الفصل 3 | من 7 فصل

رواية طائر النمنمة الفصل الثالث 3 - بقلم ملك العارف

المشاهدات
58
كلمة
10,834
وقت القراءة
55 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

انفتح باب المصعد فخرج منه بخطوات سريعة. ركب سيارته وانتظر منها أن تضع حقيبتها بالخلف وتأتي للجلوس في مقعدها جواره، ولكنها أدخلت الحقيبة بالخلف وجلست بالخلف هي أيضًا. رمقها بنظرات غاضبة، بادلته هي بأخرى متحدية. لكنه أثر الصمت، أدار مقود السيارة بعنف وهو يأكل الطريق أكلًا. خيم الصمت بينهما ونظرات التهكم تسود بينهما. ما أن توقفت السيارة خرجت منها مسرعة للداخل. استقبلها في بهو المنزل والد زوجها مرحبًا:

"أهلاً يا آية يا بنتي، وأنا أقول البيت نور كده ليه! ابتسمت وهي تصافحه بمودة: "ده منور بوجودك يا عمو ووجود طنط وشهد كمان." نزلت والدة زوجها من فوق السلم قائلة: "شهد قالتلي إنك مكنتيش عايزة تيجي النهاردة، وإمبارح طه هو اللي مكنش عايز يجيبك، إيه حكايتكم أنتو الاتنين؟ عقب جملتها دخل طه يحمل حقيبتها. وقف أمامهم وقبل أي شيء أجابت هي: "والله يا طنط السؤال ده يجاوبنا عليه طه مش أنا." أخذت حقيبتها منه دون أن تعطيه نظرة

واحدة واستأذنت منهم بأدب: "بعد إذنك هطلع الشنطة وأروح أشوف شهد." رحلت وخلفها ثلاثة أزواج من الأعين، زوجان منهما متعجب، والثالث حانق على ما تفعله. توجهت نظرات والديه إليه، وكانت والدته الأسبق وهي تقول: "فهمنا إيه اللي بيحصل ده؟ صاح بنبرة غاضبة وصلت لها وهي في منتصف السلم: "اللي بيحصل ده اسمه لعب عيال وأنا لا عيل ولا بلعب فياريت تفهم ده كويس علشان أنا جبت آخري." هل قال هذا حقًا، هو من فاض كيله منها؟!

يرى نفسه مظلومًا هذا الأشعث. حاولت نزع نفسها من فوق درجات السلم انتزاعًا والصعود لأعلى، لكنها لم تقدر. ألقت الحقيبة التي وإن ملكت القدرة على الحديث لكانت صرخت تطلب الكف عن معاملتها بهذه القسوة. هبطت مسرعة تلحق به قبل أن يخرج من الباب. جذبته من ذراعه بعنف وهي تصيح بوجهه متناسية وجود والديه: "مين ده اللي جاب آخره! أنت؟

ليه معيشاك في نكد ولا مفضية جيوبك بطلباتي، ده أنا بآخد منك الكلام بالعافية، الكلام اللي هو مش بيكلفك أي حاجة ده بتستخسره. لو في حد بيلعب فهو أنت ولو في عيل فهو أنت برضو عيل وستين عيل كمان، اللي يقول كلام في الأول وميبقاش قده ويرجع فيه يبقي عيل يا طه." كان انفعالها واضحًا، أنفاسها المتلاحقة وتوترها الذي ظهر في ارتعاشة كفيها. رفع رأسه للسقف يستدعي ثباته حتى لا يصدر منه أي فعل متهور. نظر لها بتحذير أرعبها داخليًا،

وقال بغضب قاتل: "أقسم بربي يا آية صوتك لو علي عليا بالشكل ده تاني مش هيحصلك كويس، أنتِ فاهمة؟ صرخ بكلمته الأخيرة فانتفضت خطوة للخلف، بينما اقترب هو خطوتين وهو يواصل قوله: "أنا مش هرد على لعب العيال بتاعك ده، لأنه ميفرقش معايا وعلشان أبويا وأمي اللي واقفين دول، في ظروف غير دي أنا كنت هندمك على كل حرف قولتيه بس حظك." انتهى حديثه وأولى ظهره راحلًا. ولكنها أبت أن يرحل منتصرًا، عليها الثأر لكرامته.

فعادت تقف أمامه، نظرت لعينيه بتحدٍ وهي تخبره: "أنا عمري ما أندم على اللي قولته لو عملت إيه، وكل اللي قولته ده ميفرقش معايا بشلن." ظنت أنها ستشعل النار التي خمدت داخله وتهدأ نيرانها هي. ولكنه زاد اشتعالها حينما ابتسم ببرود ورفع كفه يربت فوق وجنتها، وهو يقول: "إلعب بعيد يا شاطرة يلا." رحل وتركها تغلي فوق مراجل استفزازه. صاحت وهي تنظر لظهره بغضب: "بارد." ولكنه واصل سيره حتى غاب عن أنظارها.

استدارت راحلة فاصطدمت بوالديه خلفها، ولكنها لم تتوقف بل أسرعت نحو السلم، أخذت حقيبتها واختفت عن ناظريهما. هتفت لزوجها بتعجب: "أنا مش فاهمة حاجة يا عبد اللطيف، أنت فاهم؟ هز رأسه بنفي وهز يخبرها: "لأ، وبلاش تدخلي بينهم أو تتكلمي معاها في أي حاجة علشان متزوديش المشكلة، اطلعي يلا شوفي هتعملوا إيه لبنتك وانسوا النكد ده شوية، يلا." بالفعل صعدت إليهن. فتحت الباب ودخلت فقابلها صوت زوجة ابنها، تقول بنبرة آمرة:

"بصي أنتِ هتقومي تلبسي وننزل نشتري الحاجات اللي قولتي عليها يا إما هقوم آخد تاكسي وأروح البيت، أنا مش جاية كل ده علشان تقوليلي نختار أونلاين يا شهد! جزت شهد فوق شفتيها بضيق لا تدري ماذا تقول لها. أتخبرها بأن هذه أوامر أخيها وأنه رفض أن يأخذها ويخرج بها لأي مكان. فاقت على صوتها وهي تواصل قولها:

"أصلًا الأونلاين حواراته كتير وهياخد وقت، ممكن لما يوصل يكون فيه مشكلة أو عيب أو يطلع عايز يتظبط ومفيش وقت لكل ده أكيد، متبقيش خنقة زي أخوكي ويلا." نظرت لوالدتها تستنجد بها حتى ترفض. لكنها اقتربت منهن وهي تقول: "عندك حق يا حبيبتي، قومي يا شهد يلا البسي وهننزل إحنا التلاتة سوا، السواق يوصلنا ويرجع ياخدنا لما نخلص." وأدت شهد تلك الابتسامة التي كادت أن ترتسم فوق شفتيها وهي تتذكر تحذير أخيها قائلة: "بس يا ماما…" قاطعته:

"مابسش يلا متضيعوش وقت علشان نلحق نيجي بدري." ابتسمت هي بانتصار وهي تلقي لوالدة زوجها قبلة قائلة بضحكة واسعة: "حبيبة قلبي أنتِ والله." صاحت شهد من داخل غرفة تبديل الثياب بتخابث تسألها: "ماما حبيبة قلبك طب وطه إيه نظامه؟ ابتسمت والدته وهي تنظر لها، تنتظر جوابها لكنها تصنعت عدم سماعها وهي تقول: "بتقولي حاجة يا شوشو." أجابتها ضحكة شهد العالية وكأنها أدركت هروبها جيدًا. انتصف النهار ولا يزال ثلاثتهن يتجولن من متجر لآخر.

جلست شهد جوار والدتها بإنتظار آية التي دلفت لغرفة البروفا لقياس أحد الفساتين والذي اختارته لها شهد بعد عناء بذلته لإقناعها بأن ترتديه "يوم الحنة". وعللت كونه مكشوفًا ولا يصلح مع حجابها بأن الحفل في المنزل بمكان معزول ولن يكون فيه سوى فتيات مثلهن ولن يقوم أحد بتصوير أي شيء. صاحت من الداخل بضجر وهي تنظر لنفسها بالمرآة: "أكيد بتهزري يا شهد أنا مش ممكن ألبسه قدام حد حتى لو بنات بس." كان ضجرها لا يقل عنها

وهي تخبرها بنبرة متذمرة: "آية اخرجي أبوس إيدك وسيبينا إحنا نحكم، ده تالت فستان تلبسيه وتقولي كده، اخرجي بس نشوف شكله عليكي." ضربت الأرض بقدميها متذمرة هي الأخرى وأزاحت الستار وتقدمت من كلتيهما.

