وقف صالباً طوله بصعوبة، صوته عاضب جهوري يسأل بحده وحسم: -ايه القطة كلت لسانكم؟ مش بتردوا ليه؟ ايه الي عايزين تعملوه ده؟ التفت عزام يقول للموظف: -امشي انت دلوقتي لينا كلام تاني بعدين. هم ليتحرك سريعاً ينفذ الأمر وهو متوتر، لكنه أوقفه صوت محمد الوراقي: -أستنى عندك. توقف بارتباك لهتف محذراً:
-أنا بحذرك، وهما كدبوا عليك، ماهر مش عارف ولو عرف هيطير فيها رقبتك، كله الا الشرف، ماهر غشيم ومش بيهزر… خاف على نفسك منه ومني عشان انا مش هسيبك. = ولا هتقدر تعمل حاجة. هتف بها فاخر بغضب وتحد كذلك، الصراع بات صراع بقاء لم يعد الأمر كما كان مسبقاً، مجرد رفض لزيجة خان فيها والدتهم، بل والدتهم من الأساس لا تهمهم، الأمر تحول أنا أم الطوفان.
لذا استوحش كل منهما وكشفا عن أنيابهما خصوصاً وقد هدد والدهم الشخص الوحيد القادر على مساعدتهم فوجب عليهم طمأنته. احتدت عينا محمد يهتف بغضب: -انت اتجننت ازاي تكلمني كده. = إتجننت؟!!! مين فينا الي اتجنن واتهطل على كبر يا محمد يا وراقي، مين فينا الي بيسوقنا للهلاك، أصحى… فووووق، فوق بقا من العسل الي انت غرقان فيه ده، احنا هنفلس وبسبب البت الي بليتنا بيها دي. تدخل عزام يكمل:
-إحنا اصلا لحد دلوقتي وبعد السنين دي كلها لسه بنحاول نفوق من الوقعة الاولانية الي وقعناها لما الفاجرة امها هربت مع عشيقها، وتيجي كمان خلفتها تضيع الراجل الي بيحرك السوق كله، لأ بقاااا، ده انا مش بس اخفي قسيمة الجواز ده انا أمد ايدي واخنقها بنفسي واخلص منها. اهتز ثبات محمد وهو يرى ذلك الوجه من أبناءه له علانية وهتف: -انت ازاي بتكلمني كده انت وهو انتو اتجننتوا؟
= أنا مش عايز اتجنن زيادة وبحاول الم نفسي والجمها، فاهدى كده وارحم نفسك، انت بقيت عضمة كبيرة، المفروض تقعد في البيت وترتاح بقا، ايه الي بينزلك الشغل، اقعد في البيت والبس الجلابية احسن لك. -أحسن لي؟!!! هي حصلت يا ولاد مجيدة؟ = ولاد مجيدة ملجمين نفسهم عنك وبنقول بلاش نعمل حاجة تبوظ سمعة العيلة لكن لو فضلت واقف ضدنا هتضطر تخلينا نتصرف تصرفات مش حلوة. -ايه؟! هتحجروا عليا مثلاً؟ = أه. لم يتوقع الرد الصريح فعلى ضغطه وغضبه:
-أه يا قليل الرباية يابن ال… رفع يده ينتوي صفعه ليوقفه عزام بيد وفاخر بيد أخرى. اتسعت عيناه بذهول… كان بين يداهم… كتفوه… أهانوه في كبره ولم يرحموه. هما من حارب لأجلهما وضحى ببنته الوحيدة لأجل سمعتهما، أتتها الرد قاسي، هو من فضل واختار. لم يكتفيا بذلك بل أخذ كل واحد منهما يهزه بيده الغلظة مردداً: -ايه هتمد ايدك علينا. = شكلك اتجننت على كبر. -أحسن لك تسكت وماتتدخلش تاني.
