الفصل 45 | من 46 فصل

رواية سيطرة ناعمة الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
27
كلمة
5,144
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

مرور الأيام كان صعباً في الفراق، يمر ببطء رهيب على العاشقين. كان عزام يجلس وحيداً في لندن حزيناً وندماً. نسرين سعت للطلاق ووافقت عليه بعدما كانت ترفضه جملة وتفصيلاً. أسبل جفنيه بحزن شديد، يشعر بخسارة فادحة وهو مشرف على سنوات عمره الستين.

خروجه من بيته مضطراً كان أول الخسارات. لم يكن في عمره يتخيل أن يترك بيت الوراقي الذي كان لوالدته من الأساس، والآن حصلت عليه تلك الحشرة "لونا". هو للآن غير نادم مطلقاً على أفعاله معها ومع شقيقته. رفع هاتفه يتصل بماهر الذي فتح المكالمة ورد بصوت متردد. -ألو... بابا -أزيك يا ابن الكلب. عض ماهر شفتيه وهو يمرر سبابته وحاول التحلي بالهدوء، يردد: -أنا مش هرد عليك انت دي أبويا بردو. -وهو انت لك عين ترد. -وما ليش عين ليه يعني!

-بقا بتطلق أمك مني يا ابن الكلب! -ابن الكلب ابن الكلب، مفيش شتيمة غيرها طيب. وبعدين أنا ماغصبتهاش ولو بغصب أو تكون مفكر إنط بزن كنت عملت كده من زمان. بابا حاول تستوعب، ماما عملت كده بمزاجها. -انت اللي جيت وخطفتها. -لا رجعتها. الخطف بيتسمى على اللي انت عملته. -طب خليني أكلمها. -نايمة. -يابن الكلب، نايمة بردو؟؟ انت مين وصاك عليا عشان تعمل معايا كده؟ هو أنا اللي مخلفك ولا انت اللي مخلفني؟!

وبعدين أنا شايفك عامل فيها الزناتي خليفة وعمال تجوز وتطلق! حلووو، ما طلقتش ليه انت كمان؟! ولا هو حلال في غيرك وبس؟؟ عض ماهر شفتيه بغضب ثم ردد: -الخلافات اللي بيني وبين لونا أنا قادر أداويها وعرفت غلطتي وهصلحها ومهما كانت عمرها ما هتكون بحجم اللي عملته مع أمي. ده انت عرفت عليها ستات أد كده وروحت اتجوزت بنت أكبر من ابنك بكام سنة وأصغر منها هي بعشرين سنة وهي مريضة! كنت عايز تحسسها بإيه؟! إنها عاجزة ومريضة وراحت عليها؟!

-قلت لك جواز مصلحة. تعب ماهر من الجدال معه فردد بتنهيدة مرهقة: -طيب يا بابا هو كان جواز مصلحة واللي بينك وبين ماما خلص. أقولك حاجة. قالها ماهر بمهادنة ربما حل عنه والده قليلاً فسأله عزام: -قول. -سيبها للوقت وللظروف حتى تكون هديت، إيه رأيك؟! وأنا بنفسي هكلمها لك. -بجد ياض؟ -بجد، عشان تعرف إن مش ابن كلب ولا حاجة. أو اللي تشوفه انت الحوار ده انت أدرى بيه. -ماشي يابن الكلب.

ضحك ماهر مجدداً وهو يغلق الهاتف مع والده ثم ينظر لوالدته الغافية على سريرها بجواره في السيارة وقد وصل القاهرة. *** خرجت من أحد البنايات الفخمة سعيدة بل تكاد تطير من الفرحة. لقد قبلت أخيراً وبدون وسيط. تحركت بخفة الفراشة لتذهب سيراً على الأقدام للبيت. الشركة قريبة من الميدان الذي يتفرع منه شارع بنايتها. إنها حقاً محظوظة. لا تدري شيئاً عن زوج العيون التي تتابعها من بعيد داخل سيارته. يبتسم وهو يراها تكاد تقفز من الفرحة.

لم يجرؤ على الاقتراب منها. عقله كان واعياً، رغم تعلق عيناه بها وصوت هاتفه أخرجه من شروده.