ابتسمت والدة زوجها بإنبهار لطلتها الرائعة، كأن الثوب صُنع خصيصًا لها، وقد ناسب قدها الممشوق وبشرتها الخمريّة التي تناسب معها لون الرداء الأحمر الداكن، وطوله الذي يصل حتى ركبتيها، صدر متسع يأخذ شكل المثلث من الأمام ومن الخلف مع كتف عريض بعض الشيء، شعرها الذي روضته لينام فوق كتفها الأيسر، الحمرة الطفيفة التي لونت وجنتيها خجلًا. تعجبت لصمتهن لذا سألت بقلق خجول: "إيه، مش حلو ولا إيه؟

خرجت أخيرًا شهد عن صمتها وهي تتقدم منها وتدور حولها. "مش حلو إيه بس، ده يهبل يا يويو…غمزت وهي تبتسم بشقاوة قائلة: دلوقتي أنا عرفت مبقيناش نشوف طه كتير من وقت ما اتجوز ليه." هزت رأسها بلا فائدة وهي تبتسم بسخرية ظنتها هي خجلًا. وجهت بصرها لوالدة زوجها تسألها بعين مليئة بالتوتر: "إيه رأيك يا ماما، حلو؟ مررت يدها فوق شعرها بحنان وهي تبتسم: "حلو علشان أنتِ لابساه يا حبيبتي." هتفت شهد وهي تجذب الفستان الذي اختارته لنفسها

وتتجه لغرفة القياس صائحة: "هدخل أقيس الفستان ده علشان شكلي هغير رأيي في اللي جبته الأول." صاحت والدتها بنزق: "دي خامس مرة تقولي فيها كده يا شهد كفاية بقى." أجابتها وهي تتصنع البراءة: "دي خامس مرة يا ماما مش العاشرة يعني يا حبيبي، هقيس بسرعة متقلقيش." أغلقت الستار وخلفها ضحكات زوجة أخيها ووالدتها التي طمأنت الواقفة بجوارها بقولها: "لو قلقانة علشان طه مش هيوافق على الفستان، سيبها عليا، أنا هكلمه." ابتسمت بسخرية:

"طب ده الفستان، وخروجنا؟ صمتت لثانيتين وأكملت: "أنا عارفة إني أصرت على الكلام ده وقت غضبي منه، بس لما غضبي ده راح استوعبت إني غلط، مهما كان الخلاف مكنش يصح أكسر كلمته اللي سبق وقالها قبل كده، لأنه غلط وحرام. أنا متضايقة أوي يا طنط ومش عارفة أعمل إيه؟ ربتت فوق كتفها وهي تقول: "ادخلي غيري هدومك وتعالي نتكلم على ما المجنونة دي تخلص عرض الأزياء بتاعها." أومأت لها موافقة واستدارت راحلة من أمامها.

بينما توجهت هي لجانب الغرفة تخرج هاتفها الذي علا صوت رنينه. نظرت لاسم المتصل بضجر والذي كان طه. أخذت نفسًا عميقًا أخرجته وهي تضغط زر الإجابة وعاجلها هو بصوته الغاضب: "مش كفاية كده يا أمي ولا إيه، أنا أصلًا مش عارف إزاي وافقتك على كلامك ده والهانم لحد دلوقتي متصلتش تعرفني ومستمتعة عادي جدًا بالشوبينج بتاعها، ماشي يا آية! عنفته والدته بغضب وهي تكابد حتى لا يعلو صوتها ويصل لمن بالداخل:

"تصدق عندك حق، إيه رأيك أبعتلك اللوكيشن وتيجي تمسك في زمارة رقبتها لحد ما تخلص عليها وترتاح! لم يجبها فواصلت مؤنبة:

"أهدي على نفسك وعلي البنت شوية يا طه، أنا كل ما أبص في عينيها ألاقي الخوف والقلق بينطوا منهم، ليه كده يا حبيبي، هي زعلانة وندمانة إنها عملت كده من وراك على فكرة، وخايفة من ردة فعلك، فخليك أنت هادئ شوية معاها، سيبها هي تتكلم وبطل تهب زي البوتاجاز كده، بدل ما بعد كده هتعمل ده من وراك عندك فيك ومش هتقولك، يلا سلام." ألقى الهاتف على الكرسي المجاور له بالسيارة مرددًا بسخرية قول والدته: "أخليني هادئ آه، ماشي يا آية ماشي."

وأخيرًا انتهى كل شيء. جملة هتفت بها سرًا لنفسها وهي تجاور والدة زوجها في السيارة في طريق العودة للمنزل. والتي ما أن صف السائق السيارة أمام الباب حتى خرجت منه تجذب حقائب مشترياتها وهي تسبقهم متعللة بإرهاقها من التجول طيلة النهار. غابت عن أنظارهن للداخل ولم تتوقف إلا داخل غرفته. وضعت الحقائب فوق الفراش وتقدمت حتى جلست فوق كرسي موازٍ لتلك المرآة الطولية بزاوية الغرفة.

نظرت لانعكاسها بالمرآة بملامح باهتة لمعت الدموع بمقلتيها وهي تلقي على ذاتها سؤالًا: "ليه عملتي كده؟ وإزاي أصلًا تعملي كده، مفكرة نفسك عيلة، فوقي يا آية أنتِ أكبر من كده مش لسه في سن المراهقة، خرجتي من غير إذن جوزك اللي سبق ونبه إن متخرجيش غير معاه، والأدهى كان من وراه، وكل ده ليه؟ عندًا فيه، طب مفكرتيش في إن ده هيغضب ربنا، متعرفيش إن ده حرام؟ عند هذه النقطة انهارت وهي تجهش ببكاء مرير تبكي نادمة على ما فعلته.

لم تدرك كم من الوقت بقيت حتى سمعت طرقًا على الباب. نهضت لغرفة تبديل الثياب مسرعة تغسل وجهها حتى لا يدرك أحد بكائها. صاحت قبل أن تدلف للداخل قائلة: "ادخل." كانت شهد وقد بدلت ثياب الخروج لأخرى بيتية وجاءت لتفقدها. خلعت عن رأسها حجابها وبدلت ثيابها وعكفت فوق صنبور المياه تحاول إخفاء آثار الدموع عن مقلتيها. دقائق ثم خرجت مبتسمة للتي تنتظرها بالخارج وهي تسألها: "إيه ده وحشتك بسرعة كده! ضحكت على قولها وهي

تقفز فوق الفراش وتجيبها: "حبيبة قلبي أنتِ، قولت أجى أخليكي تلبسي تاني الفستان اللي جبناه ليكي، علشان نشوفه أوفر فعلًا زي ما قولتي ولا عادي." تمددت بجوارها وهي ترفض بقولها: "إنسي إني أقوم ألبس أي حاجة تانية، أنا عايزة أنام." لكن الأخرى أصرت وهي تدفعها من كتفها. "هو إيه ده قومي يابنت يلا اعملي اللي بقولك عليه." رفضت وهي تتمسك بالفراش ضاحكة: "لو جدعة قوميني." نظرت لها بتحدٍ:

"لو وقعتك من على السرير هتقومي تعملي اللي أقولك عليه! تحدتها هي الأخرى وهي تحرك جسدها لمنتصف الفراش: "يلا." بدأت شهد بدفعها وسط تشبثها بالفراش وضحكات كلتيهما حتى كادت تسقطها فهتفت بإستسلام: "خلاص يا مجنونة هقوم، لو وقعت من على السرير ده مش هنفع تاني! ضحكت على قولها وهي تؤكد قائلة: "عندك حق، طه مش نايم على سرير، ده خط بارليف." أكملت قهقهاتها وهي تخرج الفستان من الحقيبة، وتدلف للغرفة الملحقة.

دقائق وخرجت إليها لكن الذي لم تحسب حسابه هو وجوده بالغرفة. كيف ومتى عاد من عمله لا تعلم لكن ما تعلمه أنها تذوب خجلًا الآن. كان قد عاد لتوه من عمله، فقد بقي فيه طيلة النهار يغلي فوق مراجل غضبه منها ولم يحتمل البقاء أكثر من ذلك وهكذا ها هو الآن هنا يقف أمام الباب مشدوهًا بها وبهذا الثوب. هذا الثوب الساحر. بينما هي تمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها.