= والا… مش هنرحمك… مش هنرحم أي حد ييجي على سكتنا.. أنت سامع. لم يتحمل قلبه وسقط بين أيديهم أرضاً. نظر عزام عليه بزهول وتبادل النظرة مع فاخر الذي قال: -تلاقيه بيمثل. بلع عزام رمقه بصعوبة يردد: -لا لا يا فاخر… أطلب له الأسعاف. لم يبالي فاخر بما سمعه وأنما التف ينظر لموظف السجل المدني يردد: -انت عارف لو مانفذتش ال… قاطعه يردد بلهث: -هنفذ… هنفذ يا باشوات… هنفذ كل الي تطلبوه.
إن كانوا قد فعلوا ذلك بوالدهم لمجرد اعتراضه فماذا عنه لو اعترض، من سيجابه مثلهم، وافق على الفور، لن يقدر على الرفض وخرج مهرولاً من المكتب فيما ما زال عزام أرضاً يحاول سماع نبض والده وهو يبحث عن هاتفه: -النبض ضعيف ممكن يروح فيها أنا هطلب له الأسعاف. تقدم فاخر يجلس على الكرسي ببرود وهو ينظر عليه يقول بترفع: -اطلب له يا حنين اطلب. *** كان لا يزال بالماء يضم جسدها له بانسجام، السعادة تلفه من كل الجوانب. لفها
ليصبح وجهها لوجهه ثم ردد: -اه يا شقية طلعتي بتعرفي تعومي وأنا الي كنت فاكر أني هقعد شوية أعلمك. = نووووو.. بابا معلمني وياما روحنا مصايف في أحلى حتت في مصر وساعات كان بيسرفنا برا في الصيف. رفع إحدى حاجبيه مردداً: -أممممم، وأيه كمان بتعرفي تعمليه وأنا لسه مش عارف. = بعرف أركب خيل. قهقه عالياً: -الله… ده انتي بنت عز بقا. تغيرت ملامحها على الفور وتجهمت ثم سألته بحزن وضيق: -وأنا مش باين عليا ولا إيه؟
لاحظ تغيرها، هوى قلبه بين قدميه وقد أضحى غير قادر على غضبها عنه، وجد نفسه يرد بلهفة بعدما باتت كيفه: -لأ طبعاً باين قوي، انتي اتخلقتي عشان تبقي هانم. لفت نفسها واتكأت على جسده يرفعها الماء وقالت بصوت متحشرج حزين: -بابا كان دايماً يقول عليا كده، كان دايماً يقول عليا برنسيسة واتخلقت عشان أبقى أميرة والكل يخدمني، كان بيقول كده دايماً صبح وليل زي ما يكون بيحفظني لدرجة أني حفظت وصدقت. ابتسمت بحنين تكمل كلام خشب جسده:
-كان دايماً بيقول إنه مش هيجوزني كده بالساهل لأي حد، مش هيرضى لي بأقل من أمير، سفير، أو وزير. كلامها أثار غيرته ولفها تنظر له يردد: -بس انتي اتجوزتيني أنا خلاص، وأنا مش سفير ولا أمير ولا وزير. رمشت بأهدابها، تشعر بيداه تعصر خصرها من شدة الضغط بتملك. ماهر غيرته نار ومراجل. شدد عليها بعنف يردد: -بس أنا ماهر الوراقي مش أي حد. مال على أذنها يهمس: -وانتي خلاص مراتي. بتاعتي. ابتعد عن أذنها ونظر بعيناها يخبرها:
-وهتفضلي بتاعتي يا لونا.. فاهمه يا عيون ماهر؟! أيعتبر حديثه تهديد؟! أم غزل؟! علاقتهم معقدة ومتداخلة… وهي تعبت من التفسير. حاولت الإبتسام وقالت: -فاهمه. لم يقتنع واقترب منها يقتنص شفتيها بقبلة متملكة يخبرها كيف أنها ملكه. ابتعد عنها بصعوبة يلهث يضع جبينه على جبينها وهو مازال يضمها له مردداً: -أنا روحي فيكي، لو فكرتي بتعدي عني هبهدل الدنيا، وهقلبها حرب، وفي الحرب كل شيء مشروع، الصح والغلط، فاهمه يا لونا.
