الفصل 7 | من 7 فصل

رواية طائر النمنمة الفصل السابع 7 - بقلم ملك العارف

المشاهدات
25
كلمة
10,404
وقت القراءة
53 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

شق النهار طريقه في الأفق، وملا ضوء الشمس الغرفة متسللًا من النافذة وداعب جفنيها. فحركت رأسها من فوق مسند الأريكة حينما سمعت صوت طرق خافت فوق باب الغرفة. عدلت ثيابها ووقفت خلف الباب تستعلم عن الطارق. أجاب أحد العساكر بالخارج: "أنا عبد الله يا مدام، في حد جاب بوكية الورد ده لـ طه باشا ومشي علطول."

قطبت جبينها بتعجب وهي تدير المقبض وتلتقط باقة الورود من الأخير. شكرته وأغلقت الباب من جديد وهي تنظر لما بيدها بتعجب. زمت شفتيها بضيق، وقد وصل عقلها لاستنتاج أنها من امرأة. فما من ضابط مثله سيرسل له هذه الباقة الرقيقة بهذه الألوان المبهجة. راحت وجاءت بأرجاء الغرفة بغضب، واشتعلت داخلها غيرتها بقسوة. ألقت الباقة فوق الطاولة الصغيرة فسقطت زجاجة المياه أرضًا. وضعت يدها فوق فمها وشهقت بخفوت وهي تنظر جهة الفراش.

رفرفت أهدابه بضيق، وقد أزعجته الضوضاء. قال بضيق: "إيه الدوشة دي؟ لم تجبه، ولكنها جذبت باقة الزهور ورمتها بين يديه وقالت بحنق شديد: "اتفضل شوف مين الحلوة اللي بعتالك ورد على الصبح."

لم تنتظر جوابه، بل دلفت لحمام الغرفة وصفقت الباب خلفها بقوة تحت دهشته. تنهد بكلل وهو يعبث بالزهور يبحث عن كارت الإهداء ليعلم هوية الراسل. التقط الورقة وفكها، يمرر عيناه فوق ما دون فيها. قرأها مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة كان يزداد لديه شعورًا سلبيًا واحدًا تلو الآخر حتى كاد ينفجر. عاد يقرأها مجددًا وقد أظلمت عيناه بغضب:

"حبيت أكون أول واحد يقولك حمد الله على السلامة يا باشا، طلعت زي القطط بسبع أرواح، بس يا ترى المدام زيك؟ ولا هتودع من أول مرة؟ سبة نابية خرجت من بين شفتيه تزامنًا مع خروجها من المرحاض. نظرت له بتعجب من كم الغضب المتربع فوق ملامحه المتجهمة. حرك رأسه يمينًا ويسارًا وكأنه يبحث عن شيء. تركت غيرتها جانبًا وسألت بلامبالاة ظاهرية: "بتدور على إيه؟ أجاب بجمود وهو يحاول فتح الدرج بجانبه لكنه لم يستطع الوصول إليه، فقال:

"تليفوني فين؟ تحركت نحو حقيبتها وأخرجته منها وذهبت به نحوه. التقطه منها وهنا لاحظ ضيقها المبالغ فيه. نفخ الهواء من فمه بصوت مرتفع وقال بحدة وهو يجذب يدها لتنظر له: "الورد مش واحدة اللي بعتـاه، وسبق وقلت مش بخونك، لازمته إيه بقى أم البوز اللي انتِ مصدراه ليا ده؟ سحبت يدها وقررت عدم الخوض في شجار صباحي معه. مهما كان الأمر، فهو مريض وليس بكامل عافيته، وجدال كهذا سيرهقه. فقالت وهي تبتعد:

"ولا بوز ولا غيره، شوف تليفونك وأنا هطلب الفطار عشان تاخد أدويتك." عاد تركيزه ينصب على مهاتفة أمير ومحادثته بخصوص تلك الرسالة التي وصلته. ولكن شاشة هاتفه المكسورة وبطاريته الفارغة منعت هذا. ناداها من جديد يطلب: "آية هاتي تليفونك." سألت بتعجب: "ليه؟ هز رأسه بملل: "أكيد مش هلعب جيمز، عايز أعمل مكالمة ضروري انجزي." رفعت سبابتها بوجهه وقالت: "أنت… أنت…" ولكنه قاطعها مستعطفًا:

"أنا تعبان، وحاسس إن جسمي كله واجعني كأني لسه في العربية وهي مقلوبة بيا، فـ أرجوكي مش دلوقتي على الأقل." تنهدت بضجر وأخرجت الهاتف من جيبها ووضعته بيده وذهبت خارج الغرفة. بينما نفض هو كل هذا عن رأسه وصب تركيزه على الاتصال بزوج أخته. انتظر الرد حتى أجاب أمير بصوتٍ بان فيه النعاس: "خير يا آية محتاجة حاجة؟ نسي ما كان سيخبره به وقال بغضب: "آية حاف كده يلا، ده أنت نهارك مش معدي، تعالالي دلوقتي حالًا." استفاق أمير من نعاسه،

هتف بسعادة: "يخرب عقلك أنت فوقت أمتى، أنا كنت جاي أطمن عليك أصلًا." دقائق مرت حتى وصل للغرفة وجلس أمامه والفرحة تعلو وجهه لرؤيته بخير. دار بينهما حديث طويل ختمه طه بقوله: "انسي يا أمير أنا مستحيل أوافق على حاجة زي دي." سايسه الآخر يحاول إقناعه: "يا طه الموضوع مفيهوش أي خطورة والله وأنا هأمن كل حاجة، وبعدين ده مجرد تخمين ممكن ميحصلش حاجة أصلًا، لكن لو نجحنا هنعرف نوقعه، وافق بس وثق فيا." لكنه

لم يقتنع وعلا صوته بالرفض: "أنا قولت لأ، يعني لأ، وأقفل الكلام لحد كده." هز الآخر رأسه بيأس. تزامن قوله الأخير مع دخول آية للغرفة بعدما جذبها الصوت المتعالي. قالت بتعجب: "إنتو بتتخانقوا ولا إيه صوتكم عالي! لو سمحت يا أمير نأجل أي كلام دلوقتي لحد ما طه صحته تتحسن شوية." هز الآخر رأسه مستحسنًا ونهض راحلًا. بينما نظرت له هي بضيق وضمت شفتيها تعبيرًا عن رفضها لتصرفه. قالت بمزاح:

"يعني أنا أجلت خناقة الورد عشان أنت تعبان، تروح تجيب أمير تتخانق معاه، طب والله عيب! ابتسامة شحيحة ارتسمت فوق وجهه ولكنه نظر بعيدًا محاولًا إخفائها.

ابتسمت بإنتشاء وهي تفتح نافذة الشاليه المطلة على البحر وتضم على كتفيها شالها الخفيف. أسندت يديها فوق السور، حادت ببصرها للنائم خلفها بملامح منبسطة ينام نومة محارب أنهى معركة طاحنة مع الحياة ونال منها جائزته الكبرى. غلف نظراتها دفء روحها، وحنان فؤادها، وحبها الغامر له. عادت تنظر للبحر أمامها. بقيت هكذا لدقيقتين حتى قررت الاقتراب أكثر من تلك الأمواج. لا مانع من إخباره بما مرت به في الفترة الماضية أو ربما إلقائه بالماء والرحيل بدونه. جلست فوق الرمال ورفعت ركبتيها تسند ذقنها فوقهما، وقد داعبت الأمواج أطراف قدميها. عادت بذاكرتها للأسابيع الماضية.

