بعد ساعة أخرى، كان طه في سيارته يتجه نحو مكان عمله بنشاط وحيوية، وكأنه طائر العنقاء يولد من جديد. تذكر جلستها في الغرفة وهي تتابع تحركاته حتى يستعد للنزول، وهو يسرد عليها تفاصيل مهمته الأخيرة وكيف تم إلقاء القبض على هؤلاء المجرمين في لمح البصر. ابتسم من جانب وجهه وهو يتذكر لمعان عينيها كطفلة صغيرة يسرد لها والدها مغامرات السندباد.
في لحظة، انقلبت ملامحه المبتسمة لأخرى يشوبها الريبة وهو يتفقد فرامل سيارته، ليتضح له أنها لا تعمل. لعن من تحت أنفاسه وهو يحاول تجميع أفكاره. رفع وجهه للطريق بعدما ارتفع بوق إحدى السيارات التي تسير في اتجاه معاكس له. حاول تفاديها، ولكن سائقها استدار بها لتصطدم بسيارة طه بقوة، ما جعل سيارته تنقلب على جانبها.
مرت دقائق تجمع فيها الناس حول السيارتين، بينما في الداخل كان يصارع ألا يفقد وعيه قبل الخروج من كومة الحديد هذه. ولكن جرح رأسه شوش رؤيته، وذراعه الذي حُشر بين السيارة والمقعد عاق حركته وقيده. سكنت الأصوات من حوله، ولم يتردد على مسامعه سوى قولها الأخير له قبل أن يرحل: "خلي بالك من نفسك يا طه، ومتتأخرش بالليل."
شعر بأحدهم يحاول فتح الباب بجانبه، وقبض فوق يده يجذبه. هنا فقط ترك لعينيه العنان بأن يغلقا، وغاب في دنيا اللاوعي. *** في الطريق للمشفى، كانت آية تجلس في المقعد الخلفي لسيارة أمير، وجاورتها شهد. لم ينقطع بكاؤها منذ علمت بما أصابه. فبعد رحيله لعمله بنصف ساعة، جاءها اتصال من رقم مجهول يخبرها بما أصابه. تردد في أذنها ذلك الصوت المقيت بقوله:
"متستنيش المحروس جوزك بالليل، أصله زمان ملك الموت واخد روحه في حضنه دلوقتي، البقاء لله يا حلوة."
شلت الصدمة وعدم التصديق أطرافها. جذبت الهاتف الذي سقط من يدها، وعادت تهرول بين الأرقام حتى جاءت برقم طه. وضعت الهاتف فوق أذنها بعد أن ضغطت عليه بأصابع مرتعشة، ولكن الصوت الذي أخبرها بأن الهاتف مغلق دب الرعب في فؤادها. عادت تمرر الأرقام أمام عينيها حتى جاءت برقم أمير وطلبته بأنفاس متسارعة. أجاب في المرة الرابعة بعدما انهار ثباتها، فقالت بدموع وغضب: "أنت مبتردش ليه يا أمير، طه مبيردش عليا، وفي... في رقم كلمني قالي...
سردت له المكالمة وما حدث فيها، وسألته بأمل: "قولي إن طه كويس، وإن ده مقلب من حد سخيف بالله عليك قولي كده." ولكن خاب أملها وهو يردف بأسف: "أنا آسف يا آية، بس ده مش مقلب." تعالى صوت بكاؤها، وتتابعت شهقاتها، ولم تملك قدرة على إمساك تلك الأنفاس الهاربة منها، بينما صمت هو ينتظر أن تهدأ قليلًا. قالت من بين شهقاتها: "طيب هو حصله إيه طيب، يعني هو خلاص كده، أنطق متسكتش كده، جوزي حصله إيه." سارع ينفي ما وصل لها:
"لا، لا أطمني طه عايش الحمد لله، هو بس عمل حادثة بالعربية واتنقل على المستشفى دلوقتي. بصي أنا رايح البيت أجيب شهد وأنتِ اجهزي هاجي آخدك ماشي، طه هيبقي كويس صدقيني." كانت هي على الجانب الآخر، منذ سمعت قوله بأنه على قيد الحياة وهي تكرر همس "الحمد لله" حتى سمعت قوله الأخير: "متتأخريش ارجوك أنا مش قادرة أتلم على أعصابي."