ابتعدت عنه تهتف بضيق: -أنت ليه كل شوية تهددني. = مش بهددك، أنا بعرفك الوضع الي بقيتي فيه، الوراقين مش بيسيبوا حاجة بتاعتهم. قربها منه عنوة يلصقها فيه، يريها تملكه مجدداً، تأوهت متألمة من ضغطه على ذراعها، ملامحه كانت قاسية من مجرد الفكرة وهي التي كانت بأحضانة منذ قليل، مع الخوض في سيرة البعد يتحول كلياً، يستحيل لشخص بوهيمي متخلف ومتوحش.
نظرت لعيناه ترى القسوة والضعف والاحتياج ممتزجان في نظرة، زادت ثقتها ورغم خوفها رفعت كفها تمشيه على خده فيغمض عيناه بتوله وهي تردد بليونة: -للدرجة دي متعلق بيا وماتقدرش تبعد عني؟! هز رأسه بلهفة مؤكداً فابتسمت تسأله: -من أمتى؟ = من اول مرة شوفتك فيها. تجعدت جبهتها مستغربة: -ازاي؟! ماكنش شكلك بيقول كده خالص، بالعكس. = مين ممكن يشوف لونا ومايقعش في حبها، مين يقدر يقاومك، بس الكلام اللي كان واصلني عنك كان قافلني منك.
-وايه الي غير كل ده؟ أسبل جفناه بسحر يبتسم، يتذكر: -ماكنتش بقدر أشيل عيوني من عليكي، لاقيت أني مراقبك طول الوقت، كان ممكن تبقي قاعدة في الجنينة او واقفه في المطبخ وأنا مراقبك. اهتزت رأسها ببطء وجهل، غير متذكرة أن ما يشبه ذلك قد حدث ليؤكد حديثه: -بأمارة عشقك ساندويتشات النوتيلا بالموز في العيش العادي. رمشت أجفانها، هي لم تلاحظه، لكنه هز رأسه يبتسم بحزن لم تلاحظه وللأن كذلك لم تلاحظه وهو….. يشفعهااااااا.
تغاضى عن تلك النقطة وعاد لموضوعه الأساسي وما يهمه أكثر: -لو فكرتي تبعدي عني يا لونا أو انك تسبيني ….. هزعلك. قال الأخير وهو يهز رأسه بتأكيد وتصميم. وكمل: -هتزعلي وهتخلي شكل علاقتنا وحش. ناظرته بعينها ليبتسم بسماجة: -مانا كده كده هرجعك ومش هتعرفي تفلتي مني بس مجرد فكرة الغدر هتخليني أتحول عليكي والوضع هيبقى مش ظريف، فليه بقا من الأول وخليكي حلوة وأرضي بالأمر الواقع.
= الله على رومانسيتك يا ماهر… جايبني البحر ولوحدنا عشان تهددني، انت شايفني هبلة يعني؟ هو أنا أدك. لفها بعيناه ثم قال: -أنا بفكرك بس. التفت تعوم في الماء تستند بجسدها على ظهره وهي تقول: -يا ماهر أنا اتقرصت واتعلمت خلاص، أنا جنبك ولا حاجة ولازم أسمع كلام جوزي خلي الأيام تعدي حلوة. = برافو عليكي. -يالا بقا خدني وديني عند البرميل الي هناك ده. كادت أن تسبح ليتبعها لكنه أوقفها ولفها لعنده مردداً: -براميل إيه؟
يالا نطلع بقا انتي وحشتيني. = بس أنا… -مابسش بقولك وحشيينيي.. نظر على جسدها العاري يردد: -وبعدين أكتر من كده تبوشي مني انتي ماطلعتيش من المية من ساعة ما صحينا. = بحبها. ضرب مؤخرتها بغتة يقول: -كفايه، إيه! متجوز سمكة بلطية!! ضحكت بدلال ليحذرها: -بت.. مش هنا، أنا ماسك نفسي عنك بالعافية… يالا ندخل جوا بسرعة.
