كانت تجلس جواره في السيارة تنظر لفستانها الذي طابق لونه لون سترته الخريفية التي ليس لها أكمام وحقيبتها الصغيرة التي تتماشى مع قميصه أسفل السترة. ابتسمت وهي ترفع رأسها إليه فقبض عليها وهي تتلصص بنظراتها عليه: "إيه الانشراح ده كله! ضحكت على كلمته وهي تكررها: "انشراح! مش معقول أنت بتقول انشراح! ضحك معها بخفة وعادت هي تتحدث: "أصل شكلنا حلو أوي بالماتشينج ده، اللون الكحلي والهافان تحفة عليك."
ضحكت عقب جملتها وهي تتذكر تذمره حين رأى ما حضرته له من ثياب ورفض رفضًا شديدًا أن يرتديهم ولكنه رضخ لها بالنهاية. بعد ساعة أخرى كان قد وصل أمام البيت. فتح له الحارس البوابة وهو يلقي عليهما التحية بحفاوة. صفت السيارة أمام الباب وخرج منها وفتح لها الباب. ابتسمت له بشكر وخرجت معه. لا يدري لماذا ولكنه مد لها كفه ليمسك بكفها بعد أن أمر الحارس بأخذ ما جلبه من السيارة ويدخله. اتسعت ابتسامتها وهي تدس يدها بيده وتسير جواره.
خرجت والدته التي سمعت صوت سيارته وهي بالأعلى. رحبت بهما وهي تحتضنه: "أهلا يا حبايبي، كل ده يا طه متجيش نشوفك هتنسى أهلك ولا إيه؟ احتضنها بالمثل وقال مبررًا: "معلش حضرتك، عارفة شغلي." تركته ورحبت بزوجته وهي ترد عليه: "الشغل برضه ولا آية القمر دي خلاص خدتك مننا! ضحكت وهي تحتضنها مازحة: "والله يا طنط، هو شغله واخده مني شخصيًا وحاسة إن الشغل ده ضرتي." ضحكت والدته وهي تجذبهم معها للداخل: "هو ده طه في الشغل، ميعرفش أبوه."
جلس ثلاثتهم حتى سألت: "أومال شهد فين؟ أجابتها والدته: "فوق يا حبيبتي في أوضتها لسه بتلبس، اطلعيلها لحسن دي من الصبح جننتني علشان تختار حاجة تلبسها." أسند ذراعه على ظهر الأريكة وهو يجيب والدته ساخرًا: "واضح إن ده داء عند البنات كلهم." فهمت ما يرمي إليه فأعطته الوسادة الصغيرة بعنف وهي تنهض قائلة: "هطلع أشوفها، بعد إذنكم." غابت فوق السلم فضحكت والدته عليها وهي تنظر لها. "عسولة آية، عاملين إيه سوا، كله تمام؟
نظر لها مطولًا ثم هز رأسه بهدوء بالإيجاب. نهضت تجلس جواره تقول بهدوء: "طه حبيبي أنا عارفة إن اللي حصل لسه ماثر فيك، بس لإمتي يا ابني، بلاش تضيع عمرك وأنت واقف عند لحظة بقت ماضي وعدى وتضيع من إيدك الحاضر والمستقبل. مراتك ما فيش منها اتنين، وباين عليها إنها مايلة ليك فـ ليه مش مديها فرصة؟ غمغم بضيق قائلًا: "لزومه إيه الكلام ده يا ماما دلوقتي؟ أجابته بحنو وهي تضع يدها فوق وجهه: "لزومه إن قلبي عايز يتطمن عليك يا حبيبي."