مرت ما يقارب الساعة، لا تعلم كيف استطاعت أن تبدل فيها ثيابها. كانت تارة تبكي، وأخرى تجلس أرضًا لا تستطيع النهوض، وتارة تهرول لتكون مستعدة حالما يصلوا إليها. سمعت طرقًا على بابها، فجذبت حقيبتها وهرولت تفتحه. كانت شهد، وما أن رأتها إلا واحتضنت كلتاهما الأخرى ببكاء، حتى أبعدتها آية للوراء وقالت بقوة وأمل تحاول إيصالهم للتي أمامها: "هيبقي كويس، إن شاء الله هيقوم، ربنا مش هيوجعنا فيه أنا واثقة من ده."
جذبتها حتى المصعد الذي انفرج بابه. هنا في مدخل البناية، ومنه إلى السيارة، حيث هي الآن. صف أمير سيارته أمام المشفى، وهرول الجميع نحو موظف الاستقبال للاستعلام عن مكانه. بعد خمس دقائق، كان الثلاثة يقفون أمام غرفة العمليات بانتظار خروج أي أحد ليطمئنهم. كان أمير يروح ويجيء بأعصاب تالفة، بينما وقفت كلتاهما ودموعهما مصاحبة لهن. خرج فرد من طاقم التمريض، ولكن قبل أي سؤال رحل بعد قوله بأنه لا يملك أي صلاحية لقول أي شيء.
ساعة كاملة لا علم لهم بما يحدث بالداخل، حتى طرق أمير الباب بغضب ونفاذ صبر: "إحنا هنفضل كده كتير، ما حد يخرج يطمنا."
مرت نصف ساعة أخرى، لم تعد لقدميها القدرة على التحمل أكثر، فأنهارت بالأرض جالسة. انفرج باب العمليات، فخرج أفراد طاقم التمريض يدفعون السرير المدلول، وهو مستلقٍ فوقه لا حول له ولا قوة. شهقة ملتاعة خرجت من جوفها وهي تنهض نحوه بقلب مات من خشية فقدانه. همست باسمه وهي تهرول معهم، ترفض تركه، حتى أوقفتها إحداهن قبل دلوفهم للمصعد. بقيت تنظر له حتى انغلق الباب، فعادت لهم تسمع قول الطبيب:
"واضح إن الحادثة كانت شديدة عليه، لكن إحنا عملنا اللازم، وقدرنا نسيطر على النزيف الداخلي. الخبطة اللي في الدماغ سببت جرح كبير، لكن إحنا خيطناه، وباقي الجروح والكدمات مع الوقت هتروح. إحنا هنحطه في العناية المركزة لحد ما يفوق، ادعوله الـ 24 ساعة الجايين يعدوا على خير، بعد إذنكم." أوقفته برجاء: "دكتور لو سمحت ممكن أشوفه، دقيقة واحدة بس أرجوك."
عادت تبكي بقوة، فأسندتها شهد، بينما نظر أمير للطبيب الذي رفع نظارته بسبابته وقال مضطرًا نظرًا لحالتها: "مفيش مشكلة، بس ياريت بلاش نزعجه." تحرك ثلاثتهم خلفه حتى غرفة العناية. أشار لها الطبيب بالدخول، بينما أفسح لها شهد وأمير لتدخل. قبضت فوق مقبض الباب، واتخذت عدة أنفاس قبل أن تديره وتدخل مغلقة خلفها. تقدمت نحوه ببطء. لامس كفها الرقيق المرتعش كفه الكبير الساكن بجانب جسده. طالعت الأجهزة الموصولة بجسده بدموع.
