دلف غرفتها بخطى منتصرة وأغلق الباب بقدمه. اتسعت عيناها وهي ترى ابتسامة الرابح على شفتيه متزامنة مع ثلاثة أصوات صدرت عن القفل بالمفتاح. وثبت من فوق الفراش بهلع، أنساها ارتداؤها ثوبها الأرجواني القصير جداً والشفاف جداً. فحملقت عيناه فيها وزاد الطين. تقريباً لقد اجتمعت كل العوامل ضدها لتزيد الأمر سوءاً عليها وعليه.
ارتفعت وتيرة أنفاسه حين سلبت عقله بهيئتها الفتاكة تلك. هو على علم مسبق بأن جنى من الجميلات، لكنه لم يكن يدرك أنها تمتلك كل ذلك القدر وحدها. هي كل يوم وبالصدفة تبهره، فماذا لو تعمدت؟ ماذا لو أصبحت له؟ ماذا لو باتت أيضاً هي المبادرة؟
هـيئتها صعبت الوضع عليه وعليها. جن جنونه بها وبات مهووس. جنى من كانت أقرب أقاربه له، وكانت تفهمه ويفهمها من نظرة. ولا يشعر بالارتياح مع أحدهم أكثر منها، لدرجة أنه بات يفضفض لها بما يضايقه ويحكي لها دوماً عن علاقاته ونزواته. وليته لم يفعل. لم يكن يعلم أنه حفر لنفسه بئراً صعب الخروج منه، وأن نفس تلك جنى ستصبح ذات يوم فتاة أحلامه ويتمنى لو رضت عنه ووافقت أن تصبح امرأته.
سيطرت عليه وعلى كل الحواس ومدارك الإحساس. تضخمت رغبته فيها وما عاد يرى أمامه. ظلام عيناه أرعبها. يبدو عازماً على أمر سيئ. يقترب منها وهي تنتفض. "أنت بتعمل إيه؟! "إيه؟! عايزك؟! مش عايزة تعرفي كنت بعمل إيه مع البنات اللي كنت بعرفهم." هزت رأسها برعب وأخذت تتراجع للخلف. ربما كسبت وقت ومساحة وهي تهز رأسها بخوف وهلع. "لا.. لا والنبي يا كمال، بلاش تعمل فينا كده. أنا... أنا جنى... جنى بنت عمك...
البنت الصغيرة اللي كنت دايماً بتلاعبها... فاكرة؟! قالت تذكره كم كان صديقاً لها وحنوناً عليها. ربما أعاده كل ذلك لرشده، لكن عيناه استمرت في غوراها. يقترب منها بعزم أشد. كلامها لم يخفف حدة الكارثة، بل زادها سوءاً. والغبيه ما زالت تحاول وتكمل. "أنا جنى اللي كنت أكتر واحد حنين عليها." "قولي لنفسك، فكريها بكمال.. كان بيعمل إيه؟! "فاكرة والله، مين يقدر ينكر. فاكرة، ده انت كنت بتحافظ عليا من الهوى، فاكر؟
"كنت بحافظ عليكي، لنفسي... وخلاص. جنى الصغيرة كبرت واتكتبت على اسمي... مش المفروض آخد حقي فيها ولا إيه؟! عادت تهز رأسها برعب، وهي تراه يقترب ويقترب. خطواته بطيئة، مميتة وقاتلة. قاتلة لأعصابها، تدب داخلها الرعب. *** على صعيد آخر، توقفت يداه عن القيادة وأرخى قبضته بعدما أعمل عقله وسألها: "بس انتي عرفتي منين أن رؤى الكيلاني جت مكتبي؟ وصله ارتباك صوتها ثم سؤالها الهجومي. "هو ده كل اللي همك؟! أنت بتخوني؟! "وانتي بتغيري؟!
"ماهر." "بتغيري؟! " صرخ بإلحاح، وبداخله يرقص طرباً لتجيب بتجبر لا تقبل الرضوخ. "لأ." قالتها بعناد، لكن صوتها يصرخ من ألم نار الغيرة. فرد عليها بملاوعة: "يبقى خلاص... أقابل اللي أقابله." "ماااااهر." صرخت في وجهه. ليجهز عليها: "ماهر راجل قرب يعدي الـ 33 سنة، والجنس وحش مش بيرحم يا لولو. أنا راجل وعندي احتياجات." "احتياجات؟! "أمممم... وانتي اخترتي تسبيني وتمشي خلاص بقى." هاج صوتها وظهـر بوحاً وهي تصرخ فيه: "خلاص إيه؟!
