كان لم ينم طوال الليل يفكر بها ويفكر فيما يحدث لها. كم هي ضحية مجتمع. فكر في الذهاب إلى أخيها وأن يقص له ما حدث، والذي بالطبع لا يعلم عنه أي شيء. ولكنه تراجع عن الفكرة سريعاً، فأن قال له ما يحدث معها سيسأله من أين علم، وبالتأكيد لن يقول له أنه يراقبها من شرفته. حضر قدح القهوة الخاص به ككل صباح، ثم وقف في الشرفة يطالع غرفتها. وجدها تقف تنظر إليه. توتر قليلاً ولكنه ابتسم لها ابتسامة متسعة جذابة قائلاً
بصوت لا يسمعه سواها: صباح الخير! حاول قدر الإمكان هذه المرة ألا ينساق خلف جمالها الأخاذ. وجدها تبتسم له بشدة، وعيناها أيضاً ردت بها الروح لأول مرة. اتسعت ابتسامته أكثر وشعر بسعادة غامرة تسكن كيانه، فهي ولأول مرة تتجاوب حتى وإن لم تتحدث. شجعها قائلاً بفرحة لم يستطع أن يخفيها: أنا يونس وأنت؟ "ندى! " قالتها فجأة ثم ذهبت إلى فراشها ونظرت إليه. لم يصدق أذنيه، أحقاً تحدثت إليه وقالت له اسمها؟ أحقاً تحدثت؟ لم يصدق ما حدث.
فناداها بلهفة: "استنى أنا عاوز أتكلم معاكي! لم تأتِ ثانية ونظرت له بحماس ليتحدث، ولكنه دخل من الشرفة بسرعة عندما سمع صوت أمها. عندما اختفى من أمامها، ظلت تصرخ بقوة، تصرخ بكل ما أوتيت من قوة. فقالت أمها بتذمر: "مجنونة وكل حاجة تصوت كده؟ ربنا يخدك يا شيخة!
قالت جملتها ورحلت من الغرفة. أما هو فشعر بالحنق الشديد من تلك المرأة، فتلك المرأة لا ترحمها أبداً. بمجرد أن رحلت، ظهر ثانية لها ليكمل حديثه معها، ولكنها فاجأته بتسطحها على الفراش وإعطائه ظهرها فور أن رأته. حاول أن يناديها ولكنها لا تستجيب له نهائياً، وكأنها لا تسمعه. شعر بإحباط شديد، فيبدو أنها قد تضايقت منه لأنه اختفى. تنهد بقوة قائلاً بضيق لأجلها: "يارب! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنهى عمله أخيراً بعد يوم شاق ومتعب. ركب سيارته وكاد يتجه إلى البيت، ولكنه توقف فجأة وغير اتجاهه إلى الجهة المقابلة. وصل إلى وجهته وقرأ المكتوب فوق ذلك المبنى ثم دلف إلى الداخل. وجد الكثير من الأشخاص هناك. بشر عاديون، ولكن ما يفرقهم عن باقي البشر الظروف التي وضعوا بها. جلس معهم وتحاور وسمع من كل منهم، وبعضهم لا يتحدث، فقد فقد النطق، ولكن من يتحدث يخبره بقصته.
نادته الممرضة فدلف إلى غرفة الطبيب. فور أن رآه الطبيب، هب واقفاً واحتضنه بقوة قائلاً بحماس: "وحشتني يلا! بادله يونس العناق قائلاً بابتسامة: "وأنت أكتر! ابتعد عنه وجلس، وجلس الطبيب أمامه قائلاً باهتمام وهو يبتسم: "إيه أخبارك؟ بقالي كتير مشوفتكش؟ "أنا تمام! شعر بخطب ما فيه، فيونس ذا طبيعة مرحة. فسأله باهتمام: "مالك يا يونس؟ في إيه؟ توتر يونس أن يخبره ما قد جاء لأجله، ولكنه
حسم أمره وأجابه بحذر: "بص يا محمد، أنا هحكيلك عن واحدة أعرفها. بص الحقيقة هي جارتي بنوتة حلوة أوى ساكنة قدامي بالظبط بس مش مفهومه. فبما أنك دكتور نفسي فأنا هقولك اللي بيحصل ولازم تساعدني! أنصت له محمد باهتمام: "احكي سامعك! عدل يونس من وضعية نظاراته الطبية وبدأ بقص ما يحدث مع ندى، والآخر يسمعه باهتمام شديد، فمهنته كطبيب نفسي تجعله مهتم بكل حرف يقال عن المريض. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يشعر بالتيه وسط ضوضاء العالم. يفكر فيما قاله محمد عنها وعن حالتها التي قصها له. هي ضحية أم، وضحية مجتمع جاهل متخلف. أسند رأسه على ذراعه اليسرى الذي يسندها على الباب الخاص بالسيارة، وباليد الأخرى يقود. كان تائهاً يفكر، يفكر بها، ماذا يفعل وما الحل لتلك الفتاة؟ كيف يساعدها؟ ماذا يفعل لأجلها؟
تذكر حكايات المرضى بالعيادة، كم كانت مؤلمة. فأحداهن، حبيبها خانها مع صديقتها المقربة فأصيبت بأكتئاب. والآخر، حبيبته لفظت أنفاسها الأخيرة في أحضانه غارقة وسط دمائها عندما انقلبت السيارة بكلاهما بسببه. وأخرى تركها ولدها الوحيد وحيدة وسط جدران منزلها ولم يأت لزيارتها وكأنه لا يعلمها. وأخر يشعر بأنه منبوذ. وطفل يعاني من تنمر أصدقائه عليه بسبب وزنه الزائد. وأخرى لديها مرض السرطان وتشعر باليأس، والكثير والكثير من القصص والحكايات المؤلمة.
