنقذها." "إزاي؟

"تعلن عندها في برنامجها. لو دخلت بإعلان شركة معمار كبيرة زيكم كده. المدير مش هيقدر ينطق معاها بحرف." -وأنا إيه اللي يخليني أعمل حاجة زي كده وأروح أعلن لمشاريعنا في برنامج راديو ومش مسموع كمان ومالوش جمهور؟ حد قالك عليا؟ حد قالك عليا برمي فلوس في الأرض؟ "ليه والله دي سما شاطرة قوي. وبعدين دي خدمة إنسانية... هي وأولادها معتمدين على الشغلة دي عشان مصاريفهم بعد ما جوزها اتخلى عنهم." تنهد، يرفع عينيه للسماء. ثم قال:

"هعمل كده حاضر." طارت من الفرحة تردد: "بجد يا ماهر؟ "بجد يا عيون ماهر… بس…" ناظرها بمكر. فسألت متوجسة: "بس إيه؟ "انتي طبعاً على علم إني مش جنتل مان قوي كده." "عارفة." ردت بيقين. فضيق عيناه بغضب لكنه كمل: "ومش بعمل أي حاجة بدون مقابل." حاولت التحايل، تستخدم دور الأنثى المتلاعبة الجديد عليها. فاقتربت تتمسح فيه بنعومة تردد: "بس أنا مراتك؟! ضحك وأعطاها نظرة من أسفل عيناه كأنه يسألها (حقاً؟! الآن فقط أصبحتي زوجتي؟!

. مما جعلها تحمحم بحرج بعدما فطنت فشل إغوائها. وسألته: "إيه المقابل؟ توهجت ملامحه وعلى تنفسه وهو يخبرها: "نفسي في مرة بمزاجك، تجيلي بمزاجك، انتي اللي تطلبيني، تعملي كل ده بحب مش عشان أنا عايز وانه أمر واقع انتي متعايشة معاه." رفرفت بأهدابها… معنى كلامه خطير ويحمل بين طياته الكثير. يعني ذلك أنه يعلم بما يدور بخلدها وأنه لا يملك سوى أن يتقبله. لما؟! هل بالفعل لأنه لا يقدر على الابتعاد عنها كما صرح مراراً مسبقاً؟

بالنسبة لها كان طلبه غير مستساغ. هل لا تتقبله؟ لكن لا بأس من بعض التمثيل إن كانت هناك حياة أطفال من مأكل ومسكن معلقة بليلة منها مع من يدعو زوجها وقد تسلى لليالي طويلة عليها. فلا ضرر إذاً من ليلة زيادة. لذا هزت رأسها على الفور تردد: "موافقة." اتسعت عيناه. لم يظن أنها قد توافق بتلك السرعة. يبدو الأمر هام وخطير جداً بالنسبة لها. لذا سارع بالقول طامعاً: "إمتى؟ "دلوقتي لو حابب." أوه…. ستفعلها… لا يكاد يصدق. لكنه طماع،

لذا همس بحرارة: "لا مش دلوقتي وتنامي." "أمال عايز إيه؟ "٢٤ ساعة." "إيه؟ "زي ما سمعتي يا لونا… دي فرصة ممكن ما تتكررش تاني." "موافقة يا ماهر." رقص قلبه فرحاً وكاد أن يقفز من السعادة. لكنه تمالك نفسه بصعوبة وهتف: "من بكرة الصبح… ٢٤ ساعة." صمتت تهز رأسها موافقة. ما صار كان بالنسبة لها كارثة بكل المقاييس. ولا تعلم لما دوماً أمامه تصبح خاسرة. معنى طلبه واضطرارها الموافقة عليه أنها كلما أرادت شيئاً كان عليها دفع المقابل.

وسمعته يقول: "أنا هروح أشوف باقي اللي ورايا عشان أروحك." تحرك بالفعل كي يعود لها سريعاً. وهي من خلفه تردد بحسرة: "وأنا اللي كنت فاكرة نفسي بقيت لعّابة وهعرف ألعبْه. أتاريه ماهر فعلاً. وأنا دلوقتي على رأي عادل إمام هشخلل عشان أعدي." *** وقفت جميلة تتحدث مع إحدى سيدات المجتمع، تضحك وتتهامس. إلى أن تقدم رشيد يقف معهم مردداً: "مساء الخير."