"سيبيني أشوف حد يسد لي احتياجاتي دي، وانتي اللي اخترتي مش أنا." "ماااااهر." "بطلي صريخ في ودني ودلوقتي أنا عايز أعرف مين نقلك أخباري و... شرد لثواني وهو يحدثها، يتذكر عائلته، والده وعمه وكمال وألاعيبهم. وعلى الفور أدرك هوية مخبره. فقطع حديثها يلعن بصوت عالٍ: "يا ابن الكلب يا كماااااال." زاد من قوة دعسه على البنزين، يتذكر حالته وكيف خرج من عنده وتتبعه هو. لابد أن شقيقته الآن بخطر. لكن تلك التي على الهاتف لازالت
تصرخ بغيرة شديدة تنهشها: "هو ده كل اللي همك، ماشي براحتك و... "اقفلي دلوقتي، وتحمدي ربك إنك بعيد عن إيدي، وإلا كنت قصفت رقبتك على دلعك ده." "أنا بتدلع يعني كل اللي... قاطعه يصرخ فيها وهو يزيد من سرعة السيارة: "اقفلي."
لم يعطيها الحرية، بل أغلق هو المكالمة في وجهها، وطار بسيارته يدخل من بوابة القصر الكبيرة، ثم نهب الطريق المؤدي للباب الداخلي للمنزل. شد فرامل اليد وترجل من السيارة بسرعة البرق، يأكل درجات السلم ويصعد عالياً. وكلما تقدم كلما سمع صوت أخته فتزيد سرعته. *** كان يقترب منها وهي تتراجع. لا تردد سوى: "اطلع بره يا كمال." كررتها إلى أن شبع وقرر إسكاتها. فردد: "لأ، خايفة مني ليه؟!
أنا واحد عاجز مش عارف أدي مراته حقوقها الشرعية، وهي تخاف إلا تقيم حدود الله." قال جملته الأخيرة بغضب، فخرجت من بين أسنانه وأنيابه لتقول: "غلطانة، اعتبرني عيلة وغلطت، وانت راجل وسيد الرجالة هتعمل عقلك بعقلي." صرخت في آخر جملة وهي تراه يمد يده ليكبس عليها ويضيق الخناق. قبض على ذراعيها بكلتا يديه وهزها مردداً: "هو أنا بقا فيا عقل بسببك، وبعدين عيلة إيه؟! مش بتبصي في المراية ولا إيه؟ مرر عيناه على مفاتنها، يتوقف ملياً
عند نهديها ويردد: "انتي طيرتي عقلي وسرقتي النوم من عيني، وأنا الليلة دي يا قاتل يا مقتول بقى."
كان يتحدث وهو ملتصق بها، يلفح عنقها بحرارة أنفاسه. يصيبه الغضب وهو لا يرى أي تأثير منه عليها. لم تذب بين يديه كما توقع، ولم تلن كما كان يحدث مع أي فتاة يقترب منها مهما عاندت كانت تلين بين يديه الخبيرة، إلا جنى. لا يرى بعينيها سوى الخوف ورفض مصير يريده هو وترفضه هي. كل همها الخروج من ورطتها معه الآن. وهذا ما كان يشعل غضبه حتى أنه أذهب عقله وخرجته عن طور الحدود.
جن جنون كمال وتبدل حاله، هاج وماج ونسى أنها جنى التي كان أحن عليها من أي شخص بعد ماهر. ما يراه الآن أنها أنثاه التي لا تريده وترغب في التحليق بعيداً. فذهب عقله واشتعلت عيناه من الرفض المستمر. هز رأسه بجنون وبدأ يهرتل بلوسة: "بس انتي مراتي غصب عنك، هتبقى مراتي. حلالي ودلوقتي." صرخت برعب. أيقنت من هياج ملامحه واحمرار وجهه أن العواقب وخيمة. صرخت في وجهه تنذره برعبها، لكنه مد يده عليها يقطع حمالة قميصها الشفاف وهو يردد:
"انتي حلالي، مراتي، بتاعتي. أعمل فيكي اللي أنا عايزه، ودلوقتي." زاغت عيناه وتلبسه شيطان جديد، بعدما قطع قميصها فظهر نهداها بسخاء أمامه وهي تحاول مداراة جسدها عنه بينما تصرخ. هم ليهجم عليها ويقبلها مكان ما تطاله شفتيه وهي تحاول الابتعاد. لم ينقذها سوى دق ماهر المتواصل على الباب. قلبه يلتاع وهو يسمع صوت شقيقته تصرخ. يعلم بوضوح ما يحدث بالداخل. دقات أشبه بالتكسير على الباب الموصود وهو يردد: "افتح الباب يا كمال...