منذ ساعات قليلة كان بجانبها، كان يضحك لها ويحادثها ويرتب لحياة قادمة برفقتها، والآن ينازع الموت حتى يبقى، وينازعه الموت ليأخذه. تذكرت حديثه لها بعدما انتهى من ارتداء ملابسه صباحًا. جلس جوارها وهو يلف ساعته الغليظة والأنيقة فوق معصمه، فسألته وهي ترفع إحدى حاجبيها: "قولي يا طه، هو مش المفروض بعد مهمة كبيرة زي دي وترقية كبيرة زي اللي خدتها دي تاخد أجازة يومين حتى، ولا هو خلاص ياعم الجامد الداخلية هتنهار من غيرك؟
رفع سبابته يفك انعقاد حاجبيها ضاحكًا: "إيه ياعم كرومبو أنتِ أهدي، ده اللي كنت هتكلم فيه دلوقتي على فكرة، الأجازة أنا أجلتها بعد ما الهانم قالت مش راجعة غير بعد ما شروطها تتنفذ." سألت من جديد: "طيب ودلوقتي، هتاخدها؟ رأسه بالإيجاب واقترب منها: "أيوة، هظبط شوية حاجات هنا الأول وبعدها شوفي حابة نسافر فين ونروح." أخذتها الحماسة وهي تصفق بيديها، ولم تنتبه لكونها نهضت فوق ركبتيها لتحتضنه. قالت وهي تحيط عنقه بذراعيها:
"أنت برنس الداخلية والله." فاجأته حركتها المباغتة، ولكنه تداركها مبتسمًا وهو يعانقها بالمثل، متنهدًا بقوة وهو يحرك رأسه ليستقر وجهه مقابلًا لعنقها. شعرت بالخجل وهي تفك قيد يدها وتحاول دفعه، ولكنه أبي تركها، فقالت تسايسه: "طه هتتأخر على شغلك." همس ولا يزال كما هو: "يتحرق الشغل." ضحكت على قوله وهي تهتف: "أنت قد الكلمة دي؟ أمام إصرارها، ابتعد قليلًا برأسه ولم يفلت جسدها. قال وهو ينظر لها ولهروبها منه بشكل مستمر،
مازحها بقوله: "مش المفروض كبرنا على موضوع الكسوف ده ولا إيه؟ نظرت له، فسقطت عيناها أسيرة لتلك النظرة الشغوفة في عينيه. قالت بصوت خفيض متذمر: "مفيش حاجة اسمها كده، محدش بيكبر على فطرة اتخلق بيها." عقد حاجبيه سائلًا: "أفهم من كده الحالة دي هتستمر كتير، أصل إحنا مطولين مع بعض، حسبة تأبيدة كده ولا حاجة." ضحكت وهي تفك انعقاد حاجبيه كما فعل لها:
"ولو بعد 100 سنة هفضل زي ما أنا كده، أيوة بنتخانق وبنبقى ناقص نخلص على بعض، بس في وقت هقلب قطة سيامي مش عارفة تروح فين عشان متبصلهاش." ابتسم بخبث وقال بوقاحة لم تعتدها: "ده بيتهيألك بس، علشان إحنا لسه محصلش بينا حاجة، لكن بعد... قاطعته تضع يدها فوق فمه بوجه تكسوه حمرة الخجل وتذمرت: "إيه يا طه، إيه يا حبيبي مش كده، أنت غلبت حمدي الوزير بجد، قوم شوف شغلك، وحاسب كده."
تركها ونهض واقفًا وهو يضحك بقوة عليها وسط تحاشيها النظر له. نهضت هي الأخرى وقد قررت التظاهر بترتيب الغرفة، فقبض عليها لتنظر له ولملامح وجهه التي حاول جعلها تشبه ملامح تلك الشخصية التي شبهته بها. وأمام هذا لم تتمالك نفسها، فعلا صوت ضحكها مجلجلًا يملأ الغرفة. نظرت له بعينين تلتمعان، وقالت: "تعرف أنت بتفكرني بجملة كنت قرأتها مرة في رواية." صمت تثير فضوله حتى يسألها، وحينها قالت: "كانت
بتقول: 'كنت أعلم أن خلف صمتك كنوزًا ودرر مدفونة.' أعتقد إن أنا قولتها صح. طول الفترة اللي فاتت دي أنا كنت بكتشف طه تاني غير طه الصامت المكشر، اللي مش بيتكلم، أو إجمالًا لكل ده، طه الأشعث." قالتها وراقبت ملامحه الممتعضة حتى شعرت به يفلتها ويستدير للمغادرة بعد قوله: "أنتِ مش بوظتي اللحظة، أنتِ دشملتي أمها، سلام يا حمقاء." تعالت ضحكاتها مجددًا وأسرعت خلفه حتى لحقت به عند الباب، فقالت قبل أن يغلقه:
"خلي بالك من نفسك يا طه، ومتتأخرش بالليل." عاد برأسه يُقبل وجنتها سريعًا وقال غامزًا: "لما أرجع هنكمل اللي وقفنا عنده قبل طه الأشعث اللي قولتيها دي، هتوحشيني." هزت رأسها موافقة وراقبته حتى أغلق باب المصعد. رحل نحو مصيره المحتوم. أغلقت هي الأخرى باب المنزل واستندت بظهرها عليه مبتسمة، وهمست وهي تضع يدها فوق قلبها: "إيه يا معلم مش كده، هتفرفر مني عشان قال هتوحشيني، أومال لما ننقل لليڤل أعلى هتخرج من مكانك."