فبالرغم من مرور ما يقرب الثمانية أشهر على زواجهما إلا أنه لم يرها بثوب مكشوف مثل هذا من قبل، فحيائها كان حاجزًا، وعدم اكتراثه كان حجر أساس هذا الحاجز. والآن دون مقدمات خرجت أمامه هكذا. حمحم هو بخشونته المعتادة يقطع هذا الصمت وهو يلقي التحية: "مساء الخير." هربت بعينيها منه، كانت ستعود أدراجها ولكن شهد التي قبضت فوق معصمها حالت دون ذلك. جذبتها إلى منتصف الغرفة بمحاذاته وهي تسأله:

"إيه رأيك يا طه في القمر ده، الفستان هياكل منها حتة." هي لا تعلم الكثير عن الخلافات بين أخيها وزوجته تظنه بعض العناد الأجوف أو مشاغبات زوجية عادية، ولم يرغب هو بتعكير صفو سعادتها لذا ابتسم وهو يقترب منها. أمسك كفها وأدارها أمامه بخفة وهو يتطلع إلى تفاصيلها، حتى ثبتت أمامه تنظر ليديها بخجل. كان متعجبًا لهذا الخجل منها، وهي التي لا تكف عن الثرثرة. لم تتفوه بشيء منذ عشر دقائق حتى الآن.

رفع وجهها لتنظر له لكن أبت عيناها أن تطالعه. لكنه ابتسم وهو يجيب على حديث أخته متغزلًا فيها بقوله: "بصراحة الفستان وصاحبة الفستان ملهومش حل." هنا فقط نظرت له خلسة تستشف الصدق من ملامحه التي كُتب عليها أنه لا يدعي قوله. ابتسمت شهد وهي تلقي قنبلتها: "طب الحمد لله، أصل يويو هتلبسه يوم الحنة." عقد حاجبيه متصنعًا عدم الفهم وهو يسأل: "يويو مين؟ تذمرت أخته وهي تهتف: "طه متهزرش! ابتعد عنهما وشرع في فك أزرار قميصه وهو يقول:

"انسوا إن ده يحصل." عند هذه النقطة شرعت أخته في بذل كل ما ادخرته من حجج منطقية لجعله يوافق، بينما التزمت هي الصمت وكأن الأمر لا يعنيها. حتى قطع هذا الجدال طرقات على الباب. هتف يأذن بالدخول للطارق، كانت والدته التي حادثت أخته بقولها: "أنتِ هنا وأنا بدور عليكي، تعالي يلا خلي أخوكي يرتاح له شوية قبل العشا، يلا." خرجت مجبورة وعلي ملامحها رفض شديد ولكن ما باليد حيلة.

بينما نظرت له والدته بنظرات توصية بأن يتحلى بالهدوء، فهز رأسه وهو يتوجه لتغيير ثيابه عقب خروجهن. عاد فوجدها تجلس فوق طرف الفراش. رفعت نظراتها له تسأله بهدوء: "أنت فعلاً مش عايزني ألبس الفستان ده؟ هز رأسه موافقًا دون التفوه بأي حرف. فعادت تسأله: "طيب ليه، بعد كل اللي شهد قالته ده ولسه برضو! هز رأسه مرة أخرى بالإيجاب وهو يجلس بجوارها يقول:

"علشان ميصحش واحدة محجبة، أو أي واحدة عمومًا تلبس فستان زي ده برة أوضة نومها، إزاي وافقتي أصلًا؟ أنا قولت لا يعني لا خلاص، شوفي غيره، أو كلموا البيدج اللي طلبتوا منها تغيره." ألقى جملته الأخيرة ليرى ردة فعلها، يود معرفة ما إن كانت ستصارحه أم لا. فركت هي كفيها كحركة مصاحبة لتوترها أصبح هو يحفظها عن ظهر قلب. ابتلعت ريقها وهي تستدير بمقابلته وهي تقول:

"مش مشكلة خلاص، أنا مكنتش موافقة عليه وشهد وطنط أصروا…في…في حاجة تانية عايزة أقولك عليها." نظر لها ينتظر منها أن تكمل، فقالت: "ممكن بس تبقي هادئ وتسمعني من غير عصبية، أنا مش عايزة نتخانق، ممكن؟ استدار هو أيضًا فأصبح مواليًا لها وهتف بهدوء: "ممكن، عايزة تقولي إيه؟ قررت البوح بكل شيء وليحدث ما يحدث، قالت: "الفستان ده مش مطلوب أونلاين." عقد حاجبيه واصطنع التساؤل بقوله: "شهد كانت جايباه ليكي؟ لكنها نفت ذلك

بهزة من رأسها وهي تفصح: "لأ برضو، أصل…أنا خرجت مع ماما وشهد للمول القريب من هنا بعد ما أنت مشيت…أنا كنت غضبانة ومتعصبة وقررت أعمل أي حاجة في سبيل إني أضايقك فصممت نخرج، بس من وقت ما رجلي خرجت برة البيت وأنا الندم بيقتلني، بس صدقني دي أول مرة تحصل والله." رفع حاجبه وهو يسأل بخشونة: "وآخر مرة؟ هزت رأسها بالإيجاب وقد انسابت دمعة ندم من عينيها التي أغمضتها وهي تخفض رأسها. نهض عن الفراش، يوليها ظهره وهو يخبرها:

"ماشي يا آية." استدار ينظر لها وصدمها بقوله: "بس على فكرة وعلشان أكون صريح معاكي زي ما أنتِ كنتِ صريحة معايا، أنا كنت عارف." رفعت رأسها له وهز كتفيه وهو يعود لمجلسه بجوارها ويصارحها: "ماما كلمتني قبل ما تخرجوا، وقالت لي كل اللي حصل." سألته بلهفة: "و أنت قلتلها إيه؟ ابتسم وهو يقول: "لأ عادي اتعصبت شوية." سألت باستنكار: "عادي وشوية ميتحطوش مع عصبيتك في جملة على فكرة." نظرت أمامها ومن ثم ابتسمت وهي تهتف:

"ثانية واحدة، معنى كلامك إنك كنت عارف! نهضت تنظر له وقد اتسعت ابتسامتها أكثر: "يعني أنا مخرجتش من وراك، الحمد لله بجد." ومن ثم زار الغضب نبرتها وهي تسأله: "بقي كنت عارف وبتلاعبني يا حضرة الظابط؟ يعني متوافقش أخرج لما أطلب أنا لكن لما مامتك هي اللي تطلب توافق وعادي جدًا! هز كتفيه ببرود وهو يجيبها: "علشان دي أمي." أشارت على نفسها بتعجب: "وأنا ماليش تسمية، واحدة جاية من الشارع مش كده؟ هز رأسه بنفي: "أنا مقولتش كده."

ولكنها صاحت: "بس ده معنى كلامك." سأل بنزق: "أنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ جذبت كرسي من خلفها لتوازي جلسته وهي تهتف بإصرار: "أنت مخبي حاجة ورا رفضك وإصرارك على الخروج وحدي وأنا لازم أعرفه يا طه و…" قاطع قولها طرق على الباب من إحدى الخادمات تخبرهما بأن الجميع ينتظرهما لتناول العشاء بالأسفل ولم يجد هو فرصة أفضل من هذه للهرب من حصار أسئلتها التي ما كانت ستنتهي على خيرٍ هذه الليلة. نهض مسرعًا وهو يخبرها:

"يلا علشان بابا مبيحبش حد يتأخر على مواعيد الأكل." انقضى بقية الأسبوع سريعًا بين تهرب طه منها وبين انشغالها بتجهيزات الزفاف. كانت قد عادت للتو من جولة التسوق الأخيرة مع شهد ووالدة زوجها وجلس ثلاثتهن فوق فراش شهد. وقد فتحت كل منهن أكياس التسوق وعلب التغليف للتأكد من أن كل شيء بالفعل قد تم شراؤه ولقياس البعض منهم. حتى نهضت والدة زوجها للخارج تخبر الخادمة بصنع القهوة لثلاثتهن. انتهزت هي هذه الفرصة ونظرت لشهد بترقب

وهي تراوغها بالحديث قائلة: "تعرفي طه امبارح حكالي على المشكلة اللي مر بيها وأثرت في شخصيته بالشكل السلبي ده، أنا بجد مش قادرة أصدق إنه عاش كل ده! ارتسم الحزن فوق وجه شهد وهي تهز رأسها بالإيجاب. ومن ثم سألتها: "هو حكالك إيه بالظبط؟ زاغت عيناها وتلبسها بعض الارتباك ولكن هتفت بثقة: "ما قولتلك كل حاجة، بس أنا حاسة إنه قال كده علشان يستعطفني وده محصلش، علشان كده بسألك." لمعت الدموع بعينيها وهي تخبرها بنبرة