افتح، بتعمل إيه أنت اتجننت؟ "امشي من هنا يا ماهر، مالكش دعوة بينا." "افتح الباب يا كمال بدل ما أكسره فوق دماغك أحسن لك."
لم يستجب كمال، فنفذ ماهر تهديده وبدأ يركل الباب بقدمه ويدفعه بكتفه دفعات متتالية. هنا فقط اتسعت عينا كمال، كون ماهر سيدخل ويرى جنى جزء منها عارٍ. لحظتها فقط شعر بفداحة ما فعل. لا يعلم لماذا وكيف، لكنه مع شعوره بقرب انكسار الباب بكتف ماهر، جذب ملاءة السرير ليدثر بها جسد جنى بعدما قطع قميصها. ضم الملاءة حول جسدها في نفس اللحظة التي انفتح الباب بقدم ماهر. أحكم الملاءة حول رقبتها وأخفاها كلها خلف ظهره وهو يلتف
ليواجه ماهر ويصرخ فيه: "انت اتجننت إزاي تدخل علينا كده... بتكسر الباب يا ماهر، ده أنا هكسر رقبتك." "أنت اللي شكلك اتجننت، اوعى من سكتي بدل ما أدوس عليك." "اخرج يا ماهر، ما يصحش... قاطعه يصرخ فيه وهو يرى انهيار شقيقته: "اخفى من وشي يا كمال... عملت إيه في أختي يخربيتك." "اخرج يا ماهر." "مش خارج غير وهي معايا... وبعدها عظيم بيمين لاكون ممرجك." "قولت لك اخرج."
"اوعى من سكتي، البت وراك مرعوبة، ابعد بدل ما أسفلتك أنا مش شايف قدامي." هز كمال رأسه بجنون. لا يمكن أن يرى أحد جنى بذلك الوضع، مفاتنها كلها ظاهرة بوضع لا يصح سوى للزوج فقط، وهذا ما كان يستدعي جنونه. فصرخ بحدة: "قولت اطلع، ما ينفعش حد غير جوزها يشوفها كده، أنت إيه؟ مابتفهمش؟! صدم ماهر واتخذ الأمر منه أزيد من الثانية حتى يفهم. نظر على شقيقته الباكية ثم قال:
"ده أنت يومك أسود، قسماً بالله يومك أسود والي حصل ده ما ها يعدي على خير." أسبل جفناه وتنهد بتعب. ووقتها فقط لاحت لونا وذكراها على مخيلته. فتح عيناه ونظر على جنى وكمال الذي ما زال يحبك الملاءة حول عنقها ليخفي عريان جسدها عنه. ثم قال: "هخرج بس تخرج قدامي." كاد كمال أن يعترض، لكن ماهر صرخ فيه: "دلوقتي حالااا." صوت ماهر لم يرعبه، وإنما نظرات الرعب والضياع بأعين جنى. هنا فقط تلقى الصفعة
وبدأ يسأل حاله بجنون: ماذا فعلت أنا؟ ماذا فعلت؟!!! بمجرد ابتعاد خطوات كمال عن جنى التي يحتجزها خلف ظهره، ذابت قدماها وسقطت أرضاً تبكي بنواح. نظر عليها كمال بتيه، يدرك حجم الكارثة التي افتعلها. ولم تزد الأمر إلا سوءاً. حاول ماهر إسنادها واستدعى لها الطبيب. وجنى لسانها لا ينطق كلمة واحدة لكمال سوى "اطلع بره، اطلع بره." علاوة على قسمها بأغلظ الأيمان أن تطلق منه طلاقاً بلا رجعة.
هـيئتها كانت مذرية دمرته، ومنها علم أنه دمر شيئاً جميلاً كان يجمعه بها "براءة قربهما". وتلك الصفعة لم تكن مدوية على وجههما فقط، بل يوجد وجه ثالث شاركهما. ومن غيره... ماهر يتذكر فعلته مع لونا وكيف دخل استدرجها واستغلها حتى دخل بها. عصر عيناه بحزن وندم. فقد تثنى لجنى الصراخ، بينما حُـرم على لونا التي ظل يتتبعها بوصمات العار إلى أن سلمت وجنحت تماماً.
