خرج فاخر مهزوماً من بيت آل وراقي، خرج في منتصف الليل دون أن يراه أحد، لقد تعمد ذلك. واليوم بداية مشرقة. بداية جديدة بروح جديدة. ابتسامة واسعة تشكلت على وجهها الحسن، همت لتخرج من بيتها بزي رسمي لأقصى درجة. وقفت أمام المرآة تعيد تصفيف خصلات شعرها، خصلة بجوار خصلة، وتتأكد من رونق مظهرها. ابتسامة ثقة ورضا تشكلت على شفتيها، هي تعلم أنها جميلة ويليق بها الوضع الجديد.
لكن ولثوانٍ، تلاشت بسمة الثقة وحل محلها القليل من الشك، تتساءل كيف وافق ماهر بكل تلك السلاسة والسرعة. فقد توقعت أن يرفض ويغار ويبدأ سلسلة أفعاله الهمجية التي عهدته عليها. لكنه خالف كل ذلك وابتسم لها ابتسامة لم تفهما حتى الآن، وقال: بالتوفيق! أيعقل؟ هزت رأسها بجنون وتنهدت، تردد محدثة نفسها أمام المرآة بجنون: في إيه؟ هو كله شك شك، جرى إيه؟ ماتعقلي بقى، مش قولنا شخصية قوية وبتاع. هزت رأسها بضيق وعادت تنظر للمرآة تردد:
وبعدين ليه الظلم؟ ما يمكن الراجل نوى يتغير وبدأ ينفذ، هو إنتي لاه كده عاجب ولا كده عاجب؟ أخذت نفسًا عميقًا وزفرته على مهل: اهدي، ابتسمي، إنتي بدأتي تعيشي الحياة اللي نفسك فيها. يالا يا لونا. سحبت نفسًا عميقًا بعد وصلة من تحفيز الذات، وضعت حقيبة يدها الفاخرة على كتفها، وقبل أن تخرج نادت على الممرضة التي أحضرتها لتراعي والدها طوال ساعات غيابها. أعادت عليها التوصية بمواعيد الدواء والأكل، ثم خرجت.
بعد ساعة ونصف في الطريق، أخيرًا وصلت. مرت من أمام مرآة كبيرة جدًا في بداية الشركة، ابتسمت بثقة كبيرة وهي تستشعر جمال وفخامة هيئتها. مضت بثقة للداخل تبتسم، فقد تعلمت الدرس، المظهر الخارجي عليه عامل مهم جدًا. تتذكر ذلك اليوم الذي ذهبت فيه لمقابلة عمل وكانت ترتدي بلوزة قطنية قصيرة وجيبة سوداء مع حذاء بسيط. كان يومًا صعبًا، وقد مرت على شركات كثيرة لعمل مقابلات متعددة ورفضت فيهم جميعًا.
لتعود باليوم التالي ولكن بهيئة مختلفة، وبحركة جريئة جدًا قدمت من جديد وقبلت في أكثر من شركة لتختار في النهاية أعلاهم راتبًا. بسعة صدر كبيرة وابتسامة كلها أمل وشغف، دلفت لمكتبها الجديد المقسم عليها وعلى زملائها، وجلست أمام جهاز الكمبيوتر المخصص لها، تهمس: بسم الله، ثم تبدأ أول ساعة عمل لها. *** مدد قدميه بإنهاك ومط جسمه للخلف، تنهد بثقل فقد أضناه التفكير في والدته.
أحيانًا يهون الأمر على نفسه كونها مع والده وهو يعلم بمدى حبه لها، وأحيانًا أخرى يتعذب كونه على علم كذلك بما تشعر به في حالتها تلك. دقة على الباب يتبعها أخرى، ثم دلفت السكرتيرة: ميعاد البريك يا مستر. تمام، روحي انتي يا دينا. تحب أطلب لك غداء قبل ما أخرج؟ لا، شوية وهبقى أطلب أنا، روحي انتي بلاش تعطلِ نفسك. أوكي. خرجت فبقي وحيدًا، تمطى بجسده على الكرسي وعاد به للخلف، ينظر من الشرفة على المنظر الخارجي وشكل الموظفين.