يملؤها الحزن على أخيها: "لأ مش بيستعطفك طه فعلا حاله اتبدل من وقت ما نانسي خطيبته الأولى اتخطفت واتقتلت و…" "شهد! كان هذا صياح والدتها التي عادت للتو وسمعت قوله. تقدمت منها وهي تزجرها بقولها: "أنتِ مين سمح لك تتكلمي في حاجة تخص أخوكِ من غير إذنه؟ تلجلجت من ظهور والدتها في هذه اللحظة. أما هي فقد كانت في حالة يرثى لها، صدمتها أوضحت أنها تسمع هذا الحديث لأول مرة. بررت شهد لوالدتها وهي تحرك كفيها بعشوائية:

"مهو…مهو يا ماما آية مش غريبة، دي بقت مراته ولازم تعرف، هو أصلًا قالها! نظرت لها بطرف عينها، وقد أوضحت الدموع التي إلتمعت بعينيها كذب ما قالته هي قبل قليل. ما جعل شهد تسأل باستنكار: "آية أنتِ مكنتيش تعرفي صح، بتضحكي عليا." أثرت أن تقلب الطاولة وتدير دفة اللوم لتكون هي المتحكم. مسحت الدمعة التي انبثقت من عينيها بعنف وهي تنهض لتقف أمامها تسأل بغضب:

"هو إزاي حاجة زي دي أنا معرفهاش، أنا مش فاهمة بجد، أنا نايمة قايمة أفكر هو ماله ولا في إيه، طب العيب فيا ولا فيه ولا الظروف اللي اتجبرنا عليها، وكلكم عارفين وأنا بس المغفلة اللي متعرفش! بررت والدة زوجها بحجة واهية حتى هي غير مقتنعة بها: "حبيبتي طه رفض حد مننا يتكلم في الموضوع ده، وقولنا هو يقولك وقت ما يكون عايز يقول." هزت رأسها رافضة وهي تنظر لشهد بحزن:

"أنا اعتبرتك أختي بجد وكنت بتعامل معاكِ على الأساس ده، إزاي تعملي فيا كده! حاولت شهد التحدث: "آية اديني فرصة أفهمك طيب." ولكنها هزت رأسها برفض لا تود سماع أية تبريرات: "لأ مالوش لازمة أي حاجة هتقوليها دلوقتي ملهاش لازمة، أنا عايزة أعرف تفاصيل اللي أنتم مخبينه عني كلها، والكلام اللي هيتقال أنا مش عايزة طه يعرف إني عرفته مهما يحصل." وبالفعل أرغمت كلتيهما على إخبارها بكل شيء. بعد وقت طويل دلفت غرفتها وأغلقت الباب.

نظرت إلى صورته المعلقة فوق الحائط وتجمعت الدموع بعينيها وهي تسند ظهرها للباب بضعف شديد. ما سمعته منذ قليل ثقيل عليها.

رن بعقلها قول شهد: "طه كان خاطب أخت واحد صاحبه، وكان في إعجاب بينهم، نانسي كانت عنيدة وشخصيتها قوية مكانتش بتحب تسمع كلام طه نهائي، كانت بتشوفه تحكم، لكن طه كان بيشوفه اهتمام بيها، وأنه بيخاف عليها، هي مقدرتش تفهم ده، كانت تخرج في كل حتة من غير ما تعرفه من باب العلم حتى وممكن تسافر مع أصحابها ويعرف لما تنزل صورها وهي هناك، بس هو كان عنده أمل تتغير وفضل مكمل لأنه اتعلق بيها برضو، وهي كانت بتعرف تمتص غضبه بطريقتها، لحد

ما في فترة أخوها كان ماسك قضية تقيلة مع ناس مبتتفاهمش، وكان خايف عليها وكان بيمنعها تخرج من خوفه عليها، وطه كمان كان قلقان إنهم يعملولها حاجة عشان يهددوا أخوها، بس هي مصدقتش كلامهم، كانت توافق وهما بينصحوها، وتخرج من وراهم بعد كده، لحد ما في مرة اتخطفت فعلاً، سواق التاكسي خدرها وخدها، لما عرفنا طه كان هيتجنن وهو مش عارف يوصلها، آخر اليوم اتصلوا بأهلها يا إما أخوها يسيب القضية يا يقتلوها، أخوها رفض يسيبها وقال أختي

هرجعها بنفسي، ورجعها فعلًا، اتصلوا بيه من رقمها وهي كلمته وقالت له العنوان، وكلمت طه كمان بس هو كان حاسس إنه مش هيشوفها تاني، لأن مستحيل يسيبوها تكلمهم إلا لو قرروا يتخلصوا منها، وفعلاً وصلوا المكان ده ولقوه فاضي، مكنش فيه غير نانسي غرقانة في دمــ،ها بعد ما دبحوها وهربوا."

سالت دموعها الساخنة فوق وجنتيها، وهي تنتحب بالبكاء. ارتمت فوق الفراش وقد خارت كامل قواها،

وهي تستعيد بقية الحديث: "طه اتدمر من بعد اليوم ده، خصوصًا إنه أول واحد دخل المكان وشافها وهو اللي شالها وخرج بيها لحد العربية ومن العربية للمستشفى، كان عنده أمل إنها تعيش وهي ميتة بين إيديه. مش هقولك إن طه كان شخصية مرحة بتهزر وتضحك 24 ساعة ومن بعد الحادثة اتحول 180 درجة، لأ هو كان زي ما أنتِ شايفة برضو يمكن كانت عصبيته أقل، كلامه زيادة شوية ممكن يهزر فين وفين، بس ده بقى نادر من بعد الحادثة اللي مكانتش هينة برضو، بعد

اللي حصل ده أخوها اللي كبريائه منعه يسيب القضية وهي مخطوفة سابها وقدم استقالته وساب البلد كلها، وطه هو اللي طلب يمسك القضية ومكنش ساكت لحد ما جابهم كلهم، كانت فترة صعبة علينا كلنا، سنتين كاملين قلق وتوتر وخوف، طه من بعدها بقى رافض يتجوز وكان شايف إنه مش هيقدر يحمي الإنسانة اللي هيتجوزها، مكنش قادر يتخطى لحظة ما عرف إنها ماتت ومبقتش موجودة في وقت هو كان خلاص اتعلق بيها، وأي حد يكلمه في الموضوع ده يثور ويغضب وكان يسيب

البيت بالشهور منعرفش عنه حاجة، بعدها بابا بطل يكلمه لحد ما فاض بيه وحلف عليه إنه يجي يتقدملك والباقي أنتِ عارفاه."

تذكرت قول والدته التي اقتربت

تحتضنها وتربت فوق رأسها: "آية حبيبتي، أنا أم ومحدش هيحس بـ طه قدي، وأنا بأكدلك إن طه بيحاول يتعافى من اللي مر بيه، وعايز يستغل فرصتكم سوا، بس هو في خوف متملك منه خايف يتعلق بيكِ ويعيش معاكِ نفس اللي عاشه مع نانسي، حاولي تطمنيه، أنا متأكدة إن في جزء جواكِ مايل ليه، وإلا مكنتيش هتكملي معاه الفترة دي كلها، أنا حكيتلك علشان فعلًا من حقك تعرفي، وعلشان أنا كنت رافضة طه يخبي عنك وقلت استني عليه شوية، محدش يقدر يجبرك على حاجة، أنتِ كبيرة كفاية عشان تاخدي قرار تكملي أو لاء بعد اللي سمعتيه، وكوني متأكدة إن سعادتك تهمني زي ما سعادة طه برضو تهمني ولو سعادتك بإنك تبعدي فأنا عمري ما هزعل منك ولا غلاوتك هتقل عندي."

تتذكر جيدًا كيف قالت جملتها الأخيرة بصوت متحشرج يغلب عليه البكاء. هي تعلم جيدًا أنها قالت هذا من وراء قلبها. خرجت من المرحاض تجفف شعرها. كانت تظن بأن حمامًا باردًا سوف يخمد تلك النيران المستعرة برأسها ولكن ذلك لم يفلح. حتى أنها لم تنتبه لذاك الذي دلف للغرفة ووقف أمام الباب يطالعها وهي تقف شاردة أمام المرآة الطولية. حمحم بهدوء وهو يخلع عن رأسه طاقيته ويتقدم نحوها بهدوء حتى وقف خلفها ولا تزال لم تنتبه.

ما جعله يعقد ما بين حاجبيه بتعجب. رفع يده يفرقع أصابعه أمامها وهو يناديها: "آية." صرخت بفزع وهي تستدير له. ما أن وقعت عيناها على ملامحه حتى عادت الدموع تملأها من جديد. ضربته فوق كتفه قائلة بعتاب: "حرام عليك يا طه خضتني! كان البكاء يغلب على صوتها، ولم تكتفِ عند هذا بل أجهشت بالبكاء وهي تغطي وجهها بكفيها. كان متفاجئًا من ردة فعلها لم يتوقع أبدًا أن يحدث هذا.

