جحظت عيناه وانحبست أنفاسه وهو يطالع أسوأ كوابيسه تتحقق أمامه. لونا تعرف رجلًا آخر. ضرب الدم في عروقه وتداعى المنطق سريعًا. رجل شرقي تخونه زوجته، ماذا تنتظر؟ صدح صوته الغاضب: -لووووناااااااا. كان قد هب من فراشه وهو يتحرك أساسًا، وفتح عليها باب الحمام فسقط قلبها رعبًا. جذبها من الملاءة التي تستر بها جسدها العاري، وقد برد جسمها من انسياب الدم منه وهي ترى هيئته تلك.
قبض على الملاءة من حول عنقها يهزها وهو يكاد يخنقها، ويشهر هاتفها أمام عينيها مرددًا: -إيه ده... إيه ده؟ بتخونيني... بتخونيني أنا... ده أنا هموتك. سيطر الرعب على جسدها وكادت أن تنهار. هو لم يعطِ مجالًا لسقوطها وسحبها يجرها يخرج بها للغرفة ويلقيها على الفراش بقسوة مرددًا: -بتخونيني أنا... حاولت التقاط أنفاسها، تجاهد كي تسيطر على أعصابها وتتحدث. فخرج صوتها مرتعشًا متحشرجًا: -اسمعني أنا. أشهر يده كأنه سيضربها صارخًا بغل:
-اخرسي، ماسمعش صوتك. أنا شايف الرسايل بعيني واضحة زي الشمس. كنتي معاه وأنا مختوم على قفايا. بيقولك وحشتيني. هدر ناطقًا الأخيرة بجنون ونيران الغيرة تنهش لحمه. مال بجسده ودنا منها يمسكها بيديه يصرخ فيها بغل: -بيقولك وحشتيني وبيتغزل في شكلك وجسمك. -بس اسمعني أنا والله... -اخرسي، هتقولي إيه يبرر عملتك؟ أنا؟ أنا تعملي معايا كده؟ ده أنا اللي لميتك من الشوارع. اتسعت عيناها من صدمتها فيما بدأ يتفوه به، تسمعه وهو يكمل عليها:
-بعد فضايحك وسيرتك اللي على كل لسان... بس هستنى إيه من واحدة وسخة زيك. لم تستطع، لن تنبطح أزيد. بدأت تقف من مكانها بأعين جامدة واعتدلت قليلًا فوق الفراش تردد بحسم: -أنا فعلًا وسخة زي ما أنت بتقول عليا، أنت ما بتكذبش. شاطر، براڤو عليك قدرت تثبت إني وسخة. أنا عرفت بيني وبين نفسي إني وسخة عشان نمت مع راجل في الحرام. أنت صح وعرفت تثبت ده عليا. أنا كده فعلًا وأنت مالكش عندي حاجة.
حديثها كان صادمًا، صافعًا له جعله يحتد أزيد واقترب يود خنقها وهو يردد: -ماليش عند مين ياروح أمك؟ أنتي مراتي؟ صرخت فيه طالما أنه متبجح: -مرات مين؟ جوازة إيه دي اللي ماحدش عارفها والعروسة مش موافقة ولا أنت اخترعت دين جديد؟ اتسعت عيناه وهو يراها بدأت تقف على قدميها أمامه تصرخ بغل: -تقدر تروح دلوقتي تقوله هو وأهله إني مراتك؟ تقدر تطلع برا حيطان الأوضة دي وتقول؟ فاكرك هو طارق وبس؟ كل موظفين شركتك بيعاكسوني...