بالتحديد إلى غرفته بالمشفى حيث منذ علم الجميع بخبر الحادث وتوالت الزيارات إليه حتى امتلأت الغرفة بالكامل. كان طه يجلس فوق فراشه والضيق يعتليه بالكامل حيث أرهقته كثرة الحديث والتساؤلات حول كيفية حدوث هذا به، وعن صحته. نظر لتلك التي جلست مع زوجة أحد أصدقائه تتجاذب معها أطراف الحديث بكل سلاسة. أغمض عينيه وفتحها وقد أوقع نظره فوق ساعة الحائط يشعر وكأن العقارب لا تتحرك. ساعة والثانية مرت حتى انتهى موعد الزيارة ولم يبقَ سواها معه. ما أن ودعت والديها وأغلقت الباب خلفهما فاستدارت تفك غطاء

رأسها متنهدة بإرهاق وقالت: "يا الله، حاسة طاقتي الاجتماعية لشهر قدام استنزفت من كتر الكلام." سخر منها بقوله: "غريبة مع إن شكلك وأنتِ بتتكلمي ميقولش كده!

جلست بجواره فوق الفراش كعادتها في هذا التوقيت في الأربع ليالي الماضية حيث تجلس إليه وتغوص معه في أحاديث كثيرة متفرقة منفصلة ومتصلة، ومتعددة لساعات طويلة. شغفه للحديث معها يجعل قلبها يطير فرحًا. تراقبه طيلة النهار وهو صامت دون حديث إلا من بضع كلمات مقتضبة مع الجميع وفي الليل يصبح درويشًا يغازلها، وينافس أفضل رواة القصص في سرده واسترساله وهو يحكي لها أمورًا عنه لا يعلمها أحد سواها. ابتسمت وقد استقرت في جلستها وأجابته:

"أكيد مش هرسم على وشي تكشيرة زيك كده في وش الناس اللي جاية تطمن عليك، حاول تخبيها شوية." لم يتحدث فقالت هي: "صحابك لُذاذ أوي بصراحة وزوجاتهم كمان لُطاف أوي، حاسة هنبقى صحاب أنا وهما، حتى بفكر نعزمهم كلهم في مرة عندنا وكده أنا بحب الأجواء دي جدًا." رفض بقوله: "حبيها ماشي، نعملها لاء." تسألت: "ليه؟ دول أصحابك على فكرة." نظر بعينيها: "أنتِ عارفة أنا مبحبش الدوشة والزحمة." وافقته:

"ماشي بس دول مش زحمة، أنت أصحابك المقربين تقريبًا ٤ يعني مش هنعمل مهرجان، وبعدين يا حبيبي، اللمة الحلوة دي مش بتتعوض، وأكيد مش هنعيش في كهف وننعزل عن الناس." قرر إنهاء الحديث فقال: "بعدين نشوف الموضوع ده." تقبلت تهربه وانتظرت منه قولًا جديدًا: "أنا عايز أخرج بكرة على أخر اليوم إن شاء الله." عارضته: "أيوة يا طه بس أنت…" قاطعها: "بقيت كويس، كفاية بقى القعدة دي أنا حاسس إني متكتف، وبعدين نومتك على الكنبة دي مش نافعة."

ابتسمت: "ياسيدي ملكش دعوة بيا، أهم حاجة عندي دلوقتي أنت تبقى كويس." تنهد وأكد: "يبقى نخرج من هنا، أنا هبقى كويس أكتر لما أمشي." سألته بتذمر وهي تعقد ذراعيها وتشيح بوجهها عنه: "عشان تاني يوم الصبح أقوم ألاقيك لابس ونازل الشغل صح؟ ضحك بخفة وأمسك بكفها لتنظر له: "لا مش صح، أصلًا أنا أجازة أسبوعين تقريبًا فـ قاعد على قلبك لحد ما تزهقي." نظرت له بطرف عينيها وقالت: "المية تكذب الغطاس." نهضت تجذب الغطاء فوقه

وتعدل من وسادته وقالت: "يبقى يلا كفاية وارتاح شوية عشان نمشي بكرة." تركته وتوجهت لأريكتها وتمددت فوقها وهي تطالع السقف كما كان حاله هو الآخر. مرت نصف ساعة صامت حتى همس هو: "آية، نمتي؟ ابتسمت وهي تجيبه: "لا، صاحية." اعتدلت بنومتها لتواجهه استعدادًا لجولة جديدة من الحديث. انتقل فكرها لصباح اليوم التالي حينما نهضت من الأرض وبيدها سجادة الصلاة بعدما أدت فريضة الظهر. ناداها برفق بعدما حسم أمره فيما يؤرقه منذ

حديثه مع أمير بعدما أفاق: "تعالي يا آية." جلست فوق طرف الفراش وعلى محياها بسمتها التي شعر في هذه اللحظة تحديدًا أنها أكثر مما يستحق. تنهد بنزق ولا يدري من أين يبدأ، حتى قال: "عارفة أنا نفسي في إيه دلوقتي؟ سألت بلهفة بانت في عينيها قبل قولها: "إيه، قول." قال بطريقة طفولية تعجبت منها كثيرًا: "عايز آكل رز وبسلة من إيديكِ." ضحكت بشدة غير مصدقة: "يعني ده أقصى طموحك بجد؟ لم يتحدث فهزت رأسها بموافقة وقالت بحب:

"من عيني حاضر، تخرج بالسلامة وأعملك أحلى بسلة ورز بالشعرية كمان." هز رأسه بالنفي وقال: "لا مش هستنى كل ده، أنتي تروحي دلوقتي تعمليه، وأنا أخر النهار هخرج وأمير هيوصلني للبيت." بان الرفض في قولها: "لا طبعًا أنا مش هخرج من هنا من غيرك." مرت نصف ساعة بين جذب وشد من كليهما حتى كان هو المنتصر. رفع هاتفه يحادث أمير يطلب منه المجيء إليه ليوصلها للبيت بعدما تجهزت للخروج. وقفت أمامه بتحذير وقالت وهي ترفع سبابتها بوجهه:

"إياك يا طه تخرج قبل ما أجيلك، أنا هخلص اللي طلبته وأجي عشان نخلص إجراءات الخروج ونروح بيتنا ماشي؟ هز رأسه بهدوء عجيب. تنازلت عن حدتها وجلست أمامه ونظرت لعمق عيناه، وسألت: "أنت مش مخبي عليا حاجة صح؟ إحنا متفقين محدش يداري على التاني أي حاجة! توترت نظراته للحظة ولكنها تماسك وقال بثبات: "مفيش حاجة، أنتِ متوترة على الفاضي على فكرة." هزت رأسها ونهضت بهدوء: "ماشي يا طه."

انتقلت ذاكرتها من جديد لنقطة بعينها حيث تجلس بالمقعد الخلفي للسيارة وفي المقدمة يجلس السائق، بعدما أصرت على أمير ألا يتحرك من جانب طه. حدثها يخبرها بأن شيئًا ما سيحدث يأكلها القلق عليه، ولكن ما لم تحسب حسابه هو أن الكرسي المجاور لها يتربع فوقه الخطر، وبادرت بوادره حينما عدل السائق وضع المرأة وأمسك الهاتف يجري مكالمة. لاحظت هي حركته وتركيزه على الطريق خلفهم. دارت بجسدها للخلف وداخلها يتمنى أن يكون ما بعقلها مجرد أوهام، ولكن لا خلفهم سيارة سوداء عملاقة يجلس بها ما يزيد عن أربعة رجال ولا يبدو على وجوههم الخير إطلاقًا. قفز القلق من قلبها لعيونها وبان في أنفاسها المتعالية.

انتبهت على قول السائق: "أمير باشا حصل اللي كنا متوقعينه، في عربية ماشية ورانا وللأسف أنا مش هقدر أتصرف لو وقفونا عددهم أكبر من إني أوقفهم، تمام ياباشا تمام." أغلق الهاتف وصب تركيزه على محاولة تفادي هذه السيارة حتى زادت الطين بلة حينما أخرج أحدهم يده وبها سلاح ناري وأطلق عليهم. صرخت بهلع، حينما صاح من بالأمام فيها بقوة: "أنزلي تحت بسرعة، ولو وقفونا متخرجيش من العربية نهائي مفهوم."