تملك منه القلق حينما علا صوت نحيبها مد يديه يرفع رأسها محاولًا إبعاد يديها عن وجهها وهو يقول: "آية مالك؟ … يابنتي في إيه لكل ده، أنا أسف طيب، مكنتش أقصد أخضك بالشكل ده." لكن محاولاته لم تفلح ظلت على حالها، ما جعله يسأل: "حد زعلك هنا طيب؟ ماما أو شهد." هزت رأسها برفض من بين شهقاتها. لم يدرِ ماذا يفعل، يشعر حقًا بأنه لا يفقه شيئًا بأمور كهذه. كان ينظر لها بحزن وهي تبكي بحرقة، وكأن شيئًا داخلها محطم.

قطع الخطوة الفاصلة بين كليهما، ورفع يده بتردد يحيطها بها. قربها إليه ببطء حتى رست رأسها وبحور عيناها فوق شاطئ صدره، وارتفعت يده الأخرى يضم بها رأسها إليه أكثر. بينما سيطر عليها الذهول مما يفعل. تلك أول مرة يضمها إليه دون تظاهر أمام أحد، دون أن يكون مجبرًا. لأول مرة تسند رأسها بالقرب من قلبه، تشعر به يكاد يخرج من مكانه من شدة اضطراب صاحبه الذي أخذت يده تمسد فوق شعرها بحنانٍ تعجب هو منه.

كان يبتلع لعابه بين الثانية والأخرى، يسيطر عليه الندم لما يفعله، وندم آخر يأنبه لتضييعه كل الفرص التي كان بإمكانه معانقتها فيها ولم ينتهزها هو بحماقته. هدأ نحيبها وانتظمت أنفاسها تدريجيًا حتى سكنت وكادت أن تغفو ولكن منع ذلك همسه الحاني وهو يخفض بصره نحوها: "مش هتقوليلي مالك طيب؟ رفعت عيناها إليه، عيناه في قربهما ضياع، وفي بعدهما هلاك، فماذا عساها تختار. لا يزال سؤاله الأخير مرسومًا في عيناه ينتظر جوابًا.

لكن ناقوسًا دق بعقلها، يذكرها بما سمعته، بأنه رغم كل ما تكنه له داخلها فهو مخادع، أخفى عنها أمرًا لازال أثره يؤرقه وينغص عليهما حياتهما، أخفى عنها بل ولم يبخل في إلقاء اللوم عليها منذ يومين. كان يرغب أن يمارس دور الضحية وهو الجاني. هل يخشى أن يتعلق بها؟ وماذا عن تعلقها به؟ هل فؤاده غالٍ وثمين بالنسبة له، وهي ومشاعرها وفؤادها ليس لهم أي أهمية؟ أ لهذه الدرجة هو أناني؟

يريد أن يظهر للجميع أنه تعافى بزواجه منها، لكنه لم يدرك أنه يصنع من نفسه نسخة أخرى، تعاني ألم التعلق، وبرود المشاعر منه، تنتظر منه القليل الذي يجود به إن رغب. كان بين جنبات قلبها بذرة تنوي أن تندس في أرضه لتنبت شجرة فروعها من نور وأغصانها من الحب، لكنه بحماقته أشعل النيران بأرضها، تركها دون رعاية والنهاية أصبحت محتومة. عند هذه النقطة خرجت من بين يديه منتفضة وقد دفعته عنها بطول ذراعيها.

انقشعت نظرات الاهتمام والدفء والرعاية من عينيها وتحولت لمشاعر أخرى لا يدرك هو وصفًا لها، ولا يعرف سببًا للغضب الجالس فوق ملامحها. هز رأسه وهو يسألها بضيق: "أنا عايز أفهم إيه اللي بيحصل ده؟ أولته ظهرها وهي تعود أدراجها للمرحاض كي تزيل آثار الدموع ولكن حال بين تقدمها يده التي قبضت فوق معصمها وهو يديرها ناحيته من جديد يسأل وقد فاض كيله منها: "لما أكلمك تقفي تردي عليا، كنتي بتعيطي ليه؟ نفضت يده وهي تصيح بغضب:

"ملكش دعوة، ملكش دعوة بيا نهائي يا طه، أنت فاهم ولا لأ؟ لكنه أجاب بصوت آمر: "اتكلمي عدل أحسن لك، ثم يعني إيه مليش دعوة أنتِ مراتي، بمزاجك غصب عنك مراتي." ضحكت بسخرية، تقول: "مراتك؟ بجد والله، أنت مصدق اللي بتقوله ده، مراتك على أساس تتحكم فيا وبس، لكن أي حاجة تاني من حقوقي لاء، فاكرني عروسة لعبة في إيدك؟! ابتلعت لعابها بمرارة وهي تبتعد عنه باتجاه مكتبه تقف أمامه وهي تكمل بكلمات كانت تصفع فؤادها قبل فؤاده:

"هنتجوز وناخد فرصة سوا يا آية، ماشي، لو مكلمناش هننفصل يا آية ماشي، مش بتكلم عشان ده طبعي يا آية، ماشي، متخرجيش من غيري يا آية ماشي، بنتعامل كأننا اتنين أغراب بيمثلوا إنهم يعرفوا بعض وقولت ماشي، يمكن مع الوقت كل ده يتعدل ويتصلح بس طلعت أنا ببني وأنت قصاد كل طوبة ببنيها بتهدم ألف، كل خطوة بغطيها أنت بتوقعني، أنت عايز إيه مني، اتجوزتني ليه، رد عليا اتجوزتني ليه؟ اقتربت منه وهي تبكي بحرقة ولا تزال تسأله السؤال ذاته.

ظلت تدفعه بيديها بكامل قواها حتى جعلته يتزحزح خطوتين للخلف، بينما لم يحرك هو ساكنًا تقبل عتابها وغضبها دون أي فعل أو قول. دفعته مرة أخيرة قبل أن تبتعد خطوة وهي تردد بإنكسار: "ليه تعمل فيا كده، إيه الوحش اللي شوفته مني يخليك تعمل فيا كده؟ لم يعد لقدميها القدرة على الوقوف فجلست فوق الأرض وهي تسند ظهرها للفراش. ظل هو على حاله يسمعها وهي تهمس: "عمري ما هسامحك يا طه." عند هذه النقطة فر من الغرفة يتأكله الشعور بالذنب.

قادته قدماه لغرفة أخته طرق الباب بعنف ومن ثم فتحه دون اكتراث. تركت الهاتف من يدها بفزع وهي تنهض من فوق كرسيها بغضب قائلة: "في إيه يا طه من امتى بتدخل أوضتي بالشكل ده؟ لم يبالي بقولها، ولكنه سأل بقسوة وعيناه ترسل رسالات تحذيرية بألا تكذب: "آية مالها؟ تلجلجت وفر غضبها وحل محله التوتر، فعاودت سؤاله: "مالها آية! هو في حاجة ولا إيه؟ جذبها من معصمها وقد زادت وتيرة غضبه قائلاً: "أنا اللي بسأل هنا، آية مالها؟ ابتعدت عنه بعد

أن جذبت ذراعها منه بقوة: "متمسكنيش كده تاني، أنا مش مجرمة عندك في القسم عشان تحقق معايا بالطريقة دي، ومعرفش آية مالها هي مراتي ولا مراتك أنت؟ ولكنه عاد يصرخ في وجهها: "وهي طول اليوم قاعدة مع مين مش معاكِ، أروح أسأل حد من الشارع؟ لوحت بذراعيها دون اكتراث تخبره: "اللي يريحك أعمله يا طه، هي كانت معايا طول اليوم وكانت عادية بتضحك وتهزر، شوف أنت عملت إيه مزعلها، اسأل نفسك آية مالها قبل ما تيجي وتسألني أنا."