وصل أخيراً إلى شارعه، وصف سيارته ثم ترجل منها ناظراً إلى الأعلى حيث شرفتها ليجدها تقف بها وتنظر إليه. ابتسم إليها بحذر حتى لا يلاحظ أحد من أهالي الحي. ألقى التحية على الجالسين على القهوة ثم دلف إلى البناية ليصعد بسرعة إلى شقته ويفتح شرفته ليتحدث معها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صعد سريعاً وكأنه يسابق الزمن، متلهفاً لرؤيتها أمام عينيه والحديث معها ثانيةً. فتح الشرفة ووقف ليجدها تنتظره بالشرفة وعلى وجهها علامات الذعر التي لم يلاحظها عندما نظر إليها وهو بالأسفل. دق قلبه بخوف عليها وسألها بقلق: "مالك؟ فيكي إيه؟
فتحت فاها محاولة إخراج الكلمات من جوفها وهو يحثها على النطق ومترقب بشدة. كانت الكلمات تأبى الخروج من فمها، ولكن ملامحها المذعورة دعته وصرخت به أنه يوجد خطر وشيك. ألتفت بسرعة ليأتي بمفاتيحه ثم هرول خارج منزله متجهاً إليها وقد ألغى عقله تماماً! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصل إلى باب شقتها وهو يلهث ليجد أمامه امرأة بدينة سوداء هيئتها مرعبة بحق تطرق الباب. لم يتردد ولم يحتاج لسؤالها، فبالطبع هي ساحرة أو دجالة كالعادة. تلك السيدة المخبولة ستضيع ابنتها. وقف أمام الباب معارضاً تلك السيدة بجسده من دق الباب مرة أخرى، فنظرت له بغضب قائلة: "جرا إيه ياراجل أنت؟ وسع كده! على صوته وهو يصيح بها بنبرة الرجولية: "غوري من هنا يا ولية أنت! خلاص مش عوزينك! هيئته وصلابته في الحديث جعلتها تهابه،
فنظرت له بغل وقالت بضيق: "أنا جاية لست نجاة! "وأنا بقولك خلاص! إيه مبتفهميش! " صاح بها بقوة جعلتها تتراجع بخوف، ثم أخذت حقيبتها الغريبة ورحلت وهي تغمم بكلمات غير مفهومة مبرطمة. أخذ شهيقاً طويلاً وزفره بهدوء ليهدأ من عصبيته، ثم طرق الباب بهدوء رغم غضبه المشتعل داخله. ففتحت نجاة الباب قائلة بترحاب: "حلت البركة يا أهل... " صمتت عندما رأته أمامه، فأنقلب وجهها وكأنها رأت عفريت قائلة بغلظة: "يادي النيلة! أنت تاني...
عاوز إيه المرادي؟ هتضرب مين؟ حاول التحكم بأعصابه حتى لا يطرق برأسها الباب قائلاً بهدوء: "عاوز أتكلم معاكي! "ليه أن شاءالله؟ زفر بحنق: "أكيد مش هنتكلم على السلم! نظرت له قليلاً ثم أفسحت له المجال ليعبر بتأفف. دلف إلى الشقة وعيناه على غرفتها يتمنى ألا تخرج الآن حتى لا تسمع ما ينتوي أن يقوله لتلك المرأة المخبولة.
جلس على الأريكة وجلست أمامه نجاة تهز قدميها بضيق، فهي لا تحبه نهائياً لأنها تعتقد أن بضربة لهؤلاء الدجاليين سيحل على المنزل لعنتهم. تحدثت بنبرتها قليلة الذوق: "هاا؟ أؤمر! أغضبته لكنتها كثيراً، ولكنه تغاضى عنها قائلاً بهدوء حاول إظهاره وهو يعدل من وضعية نظارته الطبية: "أنا كنت عند الدكتور دلوقتي! خبطت باطن كفها على ظهر كفها الآخر قائلة بتهكم: "لا ألف سلامة! حاول أن يتحكم في غضبه ولكنه
لم يقدر وخرج صوته غاضب: "كفاياكي تريقة وأتكلمي زى البشر! زفر بحنق ثم أكمل: "أنا كنت عند دكتور نفسي وحكتله عن بنتك، ديهه مش ملبوسة زى ما أنت فاكرة، ديه مريضة نفسية ولازم نوديها لدكتور متخصص يعالجها بدل ما يحصلها حاجة أو تعمل في نفسها حاجة! نهضت عن كرسيها كالمسلوع قائلة بصوت عالٍ: "أنت مجنون يا راجل ولا ملبوس أنت التاني؟ مالك أنت ومال بنتي؟ بنتي وأنا حرة فيها، مالك أنت؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! إيه رمي الجتت ده؟
نهض هو الآخر وصرخ بها غاضباً: "أنت مش فاهمه! أنت كده بتضيعي بنتك، هتموتيها بسببك، هتنتحر لازم تفهمي! أشارت بيدها غاضبة وهى تتحدث: "وأنت أيش دخلك؟ بنتي وأنا حرة فيها، أموتها أقتلها أنا حرة! "لا مش حرة! "دي بنتي يعني حرة فيها! "بنتك مش عابدة عندك!
" صاح بها بغضب وهو يقذف المزهرية بجانبه لتقع متهشمة على الأرض بقوة. كان حوارهما كله صياح، ولكن بعد جملته صمتت وصمت هو يأخذان كلاهما نفسهما، كان يلهث من شدة غضبه. وجد أن لا أمل أن تفهم تلك السيدة الغبية طبيعة مرض ابنتها وبالتأكيد ستتسبب بمقتلها في يوم من الأيام. وجد نفسه لا إرادياً يقول: "أنا عاوز أتجوز ندى!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!