تقدر تواجههم وتقولهم دي مراتي؟ وجاي تزعق فيا وكمان بتتهمني؟ بدأت تضربه في صدره صارخة: -اتجوزت ليه واحدة شمال كده؟ ما تطلقني وترتاح لو كنت شمال. عصبته لأقصى درجة فقبض على شعرها يردد: -لا، ماهو أنتِ فعلًا شمال ولا لسه عندك شك. تجزم أنها استمعت لصوت تحطم قلبها أشلاء، تنظر له بأعين دامعة: -يبقى تطلقني... طلقني لو كنت راجل. استفزته لأقصى درجة فهتف بحدة: -أطلقك عشان تعرفي تدوري على حل شعرك مش كده؟ قسى قلبه كالحجارة يردد:
-أوعي يابت تكوني صدقتي إني بحبك. بهتت ملامحها، فقد سلمته جسدها وعذريتها حين أخبرها بمنتهى العشق والوله أنه يحبها. إقراره بحبها كان سلوتها الوحيدة. فردت بخوف مترقبة: -آه، أنت قولت لي كده. قال ضاحكًا يطعنها، ربما ثأر لكرامته وعشقه: -ده كلام كل الرجالة بتقوله للستات الرخيصة عشان تنام معاهم. دارت بها الدنيا وهمست: -إيه؟
حتى الشيء الذي صبرها على تصرفاته ونهشه جسدها وأخذه شرفها اتضح أنه مجرد خدعة. شعر ببعض النشوة وهو يرى انهزامها، فأسرف بتهور يكمل عليها: -زي ما سمعتي كده، لا تكوني مفكرة إني ميت فكيي... أنتي جسم حلو عجبني ودخل دماغي مش أكتر وهتفضلي كده لحد ما أزهق منك وأرميكي. ما أخليش على ذمتي واحدة زيك كتير، عشان كده أنتِ في الضلمة وجميلة في النور. اللي زيك أصلًا هيفضل طول عمره في الضلمة. ابتعد عنها خطوة بظهره يشعر بالنصر، لا يرى
سوى كرامة زوج مهدرة ليكمل: -هتفضلي هنا في السر... شغلتك تبسطيني في السرير وبس لحد ما أزهق وأقرر هرميكي أمتى. وبالنسبة للوسخ التاني ده فإنا هتصرف معاه وراجعلك. دنا منها يهمس بنبرة مرعبة: -أيامك الجاية معايا كلها رعب. صمت لثانية ثم أكد مشددًا يناديها بلقبها الرسمي: -يا وسخة. قالها ثم تحرك يلتف كي يفتح الباب، لكن أوقفه صوتها: -براڤو عليك، أنت كسبت... عرفت تكسرني يا ماهر.
تخشب جسده لثوانٍ، لكن لم يأخذ ويعطي ولم يفكر في مدى وتداعيات ما حدث، إنما خرج مغادرًا يتصل بطارق. *** دلف بخطوات واسعة غاضبة لمقر عمل طارق، يقتحم عليه غرفة مكتبه. اختلط صوته العالي مع صوت سكرتيرة طارق التي تحاول منعه من الدخول دون إذن، وهو مصمم، ليقف طارق منتبهًا ومستغربًا يسأل: -فيه إيه... لم يتمكن من إكمال كلمته فقد اندفع ماهر بغيره حامية يقبض على عنقه مرددًا من بين أنفاسه: -موتك على إيدي النهاردة.
صرخت السكرتيرة برعب وهي ترى أحدهم مقبلًا على قتل مديرها. نفض طارق يد ماهر بقوة مخيفة وصرخ فيه: -أنت اتجننت يا ماهر؟ جاي تتهجم عليا؟ -وأشرب من دمك. احمرت عينا طارق وصرخ في سكرتيرته: -اطلعي براااا. خرجت تنفذ أمره ليهدر طارق: -ده أنت جرى لمخك حاجة بقااا. قبض ماهر على تلابيبه من جديد، تعميه غيرته وهو يردد: -أنا هعرفك إزاي تبص لحاجة مش بتاعتك... بتعازل مراتي يا ابن الكلب. تجعدت ملامح طارق من التخبط وعدم الفهم. زوجه من؟
وهل ماهر متزوج من الأساس؟ فسأل: -مرات مين؟ أنت شكلك شارب ولا رافع حاجة وجاي تغيب هنا؟ هزه ماهر وهو يقبض على تلابيبه ويهتف من بين أسنانه: -لووناااا. تجمدت ملامح طارق وتوقف عقله عن العمل أو الاستيعاب، وهمس: -لونا مين؟ ناوله ماهر لكمة في وجهه يردد: -هتستعبط عليا ياروح أمك.