ردت عليه كل منهما. ثم انسحبت السيدة بلباقة كي تذهب لزوجها. وبقي رشيد مع جميلة يطالع فستانها الأنيق عليها وتسريحة شعرها الروعة بتلك القصة على غرتها. ولم يستطع من حاله من التعبير عن إعجابه الشديد: "شكلك يجنن النهاردة." ردت عليه وهي تنظر للمنظمين في الحفل تتابعهم من بعيد كأنها تخبره أن لديها ما هو أهم من رأيه: "مش النهاردة بس، كل يوم شكلي يجنن." ابتسم معجباً بزيادة: "في دي بصراحة… أشهد لك."

رفعت وجهها ذو الملامح الجميلة تطالعه بصمت مترقب لثانية. ثم سألت: "أمال فين المدام وابنك؟ جاي من غيرهم ليه؟ رفع إحدى حاجبيه يسألها: "وانتي ليه عايزاني أجيبهم؟ ردت عليه برفعة حاجب هي الأخرى. فأكمل: "ولااااا… عايزة دايماً تشوفي الحاجز موجود عشان ما تتوتريش؟! -أتوتر؟!! -آه." -وأتوتر من إيه بقا إن شاء الله؟ انت مصمم تلعبني بس الحقيقة انت بتلعب في ملعب فاضي ولوحدك وبتجيب كمان أجوان في نفسك يا رشيد." احتقن وجهه

بغضب لتهديه ابتسامة مقيتة: "كان نفسي أقف أسلي لك وقتك الفاضي أكتر من كده. بس زي ما انت شايف وقتي أنا مليان." كادت أن تتحرك. ليقصف بغضب: "مليان بمين؟ بماهر مثلاً؟ التفت نصف التفاته ليكمل: "ماهر بتاعك طول الحفلة واقف مع مزة صاروخ أرض جو زانقها ومش عاتقها. أنا راجل زيه وبقولك." غمزها يكمل: "شكلها تخصه قوي." رفعت رأسها بكبر، ثم تحركت تاركة له المكان وذهبت تبحث عن ماهر. ليخبروها بأنه قد غادر الحفل مع أسرته. ***

وقف عزام بغضب وفزع يردد: "فاروق دويدار؟! انت اتجننت يا فاخر؟! بتوقعنا معاه ليه؟ -هو أنا؟! دي الزفتة اللي اتلبينا بيها هي اللي وقعت عليه. ومت ساعتها وهو مش على بعضه." مسح على وجهه بغضب يردد: "مش بتقع غير واقفة مرة طارق أبو العينين ومرة فاروق دويدار. دي لو قاصدة تأذينا مش هتعمل كده." -طارق إيه؟! فاروق دويدار مش مجرد وزير، فاروق ممكن يمحينا أنا وانت وطارق وأهله من على وش الأرض ويخلينا نعلن إفلاسنا الصبح." -والعمل؟

-تتجوزوا." -إزاي؟ -هو إيه اللي إزاي؟! دي حتة مصلحة لينا عشان نخلص منها. وبدل ما طارق باصص لها أجوزها أنا جنا بنتي.. والبت دي نستفيد منها بدل ما هي واقفة لنا لقمة في الزور كده." -حلو… حل يرضي جميع الأطراف. بس ابنك بوظوا." -ابني؟؟ ابني مين؟! ماهر؟! -انت عندك ابن غيره؟! -امممم… واضح إن كل حاجة لازم تتكشف.. طيب… ابنك متجوزها يا عزام." هب عزام من مكانه يسأل: "إيه؟!! -ورسمي.. يعني متوثق." تحرك بغضب ليخرج ويذهب لها ولماهر:

"ده أنا هطربق الدنيا فوق دماغهم." لحقه فاخر ونجح في إيقافه، حيث قال: "تفتكر ده هيحل؟! بالعكس إحنا هنعمل من بنها وانت مش عارف حاجة، الموضوع المرة دي محتاج تفكير بالراحة. إحنا مش بنلعب مع أي حد." -هنعملها إزاي دي؟ -مش عارف… تعرف حد في السجل المدني؟ اتسعت عينا عزام يسأل شقيقه هل ما فهمه صحيح؟! *** كانت تقف في المطبخ تغلي كوباً من اللبن، ربما ساعدها على بعض الارتخاء. فنامت لأن التفكير أتعبها.