كانت أنفاسه متعالية صدره يعلو ويهبط من شدة غضبه، وكما جاء إلى الغرفة رحل منها، بل رحل من المنزل بأكمله. كانت تقف هي بالشرفة، رأته وهو يغادر بغضبه وبسرعته القصوى. عقب دخولها من الشرفة انفرج الباب ودخلت شهد التي ما أن رأتها حتى فتحت لها ذراعيها. ولم تتردد هي بل اتجهت إليها وارتمت بين يديها تبكي بحرقة، لا تدري أي كانت كل هذه الدموع، ما تعلمه أن ما بقلبها الآن جرح غائر يؤلمها بشدة. طلبت بتوسل من بين دموعها:

"خديني من هنا يا شهد، مش قادرة أقعد في الأوضة دي، خديني من هنا أرجوكي." ظل يجوب الطرقات دون أن يعلم إلى أين يذهب، حتى أضاء في عقله سؤالها "أنت اتجوزتني ليه؟ عن هذه النقطة أدار المقود وغير وجهته إلى مكانٍ يعلمه. بعد ساعة مرت كان يجلس أمام شاهد قبر دون فوقه "نانسي حسن منصور". نظر للاسم مطولًا حتى غلبته الدموع. مسح فوق اسمها وهو يسألها: "ليه مسمعتيش كلامنا؟ ليه مقدرتيش خوفي عليكي، ليه تعملي فيا كده، ارتاحتي أنتِ كده؟

أنتِ موتي، وأخوكي سابني ساب كل حاجة ومشي، وأهلك اتدمروا من بعدكم." أشار نحوه بضعف مكملًا: "وأنا، أنا مبقتش عارف إيه اللي حصلي، أنتِ خليتي ثقتي في نفسي تتهز، كنتِ بتستغلي إني متعلق بيكِ غلط، كنتِ شايفة إني هفضل أسامح على طول، جايز كنت أعمل كده لو حبيتك فعلًا، إيه مش مصدقة إني مش بحبك؟!

دي الحقيقة اللي كنا بنداريها أنا وأنتِ، لو حبيتك مكنتش فكرت أتزوج غيرك، مكنش قلبي شافها حلوة، وحب كل حاجة هي بتعملها، بس مع ذلك برضو محبيتهاش! خايف أحبها، خايف تروح زي ما أنتِ رحتي ومقدرش أتخطاها زيك." نهض ينفض الغبار عن ثوبه وهو يخبرها قوله الأخير، وكأنها أمامه تنظر له:

"أيوة يا نانسي أنا اتخطيتك خلاص، لازم أكمل عشان أنا مش أناني، عشان في ناس حواليا مهمين عندي زي ما أنا مهم عندهم، عشان أنا مقدر مشاعرهم لازم أتخطاكِ، عشان مراتي، اللي استحملتني الفترة اللي فاتت دي كلها وهي مش فاهمة أي حاجة، بس اتمسكت بيا رغم إن هي مش مجبرة تعمل ده." أنهى حديثه وفر بعيدًا وكأنها ستخرج تستعطفه. قاد سيارته بذات السرعة التي جاء بها حتى توقف أمام منزل والديه. صعد الدرج بخطوات شاردة قابلته شهد التي خرجت

من غرفتها للتو تعاتبه: "كل ده يا طه بره قلقتني عليك! قبّل رأسها وهو ينظر لها يقول: "كنت مخنوق شوية، أنا آسف لو زعلتك بطريقة كلامي معاكِ قبل ما أنزل." اتسعت ابتسامتها وهي تحتضنه قائلة: "مش زعلانة طبعًا، أنا متعودة من أيام ماتشات المصارعة اللي كنا بنلعبها زمان." تبادل معها الضحك وهو يعود أدراجه لغرفته ولا يدق بعقله سوى سؤال واحد: تُرى هل لازالت تنتظره حتى الآن أم أنها فقدت الأمل فيه؟

دلف لغرفته والتي كانت فارغة من دفئها، هوى قلبه أرضًا. أين ذهبت، هل رحلت إلى بيت أبيها؟ أم إلى منزلهما؟ أم إلى أين؟ أغلق الباب وعاد أدراجه لغرفة أخته طرق الباب برفق وانتظر حتى فتحته وخرجت له بعد أن أغلقت الباب. سأل بتحفز: "آية فين؟ ابتسمت: "يابني هو أنا ولية أمرها، أنا مالي؟ رفع حاجبه بضيق وهو يهتف بضجر: "شهد أخلصي." أجابته حتى لا يعلو صوته أكثر ويوقظ النائمين:

"نايمة عندي جوا، بعد ما أنت مشيت روحتلها كانت مفطورة من العياط، فخدتها تقعد معايا ونامت من التعب." أمرها ببرود: "صحيها." ولكنها عاندته: "مستحيل يا طه لو تعمل إيه." أبعدها عن طريقه وهم بفتح الباب قائلاً: "يبقى هدخل آخدها بنفسي." ولكنها حالت بين ذلك وهي تستعطفه: "يا طه بقى، هي نايمة صدقني، وشكلها زعلانة منك جامد لو شيلتها ممكن تصحى ومترضاش تروح معاك أوضتك وهيبقى شكلك فانلة حمالات قدامي."

نقل نظراته بينها وبين الباب، حتى تراجع وعاد لغرفته. دلفت هي الأخرى للجالسة فوق سريرها تنظر لها بلهفة: "مشي؟ هزت رأسها بالإيجاب وهي تجاورها في جلستها. "كان هاين عليه يكسر الباب على دماغي ويدخل ياخدك." نهضت من الفراش إلى كرسي بجوار النافذة تخبرها: "مش قادرة أبص في وشه يا شهد، على الأقل دلوقتي." امتعضت شهد بضيق مصطنع وهي تتذمر قائلة:

"جبتك يا عبد المعين تعين، هو ده الأسبوع الفرفشة اللي هنقضيه قبل ما أمشي من هنا يا بومة أنتِ وجوزك." غلبتها ضحكتها التي خرجت من بين شفتيها. ابتسمت شهد وهي تنهض لها قائلة: "أيوه كده يا شيخة اضحكي محدش واخد منها حاجة." أجابتها بالموافقة: "عندك حق، أيام الفرحة بتعدي بسرعة ومحسوبة علينا يا نعيشها يا هتضيع من إيدينا." سألتها: "يعني إيه؟ نهضت تتجه للفراش:

"يعني هنسى كل اللي حصل النهاردة وهركز معاك ومع كل اللي المفروض نعمله للفرح وبس." تدثرت كلتاهما في الفراش، فسألتها: "طب وطه هتقوليله إيه؟ أجابت: "طه ميعرفش إني عرفت أي حاجة، وأنا هتعامل على الأساس ده لحد ما أشوف هيقولي أمتى، ومتقلقيش إحنا بنتخانق وبعدها عادي بنتعامل، ده العادي بتاعنا، ونامي بقى يلا عشان بكرة الحنة، وكتب الكتاب وده يوم طويل جدًا." في الصباح الباكر كانت أول المستيقظين.

خرجت من غرفة شهد متوجهة إلى غرفته، كان لا يزال نائمًا. اقتربت منه وهي تجلس بمحاذاة وجهه، وضعت يدها فوق وجهه وهي تهمس: "ملامحك وانت نايم كأنك شخص تاني غير اللي أعرفه يمكن عشان وانت نايم مش بشوف في عينيك نظرات الكره ليا! باغتها بهمسه: "أنا عمري ما كرهتك يا آية." أجابته بإنهمار: "بس عمرك ما حبيتي يا طه."

عقب جملتها فرت إلى المرحاض حتى لا ينكشف ضعفها أمامه، بينما اعتدل هو في نومته يتطلع للسقف في حيرة ليس لها نهاية، حتى خرجت هي من المرحاض ووقفت تصلي ركعتي الضحى. حينها نهض يتجهز لعمله. مرت ساعة استيقظ فيها البقية واجتمع الجميع حول مائدة الفطور في صمت. قطعته شهد وهي تحدث أخيها: "يعني يا طه خلاص البلد هتبوظ لو مروحتش الشغل النهاردة، يوم كتب كتابي، يا أخي اعتبرني زي أختك."

ابتسم وهو ينظر للجالس جواره يتذكر قولها المشابه "اعتبرني زي مراتك يعني واسمحلي أساعدك، مش هعضك! بالرغم من أن هذه الصداقة بين أخته وزوجته لم تنشأ إلا قبل زواجه بوقت قليل إلا أنهن أصبحن يتحدثن بذات الطريقة. نفض عن رأسه تلك الأفكار وهو يعود بناظريه لأخته يمازحها بقوله: "أنتِ عارفة شغلي يا شهد، ومتقلقيش هعتبرك زي أختي وهاجي بدري." تحدثت بتهكم مرة أخرى، رغم ابتسامتها الواضحة على وجهها:

"وبكرة برضو هتروح، المفروض كنت خدت أجازة." مسح فمه بالمنديل وهو ينهض منهيًا هذا الجدال: "أجازة ليه هو أنا العريس ولا إيه؟ وبعدين ده أنا جايبلك مراتي بنفسها تبقي معاكِ وتساعدك متبقيش طماعة." نظرت له لأول مرة منذ بداية الجلسة كان يبتسم لأخته ونقل بصره لها وقد اتسعت ابتسامته وهو يخبرها: "همشي أنا، لو احتاجتي حاجة كلميني." هزت رأسها بالموافقة دون التفوه بأي كلمة، ورحل هو من الغرفة.