حملها في الماء وخرج بها تسحرها تلك اللحظة، تشعر بقوته المفرطة وهو يحملها مع علمها أن وزنها ليس بخفيف مطلقاً، نظرة انبهار أعطتها له كانت أكفل عنده من قول أحبك. تعلقت في رقبته وهي مبتلة ولم يستطع المقاومة، وجدته يميل عليها يقتنص شفتيها يبتلعهم مقبلاً، سحر اللحظة أكتنفها جعلها تطبق على رقبتها وتتجاوب معه بصورة لاهبة وأججت نيرانه، لم يصبر كي يصعد لبلوغ حجرتهم بل ألقاها على الأريكة ليلتهمها..
دق هاتفه المحمول برقم والده، لم يقدر، نظر مرة للهاتف ومرة للجميلة الملقاة على الأريكة بإغواء ونظرة ناعسة تقضم طرف إصبعها بأسنانها، تنتظره تفتح له جنتها؛ فلم يقدر إنها تذلذله، ضغط مطولاً على زر جانبي للهاتف ورماه يلقيه في أي مكان، وانضم لجسد جميلته يتنعم بها، يحاول إخماد نيرانه التي تشعلها فيه ولا يشبع أبداً. *** وقفا على أعتاب غرفة العناية المركزة في المستشفى ينتظرون خروج الطبيب ببرود، نظر فاخر لشقيقه ثم قال:
-ماتشوف ماهر فين خلينا نعرف هنقوله إيه. رد عليه عزام ببرود: -كلمته مش بيرد. -الخدامة بتقول كان واخد الزفتة دي وخرج بيها ومن ساعتها مارجعوش. -البت كلت عقله. -هتجيبه من برا؟ ده سلسال، مش فاكر أمها عملت إيه في “مختار الكيلاني” لما شافها؟!
من مرة واحدة وجننته، ده كان موافق يدينها تسهيلات هتقف عليه بخسارة لمدة أربع سنين قدام بس عشان نجوزهاله وهو أصلاً بخيل وكلب جنيه، ولا أم أمها اللي شيبت محمد الوراقي اللي كان معروف عنه أنه مصلحنجي ووصولي وبيعبد القرش، ومش عايز بنتهم تعمل كده في ماهر… ده محمد الوراقي ماكنش زي ماهر كمان أبوك طول عمره قلبه حجر ما بالك بقا بماهر ابن نسرين. -فااااخر. حذره عزام بغضب… نسرين هي حدود عزام الغير مستباحة لغيره، لكن فاخر ردد:
-قولتلك بلاش تسيبه كتير لامه… أهو شرب منها. احتدت عينا فاخر والتف له يهدر بغضب: -قصدك إيه؟ = قصدي إيه؟! هي لو ما كانتش خايبة وقلبها خفيف كانت بصت لك يا عزام؟؟ هنمثل على بعض؟ تضايق عزام من تلميح شقيقه لكنه رد: -عندك حق، ما أنا وأنت مانتخيرش عن بعض. = مالنا ما احنا زي الفل اهو.. كلم ابنك شوفوا فين واظبطه بقا… فتح عينه على المصلحة، عايزينه يرجع ماهر بتاع زمان، ده كان باع السوق كله في كرشه.
-إتصلت رن مرة وبعدها الموبايل اتقفل وبعدين قبل ما نفكر نكلمه يرجع فكر هنقوله إيه… = الله…. قابل يا معلم… كمال جه. -أنا مش عارف العيال دي طالعة كده لمين… شوفت بقا هتقولوا إيه؟ تقدم كمال مهرولاً تزامناً مع خروج الطبيب من غرفة الفحص لتكن المبادرة من كمال المتلهف: -خير يا دكتور في إيه؟! تنهد الطبيب بضيق ثم سأل: -البقاء لله. اتسعت عيناهم وبقوا محدقين ببعض كل منهم صدمته غير الآخر. -إتصل بماهر.. كلمه ييجي حالاً.