نظر للهاتف كانت رسالة على البريد الإلكتروني من العمل. تنهد بتعب وحيرة وهو يرى صورة زوجته مرام التي يضعها خلفية للشاشة. كانت أول صورة التقطها لها وهي لا تدري في الفترة التي سبقت فترة تعارفهما. كانت كلها تشابك والتحامات. ما كان يفصل بينهما غير الشديد القوي. هو يراها متكبرة وسليطة اللسان وهي تراه متعجرف وطباعه سيئة. يظن أنه ابن ملك العالم...

إلى أن أدى العراك بينهما إلى رفع الأيادي ويومها لم يتواجد الشديد القوي كي يفصل بينهما، فأصاب كل منهما الآخر. ضحك مقهقهاً وهو يتذكر كلامه الذي كان يردده وهو يمنع نفسه عن ضربها: "يابنتي أنا راجل محترم، مش عايز أمد أيدي على بت".

ولم يدري أنه قد أشعل لهيب براكينها أكثر وأكثر، وصرخت محتجة على كلمة "بت" فزاد الأمر بينهما سوءاً إلى أن أصاب كل منهما الآخر فجلسا على الرصيف متأوهين. ومن هنا حلت دقيقة الصمت التي لو كانا أخذاها منذ البداية لوفرت عليهما كل العراك والجدال. علاقتهم كانت مختلفة ومرام كانت مختلفة. لمعت عيناه بحنين ثم أسبلهما نادماً. نظر على لونا وقريبة من السيارة متخذة طريقها. أغلق زجاج السيارة المعتم ثم دعس على البنزين.

هاتف مكتب السياحة الذي يتعامل معه وطلب منه بهدوء: -عايز أول طيارة على القاهرة. ثم غادر. غادر وترك المدينة بشوارعها واعتكف في المطار حتى حان ميعاد طيارته التي ستذهب به لأحضان أسرته. *** تحرك بسرير بعجلات يجر عليه والدته داخل قصرهم من جديد. ذهب بها حيث غرفة جده في الطابق الأول كي لا تصعد السلم وردد: -حمد لله على السلامة يا سيدة القصر، البيت نور. -الله يسلمك يا حبيبي، بس عايزاني أطلعني أوضتي جايبني هنا ليه؟

-بصراحة مش أنا، ده كان اقتراح جنا. قالت عشان يبقى سهل تاخدي كورس العلاج الطبيعي بتاعك خصوصاً إنه هيطول حبتين وعشان تخرجي للشمس وتبقي معانا على الفطار بلاش حبستك فوق دي. -ماشي يا حبيبي، فكرة بردو، بس هي فين جنا. وعلى سيرة چنا دلف المخلوع يردد: -چنا! لااا جنا خلاص بقت بزنس ومن. معاها ملايين وبتعمل برندات وبتقابل عارضين أزياء. -جرّي إيه يا كمال داخل علينا بزعابيبك كده، هو ده وقته. -اه وقته، أنا دمي بيغلي. ازيك يا طنط.

خص بها نسرين بنبرة صوت محايدة كأن عليه جني ثم عاد يشاجر ماهر: -اختك القادرة خلعتني وماقعدتش يوم واحد حزينة. خدت الفلوس وهاتك يا مصاريف، وبتقابل في عارضين أزياء، جايبة رجالة من تركياااا، انت متخيل أنا وضعي إيه؟؟ -ششششش ..وطي صوتك، تعالا معايا... تعالا برا.. اخرج يسحبه معه للخارج واغلق الباب على والدته ثم التف لكمال وجده صامتاً وحزيناً يقف ينظر للأرض وهو يحرك قدمه ثم بدأ يردد بصوت خرج منه حزين نادم جداً:

-من غير ما تسمعني، عارف إن كنت مقضيها، وبتاع ستات، مش هنكر. أنا من كتر ما أنا زبالة وعملت اللي ما يعمله كنت بخاف وأقلق من أي راجل يقرب من البيت أو من جنا وحتى لونا، عشان أنا عكيت كتير، بس هو يعني مفيش توبة خلاص؟! ده ربنا بيسامح. -بس هي مش ربنا عشان تقدر تغفر زيه. انفعل عليه كمال ورد بغضب: -توبة إيه؟! انتو هتشتغلوا نفسكم وتشتغلوني!!!

