صاح بها بغضب وهو يقذف المزهرية بجانبه لتقع متهشمة على الأرض بقوة. كان حوارهما كله صياح، ولكن بعد جملته صمتت وصمت هو، يأخذان كلاهما نفسهما. كان يلهث من شدة غضبه. وجد أن لا أمل أن تفهم تلك السيدة الغبية طبيعة مرض ابنتها، وبالتأكيد ستتسبب بمقتلها في يوم من الأيام. وجد نفسه لا إرادياً يقول: "أنا عايز أتجوّز ندى! صُدمت نجاة من طلبه للزواج من ندى، فمن ذا الذي يقبل لنفسه بواحدة بها جن، كما تزعم، كابنتها؟
لم تستطع أن تستوعب ما قاله، وظلت ناظرة إليه وفمها مفتوح على مصراعيه من الصدمة. ضغط عليها أكثر بقوله: "أنا جاهز من كل حاجة وهعيشها ملكة! لم تتردد بالتأكيد، فلم تأتها فرصة مثل تلك مرة أخرى نهائياً. قالت بلهفة واضحة: "أنا موافقة! زفر بارتياح لموافقتها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة فرحة. ولكنها سألته باستغراب: "بس إيه اللي يخليك تتجوّز واحدة زي ندى؟ ده إنت مليون بنت تتمناك؟!! "بعشقها! " أجابها بلا تفكير.
فتعجبت نجاة أكثر، وهو أيضاً تعجب، فكيف له أن ينطقها بكل تلك السهولة؟ ألأنها خارجة من قلبه؟!! *** رجع إلى منزله بعد أن قابل أخاها الأكبر الذي صُدم من قراره للزواج من ندى، ولم يلبث أن بدأ بالحديث معه عن التفاصيل. كان يونس يشعر وكأن قلبه سيتوقف من الفرح، فهي ستصبح زوجته بعد أقل من عشرة أيام، ستصبح داخل قلبه رسمياً.
جلس على الكرسي المقابل للشرفة، الذي وضعه لمراقبتها فقط، ناظراً إلى شرفتها علها تقف بها ليراها، وقد تحققت أمنيته. ليجدها تطل عليه كالقمر المضيء، ناظرة له بصفاء عكس راحتها الداخلية. اتسعت ابتسامته لا إرادياً، ونهض عن كرسيه ليقترب من سور الشرفة قائلاً بابتسامة فرحة: "عاملة إيه؟!! ظلت ناظرة له ولم تجبه، فشعر أن بها شيئاً، فقد حدثته من قبل. تحدث ثانية ولم يفقد الأمل وقال بعشق: "أنا بحبك يا ندى!
نظرت له بمفاجأة، وابتسمت، ثم ضحكت، ثم تعالت ضحكاتها وبدأت تقهقه بصوت عالٍ. ضحك قلبه لفرحتها، شعر لوهلة أنه يريد البكاء... سمع صوت، فظن أنه يتخيل، ولكنه وجد شفتيها تتحرك قائلة بسرعة: "هتاخدني بعيد؟!! شعر أن حياته توقفت في هذه اللحظة، كم هي ضحية. فرح لأنه سيبعدها عن هذا التعذيب، لم يقدر على التحمل، وقد أوشك على البكاء حقاً، ولكنه تماسك وقال بحزن لأجلها وبكل صدق: "هخبيكي في قلبي منهم! ***
مرت خمسة أيام ولم يحدث شيء جديد، فقط تصرفاتها الغريبة، ولم تحدثه أيضاً ولا لمرة واحدة. لا يعلم لماذا، ولكنه لاحظ عدائيتها الشديدة هذه الفترة، فأصبحت تصرخ كل ليلة أكثر من ذي قبل، تصرخ وتصرخ حتى تُجرح حنجرتها. الكثير من قطرات الدماء، فأصبحت تجرح نفسها كثيراً، حالتها تسوء ولا يعلم السبب. أنقذها مرتان من الانتحار حتى الآن في الخمس أيام السابقة. أصبح لا ينام تقريباً ليراقبها، فتغلق شرفتها.
تحدث مع أخيها لتقديم الزفاف حتى يستطيع الاعتناء بها، فوافق بعد محاولات عديدة أخيراً. فأصبح الزفاف بعد يومين! *** تم إخطار المقربين بحفل الزفاف، ومن ضمنهم أصدقاؤه الذين صُدموا بهذا القرار، فيونس كان يرفض الزواج بشدة... جاء اليوم الموعود، كان الحفل في إحدى الفيلات المخصصة للإيجار. جلب لها فستاناً راقياً ورقيقاً، فهو لم يشعر للحظة أنها ليست كمثل أي عروس، بل وأحلى من أي عروس أيضاً. عشقها حد النخاع.