لا تعلم هل نزلت بإرادتها أم أنسياب أعصابها جعلها تنزلق دون وعي. بقيت ترتل آيات القرآن الكريم وبعض الدعوات التي تحفظها عن ظهر قلب، ودموعها تتسابق. لا تخشى الموت بقدر ما تخشى عليه هو. تعلم جيدًا بأنه لو أصابها مكروه لن يتحمله هو، ربما لا يتخطاه كما تخطى سابقته. بينما على الجانب الآخر بالمشفى دلف أمير الغرفة ما أن تلقى مكالمة السائق قائلًا بعجالة: "اللي توقعته حصل، هما لسه قريبين مننا، لازم أتحرك وهتابع معاك بال…"

توقفت الكلمة بفمه وهو يراه متجهزًا للخروج ويشد أجزاء سلاحه الناري ويضعه خلف ظهره متحاملًا على ألم ذراعه. نظر له مستنكرًا: "وإيه؟ هتابع معاك بالتليفون؟ أنت واعي للكلام ده، مراتي بتتخطف وأنا هريح على السرير!

وهكذا ها هما بالسيارة، وعلى حسب ما يشير جهاز التتبع فهما على مقربة كبيرة منهم. حاول كثيرًا الاتصال بها يطمئنها بأنه قادم إليها ولكنها لا تجيب. يعلم جيدًا أنها لا تريد أن يسمعها وهي خائفة. صوتها المرتعش سيمزق قلبه بالفعل، ولكن قلقه الأن يقتله. أكل الطريق أكلًا حتى لاحت أمامه السيارة على بعد قليل منه. بينما انطلقت طلقة غادرة منهم نحو إطارات السيارة جعلتها تنحرف للطريق الرملي وتتوقف. تقلصت المسافة بين سيارة المجرمين

والسيارة المتوقفة. هبط منها ثلاثة رجال واقتربوا منها، ضرب أحدهم السائق بسلاحه فوق رأسه فسقط أرضًا وحاول الآخران فتح الباب الخلفي وسط صرخاتها المتعالية. كسر أحدهم زجاج النافذة فتناثرت أجزاء منه فوق وجهها، فتح الباب وما لبث أن يجذبها من السيارة إلا وكانت طلقة طه الأسرع وهي تستقر بذراعه. صرخ الرجل متألمًا، ولم يلحق أي من البقية فعل أي شيء حيث أكمل طه هجومه وهو يصوب نحو ظهر الآخر.

تحركت السيارة بمن فيها للهروب بينما حاول أمير ملاحقتها ولكنها زاغت منه فعاد إليهم. في حين فر الثالث هربًا حينما وجد السيارة قد ولت بعيدًا. أسرع طه خلفه، ولكن جسده الذي ليس في كامل لياقته المعتادة خذله بعض الشيء. توقف مصوبًا سلاحه ومطلقًا رصاصته في قدمه ليسقط أرضًا مثل البقية. غير وجهته مسرعًا نحو السيارة التي لازالت داخلها. تخطى ذلك الذي سقط أمام الباب وأدخل جسده كاملًا بالسيارة وجذبها نحوه يتفحصها بخوف وسط قوله المتكرر بذعر وهو

يتفحص جرح جبينها النازف: "أنتِ كويسة، فيكي حاجة، آية ردي عليا، حاسة بأي حاجة وجعاكي." كان جوابها نوبة بكاء عنيفة وهي تدفن رأسها بصدره وتبكي من أعماق روحها. ضمها بقوة وأغمض عينيه بطمأنينة. قالت من بين بكائها: "كنت فاكرة إنه خلاص كده خلصت، فكرت إني مش هشوفك تاني، كنت خايفة عليك أوي، كنت…" امسك وجهها بين كفيه: "ششش كل ده عدى خلاص، أنتِ بخير وأنا بخير ومفيش أي حد فينا حصلت له أي حاجة." سألت بضياع: "بجد، أنت بخير؟

أعادها بين ذراعيه مؤكدًا: "طول ما أنتِ بخير أنا بخير." وصل الخبر في لمح البصر لوالدها. لازالت تذكر مشاجرته مع زوجها بغرفتها في المشفى بعدما أصر طه على الذهاب إلى هناك ليتأكد من أنها بخير تمامًا، خاصةً بعدما تبين جرحًا برأسها من أثر الزجاج المحطم. وقرر الطبيب تعليق بعض المحاليل لها حينما رأى الإصرار بعيني زوجها. لا تعلم ما دار بينهما من حوار خارج الغرفة، ولكن لأول مرة ترى والدها يتحدث بهذه العصبية المفرطة مع طه.

تذكرت صياح والدها: "الظاهر إني كنت غلطان لما وثقت فيك وسلمتك بنتي، فكرني كده أنا جوزتها ليك عشان إيه، عشان تصونها وتحافظ عليها، ولا عشان تعملها كبش فداء، وطعم للمجرمين." لم يتحدث بقي محافظًا على صمته وهي تنظر له دون فهم. حاول أمير الدفاع عن صديقه مبررًا: "يا عمي، حضرتك فاهم غلط، إحنا كنا مأمنين الوضع كويس، والموضوع عدى على خير من غير ما يحصل لحد حاجة." هز والدها رأسه وقال بنزق:

"عندك حق الحمد لله المرة دي عدت، أنا اسكت وأستنى لما المرة الجاية يجيبهالي مقتـ.ـولة أي رأيك." قال جملته الأخيرة وهو ينظر لعمق عينيه وكأنه يؤكد له انهيار ثقته فيه. ولكن لم يهتم، أشاح بوجهه ناحيتها يتأكد من سلامة المحلول. بينما تحدث أمير مجددًا يحاول منع مشكلة قد تحدث إذا طفح كيل صديقه:

"بعد الشر يا عمي أنا مقصدش كده، لكن ده شيء استثنائي مش كل يوم بيحصل، طه بيحب مراته وبيخاف عليها أكتر من نفسه ولولا إصراري عليه مكنش وافق، وبمجرد ما العربية اتحركت بيهم إحنا كنا وراها، حضرتك متأكد مليون في المية إن طه لو اتطلب الأمر هيفديها بروحه وده اللي خلاك توافق يتجوزوا، وأنا متأكد إن كلامك ده في ساعة غضب مش أكتر." هنا فقط خرجت عن صمتها وسألت بصدمة بانت في نبرتها المبحوحة:

"أنت تقصد إيه بكلامك ده يا أمير إنه لولا إصرارك مكنش وافق؟ طه أنت كنت عارف؟ طب ليه مقولتش لي؟ ليه تخبوا عني حاجة زي دي، أنتم عارفين إني عشت أسوأ لحظات حياتي وأنا جوا العربية دي، سيبتوني القلق ينهش فيا من وقت ما قفلت باب أوضتك وخرجت لحد ما شوفتك عند العربية، رد عليا يا طه أنت بجد كنت عارف ومرتب كل ده مع أمير؟ لا يزال صامتًا. صمته أصبح مثيرًا للاستفزاز لها ولوالدها أيضًا الذي ضرب كفًا بالأخر وصاح بغضب:

"طيب رد، اتكلم، دافع عن نفسك قول أي حاجة، أنا مش فاهم أنت ساكت كده ليه؟! وقبل أن يتفوه أمير بأي شيء أشار له بتحذير: "أسكت يا أمير أسكت أنت، أنا عايزة أسمع منه هو، من جوز بنتي." نقل نظره بينهما وقال بعدما أخرج تنهيدة توحي بثقل المشاعر التي عصفت به وثقل سؤالها المعلق دون إجابة. قال بتريث:

"معنديش رد حاليًا على أي كلام، المهم عندي دلوقتي مراتي تخلص المحلول اللي في إيدها ونروح على بيتنا، وقتها ممكن يبقى عندي حاجة أقولها وهيكون ليها هي." هنا فقط ضحك والدها وبشدة مثيرًا تعجب ثلاثتهم حتى انتهائه. نظر له وقال بغضب عكس ما كان عليه: "تروح معاك فين؟ أنت متخيل إني هأمنك عليها لدقيقة واحدة تاني، أنسي." وقف طه واقترب منه خطوتين وقال بثبات: "محدش يقدر ياخد مراتي غصب عني." بينما اقترب منه هو الآخر حتى