عادت من شرودها، لا تدري أتبكي أم تبتسم. همست له قبل خروجها: "وأنت كمان بتوحشني في كل وقت يا طه." غادرت بعدما مالت تلثم كفه، خرجت إليهم. ودون التفوه بأي كلمة، توجهت نحو مقعد مقابل باب غرفته وجلست فوقه تبكي بصمت، وكأنها بعالم آخر غيرهم. جلست شهد بجوارها، والتي لا يقل ما يعتليها عن ما تعانيه الأخيرة. ربتت فوق كفها تؤازرها دون أي حديث. نظرت لها وقالت:
"كنا خلاص يا شهد هنبدأ صفحة جديدة، كنا بنتفق هنقضي الإجازة بتاعته فين، افتكرت الحياة ضحكت لينا خلاص، ليه يحصل كل ده ليه؟ احتضنتها شهد بعدما دخلت في نوبة بكاء أخرى، قالت من بين دموعها: "وحدي الله يا آية مش كده، أنتِ مؤمنة بالله وبقضائه وقدره، واللي حصل ده مكتوب مفيش منه مهرب يا حبيبتي، ادعيله يقوم بالسلامة." بقيت بين يديها تتضرع لله هامسة، في حين نظرت شهد لأمير بقلق: "أمير أنت كلمت بابا أو ماما؟
لو اتصلوا بماما زيي أنا وآية دي كانت تروح فيها." طمأنها بقوله: "كلمت والدك وقولتله، قالي هيجيبها ويجي، ربنا يستر بس لما تعرف." قالت شهد: "حسبي الله ونعم الوكيل، منهم لله." نظرت له آية: "الحادثة دي بفعل فاعل يا أمير مش كده؟ هز رأسه بحيرة: "لسه منقدرش نجزم بشيء، بس سواق العربية اللي خبطت طه مكنش موجود لما الناس اتلمت، وواحد من الشهود قال إنه شافه بينط من العربية." أكملت آية بتفكير وهي تزيل دموعها:
"ولو افترضنا إنه مش قاصد يخبط طه كان هيبعد عن العربية ماشي، لكن مش لدرجة يهرب، وده معناه إنه كان عارف هو بيعمل إيه. طه مش أول مرة يسوق، وأكيد حتى لو السواق ده حاول يخبطه كان هيفادي، أكيد العربية هي كمان كان فيها حاجة." هز رأسه استحسانًا لما قالته: "كل شيء جايز، على العموم هنستنى تقرير المعمل الجنائي وكمان شهادة طه ونشوف هنوصل لإيه." ***
في نهاية اليوم التالي، حضر الطبيب لفحصه، وحالما تأكد من تحسن مؤشراته الحيوية، سمح بنقله لغرفة عادية. ترك الممرضات داخل الغرفة وخرج للواقفين أمام الباب: "الحمد لله، في تحسن كبير عن امبارح، دلوقتي هيتنقل لغرفة عادية وهننتظر إنه يفوق."
كان قول الطبيب بمثابة عود الروح للجميع، آية، شهد، زوجها ووالديه. الجميع لم يغفُ له جفن منذ اليوم الماضي. مرت نصف ساعة كان قد وصل فيها لغرفته الجديدة، ووقف الطبيب بجانبه وممرضته المساعدة يعطيها تعليماته، بينما وقفوا جميعًا بالجانب الآخر، وجلست هي بطرف الفراش تنظر له ببكاء صامت، تطالع ملامحه الشاحبة وكأنها تحاكي الموتى في صمت، شاربه الكثيف وملامحه السمراء التي ما طالعت قلبها مثلها من قبل. مرت يدها فوق رأسه بحنان وهي تنظر لجرحه المخيط بألم، وكأنه أصابها هي.