فرت دمعة من عينيه ونظر على هاتفه نظرة وأخرى على شقيقته العافية بفعل الدواء المهدئ. وقف عن كرسيه وخرج من الغرفة يغلقها خلفه بهدوء تام. فتح هاتفه يراسلها ليعتذر. لا يعلم عن ماذا أم ماذا أم ماذا، لكنه كان سيعتذر. جعد مابين حاجبيه وهو يرى علامة صح واحدة على مراسلات الواتساب. فقام بالاتصال، لكنه مغلق. بدأت تهتز قدماه وقد عرف التوتر طريقه إليه. وعقله يعمل هنا وهناك مشغول وقلق، يسأل ماذا حدث وهل هي بخير. ***
حالة والدها كانت تتحسن وصحته كذلك، حتى أن حيويته وجماله الذي ورثته عنه بدأ يعود له رويداً رويداً. لكنه بات صامتاً، قليل الكلام. هو بالأصل كان هادئ الطبع ولين، لكن الأمر بات متزايداً. ولا تعلم هل من تأثير الدواء أم من تقدم العمر. أقتربت منه تضع يدها على كتفه ورددت: "حبيبي انت كويس؟ "كويس، ماتقلقيش." "أنا نزلت إعلان في جروب على الفيسبوك أطلب ممرضة من هنا بسعر كويس عشان لما أنزل شغل ماتبقاش لوحدك." نظر لها بعتاب وردد:
"لسه شيفاني تعبان وماينفعش اتساب لوحدي يا لونا؟! كبرتي عليا؟! اتسعت عيناها برعب وصدمة وسارعت تصحح: "والله أبداً، الممرضة دي عشاني مش عشانك." نظر لها بجانب عينه فرددت: "آه والله، انت عارف إني موسوسة وبقلق عليك قوي. هخليها هنا تطمني عليك من بعيد لبعيد يا سيدي، وكمان عشان مراعيد دواك، انت عارف إنه مكمل معانا شوية. أقولك اعتبرها خدامة تعملك ساندويتش تيك أواي تجيب لك عصير لحد ما أرجع." شملها بعينيه ثم قال:
"وانتي لابسة ومتشيكة كده ورايحة فين؟! "شكلي حلو؟! "بزيادة." ضحكت تتخيل لو رآها ماهر بكل تلك الأناقة والجمال تتجهز لتخرج. تقسم ما كان ليتركها، لكنها الآن بعيدة وحرة. غمـزت لوالدها ورددت: "عندي مقابلة شغل، ادعيلي. خلي بالك من نفسك، مش هتأخر، باي يا حبيبي." "لا اله إلا الله." "سيدنا محمد رسول الله.. سلام."
خرجت واغلقت الباب وذهبت لتجري مقابلة العمل. كانت جيدة لحد ما، لكن مثيلاتها كثيرات. هي غير متفوقة على المتقدمات بشيء. لذا تسلل لها بعض القلق والإحباط. نظرت للهاتف لترى كم الساعة، لكن وجدته فاصل تماماً ومغلق. تأففت متذكرة بأن عليها شراء وصلة شاحن غير التي أتت بها من مصر بعد ما عادت تشحن.
وبينما هي تنظر لهاتفها وتتأفف، اصطدمت بكتف عريض ضخم في رأسها، فتأوهت متألمة. فيما أقبل الآخر يعتذر بالإيطالية. وهي لازالت تضع يدها على عينيها تتألم، ولكن صدمت حين سمعت صوته المندهش ينادي متسائلاً: "لونا؟!
أشاحت يدها بعيداً عن عينيها وبدأت تنظر للطرف الآخر حتى اتضحت الرؤية. جعّدت مابين عينيها وهي ترى محمد الكيلاني أمام عينيها. ومحمد في عالم آخر. عيناه يملؤها الشغف، قد تكون تلقائياً عند رؤيته لها. ينظر لها ولهيئتها الرائعة، فقد تأنقت بقميص قطني أبيض ذي رقبة دائرية وعليها رسومات بالأحمر والأسود متداخلة، أضافت وجعاً ولذاذة على ملامحها الخلابة، فزادت من توجهها. وقد نسقتهم مع تنورة بيضاء منفوشة بها نقط صغيرة سوداء، فبدت كلاسيكية ومعاصرة بنفس الوقت وأعطتها طلة خلابة خاطفة للأنفاس.