أصبح أمامه مباشرة وقال: "لا أقدر، وقسما بربي يا طه آية ما هتخرج من هنا غير على بيت أبوها." وقبل أن ينفجر توسطهما أمير وقال مهاودًا: "يا جماعة مش كده، ممكن نهدأ شوية." ابتعد كليهما للخلف. طرق أحدهم على الباب ومن ثم دلفت منه شهد ووالديها. بدد صوت شهد المرح الغضب المتربع فوق الوجوه وهي تدلف: "إيه يا يويو مش معقول فيلم السرعة والغضب اللي أنتِ وطه دخلتونا فيه ده." نظر لها أمير مبتسمًا وأفسح لها مجال

للتقدم ناحية آية تعانقها: "حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟ ابتسمت باصطناع: "كويسة يا شهد." اقترب منها البقية من أهل زوجها للاطمئنان عليها. ومن ثم نظر لها والدها بجمود: "يلا يا آية المحلول خلص، ترتاحي في البيت أفضل." وافقتـه شهد: "عندك حق يا عمو، يلا يا أمير عشان نوصلهم." ولكن قول فاروق الصارم أوقفها: "آية هتروح معايا بيتي." نظرت له والدة طه بتعجب: "إيه الكلام ده، ما تقول حاجة يا عبد اللطيف!

نظر عبد اللطيف لابنه وسأل: "أنت مزعل مراتك ولا إيه يا طه؟ أجاب أمير عن صمت صاحبه: "ربنا ما يجيب زعل يا عمي…" قاطعه فاروق منزعجًا: "وبعدين معاك يا أمير هو أنت المتحدث الرسمي بتاعه ولا إيه، اسكت أنت خالص." أدى أمير التحية العسكرية قائلًا: "تمام يا افندم." ابتسم الجميع على حركته، وأكملت شهد ملطفة وهي تغمز لزوجها:

"بقولكم إيه إحنا نطلع كلنا منها ونسيبهم هما يتصافوا سوا، أنتم قاعدين كاتمين أنفاسهم وهما ممكن يحلوا مشكلتهم بكلمتين وشكرًا، يلا نروح نشرب أي حاجة في الكافتيريا تحت ونرجع لهم." وافق والديها وجذبت هي والد آية من يده للخارج بلطف فلم يملك شيئًا للرفض. أغلق الباب ومرت دقيقة كاملة ارتفع فيها صوت الصمت بينهما حيث رقص في زاوية الغرفة أمامهم. نهض من كرسيه وجلس فوق طرف الفراش دون حديث، ولم تتفوه هي سوى بـ:

"كل مرة بقول خلاص بقينا قريبين من بعض، ومفيش حواجز بيننا، بتعمل حاجة تكشفلي قد إيه إحنا بعيد أوي عن بعض."

راقبت تعابيره دون النظر لعيناه. تعلم تمام العلم بأنها لو نظرت داخلها فلن تتمكن من الحديث، لن تستطيع معاتبته. ولاحظ هو هذا، أدرك هروبها. حرك يده لتصافح وجهها وأدار رأسها لتتقابل عيناهما. عتاب صامت وألم. قابله بقصائد اعتذار مطولة ورجاء بأن تصفح عنه، أن تقترب وتسمح له أن يصلح ما اقترفه من خطأ. الألم بعينيه يخبرها بما كان يعانيه في الساعات الماضية، وكأن صدمته تعود للحياة بعدما انتهت. لذا قرر قلبها أن يضع العتاب جانبًا

بشكل مؤقت، أن تحتضنه حتى يسكن، وبالفعل فردت ذراعيها تجذبه نحوها برقة، وانصاع هو كـ صغير وبخه استاذه وعاد لوالدته يشكو إليها. اتخذت رأسه موضعها المعتاد فوق كتفها، فأغمض عينيه متنهدًا براحة. شدد من عناقه لها وكأنها ستفر من بين يديه. بينما ربتت بيدها فوق ظهره مرارًا وتكرارًا وكأنها تزيل ما علق به من ألم.

مفقد يحدث أن تواجه الحياة مواجهة فارس شجاع، ولكن لابد لك في النهاية من ركن دافئ تطمئن به وتأمن فيه، أن ترخي سدولك جانبًا وتعانق الهدوء.

لا يعلم أي منهما كم مر من الوقت، فقط هي تربت فوق ظهره حتى شعرت بدموع تسقط منه وتُبلل كتفها. تعلمه لا يحب أن يراه أحدًا ضعيفًا، وإن كان يظهره لها فهو لن يقبل أن تنظر لهذا الضعف وجهًا لوجه، على الأقل في الوقت الراهن. تركت له المساحة الكاملة. ذهابه لذلك المعالج النفسي ساعده كثيرًا، والدليل الأكبر هو حالته الآن. إن جاء أحد في بداية زواجهما وأخبرها بأنهما سيعيشان هذه اللحظة في يوم من الأيام ما كانت لتصدقه مطلقًا.

ولكن هذا الرجل يدهشها كل يوم، دهشة تدغدغ قلبها، شعورٌ رائع بالتميز يغمرها. فهذا الرجل اليافع يُحبها، لا يعلم عن جانبه هذا سواها، لا يتعامل بطبيعته سوى معها. يخشاه الجميع بينما يمكنها هي الغضب في وجهه ومناطحته في الحديث. يتودد إليها في حزنها، يتحايل على أفعاله التي تثير حنقها حتى تصفح عنه. يُقدرها ويعطي اهتمامًا لمشاعرها فيضعها في أولوياته. كيف لها ألا تحبه، بل كيف لها أن تفترق عنه كما يقول ويرمي والدها بحديثه؟

وعلى ذكر والدها همست وهي ترفع يدها لتتغلغل أصابعها في شعره: "طه لو سمحت بلاش مناهدة مع بابا، أنت عارف إنه تعبان والعصبية دي غلط على صحته." تنهد وهو يرجع رأسه لتكون في مقابل وجهها وقال ببراءة مصطنعة: "على فكرة أنا متكلمتش غير كلمة ونص، والدك هو اللي سايق فيا بكلامه وأنا عشان خاطرك أنتِ ساكت." رفعت حاجبها بتعجب وقالت:

"طه أنت صمتك مستفز أكتر من ردك، فلو سمحت ترد عليه، بابا بيكره الحركة دي كره العمى، فـ بلاش الطريقة دي، وبلاش تزعل بابا وتخسره عشان إحنا الاتنين وجهين لعملة واحدة." ابتعد عنها وقد أسند ذراعه جوارها فوق الفراش. رفع حاجبها متسائلًا: "وده معناه إيه بقى إن شاء الله؟ هزت كتفيها بلامبالاة قائلة: "معناه اللي وصلك." تبدلت نبرتها للجدية وهي تمسك كفه:

"طه ياريت تقدر إن أنا البنت الوحيدة لبابا، فـ لو خوف الأب على ولاده في العادي قيراط فـ بابا بيخاف عليا الـ 24، ومش بيستحمل عليا الهوا. أنا لحد دلوقتي مجبتش ليه سيرة عن الفترة اللي كنت طالبة فيها الطلاق، لإني عارفة أنه كان هيتصرف بشكل قاطع وينهي الموضوع في وقته، عشان خاطري متزعلهوش منك وتبوظ علاقتكم ببعض! تنهد وهو يربت فوق كفها وهز رأسه موافقًا. وقبل أن تضيف قولًا جديدًا، عاد والدها من الخارج وقال بجمود:

"مش يلا بينا يا آية ولا إيه؟ هتفت مهاودة له برجاء: "بابا لو سمحت، الكلام…" قاطعه من جديد بقوله: "يلا بينا يا آية." قبل أن ترد، عاد البقية من الخارج. نظر طه لوالده ليتدخل. فهم الآخر بقول: "يا فاروق مش كده، أنا مقدر إحساسك بس الولاد مش عايزين يسيبوا بعض، آية مش هتسيب جوزها وهو خارج من حادثة صعبة زي دي ولسه مبقاش في كامل صحته، ولا طه عايز مراته تبعد عنه بأي شكل من الأشكال، خليهم…" ولكن لا فائدة، قاطعه من جديد بحزم:

"على رأسي من فوق كل الكلام ده، بس أنا حالف يمين ومش هنزله لو إيه يجري." تدخل أمير ملاطفًا: "مش مشكلة يا عمي نخلي طه يطلع كفارة ليك." أجابه بهدوء: "مش هكرر كلامي تاني على فكرة…" لاحظت شهد ثورة أخيها من نظرات عينيه وقبضة يده المنكمشة بقوة فسارعت تقترح: "خلاص يا أونكل آية هتروح معاك وحضرتك كمان تروح معاها، هي أكيد أعصابها تعبانة ومش هتقدر تعمل أي حاجة ليهم، ولا حتى طه، يبقى الحل الأنسب فعلًا يروحوا معاك."