هو أنا كنت خنتها مع حد ولا عكيت مع حد وهي ومعايا. طب ورحمة أمي ورحمة أمي اللي مش بحلف بيها باطل أبداً أنا من ساعة ما نزلت مصر وأنا ماشي عدل، وزاد كل ده لما بدأت أتعلق بجنا. -تتعلق بمين يا كمال! انت كده اللي عايز تشتغلني أنا، جنا مين اللي اتعلقت بيها؟! هو أنت أتلفتت ليها غير عشان الوصية ومن بعدها تقريباً حليت لك اللعبة وولعت نار بقا لما قالت خلع، إزاي كمال الوراقي يترفض وكمان يتخلع مش كده. -كده.

-كويس إنك صريح مع نفسك ومعايا.

-بس الحكاية ما وقفتش هنا، أنا لما اتجوزت جنا حسيت إحساس غريب وأنا بكتب كتابي عليها وأنا بقول للمأذن أطلبها بنفسي ولنفسي ومن بعد الجملة دي كل حاجة اتغيرت، ساعتها عرفت أنا كنت بحس ناحيتها إيه ومش راضي أفسره. أنا بحبها وتقريباً كده من فترة. يا ماهر أنت عارف إن حتى كقرايب وأولاد عم جنا أقرب لي منك مع إننا رجالة زي بعض وسننا قريب مت بعض، والوصية مش هي اللي لفتت انتباهي لجنا، أنا عيني عليها من بدري بس ماكنتش عارف أجيبها إزاي، وكون إنها خلعتني ده قصة تانية هتتحاسب عليها بعدين بس أرجعها.

-ترجع مين؟! أنت شكلك عبيط. أنت طينت الدنيا باللي عملته ولو في حد المفروض يتحاسب فهو أنت وأنا اللي أقف لك. هي مالهاش رجالة ولا إيه!!! صرخ ماهر بعنف ليرد كمال: -يعني أنت عملت كده في لونا بقا عشان مالهاش رجالة. -أنا ما اعتصبتهاش. صرخ مجدداً لكن بحده أعلى فقال كمال: -بجد؟ أمال كل الزعيق والقصص اللي كنت بتعملها وطريقة جوازك منها؟! إيه كان برضاها!!! سب من بين أنيابه. كمال دوماً هو جلاده وعقابه. اقترب كمال منه يحاول التحدث

بنبرة تجلب التعاطف وردد: -أنا بس عايزك تفتكر إني كمال اللي ياما دافعت عنك وياما وقفت جنبك وكنت بقولك تعمل إيه مع لونا وإيه ممكن يقربها منك عشان تكسب قلبها. صمت دقيقة ثم نظر داخل عيني ماهر وطلب منه برجاء: -لأول مرة هقولها لحد بس أرجوك أقف جنبي عشان أرجعها. صرخت عينا ماهر بالرفض وهم ليتحدث فأقطعه كمال يكمل: -بمزاجها، بمزاجها ومش عايز غير كده. أسبل ماهر جفنيه. كل شيء يُعاد بحذافيره. تنهد بتعب ثم قال: -ماشي يا كمال.

تهلل وجه كمال فرحاً يسأل: -بجد؟!!! -اه، أصلاً جوازتكم دي كانت تعتبر باطلة لأنها مبنية على شرط وميعاد مش إيجاب وقبول ونية بناء أسرة. فكريس إن ده حصل. -كويس إني اتخلعت؟! وبحجة زي دي؟! الهانم اختك فضحتني. -هي مجرد رد فعل، أنت كنت هتتنيل تغتصبها. -ماتستعبطش يا ماهر هي رافعة القضية من قبلها، أنا اللي كنت رد فعل. -هو رد الفعل ده زي ده؟! أغمض عينيه ورد منفعلاً بها:

-ماقدرتش أمسك نفسي، مانت راجل وعارف، البنت اللي بحبها، لابسة كده وقدامي وهي حلال و.. أخرسه ماهر وهو يقطع حديثه مردداً: -شششء اخرس. أنت بتبرر إيه؟؟ أنا غلطت، قول غلطت. -غلطت، ماشي، هااا وبعدين؟ أرمي نفسي تحت عربية؟؟ هتعملوا فيا إيه يعني؟! هو قطم رقبة؟ أنت ترضى إن لونا تبعد عنك؟ -ماهي بعيد أهي. -مش قصتي... أنت وعدتني هتساعدني. -ماقدرش أديك وعد بكده، البت خايفة منك أصلاً، بس سيب كل حاجة للوقت. -وقت إيه؟!