انتهى الطبيب من تعليماته ونظر للجميع باستياء: "يا جماعة مش هينفع كده لو سمحتوا، ياريت الكل يروح وواحد بس اللي يفضل معاه، لكن المنظر ده لا، مش عايزين نتعب المريض." هز أمير رأسه موافقًا، وكان أول من تحدث: "الدكتور عنده حق يا جماعة يلا بينا، والصبح إن شاء الله نبقى عنده كلنا." غمز بعينه خفية لزوجته مشيرًا نحو تلك الجالسة، ودون اهتمام لما يقال حولها، حمحمت شهد وربتت فوق كتف آية:
"حبيبتي يلا بينا عشان نوصلك، والصبح نرجعله." هزت رأسها نافية وقالت بقوة: "أنتم عايزين تسيبوه لوحده إزاي يعني مش فاهمة، دي محاولة قتل وممكن اللي عمل كده يرجع يعملها تاني." صحح لها أمير ظنها: "مين قال بس هنسيبه لوحده، أنا هوصلكم وارجع له، وكمان في اتنين عساكر هيكونوا برة على الباب." هزت رأسها استحسانًا وقالت وهي تعود ببصرها نحو طه: "طيب كويس روح وصل عمو وطنط ومراتك وابقى تعالوا الصبح، وأنا هفضل مع طه."
مرت نصف ساعة كاملة حاول فيها الجميع إثنائها عن قرارها، لكن الإصرار بعينيها أرغم الجميع على الرضوخ لها بعدما أنهت النقاش بقولها: "متتعبوش نفسك على الفاضي، أنا مش هسيب جوزي وأمشي. أمير حابب توصلهم وترجع تبقى قريب من هنا زيادة أمان أنت حر، بس الأول شهد تروح الڤيلا عند عمو عشان متبقاش لوحدها، لكن أنا مش هعرف أقعد في مكان غير جنب طه لحد ما يفوق وأطمئن عليه." جلست فوق الكرسي المجاور لفراشه وراقبتهم يتوجهون للخارج حتى
توقف أمير قبل غلقه للباب: "هوصلهم البيت أرجع علطول، اقفلي باب الأوضة من جوه ومتفتحيش غير ليا أو للدكتور اللي كان معانا من شوية، ولو احتاجتي حاجة اتصلي بيا." رحل، وبقيت هي لجواره حتى غلبها النعاس فوق كرسيها. لم يوقظها سوى طرق خافت فوق الباب. حركت رأسها يمينًا ويسارًا تستوعب أين هي، حتى عاد الطرق مجددًا، فتوجهت نحو الباب بقلق بعدما نظرت في ساعة يدها وجدتها قاربت على الخامسة فجرًا. همست بصوت بان فيه أثر نومها: "مين؟
فقال الطارق: "أنا أمير افتحي." هدأت ضربات قلبها القلقة وهي تدير المفتاح بالباب وأدارت المقبض تفتح الباب. مد لها أمير يده ببعض الأكياس وحقيبة صغيرة وقال بهدوء: "أنا جبتلك أكل، والحاجات دي بعتهالك شهد، قالت هتحتاجيها، وأنا قاعد قريب من هنا متقلقيش من أي حاجة." ابتسمت له بامتنان تشكره على حسن تعامله، ووفائه لصديقه. نظر للداخل بقلق وهو يسألها: "طه عامل إيه، لسه مفاقش؟ هزت رأسها بنفي مجيبة:
"لاء لسه، الدكتور كان هنا من شوية قبل ما تيجي وطمني عليه متقلقش، إن شاء الله بكرة يفوق ويطمنا عليه بنفسه."
أومأ موافقًا، أغلقت الباب بالمفتاح بعد رحيله وعادت للداخل. ووضعت الأكياس فوق الأريكة المجاورة للباب وفتحت الحقيبة التي أرسلتها شهد لتجد بها ثياب لها وسجادة للصلاة. ابتسمت وهي تجذب بعض الثياب وتتوجه لمرحاض الغرفة. بعض قليل من الوقت خرجت بعدما بدلت ملابسها لأخرى وجذبت سجادة الصلاة لتصلي سنة الفجر، لكنها وقفت حائرة بمنتصف الغرفة لا تفقه أين القبلة، حتى جذبت هاتفها تحاول تحديها.