أسبل جفنيه بتعب يريح جسده وعقله قليلًا عن العمل. لم تمر ثوانٍ إلا وشعر بيد رقيقة تلكز ركبته، رفع عينيه ليصدم ويتفاجأ بأنها لونا. اعتدل واقفًا بخوف يسألها: في ايه؟ مالك؟ جيتي امتى؟ جاوبت فورًا وانفجرت في النواح: آآآآه، أنا تافهة، تافهة وفاشلة ومش بتاعت شغل، آآآآه. كانت تبكي وتمسح أنفها بطريقة مثيرة للضحك حقًا. حاول كتم ضحكاته ووقف يردد: مالك بس يا حبيبي؟ حصل إيه؟ تعالي، تعالي نقعد.
سحبها للأريكة الجلدية يجلس، ثم وهي بحضنه، أخذ يمسح على كتفيها وهو يردد: في إيه؟ إيه اللي حصل؟ حاولت التحدث من بين دموعها: النهاردة كان أول يوم شغل ليا. عارف، حد ضايقك؟ هزت رأسها نفيًا ثم قالت: الشغل الحقيقي طلع صعب قوي يا ماهر، أنا أنا مش حمل الكلام ده، مش حمل الكلام ده والله. آآآه. ضم شفتيه يكبت ضحكته الشامتة بينما هي تسترسل في البكاء: ادوني شغل كتير ومن أول يوم، من أول يوم، طب كانوا يصبروا عليا.
مش انتي اللي كاتبة في الـ CV خبرة وأعمل تحت ضغط؟ قابلي بقى. مسحت أنفها ونظرت له بعينين هرة وديعة ثم قالت: ما ترجعني أشتغل عندك ومش هعمل مشاكل والله. ضحك يردد: وحد كان طردك، انتي اللي مشيتي. هزت رأسها بندم تقر: أيوه أنا عملت فيها قوية وبتاع. تابعها مبتسمًا، عيناه تمر على وجهها وأسنانه تعض على شفتيه مقرًا أنه وقع بعشق مجنونة، دائمًا عشوائية، أفعالها متناقضة وغير متوقعة.
مجيئها لعنده باكية مهزومة ونادمة لهو آخر ما توقع حدوثه. ولم يتوقع أيضًا تقلبها العجيب، واندهش وهو يراها تمسح دموعها بكبر عجيب وتوقفت عن البكاء بلحظة وتحولت وهي تردد بعناد ورعونة: وأنا قوية وهبقى شاطرة. رمقها بعينيه ثم سألها بهدوء: صحيح يا لونا، انتي جيتي عملتي انترفيو هنا من سنة؟ هزت رأسها إيجابًا فابتسم يقول: وكنتي عارفة إنها بتاعتي؟
أنا ما كنتش لسه عارفاك ولا شوفتك، بس بصراحة كنت عارفة إنها تبع أهل ماما، وأنا في الفترة دي كانت حالتي صعبة جدًا، عمي واضع يده على الفلوس والبيت وبابا محتاج، أدور عليه. وانتوا بصراحة كنتوا عارضين مرتب كبير. ضحك بهدوء ثم سألها: وبعدين؟ قصت له ما جرى يومها فسألها مستغربًا: وليه ما قلتيش وأنا كنت هعرف شغلي مع غادة دي كويس؟ انت شايف إن بداية علاقتنا كانت تسمح؟
وبعد ما بقيتي ليكي وضع ونسب ليه ما عملتيش معاها نفس اللي عملته؟ عشان ما بقاش زيها. لما أعمل زيها أبقى فرقت إيه عنها؟ ابتسم بهدوء يتابع ملامحها بحب، ثم تناول يديها بين كفيه وردد: تعرفي إنك وحشتيني. ناظرته بشغف، لكنها ظلت متمنعة، ولكن بدلال. ابتسمت وسألته: ليه اتجوزتني يا ماهر بالطريقة دي وبالسرعة دي؟ عشان لقيت عندي انفتاح كبير عليكي، أخدت القرار يوم ما حضنتك في أوضتي، فاكرة؟ لما جيتي تعتذري. قربها منه زيادة ثم همس:
أنا ما فيش بنت تقدر تقرب مني، ممنوع اللمس. مش قادرة أصدق بجد، اللي أعرفه إن معظم الرجالة الغنية بتبقى عندها علاقات و. قاطعها يردد: أنا نفسي مش حلوة قوي كده، ومش أي واحدة تقدر تقرب من دائرتي. غيرك، انتي مش قربتي لها لأ، إنتي اخترقتيها. كان لازم أفهم وأنفذ. ظهر بريق لامع في عينيه وهو يقترب منها بلهفة مرددًا: وبصراحة. كنت هبقى حمار قوي لو كنت سبتك لغيري.