هو أنا لسه هستنى. -لم نفسك يا كمال. -طب عايز أرجع أعيش معاها هنا. -مش هينفع. -ماشي يا ماهر... عموماً، كنت عارف إنك هتقول كده. في بيت هيفضى هنا قريب وأنا هأجره مفروش بس توعدني إنك هتقف معايا. تنهد ماهر بتعب محتار مابين شقيقته ورفضها وابن عمه المتضرع يطلب فرصة. جلس على أرضية الحديقة يشعر بثقل كاهله من تعاقب الأحداث والمشاكل. يشعر أنه بحاجة شديدة لأحضانها.

فتح هاتفه المحمول يتفحص صورها. لقد نشرت صوراً جديدة لها بروما مع والدها. يمنى لو كان هو شريكها بتلك الصور والذكريات السعيدة. ورغم عنه ابتسم وهو يطالع جمال حبيبته. بسمتها كانت من القلب تشع حيوية وحياة زادت وجهها إشراق. ألهذه الدرجة هي سعيدة في البعد عنه. مسح بيده على صورتها مشتاقاً. ورغم شوقه الجارف إلا أنه امتنع وقاوم اتصاله بها. عزة نفسه منعته لأول مرة.

رفع رأسه للسماء يشكوها حزنه ببعدها وأنه يريدها بجواره تسانده وتأخذه بأحضانها. نظر للصور من جديد مشتاقاً ومن شدة الشوق يريد أن يبكي وهو يسأل: ألم تخبره أنها ستعود وحدها؟ لما طال البعاد إذاً؟ أهذا يعني أنها ما اشتاقت ولن تعود؟! إنه يموت بدونها، لكنه لا يقدر على مواصلة ملاحقته لها. قالتها صريحة: "دعني أعود إليك وحدي". ثم ذهبت ولم تعد، ويبدو أنها أزهرت في البعاد.

أغمض عينيه يرفض دموعهما. الوجع نال منه باختيارها البعاد وكان أقسى عقاب. فتح عينيه على صوت رنين هاتفه. اسمها "لونا حبيبتي" يتراقص على شاشة هاتفه فيرقص قلبه معه. لم يفكر مرتين وفتح المكالمة على الفور: -ألو. -ألو. سمعت صوته الحزين ونبرته الهامدة فسألت بقلق: -ماهر؟! انت كويس؟ أسبل جفنيه بتعب. كلمة ماهر منها فقط تذيبه ثم ردد: -الحمدلله. -لا، صوتك مش بيقول كده. -كويس يا لونا، كويس.... حمحمت بحرج ثم سألت:

-شكلك كويس من غيري ومرتاح. -انتي اللي شكلك مرتاحة قوي في بعدي، واحلويتي. قالها بقلب مشروخ مابين الإعجاب بحبيبته والحسرة أنها اختارت البعد. ردت مندفعة بخط مستقيم كما عودته:

-أنا بردو، ما جتش تاخدني ليه غصب عني وتألف قصص وتعمل حكايات زي زمان، أنا شكلي خلاص مابقتش لازماك، أنت بقيت مستغني عني، تلاقيك شايف لك شوفة. صحيح تلاقي الست رؤى مسلياك. انت ضحكت عليا وفهمتني إنك مهووس بيا ومش بتعرف تشوف غيري. أنا كنت متأكدة، كل يوم أقول هييجي دلوقتي يكسر رقبتي ويشيلني غصب عني يرجعني معاه أو يفضل لازق فيا. مانا خدت على بجاحتك وقدرك وأنت دائماً بجح ووقح وجبروت. بس أنت ماعملتش كده، إيه استغنيت ولا زهقت مني يا سي ماهر، خلاص؟!