بقيت هكذا حتى طرقت إحدى الممرضات باب الغرفة. وقفت الممرضة تراقب مؤشراته الحيوية وتتأكد من أن المحلول المعلق يعمل جيدًا. ما أن همت بالمغادرة بعد قولها: "كل حاجة تمام الحمد لله، حضرتك محتاجة أي حاجة قبل ما أمشي؟ سألتها وهي تشير لسجادة الصلاة بيدها بقلة حيلة: "عايزة أصلي، ومش عارفة القبلة فين."
ابتسمت الأخرى وأعلمتها ما تجهله وولّت راحلة. عادت تغلق الباب من خلفها بالمفتاح. وقفت تؤدي صلاتها، وجلست من بعدها بمكانها تدعو الله بأن يرد له عافيته. غلبها دموعها فبكت بصمت، قطعه شهقاتها بين الدقيقة والأخرى حتى سمعت همهمات ضعيفة تأتي من ناحيته. رفعت رأسها ببطء وهي توجه نظرها نحوه دون حركة. ولكن همسه الضعيف باسمها جعلها تنتفض بسرعة البرق إليه. أشعلت ضوء المصباح الصغير المجاور له وهي تجلس بطرف الفراش تتأكد إن كان ما سمعته حقيقي.
فتح عينيه ونظر لها بنظراته التي تحيطها من كل اتجاه. ابتسمت وهي تنظر له دون حديث، ولكن همست مقلتاها بالأشعار سرًا، تغازل عينيه الصافيتين تحت ضوء الغرفة الخافت المائل للأصفر، والتي أضفت لهما بريقًا جذبها إليه برفقٍ كمن يجذب أميرته نحو ساحة الرقص لأداء رقصة، تحت ضوء القمر ووسط ألحان موسيقى هادئة. مرت يدها فوق وجهه وقد امتلئت عيناها بالدموع ولا تزال صامتة. فيحدث أن يأتيك ما صبرت لنيله، فيكون ترحيبك به صامتًا ليس لانطفاء لهفتك نحوه، بل لأن الكلمات لا يمكنها أن تعبر عن فرط ما يعتليك من مشاعر. ثوانٍ ودقائق مرت وهما هكذا، حتى
مرر يده يزيل دمعتها وهمس: "عينيكِ حلوة أوي يا آية." ابتسمت وخرجت عن صمتها وهي تميل برأسها تضعها فوق صدره وقالت ببكاء: "روحي كانت بتروح من بعد ما عرفت اللي حصلك، حسيت الدنيا ضلمت ومبقتش عارفة إزاي آخد نفسي… رفعت رأسها تنظر له، سألته بخوف: كنت هعمل إيه لو حصلك حاجة، كنت هعيش إزاي يا طه؟ ربت فوق كفها وقال بوهن: "أنا بقيت كويس على فكرة." قالت بعتاب مُحب:
"من كام ساعة بس كنت هتسبني، من كام ساعة بس أنا قلبي اتخلع مني ومرجعش غير لما فتحت عنيك دلوقتي." ابتسم وأجاب: "أنا جنبك لآخر يوم في عمري، حتى لو أنتِ عايزة تبعدي مش هسمحلك." ابتسمت وخرجت من سحر لحظتهما وهي تجفف دموعها وسألت: "أنت تعبان؟ في حاجة بتوجعك؟ … هنادي الدكتور يشوفك." وقبل أن تضغط الزر لاستدعاء أي أحد منهم، أوقفه قائلًا: "أنا كويس مش محتاج حد." ولكنها رفضت وهي تضغط على الزر:
"وأنا عايزك كويس دايمًا، بس الدكتور لازم يشوفك برضو." بان تذمره فوق ملامحه، حتى سمعت طرق الطبيب. توجهت نحو الباب تفتحه فأوقفها قائلًا بضيق: "غطي شعرك ده، مش ابن أختك اللي على الباب." غطت بضيقٍ خصلاتها التي تمردت عن حجابها دون أن تشعر، ونظرت له تخبره: "مخدتش بالي أكيد." مرت خمس دقائق وقف فيها الطبيب يقوم بعمله، حتى ختم ما يفعله قائلًا: "الحمد لله إحنا كنا فين وبقينا فين يا بطل، حمد الله على سلامتك." هز رأسه