سألها وهو يضيق عينيه بترقب ينتظر ردة فعلها على سؤاله: "هي آية اشتكت لحضرتك؟ أو قالتلك حاجة؟ ضحكت وهي تجيبه: "أنت فاكر حركات الظباط دي هتتعمل عليا ولا إيه يا واد، ده أنا أعرفها من قبل ما أنت تتولد." ضحك بخفة وهو يجيبها: "لأ بجد قوليلي." هزت رأسها بنفي تخبره:
"لأ مقالتش حاجة حتى لما بسألها بتقول كويسين وزي الفل وبت تقول كده لشهد برضه، بس أنا قلبي بيقولي غير كده. طريقتها وهروبها من الكلام لما أسألها بيقولي إن في توتر في علاقتكم. بيقولي إنكم بعيد عن بعض لسه، حتى نظراتكم لبعض نظرات هربانة، ولا أنت ليك رأي تاني؟ بقيت تنظر له، وصمت هو كثيرًا حتى صرح:
"مش قادر يا أمي أبقى عادي، حتى لو أنا عايز فـ أنا مش قادر على ده. هي بتشدني ليها، كل حركة منها بتشدني، حاسس إني بغرق، بس في لحظة بفوق وأشد نفسي بعيد عنها. واقف في النص، وهي شوية بتحاول وشوية بتسكت زيي، فـ أنا مش عارف أعمل إيه." ربتت فوق كتفه وهي تبتسم له ناصحة: "سيب نفسك يا طه، بطل تتحكم فيها، بلاش تفكر بعقلك، سيب قلبك المرة دي هو اللي يتحكم." نظر لها يسأل: "ولو غرقني؟ أجابته:
"الغرق ده مش معناه نهاية الحياة، معناه حياة جديدة بتتبني بشكل تاني. حياة فيها ألوان كتير غير الأبيض والأسود. أقولك بطل تفكر خالص، اتصرف معاها بتلقائية هتلاقي نفسك حبيتها." كرر بتعجب: "حبيتها مرة واحدة! مش صعبة شوية دي؟ استنكرت قوله وهي تجيب: "صعبة! بقي الأنوثة والرقة دي كلها بين إيديك وصعب تحبها؟ ده كفاية بس ضحكتها اللي بترج القلب كده رج. عينيك بتقول غير اللي لسانك بيقوله، عينيك محاوطاها." نظرت
لما يرتديه وهي تبتسم بخبث: "ده أنت حتى لابس قميص كحلي لون شنطته يا أبو صعبة أنت." ضحك ينفي عن نفسه الأمر وكأنه تهمة: "على فكرة هي اللي صممت على ده ومرضيتش أزعلها." جاءت الخادمة تخبرها بعودة زوجها من العمل. وضعت يدها فوق وجهه تنصحه قبل أن تنهض راحلة: "بلاش تضيعها من إيدك يا طه، لأنها مش هتتعوض، وبلاش على الأقل تصدها. اسمحلها تقرب وهي هتقوم بالواجب."
ختمت قولها وهي توجه رأسه نحو السلم فرأها تهبط بابتسامتها الرقيقة وقول والدته لازال يتردد بعقله (بلاش تضيع عمرك وأنت واقف عند لحظة بقت ماضي وعدى وتضيع من إيدك الحاضر والمستقبل) فاق من شروده وهي تجلس جواره تهتف بحماس: "شهد عسولة أوي بجد، ما شاء الله عليها، يا بخت أمير بيها، كفاية الفرحة اللي بتنط من عينيها إنها خلاص شوية وهتبقى معاه لآخر العمر."
كان ينظر لها فقط، ترتسم على شفتيه ابتسامة بسيطة، يحب هذا الحديث ذو النبرة الحماسية منها، لم يكذب حين شبهها بذلك الطائر المغرد، وهو يحب منها هذا التغريد. فرقعت أصابعها أمام وجهه فأنتبه لها وهي تسأله: "إيه سافرت فين كده! هز رأسه بنفي يسألها: "معاكِ أهو، اومال هي منزلتش ليه؟ ابتسمت وهي تجيبه:
"اصلها مكسوفة، قالت هتنزل لما كله يتجمع، فقولتلها إني هنزل عشان أبقى مع مامتك وهبقى أطلع أجيبها لما يوصلوا، وهي عجبتها الفكرة عشان توزعني وتكلم أمير." أنهت جملتها ضاحكة، فبادلها هو أيضًا الضحك يهز رأسه بأن. "لأ فائدة." سألته: "إحنا هنبات هنا ولا هنروح بعد ما يمشوا؟ سألها هو: "أنتِ عايزة إيه؟ رفعت كتفيها وهي تجيب: "مش عارفة علشان كده سألتك، أنا بقول نفضل هنا الليلة، عايزة أشوف أوضتك جدًا." عبس وجهها وهي تكمل:
"بس أنا بحب بيتنا برضه، بحب أصحى الصبح بدري أفتح الشبابيك وأعلي صوت الراديو وأحضر الفطار ونفطر أنا وأنت سوا، أينعم أنت مش بتتكلم وبتفضل ساكت بس…" صمتت فهز رأسه يحثها بنظراته أن تكمل ولكن بقيت صامتة فسأل: "بس إيه قولي." ابتسمت بخجل وهي تنظر للسلم: "أقصد يعني إن أنت مش بتتكلم غير قليل بس وجودك بيكون كفاية." كان ينظر لها وليديها التي كانت تفركها بتوتر. همس باسمها فنظرت له وعيناها تهربان منه فهتف:
"تعالي هوريكِ أوضتي دلوقتي ولما يمشوا الناس نبقى نرجع بيتنا، اتفقنا؟ تحمست للفكرة وهي تهز رأسها ونهضت تسبقه: "أنا برضه بقول كده، يلا تعال." ابتسم وهو ينهض يلحق بها. وصل جوارها حينما توقفت بنهاية السلم ونظرت له بتساؤل: "أوضتك فين؟ سألها: "خمّني كده! رفعت يدها تشير ناحية باب على يدها اليسرى، ولكنه ضحك وجذبها من يدها في الاتجاه المعاكس. وقف كلاهما أمام باب الغرفة. كانت تنظر للباب بحماس فضحك عليها قائلًا:
"على فكرة ده باب أوضتي مش باب الأحلام! نفخت بضيق وهي تنظر له: "يا ربي على الفصلان يا طه، خلص افتح الباب." ابتسم وفتحه ودلف للداخل يجذبها ويغلق الباب خلفه.