قصة الحب خلصت كده يعني!!! كان يسمعها وعيناه تتسع شيئاً فشيئاً ويكاد يجن. ارتفع الأدرينالين في جسمه للمليون. بما تهذي تلك البلهاء؟ هو معتاد على جنونها وردات فعلها غير المتوقعة والعنيفة أحياناً من شدة مباشرتها، لكنه لم يتوقع أن تنفجر فيه وتخبره بكل هذا الكلام وتلك الأحاسيس. هو خائف الآن على دقات قلبه من فزعة خفقانه. فهل تلك المجنونة كانت تنتظره كل تلك المدة أن يأتيها ويأخذها عنوة كما كان يفعل دوماً....

هل جلست بلياليها تنتظره وهو من ظنها جافته. هل ترغبه وتريده كما يريدها لكنها اعتادت الدلال؟ أهي متعذبة في البعد مثله؟ هل باتت مدمنة التصاقه الإجباري بها ولم يعد يخنقها؟ هل وهل وهل... ألف هل جننت شعوره وأفقدته صوابه. صوته مختنق من غمر المشاعر. وقف عن الأرض بتمهل، لا يصدق نفسه ولا ما سمعه منها ثم سألها: -لونا... أنتي... اللي سمعته صح؟! انتي عايزاني آخدك.. عايزة ترجعي لي بمزاجك؟ -لا. عادت ترد بدلال... جننته.

واستطردت تقول: -وأصلاً أنا لاقيت شغل وهشتغل. استوى في وقفته وردد باقتدار: -مش عايز أسمع نفس... خلاص خلص وقت الدلع، انتي اللي اتصلتي وانتي اللي رجعتي جنون ماهر من تاني، مش كان وحشك؟ سألها بفخر وانتصار فردت: -لأ... -أخدتي على الدلع. -تصبح على خير. قالتها وأغلقت الهاتف في وجهه ثم رمته على الفراش وارتطمت فوقه. على من ستنكر؟ لقد اشتاقت حب ماهر البربري الهمجي.

كل يوم في البعد كانت تتوقع مجيئه ليحملها كشوال أرز ويعود بها قسراً لكنه لم يفعل وتركها على حريتها التي كانت بالسابق تتمناها. احتضنت نفسها بذراعيها كما كان يضمها ماهر دوماً وهي لا تعلم متى تسلل لروحها. هي بالفعل اعتادت الدلال عليه مذ علمت مدى تعلقه بها ومكانتها عنده وباتت تتصرف على هذا الأساس دون أن تدري.

ربما اكتشفت حبه من بعد قراءتها اطلاعها وتعارفها على نفسها. لقد طورت من شخصيتها الكثير وعلمت أنه يمكنها تحويل كل نقاط الضعف لقوة وحب ماهر لطاقة قوية تدعمها بدلاً من التقييد. وقد بدأتها وهي لا تدري مذ استقوت به وهددت عمها ومن بعدها زادت قوتها وردات فعلها ووقفت أمام رؤى الكيلاني تجابهها كلمة بكلمة والفضل كله لماهر. أسبلت جفناها بتعب وغفت وهي لا تعلم.

لتستيقظ نهار اليوم التالي على صوت دقات جرس الباب المتتالية والمتعالية. نظرت للهاتف لترى كم الساعة. أيعقل إنها السادسة صباحاً! من سيترك البيت الآن. هل هذا هو؟!!! تمنت وهي تذهب للباب لكن المنطق يقول لا بالتأكيد لن يستطيع اللحاق. لكن مع ماهر ينعدم المنطق وتصبح الإجابة نعم، هو ماهر. وقفت بأعين حاجظة تنظر له وهر ينظر لها. أنفاسهما متسارعة من شدة تضخم شعورهما ودقات قلبهما.