بعد خدمته لها في صديقتها، لديها طلب جديد.. بالتأكيد سيفعل ما فعل. سحبت نفساً عميقاً تفكر كيف لها أن تظهر تقبلها له ليوم كامل بل وتصبح مبادرة. الجاحد يريدها أن تطلبه.. لم ترَ قبل ذلك مسبقاً ولن ترى. كادت أن تنهي صعود السلم لكنها توقفت على رسالة من رقم غير مصري. فتحتها لتصدم. صاحب العمل غاضب من تأخرها وامتداد إجازتها، يخبرها أنها لديها ثلاثة أيام فقط لتعود من مصر، وإلا ستصبح مرفودة.

مسحت على وجهها وهي تشعر بالمصائب تتكتل فوق كتفها. فهي لا تأتي فرادى. تسأل كيف ستفعلها؟ كيف؟؟ ماهر ليس بساذج مطلقاً. دلفت غرفتها لتشهق برعب وهي تراه جالساً على سريرها مغطى بغطائها وجذعه العلوي عاري تماماً بيده مشروب دافئ يحتسيه بتلذذ وارتخاء. لاحظ دخولها ووقوفها فسألها: "واقفه كده ليه؟ "إيه اللي واقفه كده ليه؟! انت بتعمل إيه هنا؟ هز كتفيه برتابة تامة يردد: "إيه هنام." "هنا؟!

"مراتي نايمة هنا، فأكيد مكاني جنبها… خلصي يالا وطفي النور وتعالي عشان اليوم كان طويل قوي وأنا مرهق جداً ومحتاج أنام." "انت ازاي كده.. بتتكلم عادي كده… وبعدين هو مش انت قلت من بكرة.. ٢٤ ساعة؟ "أممم.. حصل.. بس ده ما يمنعش إني أشوف اللي يريحني وأعمله. وأنا برتاح جنبك. يالا زي الشاطرة كده هاتي اللبن بتاعك ده وطفي النور وتعالي جنبي." لم تتحرك بعد. فكرر: "يالا يا لونا أنا مجهد جداً النهارده.. مش حمل مناهدة."

انصاعت لأمره… ليس لشيء سوى لأن قائمة طلباتها قد زادت. تقدمت تجلس على السرير لجواره بعدما أطفأت الضوء. فسألها: "مش هتشربي اللبن؟ "خلاص مش عايزة." "كويس بردو." جذبها ليطبق عليها أحضانه بقوة مردداً: "تعالي في حضني بقا عشان أعرف أنام." اعتصرت عينيها بضيق تسأل متى ستصبح حرة. ثم قالت: "بس أنا مش هعرف أنام كده." "بكرة تتعودي." وابتسم حينما تذكر (بكرة) الواعد. فهمس: "بكرة مش هنقضيه هنا." "أمال فين؟

"ده هيبقى تاني أجمل يوم في حياتي. عشان كده هاخدك ونروح شاليه الساحل عشان نبقى لوحدنا." استرعاها حديثه. فسألته: "تاني أجمل يوم؟ وايه أول يوم؟ مرر يده على منحنياتها بتملك ثم قال: "يوم ما اتجوزتك يا لونا.. يوم ما حسيت إنك خلاص بقيتي ملكي." عصبه حديثه. ففلت لسانها: "مش معنى إنك اتجوزتني وبقيت مدام ونايمة في حضنك تبقى ملكتني… الامتلاك مش كده خالص." خافه حديثها. لذا قال: "في حاجة صحيح اتفقنا عليها أنا وجدي ونسينا نقولك."

"إيه هي؟ رد ببرود شديد خانق: "لا مش حكاية يعني. بس أنا وهو قررنا نعلن جوازنا."

إلى هنا وتوقف بها العالم… الخناق يضيق عليها… اتفقت عليها الجميع… اتسعت عيناها فقط ولم تجد ما قد تنطق به… الوراقي الكبير يصلح خطأه في حق نفسه مع هنيه وليس خطأه في حق هنيه. الوراقي الكبير لا يهمه سوى حماية الوراقي الصغير غير عابئ بأي طرف آخر. وهي من المفترض أنها حفيدته أيضاً… الرجال للرجال ولا يفكرون سوى ببعض. وألمهم هو أعظم ألم من منظورهم ولا شيء غيره.

لا تعرف كيف نامت ليلتها لتجد ماهر يوقظها مع أول خيوط النهار لتبدأ معه رحلة الأربعة وعشرون ساعة الأروع في حياته….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...