خطفـت بالفعل أنفاس محمد الوراقي ولبه، بل شتته كله. ونطقت لونا مستغربة: "محمد بيه؟! لا إرادياً تشكلت ابتسامة رائعة على شفتيه ورد: "محمد بيه؟! محمد بس يا لونا... ولا أنا كمان أقول لك لونا هانم؟! "يا ريت." قالتها لوضع الحدود، وهو قهقه عالياً يراها مزحة لذيذة. فردد: "ماشي يا لونا هانم... بتعملي إيه هنا، مش ممكن على الصدف." "أنا نقلت أعيش هنا لفترة." "سيبتي ماهر الوراقي؟! " تسأل باهتمام وهو يضيق عينيه يتحين إجابة،
لكنها ردت: "أأ.. مش بالظبط." صمتت ثواني... تشعر أنه أخبار مفاجأة من القدر وربه لتخبر تغيرها وقوة شخصيتها. أنصاف الحلول ما عادت تنفع ولا الإجابات المائعة. عليها صنع حدود لنفسها وتحديد إجابات قوية. فردت بصوت معتدل: "لأ.. ما سبناش بعض.. ظروف أسرية مش أكتر." هز رأسه متفهماً، وهي ارتضت داخلياً وبدأت تصفق لنفسها تخبرها بأنه (ها أنا قد صنعت حدود ولم ينقلب العالم ضدي، يعني بالعكس فهذا حقي وكان علي أن أفعل منذ زمن)
. تبسمت برضا وعلمت أنها خطت خطوة كبيرة في مشوارها مع ذاتها. ولم تسأله في المقابل ماذا يفعل هنا، كونها تحاول غلق الأحاديث. لكنه هو من تطوع وقال يخبرها بدون سؤال: "مفهوم مفهوم... بس هيعجبه الدنيا دي والصدف، ما توقعتش أشوفك هنا خالص. أنا جيت هنا عندي شغل مهم، أنا شريك في الشركة هنا." "بجد؟!
" همست بابتسامة مشوشة مابين الأمل والإحباط. ترى هل تسأل مساعدته أم تترقع وتغلق أي مجال للحديث وتنتظر ربما حالفها النصيب وتم قبولها دون واسطة. هزت رأسها بجنون. ليست الحدود فحسب من تمنعها، بل هي لم تتعلم كيف تطلب من أحدهم المساعدة، على عكس معظم الفتيات يقدرن ويعرفن كيف تساق الأمور، وهي لا. وقفت أمامه عاجزة...
والجمال وحده غير كافٍ. هنا يكمن الفرق بين الفتاة الجميلة جداً ومتوسطة الجمال. هنا متوسطة الجمال تفوز؛ لأن الجميلة تربت واعتادت أن تأتيها الأشياء وكذلك الإطراءات لأجل جمالهن، لذا سعيهن في كسب ود وتجاذب الأطراف أقل بجهد أقل، وبالتالي خبرة حياتية أقل بكثير عن متوسطة الجمال التي تبرع في تطوير ذكائها ومداركها وتعاملاتها الاجتماعية وتجتهد في ذلك حتى تصبح ناجحة فيه لحد كبير، بل كبير جداً، فتصبح أكثر خبرة ولديها مهارات تواصل
اجتماعي جيدة جداً. ويساعدها في ذلك محاوطة الكثيرين لها، فهم يرون متوسطة الجمال لا تشكل خطراً إن قربوها منهن أو أدخلوها بيوتهن ودوائرهن المقربة. على عكس الجميلة جداً والتي تشكل خطراً طبيعياً يعترف به كل إنسان عاقل. فأي فتاة ستعمل ألف حساب قبلما تدخل صديقتها الجميلة جداً لبيتها.