ولم يستطع البقاء واقف هكذا بل جذبها من ذراعها ينتزعها داخل أحضانه حتى تهدأ مرتاحة. هي الآن بين أحضانه. أطبق ذراعيه عليها ثم اعصرها بين أحضانه وهو يردد: -وحشتيني وحشتيني ... وحشتيني قوي. -إزاي جيت بالسرعة دي؟ أبعدها عن أحضانه كي يتسنى له مطالعة ملامحها التي اشتاق لها بجنون ثم ردد: -ماقدرتش أصبر، أخدت طيارة الفجر ووصلت من المطار عليكي، كنت مستني بس أي إشارة منك وأجي لك وآخدك غصب وأرجعك بس تقولي. ضربته في صدره

وقد عادت لها نوبات جنونها: -بعد إيه، ثم إن أنا مش موافقة. -مش بمزاجك، انتي خلاص بتاعتي... وهترجعي معايا غصب عنك.. اقترب خطوة وعيناه تلمع يكمل: -ورجلك فوق رقبتك. كان يقترب وهي تبتعد. نظراتها عليه وعلى ثيابه الفخمة وشياكته غير العادية. ماهر دوماً جذاب ودوماً متأنق. نظراتها أومأت له بشوقها الجارف، فاقترب منها وانتزعها مجدداً بين أحضانه يردد: -تعبتيني... تعبتيني وغلبتيني معاكي.... ووحشتيني. قالها بأعين لامعة ثم ردد:

-فرحنا ميعاده قرب. أبعدته تردد: -فرح إيه، أنا هرفع عليك قضية خلع زي جنا. -الله!! انتو بتتكلموا وبتتفقوا عليا؟! طب أعملك فرح الأول وبعدها اتطلقي حتى عشانك. نظرت له بجانب عينها فلاحظته وهو يخرج من جيب بدلته علبة زرقاء مخملية فسألته: -إيه ده؟ -أحنا اتجوزنا من غير شبكة ولا حتى دبلة خطوبة. فتح العلبة ليظهر خاتم ماسي راقٍ مطعم بفص كبير أخضر زاد من فخامته فسألته: -ده شكله غالي قوي، ده ألماس؟

-طبعاً، أقل حاجة تليق بيكي، لحد ما نرجع مصر أنا اشتريت لك باقي الطقم. نظرت للخاتم بفرحة كبيرة وهو يلبسها إياه ثم قالت: -أنا كنت مفكراك. -إيه بخيل؟ -لا بس، شايف إن مش مستاهلة. -انتي تستاهلي تقلك ماس، أنا اللي طروبش وبتفوتني تفاصيل مهمة. رفع كفها لفمه يقبله ثم زاد من ضمها لجسمه يردد: -وحشتيني قوي، هترجعي معايا؟! سأل محدداً بأدب لكنه لم ينتظر الجواب بل زاد: -هترجعي... مش بمزاجك مش هسيبك خلاص.

قال الأخيرة وهو يضمها لأحضانه بجنون كأنه لا يصدق أنها وأخيراً معه. رفعت يديها شيئاً فشيئاً وضمته لها وهي تبتسم فها قد عاد ماهرها الهمجي المتملك. شعر بضمتها له تبادله الحضن فجنّ جنونه وتجرأت يداه يرفع شعرها عن عنقها ويقبلها قبلات مجنونة يطبع علامات ملكيته عليها. يعود بها للخلف فدلفت قدماها لغرفتها. أغلق الباب بقدمه وهو ينزع عنها بلوزتها البيتية، وهي تحاول منعه: -بتعمل إيه يا ماهر.

-بعمل اللي نفسي فيه بقالي شهر وانتِ هجراني... هطلع على جثتك القديم والجديد يا عيون ماهر. اتسعت عيناها برعب من العزم بعينيه لكنه فاجأها وهو يقبلها بحنان ودفء. تعامل معها بكل رومانسية وهدوء ولذاذة. عزف سيمفونية عشقه على جسدها بلمسات حنونة على غير عهده وكأنه هكذا اطمأن وما عاد هنالك داعي للعنف والغضب. مر وقت طويل عليهما اكتشف فيه أنها اشتاقته بجنون كما اشتاقها.

أخذ منها عهد ثقة دون كلمات. ابتسم وهو يراها غافية على ذراعيه دون ستار تنظر له بعينيها راضية عنه وفيهما الخجل. قرص جلد كتفها الناعم وردد: -ينفع توحشيني كده؟! ماتبعديش عني تاني. -حاضر. -تعالي في حضني. التحمت في حضنه ملبية طلبه تغمض عيناها. فسمعته يقول: -لونا. -نعم. -أنا نفسي في بيبي منك. صار يطلب بأدب، يبدو أن البعد غيره. نبرته كانت سخينة وطلبه مثير.