-كلمته طول ما أنا جاي في الطريق تليفونه مغلق. -والعمل، هو ده وقته. حاول كمال منع نفسه عن البكاء وقال بتماسك واهي: -أنا هروح أخرج تصريح الدفن واخلص كل الإجراءات وانتو حاولوا توصلوا لماهر، بلاش نضيع وقت. ليتقدم فاخر وهو يربط على كتف ابنه ببكاء: -عين العقل، عين العقل يا حبيبي، إكرام الميت دفنه. تقدم كمال يدخل لغرفة جده وقال لعمّه ووالده: -هدخل أشوفه. = أدخل انت يا حبيبي إحنا مش هنقدر نشوفه وهو كده مش هنقدر. ***
ابتعد عنها بصعوبة، التحامه بها التحام لا إرادي هو لا يستطيع السيطرة على جسده وفصله عنها إلا بقوة وصعوبة، ولولا الخوف من إرهاقها ما ابتعد. لونا تجذبه بقوة أكبر حتى من القوة المغناطيسية، قبلها بعمق يمسح العرق المتصبب على وجهها وصدرها مردداً: -يخربيتك مش عارف أبعد عنك… إنتي تجنني.
كلامه صادق، خارج من أعماق قلبه أيضاً. وما يقوله يكسبها ثقة لا متناهية جديدة عليها، يصيبها بالغرور، هيئته وهو يحاول أبعاد جسدها عنه كي يستطيع الانفصال وتلذذها لرشده من شدة ماهي مهيمنة عليه تعطيها تصديقاً قوياً على تأثيرها لأنها لم تكن تعلم مداه، فتح عيناها على أشياء وصفات بنفسها لم تكن تعلمها. كل ذلك كان يزيدها غرور، يكسبها نظرة دلال وترفع جديدة عليها وربما تأخرت حتى عرفتها، كان يحق لها أن تعي ذلك مبكراً.
رمشت بأهدابها بكبر وغرور، باتت ذات ثقة عظيمة بنفسها… ودعت خصلة من شعرها بأصابعها بدلال تنظر له بنظرة ممتزج فيها الإغراء والكبر والغنج ولا مانع من بصيص سعادة. قربها لأحضانه يمرمغها في جسده يتفوه حالماً: -ياريت لو مانخرجش من هنا. ابتسمت له بصمت، بات كلامها قليل.. لكن بسمتها الصافية كانت كافية، موحية أنها تؤيده رأيه لكنها لازالت تحت سحر وقتهما الحميمي. قرص خدها بنعومة: -بموت فيكي. زادت ابتسامتها فضمها له يردد:
-اعملي حسابك لما نرجع هنبدأ في إجراءات إعلان جوازنا… أنا متفق مع جدي على كل حاجة. = بس… أنا مابقتش عايزة أعيش هنا.. انت وعدتني… أنا عايزة أرجع روما. هز رأسه رافضاً: -أنهي عقل ده اللي يقول أبقى أنا هنا ومراتي في روما. اعتدلت تبتعد عنه بضيق تردد: -بس انت وعدتني. رد وقد جن جنونه بها: -لونا أنا مابقدرش أقعد من غيرك. نظر لها برفض فتحايلت عليه: -عشان خاطري طب حتى لحد ما عقد البيت يخلص. زفر بضيق ثم قال:
-ماشي يا لونا عشان أبقى نفذت وعدي ليكي بس، نعلن جوازنا وتسافري وبعد كده لينا كلام تاني… ممكن ترجعي لحضني بقا. ابتسمت تعود لأحضانه، عيناها يملؤها الثقة، كأنها تخبره وهي تبتسم حسناً سأؤمن عليك وأعود… وقد فعلت. ضمها له يقول: -على فكرة. = همم. -أنا بعت للراديو اللي صاحبتك شغالة فيه وعملت عقد إعلانات لينا في برنامجها لمدة سنتين. رفعت أنظارها له متفاجئة فقد نفذ دون أن تعاود الطلب لكنه صدمها زيادة حين قال:
-من قبل ما نيجي هنا أصلاً. ضمها بذراعه الغليظ يحتويها مردداً، انتي مراتي، أنا مش بقايضك، بس كان هيجوالي حاجة لو ما كنتش جربت الإحساس ده معاكي. قالها ثم دفن نفسه في أحضانها وقد اتسعت عيناها من كلامه وهيئته وهو يقوله. هنا تأكدت كم (دانت لها السيطرة) ، كيف وصلت بماهر الوراقي لأن يصبح هكذا بين يديها. *** -نزل نعي في كل مكان، عايزين جنازة مصر كلها تحكي عنها، محمود العربي مش أجدع من أبونا. رد فاخر على شقيقها وقال:
-محمود العربي كان راجل خّير وطوب الأرض بيحبه، اسكت، يارب نلاقي عدد كويس وخلاص مش عايزين نقول كلام مايصحش، أذكروا محاسن موتاكم. نظر عزام لشقيقه بغضب ثم قال: -كمال خلص؟ = اه بعت لي كل الأوراق اللازمة وراح يكمل الباقي. وردت رسالة لعزام، نظر لهاتفه ثم نظر لشقيقه وابتسم يقول: -حصل. زغللت عينا فاخر بنصر عظيم وسأل بلهث كلب: -بجد؟ أكد له عزام:
-موظف السجل لسه باعت لي الأوكي… مافيش في سجلات الحكومة قسيمة جواز باسم لونا ولا اسم ماهر. = بس .. افرض ماهر معاه نسخة أصلاً. غمز له عزام مبتسماً يشكر الظروف: -تؤ…. ما كنتش لحقت لسه تطلع من المحكمة ويستلموها.. كله تحت السيطرة. = فاضل بس لما ماهر يعرف… -هيعمل شوية هوليلة وبعدها نحاول نهديه، ده الأحسن واللي عمله كان غلطة. = ماتنساش جده اللي كنت بهدده بيه خلاص. -ماهر عاقل وعارف المصلحة فين، هيسمع الكلام بقولك.
= ربنا يستر… ولسه لما يعرف إن جده مات.. انتو وصلتوا له ولا لسه؟ -البيه واخد الحتة بتاعته وطلع بيها شاليه الساحل، كمال عرف وبعت له مع واحد من الأمن هناك عشان نقدر نوصله، البيه بينهم عامل شهر عسل. *** فتح أكياس الطعام يرتبها ويخرج الملاعق يضعها على السفرة بينما يناديها: -يالا يا حبيبي الأكل هيبرد. خرجت عليه بمنامة صيفية بيتية قصيرة ذات “شورت قصير جداً” قد يصيبه بسكتة قلبية؛ انخلعت عيناه عليها وهي تخرج من إحدى الغرف
مرددة بصوتها المتدلع: -جيت خلاص. تقدمت لتجلس بجواره لكنه سحبها لعنده بلهفة وأنفاسه سخينة: -رايحة فين؟ = هقعد. نطقتها تبتسم بكبر ليقول وهو يجذبها لتجلس على قدميه: -تقعدي هنا يا روحي. نظرت داخل عيناه بعمق تبتسم وهو لا يستطيع زحزحة عيناه عنها يقضم اللحم بأسنانه وهو ينظر لها.. مالت عليه بقطعة اللحم بين شفتيها تطعمه بها، إنها مقدمة على قتله بالإغواء، طامعة بالمزيد لا يكفيها نقطة الهوس التي وصل لها على يدها ترغب في الأبعد.
وماهر المسكين على وشك الإصابة بسكتة قلبية من شدة ما أغدقته فيه، رضاها جنة ونفورها جحيم، لقد ذاق ذاك وذلك وعلم طعم الإثنين. كان منغمساً بطعم شفتيها المحمل بالطعام يتناوله معها، غير مصدق ماتفعله معه لونا وما بادرت على إعطائه رغم علمها بأنه قد نفذ طلبها، ورغم ذلك مازالت مستمرة في المبادرة، فهم عقله بأنها راغبة وراضية. طار من الفرح، إنها أسعد أيام حياته. دق الباب فرفعها عن أحضانه يقول: -إيه ده؟
مين هييجي دلوقتي، استني ثواني و جاي. ذهب ليفتح الباب وهنا تلقى الخبر الصدمة. عاد بها للقاهرة على الفور حيث تمت مراسم الدفن ومن بعده أيام العزاء. وقف في ثالث يوم للعزاء يتقدم صف الصف يتلقى العزاء في جده، المعظم حضر لأجل ماهر وعلاقته معهم، لو على فاخر وعزام ما كان سيحضر مئة شخص حتى. مال فاخر على أذن شقيقه يهمس: -فاروق دويدار ما جاش، بس بعت مدير مكتبه. = كويس نص العمى ولا العمى كله، يومين كده ونروح له.