سار ببطء حتى باب المنزل صوت داخله يخبره بأنها ستأتي خلفه، وصدق هذا الصوت حينما سمع صوتها الناعم ينادي باسمه حينما هم بركوب سيارته. كانت تقف أعلى السلم تحرك نحوها وهبطت هي بضع درجات حتى وقفت فوق آخر واحدة حينما وقف هو أمامها. ارتبكت وبان هذا في حركة يديها. سألها: "عايزة حاجة؟ هزت رأسها بالنفي: "لأ عايزة سلامتك، أنا بس كنت هقولك خلي بالك من نفسك و… ومتتأخرش بالليل عشان شهد متزعلش."

أنهت جملتها وتأهبت للفرار من أمامه ولكنه قبض فوق كفها يوقفها يطلب تفسيرًا: "ممكن أفهم إيه اللي حصل امبارح ده، وعلشان إيه؟ وللوهلة الأولى يلحظ عيناها المنتفختان من كثرة البكاء ونبرتها المتحشرجة وهي تقول: "مفيش حاجة، أنا بس كنت تعبانة من المشاوير اللي روحناها وكده، وشوفت خبر حادثة صعبة على النت تعبتلي أعصابي، ولما أنت خضتني انفجرت فيك مش أكتر." كانت تدعو أن يصدقها، لا تريد منه أن يعلم الحقيقة وراء بكائها هذا كلها.

ولكن سقطت دعواتها أرضًا حينما ابتسم وهو يقبل كفها قائلاً: "مبتعرفيش تكدبي يا آية، أنتِ زعلانة مني؟ هزت رأسها بالنفي تسأله: "ليه بتقول كده! مرر إبهامه فوق وجنتها يمسح تلك الدمعة المنسكبة من عينها وهو يخبرها: "كلامك اللي قولتي امبارح، هروبك مني لما عملتي نفسك نايمة امبارح عند شهد وأنا متأكد إنك كنتي صاحية، متأكد عشان سبق وقولتي إنك هتفضلي مستنياني مهما اتأخرت، رجعتي في كلامك؟! هزت رأسها بالنفي وهي تمسح دموعها:

"لأ مرجعتش فيه، أنا زعلانة منك يا طه فعلاً، بس مش هقولك السبب، على الأقل دلوقتي، ممكن ننسى أي حاجة ونركز إننا نبقى جنب شهد وأمير صاحبك وبس؟ ابتسم وهز رأسه بالموافقة وهو يخفض رأسه يُقبلُ كفيها مجددًا، وكأنه وجد في هذا متعةً لا توصف. ما أن رفع رأسه ينظر لها من جديد حتى جذبت كفيها وعادت مسرعةً للداخل. من جديد ألقت كل ما جلبته من ثياب فوق الفراش وهي تنظر لهم بضيق لا تعلم ماذا سترتدي. حقًا؟!

بعد كل هذا لا يعجبها أيًا من هذه الفساتين، هناك واحدٌ فقط تود لو ترتديه، لكن سبق ورفض ذلك الأشعث أن ترتديه. قطع أفكارها طرقٌ فوق الباب. أذنت للطارق بالدخول والتي كانت شهد وبيدها صندوقًا. سألتها: "إيه ده؟ وضعته فوق الفراش وهي تغمز لها بشقاوة: "ده فستان ومش بس كده طه اللي جايبه! فتحت فمها بدون تصديق وهي تنقل نظرها بين الواقفة أمامها والصندوق. لابد وأنها تكذب. اقتربت منها تضع يدها فوق رأسها وقالت:

"لأ، مش سخنة يبقي مش بتهلوس، أومال أنا اللي بهلوس ولا إيه؟ طه مين اللي جايبلي فستان؟ ضحكت تخبرها: "طه جوزك يا حبيبتي مالك، يلا افتحيه نشوف ذوقه حلو ولا أي كلام." فتحته بالفعل ليقابلها فستان باللون الأحمر الداكن كـ الذي اختارته سابقًا ورفض أن ترتديه، ولكنه أفضل بكثير أفضل للدرجة التي جعلت عيناها تلمعان بسعادة وهي تقول: "إيه الجمال ده! تحفة بجد! وافقتها بالرأي وهي تحثها:

"طيب يلا ادخلي خدي شاور دافي كده عشان تفوقي عقبال ما الميكب ارتست توصل هي والبنات اللي هيساعدوها وأنا هروح أكلم أمير." رحلت وبقيت هي تنظر في أثرها بتعجب. ألا تشعر بالملل هي وأمير هذا من كثرة الثرثرة؟ وما بال ذاك الأشعث طه لا يحادثه ولو مرة مثل ذلك المدعو أمير، أليس من المفترض أنهما صديقان. فاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها امسكته ولم تصدق أنه هو. هتفت بضحكة واسعة: "الأشعث بيتصل! حمحمت تستعيد زمام نفسها وهي تجيب:

"ألو، السلام عليكم." أجابها بهدوء: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الفستان عجبك؟ ابتسمت وهي تنظر له بسعادة: "آه، حلو أوي يا طه، شكرًا بجد، تعبت نفسك." تنهد مجيبًا: "تعبك راحة يا آية، المهم إنه عجبك." كان هذا قوله الذي زاد من ابتسامتها وهي تسأله: "أومال أنت فين البدلة بتاعتك؟ أجابها: "هجيبها وأنا جاي، هتحتاجي حاجة أجيبها؟ ردت مبتسمة: "لأ عايزة سلامتك، متتأخرش."

انقضت ساعات النهار بين استعدادات الفتيات وضحكاتهن وصوت الموسيقى والرقص وزادت الأجواء بهجة بقدوم رفيقات شهد المقربات. لا يمكنها الإنكار بأن هذه الأجواء عدلت الكثير من حالتها التي كانت عليها منذ الأمس.

اقترب موعد وصول المأذون وقدوم الرجال ما جعلها تتجه لغرفتها جذبت القطعة العلوية للفستان المكون من قطعة ذات أكمام قصيرة والذي يصل طوله حتى نهاية قدميها وتلك القطعة التي ما أن ترتديها يكون بإمكانها أن تضع حجابها فوقه بشكل طبيعي. ابتسمت وهي تنهي تثبيت الحجاب بالدبابيس تقول لنفسها: "طه طلع بيفهم والله، الفستان ده جه نجدة، مش عارفة إزاي مفكرتش أجيب واحد زيه." دارت حول نفسها تري الشكل النهائي بسعادة.

ومن ثم جذبت هاتفها لتنظر لما لم يأت حتى الآن، ولكنه سبقها وهو يطرق الباب ويدخل بيده بدلته. وقبل أي شيء هتف: "عارف والله إني اتأخرت هلبس في خمس دقايق وجاي استنيني مكانك." رسمت ابتسامة على وجهها حتى أغلق الباب خلفه ومن ثم تحدثت بتهكم: "مقالش حتى إيه الحلاوة دي يا يويو ولا إيه القمر ده ولا أي حاجة، عيل أشعث والله." بعد الربع ساعة طرقت الباب تناديه: "يا، طه، يلا هنتأخر على الناس تحت بتعمل إيه كل ده؟

عادت تجلس من جديد حتى خرج في حلته اللامعة. حاولت أن تداري بسمتها المعجبة به وهي تنظر بعيدًا ولكنه اقترب منها يمد لها يده برابطة عنقه وينظر لها كطفل لا يجيد ربط حذائه. ابتسمت وهي تنهض ممسكةً بها، تقول: "أول مرة أعرف إنك مبتعرفش تربطها." ذهب خلفها نحو المرآة، وضعتها حول عنقه فأجابها: "عشان مبحبش ألبسها أصلًا." ابتسمت وهي تنظر ليديها حتى تربطها بشكل جيد.

دققت النظر فيها لتجد أنها تحوي زهورًا صغيرة تتماشى مع لون فستانها لا تظهر إلا حينما تركز بصرك عليها. حادت ببصرها نحو جيب البذلة لتري منديلًا حريريًا يحمل اللون ذاته. لم تتمكن من وأد ابتسامتها وهي ترفع عينيها له. ما أن رأته يبتسم حتى تحولت بسمتها لضحكة مرتفعة وهي تنهي عملها في رابطة عنقه، هتفت بضحكة واسعة: "أنت عامل ماتشينج معايا؟! حك عنقه بحرج وهو يهز رأسه بالإيجاب. ظل كلاهما ينظران لبعضهما بإبتسامة بسيطة هادئة.