تلقى طارق اللكمة ولم يفكر في ردها حاليًا، فقد صدمه تصريح ماهر ووقف يحتاج وقت كي يستوعبه فقط، وماهر يصرخ فيه ويسبه بأقذر الألفاظ وهو يروح ويجيء مع يده يتسوعب فقط ليفوق على صراخ ماهر فيه: -قسمًا بالله لو قربت منها تاني لادفنك حي، ولا هعمل اعتبار لأهلك ولا أهلي ولا أي حد... سامع.
ثم ناوله لكمة أشد وأقوى، تلقاها طارق بلا مقاومة ليسقط أرضًا. يرى ماهر يقلب له مكتبه بعنف وغضب، وكنوع من زيادة الإهانة، التف كي يغادر بغضب عاصف، لكنه توقف والتف يقول مهددًا: -لو شفتك قريب من مكان هي فيه ولا اسمها جه على لسانك، أنت مش عارف أنا هعمل إيه. وهي بقا ليها حساب تاني معايا، أنا هعرف أربيها كويس.
ثم غادر يهز الأرض من شدة غضبه وغليانه، تاركًا طارق خلفه ما زال ملقى على الأرض بلا محاولة لرد الفعل حاليًا. هو فقط يحاول أن يفهم ويستوعب متى وكيف؟ ما هو الذي أقدم على خطبة ابنة عمه متزوج أساسًا ومن من؟ لونا؟ هو يعرفها وقابلها مرارًا، لم يظهر عليها ولا عليه؟ سحب نفسًا عميقًا وحاول الوقوف على قدميه بجسده الضخم المهيب، يعدل بيده مكتبه المقلوب أرضًا، متنازلًا مؤقتًا عن سب وإهانة ماهر، يعطي لنفسه الوقت للاستيعاب.
جلس بهدوء على الكرسي يضع يده على الكدمة التي خلفتها لكمة ماهر، يضغط عليها متأوهًا، وهو يسأل نفسه: ماهر متزوج؟ ومتزوج لونا؟ كيف؟ وماذا عن جميلة؟ ولما خطبها مادام متزوج؟ لمعت عيناه، يرجح أن بالقصة قصة، وعليه معرفتها. هو لن يمرر ما فعله ماهر سهلاً. ***
منذ غادر ماهر وهي جالسة تفكر برعب في القادم. لا أمل ولا سلوى. قالها صريحة، هو لم يحبها، يراها جسدًا به متعته وأيامها القادمة معه كلها تعنيف وأذى. وهي ما عادت تتحمل، والله ما عادت. بعد أفعاله ما عادت تشعر بالعار تجاه فعلتها. هي مرحبة بكونها خائنة وبلا خلق، ترى ماهر يستحق الكره ويستحق الخيانة. ولقد ضحك عليها وسلبها كل شيء، حتى أنه سلبها اعتقادها أنها شريفة وعفيفة.
قلبها يخفق برعب وجنون، لقد أخبرها صراحة أيامها القادمة مرار أسود، تعلم لن تتحمل. أغمضت عينيها تبكي وهي تدرك المرار الأصعب بأنها لن تجد من ينجدها من يدي ماهر. للمرة العاشرة حاولت مهاتفة سما أو حتى مستشارتها النفسية، لكن ما من مجيب. هزت رأسها بجنون وهي تشعر بمرور الوقت. لن تجلس تتركه يعذبها ويسبها ثم يأتيها يتمتع بها يلبي رغباته، لن تستمر وما عاد له حجة عندها.