رفعت عينيها بصمت تلاحظ التغيير الكبير الذي صنعته فيه. ماهر الذي يطلب منها بتمني الآن مخالف لماهر المتجبر الذي اقتحم حياتها منذ عام. نظر لها بعشق ثم سأل: -موافقة يا روحي؟! نكست رأسها بخجل ثم هزت رأسها موافقة. *** وقفت بغضب شديد تصرخ في مساعديها: -يعني إيه مش موجودين؟ راحوا فين العارضين الرجالة، أنا سايباهم الفندق امبارح. -مش عارفين والله يافندم، الفندق بيقول لموا حاجتهم وعملوا تشيك أوت الصبح. -إزاي الكلام ده؟؟

إيه اللي حصل؟؟ هو لعب عيال؟!! في عقود بينا. دلف بخطى واثقة نافشاً ريشه يردد: -إيه في مشكلة هنا ولا إيه؟! قالها ببراءة مميتة وكأنها ليست المتسببة في ترهيب العارضين الأتراك وتسبب في سفرهم سريعاً. -أنت إيه جابك هنا؟! قالتها بضيق وبعض التوتر رغم مرور أسابيع على ما جرى. نظر لها بهدوء يداري شوقه ثم ردد: -الحق عليا، قلت آجي ألحق مراتي سابقاً وبنت عمي حالياً في كارثتها. -ماتقولش مراتي. صرخت فيه فردد: -سابقاً...

سابقاً. وبعدين هنسيب المصيبة اللي وراكي ونبص أنا بقول إيه، مش ممكن، أول عرض أزياء هيشارك فيه البراند بتاعك يفشل والعارضين يمشوا؟!! دي كارثة. -أيوه. قالتها برعب وهر يكمل: -دي مصيبة. -أيوه. -إيه التسيب والإهمال ده... بس ماتقلقيش... أنا أعرف شوية رجالة من نزلة السمان إنما إيه... عترة. نظرت له بجنون وهو نظر لها بابتسامة عريضة. في الليل. وصل ماهر مع جنا ووالدها لقصر الوراقين وقد أخذته معها تردد بنصر: -تعالي يا بابا...

ادخل... القصر ده نصه بتاعي... بتاعي بنتك. قالتها بفخر شديد تشعر أنها انتصرت على عزام وفاخر حتى بدون مجهود يذكر. هو فقط ترتيب القدر وأخذت ابنهم فرق البيعة كذلك يحبها ويدللها مما يثير جنون عزام. بينما وقف كمال بحب واهتمام يرى جنا وهي تتحرك هنا وهناك تتابع عن كثب وبتعب أدق أدق التفاصيل. رآها قوية وماهرة، تأمر بحسم وتتخذ قرارات في أوقات صعبة. يتابعها مبتسماً بفخر واعتزاز. إلى أن انتهى العرض، رفعت عيناها له كي تشكره:

-شكراً. -العفو. قالها يمنع نفسه من طلب السماح. كان يعلم أن غلطته يلزمها وقت لتذوب. ابتعد عنها يردد: -لو احتاجتي أي حاجة افتكري إن دايماً كمال موجود عشان جنا، جنا وبس. أعطاها نظرة ساحرة مغلفة بنظراته الساحرة الخاصة جداً لها وقد لفها بعينه يرسل لها رسالة ضمنية بأنها تعجبه. *** تقدمت رؤى من مكتب شقيقها تراه يلملم أغراضه فتحدثت بغضب مستنكرة: -أنت بتلم مكتبك! يعني اللي بيتقال صح بقا؟!