وافقها أمير وقال مسرعًا لإنهاء هذا الجدال: "فكرة هايلة، يلا يا طه هات آية وهستناك أنا وشهد في عربيتي، وحمايا وحماتي يروحوا على البيت وعمي قدامنا بعربيته." لم يتحرك سوى شهد وأمير لتنفيذ ما قالاه. بينما نظر فاروق في أثرهما بتعجب وسأل: "هما الاتنين دول على طول كده واخدينها جري." ابتسمت والدة طه وهي تجيبه: "وليه متقولش إنهم بياخدوا الأمور ببساطة عشان الدنيا مش مستاهلة." رد بهدوء ورزانة:

"مش كل حاجة ينفع ناخدها ببساطة، في حاجات لازم ليها وقفة." اقتربت من فراش آية تودعها وجادلته: "ده من وجهة نظر حضرتك بس، هنمشي إحنا وبالليل هنعدي نطمن عليكي وعلى طه يا حبيبتي، خلوا بالكم من بعض." رحلت برفقة زوجها. بينما تبادل ثلاثتهم النظرات في صمت حتى قال والدها مغلوبًا على أمره: "يلا كفاية كده، هسبقكم وأنتم تعالوا مع أمير."

صفت سيارة أمير أمام منزل والد آية. دلف منها طه الذي ساعد آية للخروج وهم بالدخول برفقتها. ولكن أوقفه نداء أمير فعاد إليه. اخفض رأسه للنافذة يستمع نصيحته: "مشي أمورك مع سيادة اللواء، ولما دنيتك تتظبط بالليل رنلي عشان في كلام كتير لازم تعرفه." هز رأسه موافقًا وابتعد عن السيارة ليسمح له بالتحرك. بينما خلفه استغلت آية ابتعاده وتمسكت بذراع والدها تطلب منه برفق:

"بابا لو سمحت بلاش تقول لماما حاجة بما إنها لسه معرفتش، مش عايزها تقلق." هز رأسه بضيق وقال متفحصًا: "مش عايزها تقلق، ولا مش عايزها تقلب على طه أفندي؟ نظرت له برجاء:

"حبيبي أنا مقدرة خوفك عليا، بس قدر كمان إن طه خارج من حادثة كبيرة ولسه مبقاش كويس كفاية عشان نفضل نجادل معاه كل شوية. طه من وقت ما فاق مش بينام ساعتين على بعض من الصداع اللي شبه مش بيروح بسبب خبطة دماغه، فـ عشان خاطري كفاية عليه اللي عملته وقولته في المستشفى." جاء في هذه اللحظة طه الذي أحاط كتفيها بذراعه الأيمن وقال برفق: "يلا ندخل ولا إيه؟

هزت رأسها موافقة وتقدم ثلاثتهم للداخل. جاءت والدتها من الداخل بترحاب شديد وتلقت كل منهما بين ذراعيها تطمئن عليهما، حتى انتهى بهما الأمر في غرفة آية بعد تناول العشاء مع عائلتها. انتهى طه من تبديل ثيابه بأخرى بيتيه مريحة اقترضها من والد زوجته. توجه نحو الفراش بجوارها. وجلس مسندًا ظهره فوق ظهره ونظر لها بابتسامة طفيفة. بادلته النظرة ذاتها دون أي ردة فعل حتى قبضت فوق كفه وقالت برقة:

"قول اللي عايز تقوله يا طه، مستني إيه، أنا جنبك، وسمعاك، اتكلم." اعتدل في جلسته ليواجهها وفعلت هي بالمثل، ليبدأ: "أنتِ مش ممكن تتخيلي غلاوتك في قلبي زادت قد إيه لما أجلتي أي عتاب ممكن يتقال وحضنتيني وبس، أنا في حياتي محدش فهمني قدك يا آية." تنهد بثقل وشرع في سرد تفاصيل ما دار بينه هو وأمير من اتفاق:

"فاكرة الورد اللي جالي في المستشفى، كان مبعوت من اللي دبروا ليا الحادثة، وفيها تهديد مبطن إنهم هيأذوكي. كلمت أمير اللي عرفني إن الحادثة فعلًا بفعل فاعل واقترح فكرة إنك تخرجي من المستشفى وحدك عشان يظهروا ونشوف هيعملوا إيه ووقتها يتقبض عليهم متلبسين ونعرف مين اللي عايز ينتقم مني، أنا رفضت طبعًا زي ما شوفتينا واحنا في المستشفى." بسط كفه أمامها ونظر لعينيها. أبصر قلبها لطلبه فسبح كفها بمحيط كفه بطمأنينة. أغلق

عليه بقوة وأكمل بهدوء: "يوم ما خدتك من والدك أخدت عهد على نفسي إني أحميكِ بروحي مهما يحصل، موافقتي على اللي حصل ده كله كانت عشان حياتنا الجاية كلها، عشان أحس بإني متطمن عليكي ولو شوية. لحظة ما اتحركت العربية بيكِ من قدام المستشفى فـ أنا كنت في لحظتها وراكي، ده اللي عايزك تتأكدي منه، أنتِ مصدقة كلامي ده صح، أنتِ عارفة إنك لو طلبتي مني عمري دلوقتي هقدمهولك وأنا راضي؟ ابتسمت وهزت رأسها بتأكيد. رفعت كفها الآخر

لتضعه فوق صدره وقالت: "عارفة ومتأكدة، عشان واثقة إني موجودة هنا، وليا مكان كبير فيه." امسك كفها ومال يقبله وأكد: "القلب ومفاتيحه كلهم بتوعك يا آية." ابتسمت وسألت بهدوء: "طيب مين الناس دول يا طه، أنت شاكك في حد معين؟ هز رأسه موافقًا: "بنسبة كبيرة أيوة شاكك، بس لسه التحريات شغالة." أرجع جسدها للوراء حتى استقر ظهرها فوق الفراش، جذب الغطاء الخفيف فوقها وسط استسلامها التام وابتسامتها المتعجبة. قال بهدوء:

"اليوم النهاردة كان طويل وصعب، ارتاحي شوية عشان نهرب بدري قبل ما أبوكي يصحي." اختتم جملته الأخيرة بغمزة من عينيه، فضحكت بقوة غير مصدقة ما جعله يسرع بغلق فمها برفق وهمس محذرًا: "هشش بدل ما يسمعك ويجي يقولي أنت طابق أنفاسها كده ليه، البنت تعبانة." هزت رأسها موافقة وهي تنظر له ببراءة وعينيها تصرخ ضاحكة على تصرفاته. ما كاد ينهض من جانبها فامسكت به تسأل: "رايح فين، مش هتنام، على فكرة أنت كمان تعبان أكتر مني." قال موافقًا:

"تليفون مهم لازم أعمله وراجعلك أرتاحي." عاد للداخل وتقدم نحو الفراش يبسط جسده فوقه بهدوء حتى لا يوقظها. استند على جانبه ليطالعها وحدثته نفسه متسائلة بحزن: "ياترى الدنيا مش عايزة تصفي لينا سوا ليه، معقول ممكن تتأذي بسبب شغلي أنتِ كمان؟ ولا ده عقاب من ربنا عشان أنا مكنتش مقدر نعمة وجودك؟