وقفت تلتقط أشياءها وتأخذ على ملابسها وشاحًا طويلًا يسترها، ثم وقفت لتخرج سريعًا من غرفتها، تنظر يمينًا ويسارًا متلفته تتطلع إن كان هناك من يراها. نجحت في نزول السلم وإجتياز البوابة الكبيرة للبيت حتى وصلت للحديقة. سارت بخفقات متعالية، مرتبعة، تحمل هم حارسي البوابة الرئيسية، لكنهم لم يعترضونها، بل فتحوا الباب لتخرج بسلاسة. وكادت أن تعبر البوابة لولا صوت أحدهم: -آنسة لونا. وقفت متخشبة برعب، هل ترك لهم خبر بمنعها؟
بلعت رمقها والتفت ببطء له ليقول: -الوقت متأخر قوي، لو ليكي مشوار برا، حد فينا ممكن يقضيهولك. بللت طرف لسانها وردت بخوف وقلق: -لا، لا، ده... ده فيه واحدة صاحبتي مستنياني بعربيتها. زم الحارس شفتيه ولم يكن من صلاحياته سوى أن يتركها وراحتها. ومع صمته وزمه العاجز لشفتيه انبسطت ملامحها واستطاعت أخذ أنفاسها.
لتخرج من البوابة على قدميها تسير بتروٍ عادي. وما إن ابتعدت قليلًا عن البيت بدأت تتسع خطواتها إلى أن تحولت للركض. تحاول الخروج والوصول للطريق العام. قررت الهرب إلى حيث تأخذها قدماها بلاد الله لخلق الله، بالتأكيد ستجد عملًا حتى لو عاملة في أي مكان، أفضل من تحولها لعاهرة في فراش ماهر. *** كان يقود سيارته بغضب والغل ما زال يقتله، عائدًا إليها ليربيها.
يقسم أن يجعلها تسير على الصراط المستقيم. هي لم تعرف ماهر بعد، لم ترَ سوى حبه ولهفته، وهو سيرى. لن يحرمها من رؤية قلبه الجميلة. اندفع بسيارته كي يدلف من البوابة، لكن أوقفه الحارس وهو يفتح له البوابة مناديًا بقوة: -ماهر بيه. توقف مترقبًا، فماذا سيريد منه الحارس الآن؟ بالتأكيد أمر مهم، لذا توقف بوجل وانتظره حتى تقدم منه يردد: -حصل حاجة من شوية، قولت أبلغ حضرتك عشان عارف تعليماتك بخصوص آنسة جميلة وآنسة لونا.
-قول بسرعة، فيه إيه؟ -من شوية آنسة لونا جت وخرجت من البوابة، ولما قولت لها إن... لم يتركه يكمل وصرخ فيه: -خرجت من فين؟ -خرجت من دقايق، ولما عرضت عليها المساعدة رفضت وقالت فيه واحدة صاحبتها مستنياها. لف عجلة القيادة وعيناه وملامحه يطير منها الإجرام. هربت... تزيد خطأها وتضاعفه... لن يرحمها... يقسم ألا يفعل. نادى الحارس يسأله: -مشيت من أنهي اتجاه؟ -من هنا ياباشا.
قاد سيارته بسرعة مضاعفة، أكثر جنونًا، ولم يكَد ينهي الطريق للشارع الرئيسي حتى وجدها تركض مهرولة، أنفاسها متلاحقة وقد ثقلت ركبها، ما عادت تحملها من كثرة الجري. صك أسنانه واهتز فكه بإجرام مقبلًا على سحقها. كانت تجري وتجري، أنفاسها متلاحقة والخوف بقلبها. شعرت باقتراب سيارة منها، نظرت خلفها لتشقه برعب وهي تراه، فحاولت مضاعفة سرعة قدميها وقد حسها رعبها على المزيد. هل هو خلفها؟ خلفها؟ قدرها؟ ألن تتمكن من التخلص منه؟
جن بزيادة وهو يراها تزيد من سرعتها للهرب بعدما رأته، فلف وشد فرامل اليد بعنف، يوقف السيارة أمامها مما... وقفت متيبسة برعب. حان موعد قتلها. سيقتلها، هي تعلم. خرج من سيارته بملامح قاتل متسلسل واقترب يقبض عليها مرددًا: -بتهربي مني يا وسخة... ده أنتي وقعتك معايا سودة... أنا هوريكي. نظرت حولها لعلها تجد من تصرخ فيه فينجدها، لكن لم تجد سوى الهواء.