تابع ملامحها بصمت، رأت الشبق في عينيه، عرفت أنه يريدها، يرغبها الآن. ابتسمت بثقة ثم قالت بتحد وحاجب مرفوع: إيه؟ أييييه؟ وحشتيني يابت؟ نار جوايا وانتي بس اللي ممكن تطفيني. أزاحته بدلال ثم قالت: بس أنا عندي شغل دلوقتي. جذبها بقوة فجلست بحضنه وضمها يردد: شغل إيه دلوقتي؟ بقولك محتاجك، تعالي نروح البيت. تؤ. بلاش لوع بقى، أنا استويت خلاص، عيب كده بقى، اسمعي كلام جوزك وتعالي معايا. بردو لأ.
ضايقته برفضها ودلالها مقابل ضعفه أمامها. لم يفهم ما تفعله لونا، لم يفهم. غادرت برأس مرفوع تبتسم بكبر وقد قررت فرض ضلوع السيطرة، كل شيء سيسير تحت سيطرتها الناعمة وليس هو، انتهى ذلك العهد بلا رجعة. وهو خلفها يشد خصلات شعره من الجنون والشبق الذي تمكن منه. *** كانت غافية على فراشها مستسلمة للنوم ولم تشعر به حين عاد وفتح الباب ينظر عليها مبتسمًا. اقترب من الفراش يخلع عنه نعليه ثم تمدد لجوارها وتدثر معها بنفس الغطاء.
جذبها بهدوء واحتضنها لصدره، آآآه، عالية صدرت عنه متأوهًا يغمض عينيه بتلذذ ودفء سرى بكل أنحاء جسده. مرت سنوات لم ينعم فيها بذلك الحضن. كانت حلاله لكنها حرمت نفسها عليه. لم يشعر بنفسه ولا بذراعه التي زادت ضمها بقوة، اعتصرها فيها بين ذراعيه وجسده، قوة آلمتها فأيقظتها من ثباتها. انتفضت تنظر له برعب وسألت مهاجمة: انت بتعمل إيه هنا؟ لم يبالِ باعتراضها بل حاول ضمها من جديد وصرح: بعمل إيه؟ نايم في أوضتي على سريري جنب مراتي.
قوم من هنااا، قوم يا عزام. مش هقوم. كفاية كده بقى وانتي لازم تسمعيني، لازم تديني فرصة، أنا عملت إيه لكل ده؟ مالكش عندي فرص وأنا غلطانة إني لحد دلوقتي ما اتطلقتش منك. ارجع بس مصر وأنا والله لاعمل توكيل للمحامي وأخليه يخلعني منك. طلبتيها ونولتيها يا نسرين، رجلك مش هتخطي مصر تاني. فزعت من تصريحه وهي وحدها هنا وحيدة، فصرخت فيه: انت إيه؟ معمول من إيه؟ انت إيه مش بني آدم زينا؟
لا بني آدم. بني آدم يا نسرين وبحبك. اديني فرصة. فاتت سنين كتيرة ما يبقاش قلبك أسود. ما يبقاش قلبك أسود؟ ببساطة كده؟ تفضل تاعبني نفسيًا ويجيلي تعب في عضمي من كتر حالتي النفسية اللي زي الزفت ومن كتر ما بحط في نفسي وأول ما أتعب تروح تتجوز عليا؟ قولي لو انت مكاني هتعمل إيه؟ انتي اللي مش عايزة تسمعي، أنا لساني داب وأنا بقولك جوازي من جيلان مصلحة. والله؟
رايح تتجوز تاني يوم ما مراتك تعبت والدكتور بلغك حالتها وتتجوز عيلة أصغر منك ومنها بعشرين سنة وتيجي تقولي جواز مصلحة؟ أنا اتقهرت، قلبي اتفتت وعيشت الظلم على إيدك. أنا مش بس محرمة نفسي عليك في الدنيا، لا أنا خصيمتك يوم القيامة يا عزام ولو الذنب الوحيد اللي بينك وبين الجنة ذنبي فإنا مش مسامحاك. اتسعت عيناه وهو يسمع تصريحاتها الأخيرة وصراخها بأن يتركها وشأنها الآن.