نظر لها مستغرباً وسأل: "في حاجة؟! مالك؟! عزمت الترفع ولن تسأل أحد المساعدة. ردت بهدوء: "ولا حاجة، فرصة سعيدة جداً، عن إذنك." هل سينتهي اللقاء؟!! هكذا وبتلك السرعة؟!! سأل نفسه وشرع يوقفها وقد ظهر على صوته اللهفة: "أستني." وقفت مستغربة فسألها: "معقول نتقابل صدفة في بلد غريبة ونمشي بسرعة كده. اسمحيلي حتى أعزمك على كوفي، آخد عنوانك عشان لو احتاجتي لحاجة واحنا في غربة كده. أ.. حتى عشان ماهر ما يزعلش مني." همست داخلها
(ماهر هيزعل لو عرف إنك وقفت معايا الشوية دول) . وفكرت سريعاً في الرد بعدما تعلمت الدرس الذي أخذته مسبقاً من معرفتها بطارق أبو العينين. لذا ردت: "لأ مش عايزة أتعبك ولازم أتحرك دلوقتي أشتري شاحن أو باور بانك لأن فوني فاصل شحن." "طيب تعالي أوديكي محل عارفه هنا عنده كل مستلزمات الموبايلات." "لأ بلاش مش حابة أتعبك." "لأ ما فيش تعب ولا حاجة يالا بينا، مش محتاجين عربية، تعالي ناخد كوفي وفي نفس المكان فيه كل حاجة."
سارت لجواره، تقدم قدماً وتؤخر الأخرى. بداخلها صراعات. هي لا تفعل شيئاً خاطئاً، لماذا كل ذلك الرعب؟ هو من أصر. يبدو أن خوفها من ماهر صنع بداخلها عقدة. كان يطلب لها القهوة من عند الماكينة وعيناه عليها تبتسم تلقائياً، يشاهد توترها الذي تحاول مداراته. تفرد ظهرها وكأنها هكذا ستبدو قوية. هز رأسه بضيق وهو لا يستطيع إلا أن يعجبه. عيناه تنبسط من النظر لها. جميلة وناعمة ورقيقة تجذبه كما الفراشة واللهب.
تقدم لعندها يعطيها القهوة فشكرته بخفوت. وعيناه مازالت عليها معجباً بتفاصيلها، يراقبها بلا حول منه ولا قوة. وقتها فقط فهم معاناة والده الذي لم يقصدها. بها شيء جاذب كما فعلت والدتها في والده وأحبها. قطع الصمت يسأل: "ما قولتيليش بقا... كنتي بتعملي إيه في الشركة." "أحممم، كنت مقدمة على شغل فيها." "بجد؟! واتقبلتي؟! "مش عارفة؟! " بس كان في كتير متقدمين. قالتها متأملة أن يساعدها دون طلب، لكنه قال:
"ولو قبلوكي هتشتغلي بجد ولا هتسبيهم تاني يوم زي ما عملتي معاياااا؟!!!! رفرفت بأهدابها فقهقه ضاحكاً. لتقف قائلة: "على فكرة اخت حضرتك هي اللي زودتها معايا ساعتها والموقف ما كانش مستدعي كل الصوت العالي والإهانة دي، فعشان كده مشيت." "أنا آسف ما... قاطعته تردد: "تمام تمام... أنا لازم أمشي حالاً عن إذنك." تحرك بلهفة يوقفها: "أستني، معقول هتمشي بسرعة كده، طب مش هشوفك تاني أنا لسه قاعد شوية."
قالها كاذباً، فميعاد طائرته بالفجر. لكنها ردت تحسم الأمر: "لأ ما أعتقدش، فرصة سعيدة وشكراً على القهوة." تركت له القهوة التي لم ترتشف منها قطرةً وغادرت سعيدة، تشعر أنها نجحت في الاختبار. قديماً ما كانت لتأخذ كل ردود الأفعال وربما لظلت جالسة منحرجة الرفض. لكنها باتت تفعل، وهي أكثر من سعيدة بذلك. *** وصل رشيد للندن ودلف للبيت الكبير الذي تسكنه علياء وابنه يناديها بغضب: "علياء…. علياء… أنتي يا ست هانم."