هو لم ينتظر، بل زجها يلقيها في السيارة غير عابئ أو مهتم بصراخها، والتف يقود السيارة للعودة للبيت. وطوال الطريق كان يقود بطريقة مرعبة. وصل بها، يدخل للبيت ويفتح السيارة، ثم قبض بيده على لحم ذراعها لتصرخ فيه بقلة حيلة: -سيبني بقا، سيبني. -أسيبك... ده أنتي هتشوفي أيام سودة. كل اللي عملتيه كوم وهربك ده كوم لوحده.
لم تقدر على المكافحة، قررت فضح كل شيء وصرخت. صرخت، صرخت، صرخت لتتسع عيناه وهو يرى تهور أفعالها. قررت جمع البيت كله ليروا ماهر العظيم وأفعاله. -صوووووتك. نطقها من بين أسنانه، لكنها لم تصمت، ستهدم المعبد على رأسها ورأسه. هو كذلك لم يرَ لونا بعد. اجتمع الكل، كمال وجيلان وجنا وفاخر وعزام، الذي هتف: -إيه اللي بيحصل ده؟ فيه إيه؟ صرخت فيه متحدية: -قول له... قول له فيه إيه.
اتسعت عينا الجميع وهم يلاحظون قوة حديثها تهدده، كأنها تتحداه أن ينطق وإلا لن يكن رجلًا. وحده كمال كان يفهم ما يحدث وتقدم يحاول لملمة الموقف: -اهدوا، خلاص. اطلعي على أوضتك يا لونا. -مش طالعة. زادت من تماديها بدلًا من إبداء الندم، فصرخ فيها: -هتطلعي ورجلك فوق رقبتك. -مش طالعة والي عندك اعمله. = هو أنا هفضل كتير أسأل فيه إيه وماحدش بيرد عليا؟ نظر تجاه والده بصمت. آخر ما ينقصه قص ما يجري معه الآن:
-بابا، لو سمحت ماتتدخلش. -ماتدخلش إزاي؟ فهمني البت دي هببت إيه؟ -يووووه... ماحدش له دعوة، ماحدش يتدخل. -اتجننت يا ماهر ولا إيه؟ بتزعق في أبوك؟ ما تدخلش إزاي يعني. -ماحدش له دعوة بينا، مش عايز حد يتدخل. أنا حر في مر... قطم كلمته. وقوف چنا منعه. لا يرغب أبدًا أبدًا في زعزعة صورة الأخ المثالي من عينها. صدامه مع شقيقته الصغيرة هو أبلغ همه. زاد الضغط عليه وهو يراها تحاول الاقتراب وتتكلم متدخلة:
-براحة بس يا ماهر، وسيبها. هي يعني كانت عملت إيه؟ -چنااا. هتف وهو يجاهد ألا يخرج عليها غضبه الجم: -أنا على آخري، بلاش أنتِ بالذات تتدخلي. أنا دمي بيغلي. والتف يجر سبب مصائبه: -تعاااالي... اطلعي... حسابك تقل معايا قوي. سحبها معه يصعد الدرج وهي تصرخ: -آااااه... لا مش عايزة... خلوه يسيبني، أنا عايزة أمشي من هنااا. التف عزام يسألهم: -هو فيه إيه بالظبط؟ رد عليه فاخر: -اسأل البيه ابنك. -أنت عارف حاجة أنا مش عارفها يا فاخر؟
-اسأل ابنك، خليه يقولك، واقعدوا شوفوا حل عشان أنا مش هفضل بحل من وراكم كده كتير. ثم التف مغادرًا، غير عابئ بهم. وصل لغرفته يجرها جراً، دلف بها وألقاها على الفراش بمهانة يردد: -أنا أول ماشوفتك قولت فاجرة... بقا بتهربي؟ ده بدل ما تندمي وتبيني قد إيه ندمانة وتفكري إزاي ترضيني يمكن أوافق وأسامحك... بس هقول إيه، هستنى إيه من واحدة وسخة زيك. ردت عليه الكلمة بكلمة: -وسخة زيك.