لحظات صفائهما نادرة وثمينة للغاية قطعها وهو يخرج من جيب سترته علبة مستطيلة. مد يده بها لها ابتسمت وهي تفتحها، ضحكت بسعادة وقد أدمعت عيناها وهي تخرجها وتنظر لها. كانت تحمل عصفورًا صغيرًا حوله زهور حمراء. همس بقوله: "ده النمنمة، طائر النمنمة." مدت كفها له بالقلادة، فألتقطها منها. أولته ظهرها وهي تنظر بالمرآة وهتفت: "يلا لبسهالي." أنهى غلقها ونظر لانعكاسهما بالمرآة. وضعت يدها فوقها وهتفت:

"حلوة أوي يا طه، حلوة أوي أوي، دي أحلى هدية جاتلي في حياتي." أدارها لتنظر له، قال وهو يتفحص كل جزء بملامحها: "أنتِ اللي حلوة أوي يا آية، حلوة بكل تفاصيلك." ابتسمت بخجل طردته وهي تسأله بمراوغة: "الهدية الحلوة أوي دي بقى اعتذار عن إيه؟ ابتسم وهو يضيق بين حاجبيه مفكرًا: "شوفي أنتِ عايزة توظفيها في أنهي خناقة بينا! ضحكت برفض قائلة: "لأ مينفعش أنت اللي تقول." تنهد وهو يضع كفه فوق وجنتها قائلاً:

"نمشيها اعتذار عن اللي حصل امبارح، واللي حصل أول يوم لما جبتك هنا وعملنا مناظرة على مين فينا عيل." ضحكت وبادلها هو الضحك. هزت رأسها بالموافقة، ولكنها سألته: "طب واللي قبل ما نيجي هنا؟ مال ليطبع قُبلة فوق وجنتها قائلًا: "كل شيء بأوانه يا آية." كانت تشعر وكأن طائر النمنمة المعلق في قلادتها يُغرد الآن بين ضلوعها. لم تجرؤ على النظر لوجهه وعفاها هو من هذا الحرج فجذبها بين ذراعيه يحتضنها.

وقد عزم أمره بأن يصارحها بكل ما حدث في حياته قبل زواجهما بعد الاطمئنان على أخته. إن كان هذا السر هو ما ينغص عليهما حياتهما فليبح به وبالتأكيد هي ستغفر له، بالتأكيد ستتمسك به. ارتفع طرق والدته فوق الباب تعاجله بقولها: "يلا يا طه أهل العريس وصلوا." خرجت من بين ذراعيه وهي تنقل بصرها في كل مكان. تنهد كليهما وهمس هو: "أنا هنزل عشان الناس تحت، وأنتِ روحي عند شهد." "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."

تعالت صيحات التهليل من الشباب والزغاريد من الفتيات والنساء. نهض أمير يحتضن والد زوجته ورفيقه العزيز. بينما كانت عيناه على شهد التي توالت عليها المباركات لا تستطيع الوصول إليه. حتى هتفت فيهن بضجر وصوت خفيض: "ما خلاص بقى يا جدعان، عايزة أحضن الواد جوزي." ضحكن جميعًا وأفسحن لها المجال. وقف أمامها وقد مد يده لها يصافحها، صافحته مبتسمة وهي تتحدث بضيق: "إيه يا باشا فين حضن كتب الكتاب؟

اقترب منها أكثر ومال يهمس بأذنها قائلاً: "أنتِ مش شايفة الرتب اللي حوالينا دي كلها المكان كله محاصر." أمرته بنفس النبرة: "أمير والله لو ما حضنتني هنكد عليك شهر العسل كله." عند هذه النقطة حمحم وأحاطها بذراعيه محتضنًا إياها فعادت الزغاريد من جديد تملأ المكان. حملها ودار بها وسط أجواء يعمها الفرح. كان قد تحرك من بين الزحام ووقف جوارها. لكنها كانت تراقب هذا المشهد المفعم بالمحبة والمودة بين شهد وأمير.

كان يحيطها بنظراته قبل عينيه. ولم تنتبه لهذا الواقف يراقبها حتى حمحم بهدوء فنظرت له مبتسمة وقالت تمازحه: "ألف مبروك لشهد، عقبالك." أجابها وهو يهز رأسه: "الله يبارك فيكِ، إيه…" ضحكت على ردة فعله ومن ثم صاحت في الفتيات حتى ينتقل هذا الجمع للأعلى بالمكان المخصص للاحتفال. وبالفعل صعد الجميع للأعلى وهي بالأخير حتى سمعت إحداهن تناديه بغنج قائلة: "طه إزيك Miss You So Much." اختفت ابتسامتها وهي تدير رأسها للخلف تنظر لهما.

هبطت درجات السلم مسرعة تقف جواره وقد أمسكت يدها الممدودة لمصافحته قائلة بتكلف: "أهلاً يا مدام، اتفضلي البنات طلعوا فوق مش هنا." امتعضت ملامح الفتاة وهي ترد: "مين دي اللي مدام، أنا آنسة على فكرة! أمسكت بذراع طه وهي تجيبها بلا اهتمام: "مش فارقة، تعالي معايا يا طه عايزة أقولك حاجة." اصطنعت أنها تجذبه حتى رحلت تلك الفتاة للأعلى بضيق. نفضت ذراعه وهي تنظر له بغضب مقلدةً تلك الفتاة:

"إزيك يا طه Miss You نيننيني، عيلة صفرا، مين دي؟ هز كتفيه دلالة على عدم معرفته: "واحدة." استشاطت غضبًا وهي تردد: "وحدة! أنت بتهزر واحدة هتيجي تقولك وحشتني يا بيبي." ابتسم معلقًا: "مقلتش يا بيبي على فكرة." زمجرت بغيرة: "قالت زفت على دماغها، تكلمك كده ليه أصلًا؟ كان يبدو مستمتعًا للغاية فأجابها: "وأنا مالي هو أنا اللي قولت، روحي اسأليها هي." هزت رأسها رفضًا؟ "طالما أنت مديها ريق حلو، لازم تقولك كده." ردد ضاحكًا:

"ريق حلو، أنا برضو بتاع الكلام ده، ده أنتِ أدري واحدة طيب." أمسك كفها يربت فوقها مكملًا: "مش بخونك متقلقيش." جذبت كفها وهي تردد: "مش قلقانة، متقدرش تعمل كده أصلًا عشان لو بس فكرت والله ممكن أخلص عليك وعليها." نظر لقلادتها مبتسمًا ثم نظر لها قائلاً بهدوء: "اللي معاه الغالي ميبصش للرخيص حتى لو جه لتحت رجليه." انقضت الليلة سريعًا وغادر الجميع بعد أن أخذ أمير شهد بصحبته لتناول طعام العشاء سويًا بالخارج.

عادت لغرفتها وما أن رأت الفراش إلا وارتمت عليه بإرهاق شديد. نظرت للسقف بتعب قائلة: "نريح خمسة كده وأقوم أغير، عشان اللي فات تسخين واللي جاي الفرح." في أحد أكبر القاعات النيلية اجتمعت عائلة العروسين وجمع كبير من الضباط والمناصب العليا في حفل راقٍ من يراه يظنه خرج من أحد الأساطير القديمة. وعلى منصة الرقص وقف العروسان يرقصان بمفردهما. بينما على الجانب الآخر كان يبحث هو عن زوجته بقلق.

اختفت من بين الجموع منذ نصف ساعة يبحث عنها ولا يجده. تقدم نحو والدته يسألها فأجابته: "قالت مخنوقة ومصدعة، ممكن تكون خرجت بره بعيد عن الدوشة وجاية." ما قالته والدته أشعل الفزع بقلبه، خشي أن يصيبها مكروه. دقيقتان وكان يقف في مدخل القاعة يتطلع يمينًا ويسارًا بقلق. حتى نظر أمامه، للجهة الأخرى من الطريق. كانت تقف بمفردها وتوليه ظهرها. عبر مسرعًا نحوها ولا يزال القلق ينهشه.

ما أن وقف خلفها حتى جذبها من ذراعها يتفحصها، قائلاً: "أنتِ كويسة، إيه اللي خرجك من القاعة وحدك، وليه مقولتيش." لاحظت يده التي يمررها فوق رقبتها بقلق، وكأنه لازال محجوزًا في تلك الليلة. ابتسمت بسخرية قائلة: "طه فوق، أنا آية، مش نانسي." تصنع عدم الفهم بقوله: "نانسي مين؟ نفضت ذراع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...