نظر إلى هيئته في المرآة وهو يعدل من وضعية قميصه الأبيض وحلته السوداء، كان حقاً غاية في الوسامة كعادته بعينيه الرماديتين. سمع صوت أحد أصدقائه يقول له بتحذير: "يا ابني اسمع الكلام وارجع عن الجوازة دي أحسن! نظر له شزراً بالمرآة وعنفه قائلاً: "ليه إن شاء الله؟ مشيها بطال؟ "لأ بس مجنونة! ابتسم بحب قائلاً: "مفيش سبب يخليني أسيبها غير إن يكون سيرتها وحشة، ودي أنقى بني آدمة على وش الأرض. بعشقها يا حسن، عارف يعني إيه بعشقها؟
مش متخيل غيرها في حياتي، مش عارف أشوف غيرها، مش عارف أحلم غير بيها. ملكت روحي وعقلي وكياني. متكلمتش معايا غير مرتين وقالت جملتين، وكانت أحلى لحظة في عمري كله. مش عايز منها غير إنها تبقى جنبي ومعايا، ومش عايز غير أساعدها. مش حاسس بالشفقة ناحيتها، لأ أنا حاسس بالذنب، حاسس إني غلطان في اللي حصلها، حاسس إني بحبها. احتلتني يا حسن، عارف يعني إيه احتلال؟ أهي دي احتلتني!
عيناه اللامعة بالكلام عنها والهيام والشرود الذي كان يتحدث به، أكثر وأوضح دليل على حبه لها، ولكن خطأ ما يفعله، خطأ، ولكن ما باليد حيلة. رتب حسن على كتف يونس قائلاً بتنهد: "مبروك يا صاحبي! وماذا يقول غير ذلك بعد ما رآه من يونس وما سمعه. ترك حسن غرفة يونس ورحل وهو يشعر بالضيق لأجل رفيقه. ابتسم يونس وهو ينظر إلى نفسه بالمرآة متخيلاً كيف سيكون شكلها بفستانها الأبيض….! ***
لم تجعل شخص يمسها حتى ليضع لها لمسة جمالية، كانت تضربهم وتصرخ بهم لدرجة أن جميع أخصائي التجميل بالغرفة خرجوا خائفين منها، وأمها خرجت هي الأخرى وكأن من بالداخل ليست بابنتها. ارتدت ندى فستانها الأبيض ووقفت أمام المرآة تطالع انعكاس صورتها بشرود. هي لا تفهم ما يحدث الآن، بل لا تستوعبه من الأساس، هي في عالم آخر تماماً. طُرق الباب ودلف ليرى ملاكه، فوجدها واقفة كما هي أمام المرآة بشرود.
خطفَت قلبه بطلتها البسيطة الرقيقة، كم هي رائعة حقاً. شعرها البني الحريري منسدل على ظهرها برقة، عيناها، وآه من عيناها، تلك الصنارة التي أصطادت قلبه وعقله بلا شفقة. رموشها القاتلة كسيوف حادة. كانت حقاً كالملائكة……. اقتربت منه فجأة وارتمت في أحضانه متشبثة به وبقوة. صُدم مما فعلته، لم يتوقع ردة فعلها نهائياً، توقع أي شيء إلا أن تعانقه. عانقها وشدد ضمه لها، يشعر بفرحة عارمة. ظلت متشبثة به وكأنه طوق نجاتها.
ابتعدت عنه رغم انزعاجه بابتعاده، ولكنه لا يستطيع اعتراضها. أمسك بكفها فوجده مليئاً بالندبات والجروح الغائرة القديمة والحديثة. شعر بوخز في قلبه، ورفع كفها إلى فمه وقبلها قبلة حنونة بعمق قائلاً بعشق وكأنها أميرة: "بعشقك! *** نزل معها إلى أسفل، وما أن رأت الحشد بالأسفل حتى اختبأت خلفه بسرعة متشبثةً به بقوة. تفهم خوفها ولم يتحدث، بل ابتسم أيضاً. بدأ الحضور بالتصفيق لهما، فوضعت كفيها على أذنها وظلت تصرخ بقوة.
استدار ليحتضنها بسرعة رغم مقاومتها الشرسة وهو يشير للحضور بالتوقف. ظلت تصرخ وتصرخ والمعازيم ينظرون لهما باستنكار لما يحدث. بدأ الجميع بالهمزات واللمازات والتحدث عن هذه المجنونة، وأصدقاؤه ينظرون إليه بشفقة لحاله….! وجد أن لا يوجد بد من إيقافها وأنها تشعر بالذعر الشديد، فأخذها إلى الداخل متناسياً حفل الزفاف والحضور، تاركاً إياهم ليكملوا سهرتهم ومعهم ما يتحدثون عليه……!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!