ظلت تصرخ وتصرخ بهياج ولولا ذلك لما تحرك، فهو على أعلى درجة من التجبر والبرود، وحده صراخها وهياجها يعلم أن حالتها النفسية مهمة جدًا لأجل عمليتها القادمة. ظلت تصرخ وتصرخ بانفعال وانهيار نفسي لم يره مسبقًا دفعه لأن يستدعي ممرضتها ويطلب منها أن تحقنها بمهدئ يضبط ضغطها. لكنها كانت لا تزال تصرخ: أخرج. امشي من قدامي. امشي من هنا. رفع يديه علامة استسلام وقال: حاضر. حاضر بس أهدي وسيبها تديكِ الدوا. امشي من قدامي. امشي.
زم شفتيه بضيق وقلة حيلة ثم تحرك مغادرًا، واقتربت الممرضة منها فقالت: Call my son, Maher, in Egypt. Call him and he will give you a million dollar. اللمعت عينا الممرضة وقررت المجازفة، دونت مفتاح مصر الدولي ومن بعده رقم ماهر الذي تحفظه نسرين عن ظهر قلب وبدأت الاتصال. *** ضرب بكلام ماهر عرض الحائط، فهو يكاد يجن جنونه عليها وتلك الجحشة لا تفهم ولا تبالي.
مختفية منذ الصباح رغم أنه عسكر لها في البيت وبات لا شغلة له غيرها، لكنها مختفية. وكلما أصبحت أمامه تطير مثل الزئبق. بحث عنها في كل مكان، حرفيًا بكل مكان إلى أن توقف متذكرًا. آآآه معدتها. عليه أن يسير خلف معدتها إن أراد البحث عنها. دلف للمطبخ على الفور وبالفعل وجدها تضع قطع المارشميلو على النسكافيه الساخن. (يا مزاجك) قالها بغل وهو يعصر قبضة يده.
هي هنا تتمزج بكوب ساخن يكيفها وهو يحترق لأجلها، فذهب العقل والصبر والتعقل معًا أدراج الرياح واقترب يقبض على ذراعها فصرخت: آآه. سيب إيدي يا كمال في إيه؟ في إيه؟ صحيح ماللي عنده دم أحسن من اللي عنده عزبة. رمشت مفكرة: وأنا عندي إيه فيهم؟ لا ده ولا ده. هزمت شفتيها: ليه كده حرام عليك؟ حرمت عليكي عيشتك؟ أنا جوايا نار بتحرقني وماسك نفسي وانتي ولا على بالك وقاعدة تدلعي نفسك، لأ وصاحبة مزاج قوي. تنهدت بضيق: عايز إيه يا كمال؟
من الآخر. أتي من الآخر، هو ليس بصبور مطلقًا فقال: عايزك انتي، عايز نبقى عرسان بجد، بلاش. عايز آخدك ونطلع شهر عسل نلف الدنيا، نعوم في البحر سوا بالنهار ونقضيها سهر ومليطة بالليل. لاحظ لمعة عينيها وقد جرى رمقها على أشياء لم تجربها فانتهز الفرصة واقترب يردد: طب بذمتك مش نفسك تجربي. هاآه. مارس هواية الزن على الأذن، ودون دراية منها اقترب يحاوطها بحميمية شديدة، يداه تعتقل خصرها وجسمها كله مسنود على جزعه الضخم.