وعند سؤاله الأخير أخذه سلطان النوم لعالم آخر. ما انقلب الليل لنهار إلا وكان كليهما على أهبة الاستعداد للمغادرة. كانت تتحرك بخفة بالغرفة تلملم متعلقاتها الشخصية وهي تنظر له خفية وهو يلف ساعته حول معصمه وسط انعقاد حاجبيه وكأنه يتشاجر مع الأفكار بعقله. وقفت أمامه ودفعته للخلف قليلًا بمشاكسة لتتأكد من سلامة حجابها وثيابها. بينما نظر هو لها في المرأة رافعًا حاجبه الأيسر فقالت مبررة:

"أعملك إيه بقالك ساعة واقف وأنا عايزة أشوف الطرحة مظبوطة ولا لاء." نظر لساعته وقال بهدوء وهو يتوجه للباب: "طب يلا قبل ما حد يصحي مش ناقصة عطلة على الصبح." جذبت حقيبتها ولحقت به. أغلق الباب خلفها دون إحداث صوت ومن باب غرفتها لباب سيارة الأجرة التي طلبها استقر كليهما وتحركت السيارة نحو العنوان المنشود. نظرت له بحماس وقالت وكأنها فتاة مراهقة هربت من البيت خلسة مع حبيبها: "يا ربي مش مصدقة إننا خلعنا من غير ما نتمسك."

نمت بسمة ثقيلة فوق ملامحه وقال: "أدفع نص عمري وأشوف ردة فعل أبوكِ لما يصحي." نكزته بخفة: "قلتلك متحطش بابا في دماغك عشان هزعلك مني." لم يجبها وبقي على صمته حتى صف السائق سيارته أمام مدخل البناية. هبط كلاهما بعدما ناول السائق نقوده وشكره. انفرج باب المصعد في طابق شقتهما. أشار لها بالخروج فتقدمت أمامه ووقفت أمام الباب أعطته مفاتيحها وسمحت له بفتح الباب وسبقته بالدخول تفعل كما اعتادت تفتح النوافذ وتشغل المذياع.

اقتربت منه تسأله: "جعان، هعملنا فطار سريع…" ولكنها سرعان ما ضربت رأسها بتذكر: "مش عارفة في حاجة تتاكل ولا لاء، من وقت الحادثة مدخلتش هنا." ربت فوق كتفها وقال برفق: "شهد وأمير جابوا حاجات امبارح وسابوها جوا هتلاقي كل اللي تحتاجيه، بس أنا مش جعان متتعبيش نفسك تعالي ننام ساعتين كمان عشان أنا تعبان." أنهى جملته وسبقها للداخل ليبدل ثيابه. مرت سبابتها فوق شفتيها بتفكير، وقالت:

"مش جعان ودي ممكن نعديها، لكن عايز تنام ساعتين وأنت قايل 15 ألف مرة إنك مش بتنام بالنهار كده يبقى في حاجة." تقدمت خلفه. مر نصف ساعة انتهى فيه من أخذ حمام دافئ وتبديل ثيابه وفعلت هي المثل وتدثرت بالفراش وهي تنظر له ينهي تمشيط شعره. ابتسمت بسعادة وقالت:

"مش معقول إن مجرد اللحظات دي تكون نعمة مش حاسين بيها، ووجودنا أصلًا في البيت وإحنا بنعمل أي حاجة روتينية ده في حد ذاته نعمة كبيرة أوي، النوم في سريري وهدوم البيت دي، سبحان الله كنت بشوفها عادي وحق مكتسب، بس طلع إنها ممكن تتسلب مننا في ثانية، الحمد لله على كل النعم البسيطة دي اللي مش بنحس بقيمتها غير كل فين وفين." ألقى فرشاة الشعر واقترب منها ما إن رآه يأتي نحو جهة نومها فأعتدلت قليلًا. جلس قبالتها وقال:

"أنا برضو مكنتش حاسس بقيمة نعمة وجودك وكنت شايف إنه حق مكتسب لحد ما في لحظة لقيتك طالبة الطلاق، مش عارف أشوفك بعد ما كنتي بداية يومي ونهايته، ومبقيتش عارف أقعد معاكي ولا أسمع كلامك العشوائي الكتير ومواضيعك المتعددة، كل دي حاجات كنت بشوفها عادي، بل في الأول كنت مجبر عليها، كنت غبي لدرجة متتوصفش يعني." أنهى قوله ببسمة ساخرة وهو يحك مؤخرة عنقه. قالت وهي تنظر له مبتسمة:

"وأنا كفاية يعوضني عن كل اللي فات نظرتك للأمور اللي اتغيرت وبقيت شايف وجودي نعمة بدل ما يكون نقمة." أفسحت له المجال ليشاركها الفراش. مد ذراعه ليكون وسادتها وجذبها نحوه برفق حتى توسطت قلبه ويديه. نظر بعينيها الساحرة تحت إضاءة الغرفة المظلمة إلا من أشعة الشمس التي تسللت من خلف الستائر. طبع قبلة فوق جبينها وقال بصدق: "أنتِ أكبر نعمة في حياتي."

ابتسمت وهي تغمض عينيها وشعور عجيب بالطمأنينة غمرها كليًا لتلصق جسدها بقربه أكثر تتأكد من وجوده. نصف ساعة مرت في هدوء حتى شعرت به يسحب نفسه من جوارها بمهارة حتى لا تشعر حيث ظنها غافية ولكن خاب ظنه وهي تسأله بتقرير: "رايح فين يا طه؟ برقت عيناه وبانت صدمته ولم يحاول إخفائها في سؤال: "أنتِ لسه صاحية بجد، كده أنتِ عايزة النهار بطوله؟! ضحكت وهي تقترب منه المسافة التي ابتعدها، وقالت:

"أنت فاكرني ست مغفلة ولا إيه، خليك صريح وتعالي دغري وقولي رايح فين." أرجع كتفيها للخلف وقال بضحكة خفيفة: "اللي بنعمله في الناس هيطلع علينا ولا إيه؟ قهقهت هي بالمثل، حتى قرر هو القول: "نازل الشغل." انتظرت منه البقية ولكنه صمت فسألت: "و وبس…نازل الشغل وبس؟ هو ده اللي مفيش شغل أسبوعين تلاتة؟ حاورها برفق:

"أكيد يا حبيبتي الإجازة مش قبل ما القضية دي تتقفل واللي عمل كده يتحاسب، المفروض كنت هوصلك وأمشي على طول بس مكنتش عايزك تزعلي فطلعت معاكي، بس راح عن بالي الحس الأمني اللي عندك." ضحكت وهي تبتعد عن الفراش وأخبرته بذلة لسانه: "عشان يا حضرة الظابط مينفعش تكون مأكد ليا معلومة إنك مش بتعرف تنام الصبح، وتقولي يلا ننام، اعقلوا الكلمة." هز رأسه بإقتناع وهو يخرج ثوبه يضعه فوق الفراش وقد شرع في ارتدائه وقال ممازحًا:

"القضية الجاية لازم تبقى معايا." فاقت من ذكرياتها حينما شعرت به يجلس خلفها ويحيطها بذراعيه وقد أسند رأسه فوق كتفها. ابتسمت له ولملامحه الناعسة. سأل بنبرة يغلفها النوم: "إيه اللي قومك من جنبي بدري كده؟ ابتسمت بحزن مصطنع: "عادي، افتكرت إننا خلاص راجعين بالليل فقولت أشبع شوية من البحر." أصدر صوتًا بالنفي وهو يديرها قليلًا نحوه: "تؤ، المفروض تشبعي مني مش من البحر على فكرة." ضحكت بخفة وهي تنصب طولها وتجذب

ذراعه ليفعل المثل وقالت: "بس أنا مش هشبع منك ولو بعد 100 سنة، تعال نتمشى شوية." ولكنه لم يتزحزح وقال بنبرة مغوية: "طب ما تيجي نرجع الشاليه؟ هربت من بين يديه قبل أن يقبض عليها وركضت مبتعدة لمسافة قصيرة تشاكسه: "أنا غيرت رأيي على فكرة وشبعت منك، حاليًا عايزة أشبع من البحر."