نزلت الدرج بهدوء تردد: "ششش.. أنت فاكر نفسك فين، وطي صوتك وأنت في بيتي." "نعم؟! بيتك؟! "أممم… بيتي… خلي الحب والغرام بقى مع الحلوة بنت خالك تنفعك وأنا بأخد نص ثروتك." "خلينا نتفاهم يا علياء بلاش كده." فردت بعنف: "مستحيل… مستحيل أتفاهم معاك ولو بوست إيدي عشان أرجع لك." ساقه الكبر وردد بعناد ذكوري: "ومين قال لك إني بكلمك نتفاهم عشان نرجع؟ أنا بتكلم عن الفلوس مش أكتر." جرحها ببراعة فقالت:
"شاطر.. بس ياريت تكون فاكر وعارف إن كل اللي أنت فيه ده بفضلي أنا." "لأ يا حبيبتي أنا ماحدش له الفضل عليا غير ده وده." قالها مشيراً على عقله وذراعه. لترد بقوة: "وعلاقات عيلتي وجنسيتي اللي بناء عليه اتسرع إجراءاتك وأخدت الجنسية أنت كمان ومن بعدها اتسهلت لك صلاحيات كتير." "بلاش نوسخ مع بعض بيكي أو من غيرك كنت هوصل يا علياء." "بس مش بالسرعة دي." "خلينا نرجع ونربي الولد بينا." حاول لمرة لكنها رفضت رفضاً قاطعاً:
"لأ…. وبكرة ميعاد المحكمة، هنخلص كل حاجة بكرة والبيت ده هيبقى من ضمن نصيبي." "بلاش طمع يا علياء.. أنتِ عارفة البيت ده لوحده بكام؟! "عارفة، وهاخده… حقي… خلينا نربي الولد بينا بشياكة يا رشيد." قالت الأخيرة كأنها تبتزه وتذكره ليصمت تماماً ويرضخ لطلبها. *** ظل ماهر قلقاً عليها طوال الوقت وبداخله يراجع كل مواقفه معها وذكرياتهما سوياً. نظر بلهفة للهاتف حين وصلته رسالة أن رقمها بات متاحاً واتصل في التو بلا تفكير. ثوانٍ
وأتاه صوتها الرقيق: "ألو." فاندفع يردد بقلق: "فينك كل ده وموبايلك مقفول ليه؟! "فاصل شاحن والوصلة اللي هنا باظت." سحب أنفاسه وزفرها على مهل ثم ردد: "قلقتيني عليكي." "أنا آسفة." "وحشتيني… أنا آسف." قالها بصوت مرتجف أقلقها فسألت: "ماهر؟! مالك؟!! "أنا آسف.. آسف يا لونا.. آسف بجد على أي حاجة عملتها معاكي وعلى طريقة جوازنا وخناقنا… آسف على طريقة حبي ليكي… وأسف إني مش عارف أغيرها." "إيه اللي حصل يا ماهر؟!
مسح عينيه ينظر على جنى الغارقة أمامه في النوم. ثم ردد: "ما حصلش حاجة.. انتي بس وحشتيني… وحشتيني قوي يا حبيبي." أغمضت عينيها وقد اشتاقت لذلك اللقب منه. تبسم وهو يشعر بها فردد: "مش كفاية كده بقى يا لونا؟! مش هتجيلي بقى ولا لسه مزاجك مش جايبك ترجعي لي؟! صمتت ولم تجب، فقال: "تمام يا لونا براحتك… هسيبك عشان تنامي… تصبحي على خير يا روحي." أغلق المكالمة معها قبلما تخبره أنها اشتاقته بشدة وتفكر في العودة سريعاً.
صباح يوم جديد. كان يجلس وحيداً على طاولة السفرة التي كانت مكتملة الأفراد منذ عام فقط. عام واحد بدل الأحوال. فقد سافر عمه فاخر للعيش مع بناته حيث يدرسن بالخارج، ووالده فر هارباً بوالدته ولونا مسافرة. بينما كمال منذ تلك الليلة المشؤومة لم يستطع المكوث في البيت وجنى لا تبرح غرفتها. تنهد بصمت، يرفع رأسه للسماء حتى وردته وسأله. كانت من محاميه مكتوب فيها (كله تمام)
. تفاجأ بجنى تنزل الدرج وقد تأنقت بثياب رسمية للخروج. نظر لها مستغرباً وسأل: "على فين يا حبيبتي انتي لسه تعبانة؟ "رايحة المحكمة، النهاردة ميعاد الجلسة." ضرب جبهته بكفه متذكراً أنه محاميها الذي وكلته لقضية الطلاق غير محامي العائلة، لذا لم يكن على علم بميعاد الجلسة. جنى تحركت بعيداً عن الأسرة وعلاقاتها كي تتصرف كما تريد بحريتها. فسألها بجدية: "متأكدة من قرارك ده يا جنى؟ "أيوه." ردها كان قوياً وحاسماً. فعاد
بظهره للخلف يدرك ثم قال: "والي تحبيه أنا هعمله… يالا بينا." "هروح لوحدي." "بس... "مابش... ماتخافش... أنا كويسة." "يا جنى…" "والله ما تقلق… عايزة أروح لوحدي من غير ماهر أتحامى فيه.. فاهمني." "فاهمك." وقفت لتغادر، لكنها التفت تردد: "ماما يا ماهر." ابتسم وجاوب: "ماتقلقيش… روحي مشوارك وخلي دايماً موبايلك في إيدك." *** وقف في المحكمة يتمنى ألا تحضر، لكنها حضرت ولم تنظر له. اقترب منها بلهفة يردد: "جنى أنا…" قاطعته وقد
غلبها الرعب متذكرة ما جرى: "مكااااانك." وقف بوضعه متيبساً يرى رعبها منه في عينيها بعدما كان أمانها. فأخذ يردد متضرعاً: "سامحيني يا جنى… غصب عني والله كنت متجنن… ما كنتش عايز أخسرك تحت أي بند… أنا بحبك والله… والله العظيم بحبك لدرجة ما كنتش متخيل إني بموت فيكي كده.. غلطة ومش هتتكرر.. اعملي فيا اللي انتي عايزاه… خدي كل الضمانات… همضي لك على بياض… شوفي إيه يرضيكي وأنا أعمله بس بلاش الطلاق." "وأنا مش عايزة غير الطلاق."