ما إن حضنها حتى أغمض عينيه كأنها هديته وأخيرًا نالها، طفلة عنيدة أتعبته وأرهقته. قربها منه بقوة أكبر ثم بدأ يهمس في أذنها وقد اشتغل معه مفعول الخبرة في مهادنة الناس: هعاملك كأنك طفلتي. البيبي بتاعي وفي السرير كأنك أجمل ست في الدنيا، جربي مش هتندمي. نجح في سحرها، كمال بالأساس كان حنون ومقرب منها ولديه سطوة عليها، أغمضت عينيها معه تتخيل، وليته صمت لكنه كان يتمادى ليذكرها: جربي. معقول نسيتي إنك أقرب حد ليا في البيت هنا؟
نسيتي كمال. آه كمال الخبير. دقت تلك الكلمات بعقلها وجعلتها تفتح عينيها بصدمة على هيئتها بحضنه وذوبانها التام. ليته لم يكمل ولم يذكرها بخبراته ومغامراته، لن تصبح حكايته الجديدة. لن تصبح. شعر أنه أخطأ في أمر ما ذكره. فتحها لعيناها هكذا فجأة نبه علاوة على ابتعادها عنه بعدما نجح في إذابتها بأحضانه وبدأ يبحث عن الخطأ فسأل: مالك يا روحي؟ في إيه؟ في إنك وحش قوي، وحش من جوا قوي يا كمال. جاي تضحك على عقلي؟
بتستغل خبرتك وصغر سني عشان تسيطر على تفكيري وتلعب بيا؟ أنا يا جنا. أيوه انت. انت كمال اللي كان بيحكي لي عن البنات اللي عرفها من كل بلد راحها وإزاي كنت بتخلع منهم، بنات انت نفسك من كترهم هتلاقيك ناسي ملامحهم مش بس أساميهم. إيه؟ عايز تقنعني إنك فجأة بقيت شايفني وعايزني أنا؟ إزاي طيب مانت طول عمرك بتعاملني إني أختك الصغيرة؟ فجأة كده من بعد الوصية هبقى مراتك وبنتك وننيني نييني نييني ني؟
انت حقير لدرجة إنك جاي تاخدني باكيدج. وصية وتجربة جديدة وفلوس واهو تبقى اتجوزت مصرية عشان جواز الأجانب بيلسوع. مش كده. مش أنا جنا اللي من يومين تلاتة بس قلت لي مش هينفع بعد كل مغامراتي دي أدخل عيش الزوجية بعيلة زيك. اتسعت عيناه من تدافع تصريحاتها فهتفت محذرة: أنا مش بنسى يا كمال وفاكرة كل كلمة. قالتها وغادرت بغضب شديد تتجه نحو غرفتها تغلقها عليها وقد تركت المشروب الذي نظر لها فيه. ***
دلف بخطى غاضبة للنادي الرياضي ومنه اسطبل الخيل يبحث عن غريمه بغضب شديد إلى أن وجده. استعرت في عينيه النيران وهو يراه يساعدها في ركوب الخيل، يتلمس خصرها ثم يعدل قدميها على السرج. نار متقدة اشتعلت بداخله خصوصًا وهو يرى جميلة الثقيلة الراكضة تختلس النظرات له. لا لا والأخر لا يبالي. لا ينظر لها كأنه غاضب منها مثلًا.
أما عند جميلة فقد سرت رجفة كبيرة هزت بدنها ما إن لمسها وهو يساعدها، ابتسمت بشعور لذيذ وهي تراه يعدل قدمها على السرج ثم انتبهت منتفضة على أمره: افردي رجلك جوه السرج. ما أهو. قالتها بخوف ورهبة منه. ذلك اللعين كان عليه حضور مهيب. تبا له ولجميع الرجال. اقترب منها بغضب وأوقف الحصان من لجامه وقال منبهًا: لا مش مفرود كويس ودي مش أول مرة، أنا أخذت بالي إنك بتعملي كده دايماً وده ممكن في مرة يوقعك وقعه ما تقوميش منها.
ابتسمت بهدوء وهي تستشعر بريق خوف واهتمام منه بل ومراقبة أيضًا. هممم لئيم لا يظهر. ارتبك من نظراتها وتحرك يساعد فتاة أخرى، ظلت تتحرك بالخيل بهدوء وقد انتابها الحزن وهي تراه يعاملها مثل بقية الأعضاء بلا تمييز كأنه مجبر عليها. نكست رأسها بحزن اكتنفها وفجأة شعرت بيده اقتربت من العدم وعدلت من وضع قدمها على السرج كأنها طفلة تمامًا وهو عينه عليها مهما تصنع التغافل. فانشق صدرها من الفرحة والسعادة لكن على من؟ أخذت خبرة.