اغدقت ساقيها بالمياه وهي تسير بمفردها بينما وقف هو بالخلف مغتاظًا حتى تقدم منها وحملها وسار بها داخل المياه أكثر فأكثر وسط صخب ضحكها وتحذيراتها الواهية. ولكنه لم يستمع لها وقال بصوت مرتفع: "أنا هخليكي تشبعي من البحر ومية البحر يا حبيبة قلبي." أنهى جملته ومد ذراعيه ملقيًا إياها بقوة، فجذبتها المياه لأسفل لثوانٍ حتى أخرجت رأسها تتخذ أنفاسها وسط صدمتها من فعلته هذه. دفعت بيدها فوق المياه بقوة لتصيبه وسط قولها المتذمر:

"أنت أي هزار العساكر بتاعك ده بجد، مخوفتش أغرق ولا الموج يسحبني لبعيد؟!

لم يفعل شيئًا ردًا على فعلها ولكنه قفز مقتربًا منها. لم تسمح له بالدنو منها حيث أخذت تدفعه وتضرب بيديها المياه تعيق اقترابه حتى قرر أن يجذبها من قدميها لتخمد. ثورتها ولكن حركاتها العشوائية جعلتها تلطم وجهه بقدمها. شهقت ما إن أدركت فعلتها وسارعت بالسباحة مبتعدة عنه تعود للشاطئ وصوت ضحكها يجلجل في الأرجاء وهي تستلقي فوق الرمال حتى خرج هو وعلى وجهه علامات الغضب الدفين. ما زاد من ضحكها وهي تراه يستلقي مثلها متمتمًا بتذمر

وما لبث أن اعتدل وقال: "عارفة لو حد غيرك عمل كده؟ مكنتش سيبته يخرج من المية غير غرقان." اعتدلت تنفض حبات الرمل عن شعرها وعن كتفيه وهي تخبره بأدب: "حقك على عيني يا حبيبي، والله مكنش قصدي، وبعدين اعتبرها رد على رميك ليا يبقى كده واحدة بواحدة وخالصين." زاد الغضب في عينيه فنهضت من أمامه تهرول للداخل: "تصدق أنا غلطانة، قوم نرجع دلوقتي لحسن أنا خلاص كده مش قادرة."

انبثقت ابتسامة شقية من جانب فمه وقد نال ما أراده وهو أن تعود للداخل بإرادتها فنهض ينفض عنه بعض الرمال وأسرع خلفها هامسًا بتسلية: "استعنا على الشقي بالله." بعد مرور عامين.

خرج كليهما من عيادة الطبيبة النسائية والشرر يتطاير من عينيه والغضب يقفز من حركاتها وملامح وجهه المكفهرة حتى دلفا للسيارة في صمت لم يخلو من صوت غضبه وصدمتها. نظرت له تحاول الاقتناع بأن غضبه ليس سوى من كون حملها جاء بوقت غير مناسب ليس إلا، وألا يكون لا يريد الإنجاب منـ… قاطع أفكارها سؤالها الغير مصدق بصوت هز السيارة: "أنا عايز أفهم إزاي ده حصل، إحنا اتفقناش على كده يا آية!

ودت لو تبكي بصوت مرتفع، أن تصرخ بوجهه، أنا تتركه وتعود للبيت بمفردها ولكنها أثرت أن تتمسك هي بلجام العقل، أن تفعل كما اعتادت معه، تبتلع غضبه بتريث، حتى يهدأ ويعود معتذرًا عما فعله. امسكت كفه برفق وقالت: "حبيبي إرادة ربنا فوق كل شيء مهما عملنا اللي ربنا رايده هيكون، وبعدين ده رزق من ربنا لينا نرفضه ونقول مش عايزينه؟! قال وهو يجز فوق أسنانه:

"متدخليش من الحتة دي عشان مش هتجيب نتيجة، آه ربنا قادر على كل شيء بس في أسباب زي إن سيادتك مأخدتيش الحبوب سواء بقى قصدة أو ناسيه." جادلته برفق: "ولنفترض ده حصل، هنعمل إيه يعني؟ ده أمر واقع ولازم نقبله، قول الحمد لله." حك رأسه بغضب وعض شفته السفلية: "وناسية إن الواقع وقواقعك إن في اتنين في البيت مكملوش السنة لسه؟ واخدة بالك إن أنتِ أصلًا جسمك لسه مأخدش هدنة من الحمل والولادة والرضاعة بتوع الولدين؟

أنتِ إزاي تهملي حاجة زي دي يا آية، فهميني إزاي؟ اعتدلت في كرسيها تنظر أمامها ولم تقل سوى: "أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم فلو سمحت أجل أي كلام لبعدين وروحني."

ضرب المقود بيديه يفرغ غضبه وأدار محرك السيارة عائدًا للمنزل. كان ينظر لها بين الدقيقة والأخرى يلمح دموعها التي تجففها سرًا كي لا يرى، لكن قلبه يشعر بها وبحزنها. توقفت السيارة أسفل البناية وقبل أن يتفوه بأي شيء أسرعت تدلف منها وتتقدم نحو المدخل مسرعة. لحق بها بعد قليل من الوقت استعاد فيه هدوءه الهارب منه. أغلق باب الشقة خلفه متعجبًا من الهدوء حوله ونظافة المكان أيضًا. ترك مفاتيحه فوق المنضدة وتوجه نحو غرفة أبنائه فوجدها تجاورهما الفراش تمسح فوق رأس أحدهما وتقبل وجنة الآخر وتقاوم بكائها من جديد. أشار لها لتلحق به بالخارج. وقف أمام الباب ينتظرها حتى خرجت وأغلقت الباب خلفها. قبل أن ينطق أي منهما جائت السيدة التي تساعدها في أعمال البيت من المطبخ

وهي تجفف يديها وقالت: "آية يا حبيبتي، أنا خلصت كل حاجة خلاص، أحضرلكم حاجة خفيفة تتعشوا؟ حادت ببصرها نحوه تسأل بعينيها فأشار لها بالرفض: "لا يا أم بلال متتعبيش نفسك، أنا كلمت السواق وهو زمانه جاي عشان تروحي، وبكرة بإذن الله خديه أجازة عشان ولادك اللي جايين من السفر." ولكن المرأة رفضت: "وأسيبك مع القرود الصغننين دول لوحدك لا مقدرش، ولادي قاعدين يومين تلاتة مش هيحصل حاجة لو جيت بكرة ساعتين حتى." أجابتها:

"يا حبيبتي مالوش لازمة تتعبي نفسك، أنا هتصرف متقلقيش هو أنا ورايا غيرهم." استمر الجدال بينهما حتى وصل السائق ورحلت برفقته بعدما انتصرت آية. دلفت للغرفة فوجدته لازال ينتظرها وكأنه يصر على إكمال الحديث الذي قطعته هي. قالت وهي تتوجه للحمام: "لو سمحت يا طه خلينا نتكلم الصبح أنا مش قادرة والله." ولكنه عاقب تقدمها بوقوفه أمامها وقوله بندم: "أنا آسف."

عادت الدموع لعينيها وعاد صوت صراخه عليها يتردد بأذنيها، وأمام حالتها هذه احتضنها ليجدها وقد استسلمت للبـكاء وعاتبته بقولها: "متأخر أوي الحضن ده يا طه، كنت مستنياه من وقت ما كنا في العيادة، مكنتش متخيلة إنك هتقسى عليا كده." مرر كفه فوق رأسها برفق: "حقك عليا والله، مش هتتكرر تاني، أنا آسف، بس مكنش مسيطر عليا غير إحساسي بالصدمة."