دون رد على حديثه وسأل: "هقدر أخرج أمتى؟ تعجبت من سؤاله، وكذلك الطبيب الذي قال: "إيه يا حضرة الظابط زهقت مننا بالسرعة دي ولا إيه." فأجاب الأخر بجمود: "مبحبش قعدة المستشفيات." هز الأخر رأسه بعملية: "مفيش مشكلة، شد حيلك بس أنت، وإن شاء الله لو في تحسن ممكن تخرج بعد أربع أو خمس أيام أسبوع بالكتير، بعد إذنكم." ابتسمت له بامتنان وشكرته وهي تغلق خلفه الباب وتعود للراقد خلفها بتذمر:
"إيه الطريقة اللي بتتكلم بيها دي، وبعدين خروج إيه ده اللي بتتكلم فيه، أنت مكملتش ساعة فايق." ولكنه ناطحها بغضب: "أنتِ بتتكلمي مع الدكتور ده كده ليه؟ عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت: "بكلمه إزاي مش فاهمة، أنا عملت إيه؟! قال بنفس النبرة وقد ظهرت غيرته جلية على وجهه: "بتضحكي وبتسمي وبتشكريه وبتوصليه للباب، مخترعش الذرة هو يعني؟
وقفت تحملق فيه دون فهم لما يتفوه به، حتى وصلت لنقطة أنه يغار عليها. ابتسمت داخلها وهي تتقدم من تنظر لضمادة رأسه بتفحص وسخرت بقولها: "هي الخبطة شغلت الجزء المسؤول عن المشاعر اللي في دماغك صح؟ … إحنا لازم نشكر اللي كانوا السبب على كده." تفاقمت حُمم غضبه وهو ينظر لها بإشتعال، بينما نظرت له عي مبتسمة وقالت بمكر: "أنت غيران من الدكتور يا طهطوها؟ امتعضت ملامحه لهذا اللقب الذي تفوهت به. هز رأسه موافقًا وقال:
"كنت غيران آه، بس بعد الاسم ده أنا ممكن أقوم أحدفك من البلكونة اللي هناك دي عادي." ابتعدت ضاحكة وهي تغلق المصباح المجاور له وقالا بهدوء: "أنت بقيت رغاي على فكرة، نام شوية يلا عشان متتعبش، ولأن بمجرد ما يتعرف إنك فقت مش هتعرف تغمض عينك من كتر الناس اللي هتيجي عشان تشوفك." ابتعدت تتأكد من أن الباب مغلق بإحكام وتحررت من حجابها وجلست فوق الكرسي جواره دون حديث آخر، بينما هو كانت لا تزال شهوة الحديث لديه لم
تشبع لذا قال بتذمر طفولي: "أنا مش عايز أنام." مرت دقيقة حتى قالت: "أومال عايز إيه؟ وقع في شر تذمره وهو لا يجد ما يطلبه، قال بهمس مراوغًا: "احكي لي عنك شوية." عقدت حاجبيها وهي تكذب ما سمعته، وقالت بضحك: "ده بجد؟ أنت فاكر أنا مين طيب ولا إيه حكايتك؟ أنادي الدكتور؟ همس بغضب سمعته: "هتطلعني مجنون دلوقتي! يابنتي مرة واحدة اعملي اللي أقوله بدون اعتراض ورغي كتير." اقتربت أكثر بكرسيها وسألته مجددًا: "طيب أنت فاكرني بجد؟
إيه آخر حاجة فاكرها قبل الحادثة." رفع حاجبه وقال بقوة: "فاكر طه الأشعث." ضحكت بخفة وهي تقول مطمئنة: "كده أنا اطمنت عليك، عايز تعرف إيه بقي عني؟ همس من جديد يغالب ألمه: "ليه استحملتِ كل ده معايا؟ يعني أنتِ بنت جميلة جدًا، وشخصيتك قوية، أخلاقك، أدبك، ذكية، بتدخلي قلب أي حد يشوفك و…" قاطع استرساله صوت قهقهتها الرقيقة المتعجبة، وهي تنظر له بعبث وسألت: "ده أنت واقع خالص بقي." تجهم وجهه: "طيب جاوبي." هزت كتفيها بشرود:
"تصدق إن أنا نفسي معرفش! فجأة لقيتني مع واحد صامت غامض معرفش عنه غير شوية معلومات لا تذكر، في الأول قولت شوية وهنتعود على بعض، بعدها قررت إنه خلاص أنا مش عايزة أكمل، بس… بس لما بابا قالي لو عايزاني أتدخل وأبلغه إنك عايزة تنفصلي قوليلي، حسيت إني متضايقة ومخنوقة وفي إحساس بالخوف جوايا رافض للفكرة، وإن أيوة أنا رافضة الوضع ده، لكن ده مش معناه إني عايزة ابعد للدرجة دي! صمتت فثار فضوله بقول:
"وبعدين، إيه برضو اللي يخليكِ تكملي." قالت بهدوء: "مبحبش أخد قرار وأنا مشتتة، كان لازم أقف على أرض صلبة وأفهم فيها مشاعري رايحة فين عشان أعرف هعمل إيه." سأل بهدوء: "وطلعت مشاعرك رايحة فين؟ قامت تجلس فوق طرف الفراش: "رايحة ناحية واحد كده عصبي شوية، وطباعه غريبة شويتين، وبيقول كلام حلو مرة كل فين وفين، وبيقول إنه بيحبني." مال برأسه قليلًا واستطرق: "وأنتِ بقي بتحبيه؟ مررت يدها فوق كفه برقة وابتسمت:
"ماما سألتني نفس السؤال ده، عارف قولتلها إيه؟ سأل بعينيه، فقالت وهي تدس يدها داخل كفه: "مفيش حاجة ممكن تصبرني عليه كل الوقت ده غير إني بحبه." مرت دقائق صامتة بينهما وكأنه يُمتع أذنيه باعترافها المُبطن. تكررت جملتها في قلبه ما جعل ابتسامة شحيحة تظهر فوق ملامح وجهه المليئة بالخدوش. بقيت تراقبه دون أي حديث، حتى همست برقة وهي تمرر يدها فوق إحدى كدماته وهمست: "ممكن بقي ترتاح شوية؟
رضخ أخيرًا لقولها وراح في نومه، حتى شق النهار طريقه في الأفق وملا ضوء الشمس الغرفة متسللًا من النافذة وداعب جفنيها، فحركت رأسها من فوق مسند الأريكة حينما سمعت صوت طرق خافت فوق باب الغرفة. عدلت ثيابها ووقفت خلف الباب تستعلم عن الطارق. أجاب أحد العساكر بالخارج: "أنا عبد الله يا مدام في حد جاب بوكيه الورد ده لـ طه باشا ومشّي علطول."
قطبت جبينها بتعجب وهي تدير المقبض وتلتقط باقة الورود من الأخير، شكرته وأغلقت الباب من جديد وهي تنظر لما بيدها بتعجب. زمّت شفتيها بضيق وقد وصل عقلها لاستنتاج أنها من امرأة، فما من ضابط مثله سيرسل له هذه الباقة الرقيقة بهذه الألوان المبهجة. راحت وجاءت بأرجاء الغرفة بغضب وقد اشتعلت داخلها غيرتها بقسوة. ألقت الباقة فوق الطاولة الصغيرة فسقطت زجاجة المياه أرضًا. وضعت يدها فوق فمها وشهقت بخفوت وهي تنظر جهة الفراش.
رفرفت أهدابه بضيق وقد أزعجته الضوضاء. قال بضيق: "إيه الدوشة دي؟ لم تجبه، ولكنها جذبت باقة الزهور ورّمتها بين يديه وقالت بحنق شديد: "اتفضل شوف مين الحلوة اللي بعتلك ورد على الصبح."
لم تنتظر جوابه بل دلفت لحمام الغرفة وصفقت الباب خلفها بقوة تحت دهشته. تنهد بكلل وهو يعبث بالزهور يبحث عن كارت الإهداء ليعلم هوية الراسل. التقط الورقة وفكها يمرر عيناه فوق ما دون فيها. قرأها مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة كان يزداد لديه شعور سلبي واحد تلو الآخر حتى كاد ينفجر. عاد يقرأها مجددًا وقد أظلمت عيناه بغضب: "حبيت أكون أول واحد يقولك حمد الله على السلامة يا باشا، طلعت زي القطط بسبع أرواح، بس يا ترى المدام زيك؟
ولا هتودع من أول مرة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!