داخل أحد القصور العريقة في الصعيد، والتي يهاب الناس المرور من أمامها بسبب تلك العائلة القاسية التي لا تعرف الرحمة مطلقًا. كان يجلس على مقعده الفخم، واضعًا قدمًا فوق الأخرى بجلبابه الصعيدي، وتلك العمامة الموضوعة فوق رأسه بشموخ يماثل مرتديها. ينظر إلى الواقفة أمامه، والتي تحمل نفس ملامح وجهه، ببرود. أمال رأسه قليلاً، ينظر باختلال لوالدته، قائلاً بصوت ذكوري أجش بهدوء مصطنع: "جولي اللي جولتيه تاني أكده يا أمي."
ارتجف جسد والدته رغماً عنها من نظرته، لتعيد ما قالته بتوتر: "ليال بنت خيك رافضة تعود أهنه، وبتجول إنها هتفضل في البندر في بيت خيك ومرته الله يرحمهم." هب واقفاً، ينظر إليها بغضب ظهر بوضوح على عينيه التي احمر بياضها، وفكه المتشنج بعنف. صرخ بصوت جهوري: "يعني إيه رافضة؟ هو بمزاجها ولا إيه؟ الظاهر إن دلع حاتم الماسخ ليها خلاها تنسي عاداتنا." ابتلعت السيدة الفت تلك الغصة المتكونة في حلقها، لتردف قائلة بترقب:
"وإنت ناوي على إيه يا ولدي؟ أردف بعصبية: "هتدلي مصر أجيبها، ولو رفضت هجيبها من شعرها لهنه." أردفت الفت محاولة منعه مما يفكر به: "بس يا ولدي... قاطعها بحدة، مردداً بقرار قاطع: "إني اللي عندي جولت يا أمي، ومفيش نجاش." أنهى كلماته صارخاً باسم إحدى الحراس الخاصين به، ليهرول الحارس ملبياً نداء سيده. الحارس: "أؤمر يا مالك بيه." مالك بصرامة: "جهز حالك، هنتداي مصر نجيب بت حاتم ونعاود." أومأ الحارس بطاعة: "أمرك يا بيه."
في المساء... داخل إحدى المنازل في الأحياء الراقية... كانت تجلس تلك الجميلة ذات الجسد الأنثوي الذي لا يلائم عمرها، فهي بعد بضعة أشهر ستكمل الثامنة عشر. كانت تضم قدميها نحو صدرها، واضعة وجهها بينهما، لتشكل خصلات شعرها البنية الطويلة ستاراً حولها.
كانت تبكي متذكرة والديها اللذين فقدتهم في لمح البصر، لا تعلم كيف أو متى حدث ذلك. تتذكر أنهم خرجوا لزيارة إحدى الأقارب، وهي مكثت في المنزل لكثرة دروسها التي يجب عليها استذكارها، فهي على أبواب امتحانات الثانوية العامة، ولم يبقَ سوى شهر واحد فقط. ليصلها ذلك الخبر المفجع بإنقلاب سيارة والديها وفقدانهم لحياتهم. انتحبت ألمًا على ما صار، وهي تفكر بخوف في مصيرها وحياتها القادمة بدون والديها.
انتفضت واقفة بفزع، ناظرة بعينيها العشبية التي تحول بياضها لاحمرار أثر بكائها، لذلك الذي اقتحم منزلها دون استئذان. أردفت بصوت مرتجف: "أسر إنت إنت بتعمل إيه هنا وإزاي دخلت؟ أردف وهو يتجه إلى الداخل، ناظراً إلى جسدها بخبث، ومن ثم إلى عينيها، مردداً: "جيت أطمن عليكي يا بنت خالتي، ما إنتي عارفة أنا بحبك قد إيه، ومقدرش أسيبك كده وإنتي لوحدك."
شعرت بنذير الخطر يطرق بعنف في رأسها، وأخذت تتراجع للخلف بخوف من نظراته. تعلم أن أسر لطالما كان لعوباً، وتقدم لخطبتها عدة مرات، ولكن رفض والدها بشدة لأنه يعلم نواياه. وبخطوة لم تكن بالحسبان، قام بجذبها من ذراعها نحوه، هامساً أمام شفتيها بخبث: "مينفعش أسيب فرصة زي دي خالص. أخيراً هتبقي ليا من غير أبوكي المزعج ومن غير خالتي اللي زيه." أردفت بارتجاف وهي تحاول تخليص ذراعها منه، لتردف قائلة: "أسر ابعد عني، إنت بتقول إيه؟
حرام عليك سيبني." هز رأسه بالنفي، قائلاً: "لو سيبتك دلوقتي أبقى غبي. في حد يضيع النعمة من إيده برضو؟ أنهى كلماته ملتقطاً شفتيها بقبلة تحت صدمتها. ثوانٍ لتفيق من صدمتها، محاولة إبعاده عنها، ولكن استمعت إلى صوته الجهوري المردف باسمها بغضب: "ليال."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!