-كلم المحامي يخلص إجراءات الميراث. = كلمته… بيجاي بكره. نظرا لبعض باستغراب وتوجس يفكران لما قد يحضر المحامي لعندهم. فيما جلست سما بجوار لونا تعزيها: -البقاء لله يا حبيتي. = ونعم بالله. -لونا.. أنا مديري كلمني وبيقول في شركة كبيرة بتاعت عقارات عملت إعلان في البرنامج بتاعي ولما سألت عرفت إنها بتاعت أخوالك… انتي اللي قولتي لماهر يعمل كده مش كده؟ تهربت لونا في الحديث لا تريد إحراجها فقالت:
-مش وقته يا سما.. المهم إنه خير وتكون أمورك اتظبطت. = يعني هو ماهر ده طيب؟ هتكملي معاه. أسبلت جفناها بتعب ثم قالت: -مش عارفه، بس هو بقى بيسمع كلامي أو بمعنى أصح بقيت بعرف إزاي أخليه يسمع كلامي، هو أحسن من غيره وبينه كده بيحبني، بفكر أسلم أمري لله وخلاص، إيه رأيك؟ = مش عارفه، بس شكلك موافقة، يبقى خير وبعدين من الآخر بقا كلهم واحد، لو ليكي دلال عليه وبيعملك اللي انتي عايزاه يبقى أحسن من غيره فعلاً. زمت
لونا شفتيها بحيرة ثم قالت: -هسلم أمري لله وخلاص، وماهر شكله طيب. صمتت ثواني ثم قالت: -بس بردو لازم آخد منه فلوسي ويجيب لي بيتي من عمي. = عين العقل.. أقلها عشان تبدأو على مية بيضا. صباح اليوم التالي اجتمع الكل في غرفة المكتب وحضر المحامي ليقول عزام: -خير يا متر… أنا طلبت منك إعلام وراثة كنت المفروض تمشي في الإجراءات بدل ما تطلب تقابلنا. ليجيب المحامي: -ما طالما في وصية يبقى مش هنحتاج إعلام وراثة. -إيه؟ وصية؟
= أيوه… فين الأستاذة لونا؟ تعصب ماهر وسأل بحدة: -لونا؟! عايزها في إيه؟ مال عزام على شقيقه يقول: -انت مش مأكدلي إنه ما كتبش حاجة باسم البت دي. = أيوه أنا متأكد حبيبي في الشهر العقاري كتير ولو في أي ورقة باسم أبوك جدت كانوا بلغوني. -أمال في إيه؟!! انتبهوا على صوت المحامي يقول: -ياريت أستاذة لونا تحضر فتح الوصية وإلا مش هنقدر نبدأ. نادوا على لونا التي تقدمت بترقب تجلس وسطهم ليفتح المحامي الوصية وسكت حديثه كالصاعقة
على الجميع حيث قال: -السيد محمد الوراقي وزع كل تركته بين أحفاده فقط بنات فاخر اللي بيتعملوا برا يتحفظ فلوسهم في سبايك دهب لحين بلوغهم سن الـ ٢١، نصيب چنا عزام الوراقي يبقى مع كمال فاخر الوراقي وتستلم ورثها منه بعد زواجها منه، والباقي من التركة الموزع بين ماهر ولونا يروح إدارته كلها تحت تصرف لونا. انتفضوا جميعاً بصدمة، حديث لا يصدر سوى عن مختل، بالتأكيد مختل وهم لن يقبلوا بذلك…..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!