لم يتحملها وطاول كفه ضربها. لم تتحمل. ضرب الدم في عروقها ووقفت متهورة تصرخ بضياع عقل، صوتها مهزوز ومشروخ: -أنت بتضربني. رفعت يديها تركل بقدميها تحاول ضربه، تخرج غلها وما زال صوتها المشروخ يهدر: -أنت بتضربني... أنا مش هسكت لك تاني... مش هسكت لك تاني... أنت وسخ وفاجر زيي. ضرباتها كانت حلاوة روح... جمل سرقته سكينة...
تضرب غير مبالية بهل سيقتلها أم لا، فليقتلها لترتاح. لونا لا تنفك عن مفاجئته، تلوش في أي مكان ضاربة تصيب أي مكان بجنون وهيستيريا. هو يضرب ويتفاداها وهي تضرب. هل سمعت يومًا عن غرام الأفاعي؟ لقد وصلوا معًا لأسوأ نقطة قد يصل إليها شخص. لا يصدق... لقد ضرب من فتاة. لونا ضربته بحق، فالضربات الهوجاء من الشخصيات الغشيمة موجعة. أيعقل... ماهر عزام الوراقي ضُرب. زاد غله منها وألقاها على الفراش يردد: -أنتي عايزة تتربي من جديد...
هتفضلي هنا لمزاجي ترضيني. هي دي وظيفتك اللي هسيبك عايشة عشانها. قسمًا بالله لا أوريكي أيام سودة. خرج من عندها وتركها. على من سيكذب؟ ضرباتها تؤلمه وهو يكابر، والألم الأكبر من جرحها له. كاد أن يعبر الطريق للسلم لولا خادمة والدته التي وقفت تقول له: -والدة حضرتك عايزك تروح لها. أغمض عينيه بتعب. آخر ما يود فعله الآن هو مواجهة والدته، يكفيه چنا ونظرتها له. هز رأسه رافضًا وقال: -قولي لها تعبان... هياخد دوا ويجي لك.
جلست على الفراش تبكي بقهر، لا تعلم كيف تتصرف ولا ما القادم. لتتفاجأ بدخول الخادمة تخبرها بحرج: -آنسة لونا. رفعت وجهها الباكي فأكملت الخادمة: -ماهر بيه بي... بيقولك ت... تقدم. هو يود إخبارها بقسوة: -تقومي تغوري من أوضتي واخفي في أوضتك. مش عايز أشوف وشك.
وقفت بتعب تتحاشى النظر لعينيه، لا ترغب في رؤيته وهو يراقبها بمجموعة أحاسيس متداخلة، يراقبها باهتمام وهي تتحرك بتعب وانهزام مغادرة، تنحجب عن عينيه داخل جدران غرفتها. فنظر للخادمة قائلاً: -روحي لأوضة چنا، قولي لها ماهر بيه منبه ما حدش يدخل عند لونا. -حاضر. *** أربعة أيام مرت لم يراها وفيهم ولم يدخل لعندها. وها هو يجلس في عمله منكب على دفتر ممتلئ بأوراق للعمل، لكن صورتها متجلية أمامه وهي تبكي.