غلفت وجهها ببرود تام وتقدمت بالحصان تتحرك بخفة. وهو تحرك كي يبدل ثيابه ثم يعود لها كله قلق عليها يراها مستهترة وتلك الحركة مخيفة وقد أصابت الكثير. في طريقه لتغيير ثيابه الغارقة في العرق أوقفته يد غليظة ما كان بحاجة ليعرف هوية صاحبها. التف بصمت ينظر له: أمر. تاخد كام وتخلع؟ مالك؟ ماشي. هعيدها تاني. تاخد كام خلو رجل وتخلع. أنا شايف إنك تخلع انت من هنا بدل ما أحزنك على شبابك. تحزن مين ياض ده أنا أرجل من بلدك.
انت بتقول إيه ياض يابن ال. بدأ الاشتباك بالأيدي واقترب العم منصور يفصل بينهما بصعوبة إلى أن فلح وتحرك رشيد مغادرًا بغضب يتتبعه صوت شهاب الغاضب بوعيده: لو رجلك خطت هنا تاني هكسرها لك. *** دلف لغرفتها يدق الباب بتهذيب جديد عليه، أذنت للطارق بالدخول، فتح الباب وطل من بأدب ثم همس: ممكن أدخل؟ رفعت عيناها له مستغربة ثم قالت: من إمتى الأدب ده؟ اتفضل. دلف باحترام ثم جلس أمامها يقول:
أنا على اتفاقي مع ماهر، بس كنت عايز أقولك حاجة. مش مهم. أي حاجة هتقولها مش مهم. حتى لو قلت لك إن الكلام اللي قولته قبل كده قولته بس عشان أغظك؟ حتى لو قلت لك إني عيني عليكي من ساعة ما رجعت بس ما كنتش عارف أجيبها منين ولا إزاي؟ نظرت له بطرف عينها فقال: طب فاكرة يوم عزومتنا في بيت صلاح أبو العينين، لما أبوكي كان عايز ياخدك في عربيته وكان بيزعق لك عشان الفستان؟
مين أخدك معاه وكان شايفك زي القمر وكنت عمال بحاول أضحك فيكي وأنسيكي اللي اتقال؟ مش أنا؟ أنا فاكر لحد دلوقتي إزاي يومها كنت هتجنن، وما كنتش عايزك تطلعي تغيري الفستان، كان جوايا إحساس إني مش عايز جمالك يبان لحد. فاكرة؟ سرت الفرحة بداخله وهو يرى بداية لين ملامحها دليل على تأثرها بكلماته فابتسم ليقترب منها مرددًا:
دي مش أول ولا آخر ذكرى، في غيرهم كتير وكلهم قريب، فاكرة لما خرجتي من أوضتك بالفستان البمبي اللي كان مفتوح، أنا يومها ما غمضليش جفن، كنت بتقلب في السرير كأني بتقلب على نار. اهتزت نظراتها من كلماته لكن ما زال الشك وعدم الثقة خصوصًا مع تاريخه المشرف. وقف من مكانه يكتفي بتلك الأهداف لليوم مقرراً مواصلة إحرازها لحتي يصل في اليوم الذي يحصل فيه على الكأس. على جنا. ابتعد لحد الباب وقال قبلما يخرج:
خدي وقتك. هتلاقيني مستني إشارة منك. خرج من عندها وتركها تائهة، هزت رأسها بجنون، كلامه سحرها، احتضنت نفسها في الفراش وهي تهذي: خدي وقتك هتلاقيني مستني إشارة منك، ده خبرة خبرة. شوف الواد بيتكلم إزاي؟ ومش عايزني أخاف منه؟ ده قلقني أكتر! *** جلس على الأريكة في غرفته التي كانت تجمعه معها قبلما تغادر وتتركه.