صمتت ثوانٍ ثم أجهزت عليه حين نطقت عيناها قبل شفتيها تردد: "أفهم، إحنا حتى مش هينفع نبقى ولاد عم تاني." "لأ يا چنا لاا ابوس إيدك." تدخل المحامي يردد: "أستاذة جنى.. دورنا." تحركت بقوة غير قابلة للتراجع، وهو دلف خلفها. الأمر لم يأخذ دقائق وخرجا مطلقين. كانت تنظر عالياً تشعر ببعض الانتصار. تتقدم بخطى قوية ليناديها: "جنى.." ألتفت تنظر له فقال: "مش نهاية الدنيا، هرجعك ليا يا جنى مش هـيأس."
"أنصحك ترجع مكان ما كنت عايش وشوف حياتك." "مش هسيبك يا چنا.. مش هسيبك." لم تبالي بحديثه وخرجت تشعر بالانتصار. وهو خلفها. *** خرج من أحد محلات الورد بلندن وقد أخذ بنصيحة الطبيب المعالج حين لاحظ غرامه بزوجته، فأقترح عليه أن يحضر لها باقة ورد كهدية فالنساء يعشقن الورود. تقدم من المشفى يدلف للداخل وهو يحمل باقة الورد. وكل ثانية ينظر عليها وبداخله يردد: "هتفرح بيها قرووي".
فتح باب غرفتها ليصدم بها خالية… ورسالة قصيرة وصلت هاتفه لحظتها جعلته يلف حول نفسه بجنون حين قرأ المكتوب فيها: (شكراً على العميلة يا والدي أنا فعلاً من زمان كنت بقنعها نسافر وهي رافضه وخايفة. صحيح رب ضارة نافعة، صحيح يا والدي أنا سبت لك في الاستقبال نسخة من قسيمة الطلاق طلعت النهاردة من المحكمة، ابقى حط الورد في مايه لا يبدلإمضاء ماهر)
صرخة عالية يملؤها الغضب والقهر خرجت من عزام وهو يدرك أن حتى الطبيب لم يسده نصيحة ولا شيء. هو فقط كان يبعده عن المكان ريثما يتسنى لأبنه الهرب بوالدته. *** وقف رشيد بمقر شركته التي طالتها بعض التخبطات بسبب نقص سيولة المال نتيجة اقتسام الثروة. ومدير مكتبه يردد:
"سيدي علينا العمل بيد من نار وحديد الفترة المقبلة وأن نعقد العديد من الصفقات في الفترة المقبلة كي يتسنى للشركة الوقوف على قدميها من جديد كما كانت وعودة دورة رأس المال من جديد." تنهد بتعب يردد: "أعلم باولو أعلم… معك حق… هل لديك خطة؟ "نعم… تسعون يوماً وسيعود كل شيء في نصابه سيدي… أرى أن سفرتك للقاهرة لم تجلب سوى الخراب سيدي والشر كذلك." أسبل رشيد عينيه وردد: "هي شر… لكن لابد منه."
فتح هاتفه يرى صور خطبة جميلة بجوار ذلك الشهاب. ضم قبضة يده وردد: "وكل حاجة هترجع لصاحبها…. لسه ما خلصتش."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!