أسبل جفنيه بتعب يحاول إخراجها من رأسه والتركيز بعمله، وهو يردد: -اللي يبيعني أبيعه. فتح الباب ودلف والده للداخل، وكاد أن يتحدث، لكن قاطعه ماهر: -بابا، أنا مش عايز أتكلم في موضوع لونا خال... قاطعه عزام بلا مبالاة حقيقة: -لونا مين وزفت إيه؟ ماتهبب اللي تهببه، ياتولع، آخر همي يعني. أنا جايلك عشان أعرفك إننا عازمين خطيبتك وعيلتها يقضوا يوم في شاليه الساحل قبل زحمة الصيف. جهز نفسك. -بس... قاطعه والده: -ما بسش...
مش عايز كلام. كفاية رقدة جدك في المستشفى اللي مخليه كل حاجة تطول وما عملناش حتى خطوبة. أقله نعزمهم يوم، أهو نبقى حتى ردينا العزومة. *** جلس على الكرسي يهز قدميه بغضب شديد لا يمكنه التحكم فيه. فالهانم كانت رافضة القدوم معهم. نعم، بالطبع لرغبتها في الهرب، لكنه لن ينالها الفرصة. زاد غضبه من مجابهتها له، تقابل تجاهله بالتجاهل والغضب. لا تريد حتى رفع عينيها في وجهه.
متواجد في تجمع عائلي كبير والكل يتحدث، جسده معهم وعقله بمنطقه أخرى. ومن حسن حظه أن ذلك الوغد لم يحضر. صوت كعب حذاء استرعى انتباهه ليرفع رأسه. إن الفتنة قادمة عليهم تهل بفستانها الوردي المزهر بورود صغيرة بكامل حلتها وزينها، لتخطف أنفاسه وأنفاس الجميع. يوجد حقائق لا يمكن نكرانها أو تجاهلها، وجمال لونا كان مستفزًا، خصوصًا لوالدة جميلة التي تتابعها عن كثب. وهو قد حاول، لكن لا يقدر على القدرة غير الله.
فهتف فيها من بين أسنانه: -إيه اللي انتي لابساه ده... امشي، اطلعي فوق. لم تجب عليه، وقفت صامتة وهمت بالرحيل. لم تنزل سوى بمحايالات من چنا ولأجلها فقط. لكنها التفت وهو كذلك على صوت والدة جميلة: -مهتم أنت قوي بلونا يا ماهر. ارتبك الحضور وهو كذلك، ليتدخل فاخر: -طبعًا، مش زي أخته. -يمكن... قالتها بصوت يحمل أكثر من معنى، ثم أكملت: -طيب سيبها تقعد معانا زي چنا. رمقته لونا بسخرية، ثم تقدمت تتحداه أن ينطق وجلست.
ليتفاجأ الكل بدخول طارق من الباب مرددًا: -مفاجأة مش كده... ارتعبت لونا وسابت مفاصلها، فيما وقف طارق يطالع ماهر بنظرات ساخرة تحمل لها الكثير من النوايا. واقترب منه يسلم عليه، ثم همس في أذنه: -ما خلصتش لسه يا ماهر... ابتعد عنه ماهر كأنه يواجه نده بالنظرات، يرمق لونا بين لحظة وأخرى بنظرات قاتلة، تراقبها والدة جميلة. لم يتحمل نظرات طارق لها فاقترب منها هامسًا: -اطلعي على أوضتك، ماتخرجيش منها. صوته كان مرعبًا،
فلبت ووقفت مرددة: -عن إذنكم. لكن تحدث طارق: -استني يا لونا. تخشب جسدها وكذلك ماهر، وزاد سوء الأمر نظرة طارق المتحدية لماهر، ثم خرج صوته يحدث عزام: -عزام بيه، أنا ليا طلب عند حضرتك، واتمنى ما تخذلنيش. -آه، طبعًا، قول. ابتسم طارق وبادل النظرات بين ماهر ولونا الواقفة بصدمة، ثم قال:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!