أنت نقلت مكتبك فرع العاصمة الإدارية الجديدة؟ -مش لوحدي، وأنتي معايا. -نعم؟! ده ليه ده إن شاء الله. -من غير ليه؟ -اقف يا محمد وكلمني زي ما بكلمك. التف يقف وقال: -هناك الشركة أكبر وكل المصالح الحكومية نقلت. الأولى والأذكى إننا ننقل. -بس أنا مش هسيب هنا. ألقى ما بيده أرضاً فأرعبها ثم زاد وهو يردد: -ليه؟؟ عشان تفضي شركتك جارة شركة ماهر الوراقي، ولونا. صمتت مصدومة فقال: -ماتردي. -أيوه. صرخت بقهر وإصرار ثم أكملت:

-ومش هسكت غير لما أخرب لها حياتها زي ما…. قاطعها بحسم: -زي ما إيه؟؟ أمها ما جتش ناحية أبوكي ولا حتى اتخطبت له، سابت كل حاجة وهربت مع الراجل اللي بتحبه. -بس هو فضل يحبها. -غصب عنه. -إزاي. -صدقيني في حاجات كتير مش بيبقى لينا يد فيها. وأم لونا مش ذنبها إن أبوكي حبها. انتي نفسك ميلتي لماهر ولا فكراني مش واخد بالي. ابتعدت عنه بقهر فردد:

-واخد بالي… حاولت أمنعك بس كنتي كل يوم بتغرزي. بس من هنا ورايح همنعك ولو بالقوة. الراجل ده مش شايف غير مراته، وعمره ما بص لك ولا عشمك، انتي انجذبتي له غصب عنك. إغرورقت عينا رؤى بالدموع. شعر بها حين أحس بميله للونا لكن أسرته وزوجته كانا ملاذاً آمناً له. فقد عاد لهما يلقي نفسه في أحضانهما ينعزل بهما عن أي مغريات خارجية حتى نسي وانسجم من جديد مع أسرته. اقترب منها بأخذها في حضنه بحنان ثم ردد:

-ششششش… اهدى.. بلاش أشوفك بتعيطي… ربنا مش بيعمل حاجة وحشة، هو بس يمكن حطك في موقف بابا زمان عشان تعيشي اللي كان بيحسه وتبطلي تلوميه. قالها بتأثر فقد أخبر نفسه بحديثه هذا قبلما يخبرها ثم أكمل: -لازم نتصالح مع عقدة الماضي يا رؤى، مش بتفكري تروحي لبابا تزوريه في المقابر؟ انتي مش بتروحي خالص! نظرت له بتردد وهو بعينيه يحسها مشجعاً وهي بين التردد واقتراب الموافقة. ***

عرس مهيب وضخم صنعه ماهر لقطعة الأيس كريم بالفانيليا خاصته. شعور رائع كان يتسلل داخله وهو يراها تجلس بفستان أبيض ملكي منفوش لجواره على الأريكة الفخمة. تبتسم له برضا ثم اقتربت منه هامسة بآخر كلام من المفترض أن يقال في ليلة كهذه: -أنا سبت وظيفة جامدة قوي في شركة برا، عيني مديرة التصاميم في شركتك بقا. ابتعد عنها يهز غير مصدق ثم انفجر ضاحكاً بجنون عليها وهي لا تفوت الفرص مطلقاً.

بينما جلس كمال على طرف الكرسي خاصته متأهباً يراقب تلك الكارثة التي تأنقت في ثوب أرجواني من جديد. الأرجواني وراءه وراءه… يراقب بعينيه أي ذكر قد يقترب منها. بنفس الوقت تقدمت جميلة متأنقة في فستان أخضر رائع ناسبها ولجوارها خطيبها شهاب. عينا لونا كانت عليها لا تفارقها، لازالت تغار منها وتراها غريمتها. تقدم شهاب يسلم على ماهر ولونا ومن بعده جميلة ثم قال شهاب: -مبروك. -عقبالكم. -كمان ست شهور إن شاء الله. -مبروك.

ابتعدت جميلة ومعها شهاب فنظرت لونا لماهر ورددت بإصرار: -هتشغلني في الشركة أبقى مديرة مش كده؟؟ هز رأسه بجنون وردد: -لسه في حاجات ماتعرفيهاش عن الإدارة. -وماهر راح فين؟ ماهر يعلمني… ربنا يخلي ماهر. قالتها وهي تتمسح فيه ليبتسم مردداً بجنون منها وعليها: -بقيتي خطيرة يا لونا… بقيتي خطيرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...