لم تنتبه لما يقول اكتفت بالانخراط في نوبة بكائها دون توقف، ولم يقاطعها هو، بل جذبها لتجلس فوق الأريكة وجلس هو الآخر وجذب رأسها لتستقر فوق كتفه وأحاط كتفها بذراعه. قالت من بين دموعها: "أنت متخيل إني عملت ده عن قصد وجايب اللوم كله عليا، هو الحمل ده بإيدي وحدي يعني؟ ابتسم بخفة وهو يحك أنفه برفق، بينما أكملت وهي تحاول إخماد شهقاتها:

"وبعدين أنا باخد الحبوب بانتظام على فكرة، وعارفة إن الولاد لسه في مرحلة صعب أشغل عنهم بحاجة تانية، وإن الحمل هيكون صعب عليا، وإني كمان ممكن أضطر أفطمهم بدري، بس لازم تعرف كمان إن أنا معملتش ده قصد، أنا أصلًا كنت بفكر إن كفاية اتنين ومنخلفش تاني، وبعد ردة فعلك دي فـ أتأكد فعلًا مش هكررها تاني وكفاية لحد كده." رد مستنكرًا قولها الأخير:

"هو إيه ده اللي كفاية لحد كده، أنا عايزة نخلف تاني وتالت وعاشر، بس بالعقل، زي ما عايز ولاد كتير فـ أنا مش مستغني عنك وتهمني صحتك قبل أي حاجة تاني، وعصبيتي كانت عشان كده قبل أي حاجة تانية، خايف تتعبي أو تحصلك مضاعفات مع الوقت، لكن أنا بحبك يا آية، ويابختي إن ولادي أنتِ أمهم." رفعت رأسها تسأله وهي تمسح دمعاتها: "بجد؟ يعني أنت مش ندمان؟ أو بتفكر ننزل البيبي؟ رفع حاجبه بغيظ: "مش هرد عليكي والله، ربنا يشفيكي."

سألت مجددًا بنبرة تهدد بنوبة بكاء جديدة: "يا طه بجد أنت مش زعلان طيب، أو…" قاطعها بصدق وهو يحيط وجهها بكفيه: "والله لأ، ليه بتقولي كده، ما أنا فهمتك سبب عصبيتي ووضحت لك الأمور." هزت رأسها بإطمئنان ونظرت له ببرأة: "تفتكر هيطلع ولد ولا بنت؟ رفع كتفيه بحيرة: "مش عارف بس أنا نفسي تكون بنت، وتبقى شبهك في كل حاجة، هادية وعاقلة، وبتخطف قلبي بكلامها وضحكتها." ولكنها خالفته الرأي: "بس أنا نفسي يطلع ولد." نهض

يفك أزرار قميصه وعارضها: "ده على أساس إن ريان وحسن دول قرود ولا إيه؟ تقدمت منه وقالت: "لا بس لو بنت فـ فرق السن بينهم هيكون صغير، وأنا مش عايزة كده؟ أغلق ضلفة الدولاب بعدما ارتدى ثيابه واستدار لها: "أشمعنا يعني؟ قالت ببساطة وهي تنهي تبديل ثيابها هي الأخرى: "عشان لما البنت بتكون أصغرهم والفرق بينهم كبير بتبقى دلوعة أخواتها، وبيدوها حب أكتر بكتير من لما تبقى قريبة منهم لأن شعورها هي بالمسؤولية تجاههم بيكون أكبر بكتير."

ابتسم: "وجهة نظر تحترم وكل حاجة، بس أبوها موجود وفي كل الأحوال هديها كل الحب اللي ممكن تحتاجه، فـ متقلقيش." جلست فوق الفراش وقالت معترضة: "والله، ولما تدي الهانم كل الحب، أنا مين يحبني ويهتم بيا؟! جلس في الجانب الآخر وقال ببساطة: "هحبكم سوا، متقلقيش." ولكنها رفضت: "لا أنا مش موافقة وخد بالك أنا غيرتي وحشة! اقترب منها وهو يجذبها إليه لتستند فوق صدره وسأل مهاودًا لتقلباتها المزاجية: "يعني عايزني أعمل إيه؟ لانت

نبرتها لقربه المحبب وقالت: "حبني وحدي، ومحدش غيري يكون ليه مكان في قلبي." نظر لعينيها بتأكيد: "طب ومين قال إن في غيرك في قلبي يا يويو؟! وأعلم يا عزيز فؤادي بأنه وإن كان في الحياة متسع للاعتراف بالحب في كل دقيقة لما توقفت عن فعلها حتى الدقيقة الأخيرة من عمري. في الصباح الباكر استيقظ على كف صغير "حسن" يصفعه على وجهه بقوة. اعتدل في نومته ليواجهه وقال بابتسامة واسعة: "طيب يا ابن الناس يا متربي خلاص صحيت، أمك فين؟

نهض وحمله بين ذراعيه يتبع ضوضاء صغيره الثاني "ريان" الذي لا يكف عن البكاء وصياح زوجته الدائم منه. ما أن رآه جلست فوق كرسيها بإرهاق وقالت: "طه بجد تعالي شوف ابنك من وقت ما صحي مش مبطل زن تعب أعصابي والله." أجلس حسن في مقعده وحمل المشاغب الآخر وتوجه للحوض يغسل له وجهه وكفيه من بقايا الطعام التي لطخ بها نفسه. جذب منديلًا يجفف به بقايا المياه وهو يداعبه فضحك له الصغير، ما أثار تعجبها وهي تتحدث بتبرم:

"طلع عين أهلي من الصبح ودلوقتي بيضحك لأبوه، أنا الواد ده مش ابني، أنا خلفت رينو وبس." وضعه في كرسيه ومال إليها يقبل رأسها: "صباح الورد، على القمر الغضبان." ابتسمت له بحنان وقالت: "صباح الخير يا حبيبي، اقعد افطر ودقيقتين والقهوة هتكون جاهزة."

جلس أربعتهم لتناول الفطور وسط ضحك الطفلين وحديثهما الصباحي المعتاد. كان يطالع ثلاثتهم بعين تفيض بالمحبة وأخرى تفيض بالشكر والعرفان لله الذي منحه فرصة أخرى ليحيا هذه الحياة الدافئة، والتي لا تخلو من الشجارات والصدامات مع زوجته، ولكن مادام الحب بينهما فالأمر ينتهي كله في ثوانٍ معدودات. تذكر يوم علم منها بخبر حملها، كان شعورًا لم يملك الجرأة حتى ليحلم به. انتقل بذاكرته ليوم الولادة، كاد أن يموت قلقًا خارج غرفة العمليات

وهو ينتظر خروجهم منها بخير. لا يمكنه نسيان قول الطبيبة بأن الولادة متعسرة وأنها تحاول بذل أقصى جهدها لإنقاذ الأم وطفليها. مشهد آخر وهو يحمل الصغيران بذراعيه لأول مرة، تلك كانت من المرات القليلة التي شعر فيها بقلبه يكاد يخرج من بين ضلوعه فرحًا. عام كامل مليء بصوت هذان الملاكان وبتصرفاتهما العجيبة، وثلاثة أعوام برفقة هذه المرأة المذهلة كلمة منها تساوي الدنيا بما فيها، ودمعة منها قادرة على جعله يهدم هذه الدنيا وما فيها.

وحدها القادرة على إخماد غضبه، إذهاب ضيقه.

كان يطالعها محدثًا نفسه "وما كنت أدري شفاءًا لعللِ فؤادي سوى الارتواء من رحيق أزهارك." مشهد أخير مر أمام عينيه، زيارة الطبيبة، حديثهما بعد مغادرة العيادة وحديثهما الأخير قبل النوم. انتفض بجلسته وهو يسند قهوته فوق الطاولة ويسألها وكأن عقله لازال غير مدرك للأمر: "آية، أنت حامل بجد ولا أنا كنت بحلم؟

نظرت لهيئته والصدمة على ملامحه وما لبثت أن انفجرت بالضحك ما جعله يتأكد بأنه حقيقة. تدارك صدمته ليشاركها الضحك وسط متابعة الصغيران لهما بتعجب. "كأن وجودك كان شفاء من كل أحزاني، بقربك ابتسمت لي الحياة، وبجوارك أشرقت روحي، وكأن وجودك هو الملاذ الذي أرمي فيه هربًا من كل هم، وكأنك الهواء والهوى والداء والدواء." النهاية تمت بحمد الله

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...