مغمض عينيه بتعب وهم محاوطه من كل الجهات، دق الباب بخفوت فجعد ما بين حاجبيه إلى أن تذكر أنه قد طلب مشروبًا ساخنًا من الخادمة. أسبل جفنيه بتعب ومدد ذراعيه على مساند الأريكة وقدميه أمامه يرتخي بشموخ لكنه مجهد، أمرها بهدوء أن تدخل ففتح الباب ليقول: شكرًا. اتفضلي انتي. لكنها لم تتفضل بل اقتربت منه ووضعت قبلة ساخنة على عنقه مصته ثم بدأت تنزل لباقي نحره ففتح عينيه بصدمة ولم يصدق ما يراه وهمس: لونا؟
رفعت وجهها، ابتسمت له وجهها مشع وبعينيها نظرة لمعت فيها القوة والتحدي والسيطرة، عضت على شفتيها بإغواء. اتسعت عيناه بإثارة، لا يصدق، ليس فقط من تواجدها هنا ولا من فعلتها بل كذلك من ما يراه، فهو وكأنه يرى لونا جديدة. هزت رأسها إيجابًا وفككت عقدة شعرهَا فانساب عليها وعليه في موجات مسترسلة واقتربت من جديد تدفن رأسها بعنقه تغرقه بشعرها وعطرها تقبل رقبته وتعضها.
جذب خصلات شعرها بقبضة واحدة، أبعدها عن عنقه بصعوبة وهو يلهث من شدة تأثره بها وهي وجهها محمر وسألها بأنفاس متلاحقة: بتعملي إيه يا مجنونة؟ همست ببراءة وبساطة: جيت لك بنفسي، عشان وحشتني. جيت بمزاجي. اتسعت عيناه مصدومًا من تصريحها. همس وقد قبض على كل خصلات شعرها: رجعتي؟ هزت رأسها إيجابًا مبتسمة فسأل: متأكدة؟
لم تجب بل وضعت قبلة خفيفة على شفتيه ثم ابتعدت لتجيبه لكنه لم يعطيها الفرصة، فهو أشبه بأسد حبيس جائع لأسابيع وقد فتحوا له القفص على فريسته أخيرًا، فانقض عليها يريها ويخبرها ما فعلته بأسد مثله مشتعل لكنه لا يرغب بأنثى ولا يقترب من غيرها. *** بخطوات تحمل معها النصر دلف لقصر خاله ومن ثم اقتحم غرفة مكتبه دون استئذان. وقف صلاح يردد بغضب: انت اتجننت خلاص يا صلاح، إزاي تدخل عليا بالطريقة دي؟ وقف أمامه بصدر منفوخ وجسم مشدود:
جاي أنجدك، الحق كارثة من قبل ما تحصل. نعم؟ أخرج هاتفه المحمول وفتحه ثم ضغط على أحد الأيقونات ليصدح صوته يحدث أحدهم: تاخد كام وتسيبها؟ نعم؟ مش هنمثل على بعض، أنا عارف وانت عارف إنها بالنسبة لك سبوبة، صفقة، بت غنية ومن عيلة وعايز تغرف من اللقمة دي، فتعالى نقصر على بعض المسافات والحروب وقولي تاخد كام خلو رجل فيها وتخلع. حلو يا باشا جبت من الآخر وأنا أعز اللي يجيب من الآخر، ٣ مليون دولار. كتير.
شوف يا باشا ثروة أبوها لوحده كام. اتنين ونص من أبو آخر. قولت إيه؟ اتنين ونص ماشي مش هفاصلك الي ييجي منك كله حلو. اتفقنا؟ اتفقنا. أغلق الهاتف بأعين لامعة وهو يرى ملامح الصدمة على وجه خاله الذي ارتمى على كرسيه من خلفه بانهزام وودد بشماتة حقيقية: مش ده البيه عريس الهنا شهاب؟ أنا مش مصدق وداني! قالها صلاح بتيه يصيب بالشفقة ليقول رشيد:
أدي حقيقته القذرة بيفاصل في جميلة ست البنات زي الطماطم، لا وبعد الفضيحة كمان. واطي بجد. بس ولا يهمك يا خالي، من بكرة هكتب على جميلة وأخدها وأسافر. ابتسم بحبور وهو يرى علامات الحزن والانكسار على وجه خاله ترحيبًا بإعلان انتصاره بحبيبته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!