وقفت تتأمل الغرفة وهي تبتسم. كل شيء هنا يشبهه الألوان والأثاث كله. كيس الملاكمة الموضوع في زاوية الغرفة، ومكتبه ذو اللون الأسود وما فوقه من أوراق، ميدالياته وجوائزه المعلقة فوق الحائط والمرآة الطولية في الزاوية الأخرى. كان هناك باب مغلق خمنت أن المرحاض وغرفة تبديل الثياب. كان قد تحرك ليجلس فوق الفراش أمامها ويشاهد ردة فعلها. هتف بهدوء يجذبها من تأملها: "على فكرة وأنا كمان." لم تفهم ما يقصده فنظرت له بتساؤل:
"وأنت كمان إيه؟ قالتها وجلست جواره فوق الفراش تنظر له وهي تفك الدبابيس التي ثبتت بها حجابها فهتف يوقفها: "الناس ممكن يوصلوا في أي لحظة خليكِ زي ما أنتِ."
رفضت وهي تنزع الطرحة عن رأسها وتقوم بفك شعرها الذي نزعت عنه المشبك وحركت رأسها يمينًا ويسارًا حتى ينساب فوق ظهرها. كان مأخوذًا بها وبحركته، هي تهوى الحديث، وهو يهوي النظر إليها. يشعر كأنه لو بقي عمرًا يتطلع لها وهي تنزع عنها غطاء رأسها لن يشعر ولو للحظة واحدة بالسأم أو الضيق. فاق من شروده وهي تخبره: "ما قولتلك مش بحب أقعد بالطرحة طالما ما فيش حد غريب. المهم، كنت بتقول وأنت كمان إيه؟
كان سيخبرها أنه أيضًا يحب وجودها معه، ويحب حديثها الصباحي وطعام الفطور الذي تعده، ويحب حينما يعود من عمله يجدها بانتظاره مهما أطال الغياب فهي تبقى في انتظاره. لكنه هرب بعينيه وهو يسألها: "مقولتيش إيه رأيك في الأوضة؟ ضحكت على تهربه، هي متيقنة بأنه كان سيقول شيئًا محوريًا حقًا لكنه تراجع. تراجع لأنه أخذ وقتًا يفكر بعقله، وعقله لا يتوقف عن ردعه من قول أي شيء قد يمثل عليه خطورة.
حدثت نفسها ساخرة: "طول عمرك نفسك في راجل تقيل يا آية، أهو وقع من نصيبك التقل كله، اشربي بقى." نظرت له وعادت تحدث نفسها: "بس أنا كنت عايزاه تقيل مع كل الستات ومدلوق عليا، بس طه السيستم عنده عامل Select all."
ضربت برأسها فكرة ما. نظرت له بتحدٍ هي لن تخرج من هذه الغرفة قبل أن تعرف ما الذي كان سيتفوه به. اقتربت منه حتى أصبحت ملاصقة له. نظرت بعينيه وهي تضع يدها فوق وجنته تدير وجهه ناحيتها وتهمس باسمه. ما إن وقعت عيناه بعينيها حتى تاه ولم يعرف أين يجد المفر، وكيف يحمي نفسه من السقوط بمقلتيها. همست من جديد تسأله بنبرة ناعمة وحزينة: "أنت ليه بتهرب من عنيا؟ هز رأسه بنفي وهو يهمس: "أنا مش بهرب." عادت تهمس وهي ترسم على
وجهها ابتسامة سلبت عقله: "طب قولي، كنت بتقول وأنت كمان إيه؟ أزاح عن وجهها تلك الخصلة التي لم تتوقف عن مداعبة رموشها. وضع يده بخصرها يجذبها إليه أكثر حتى التصقت به ومال يطبع قبلة فوق وجنتها. تملك منها الخدر. أفعال لم يسبق لها أن تعرضت لها. تصدر منه هو. اقتراب زاد من اضطرابها. علا وجيب قلبها ينذر بأن لا سبيل للعودة إما الاستسلام أو الهلاك!
ابتعد عنها بسرعة اقترابه ولكنه لم يفلتها، يرى أثر فعلته على ملامحها الساكنة وتلك الابتسامة التي زينت ثغرها بهدوء. همس جوار أذنها: "الطرق دي عمرها ما هتجيب معايا، أنا أعرف كل السبل اللي ممكن أي حد يستعملها عشان ياخد معلومات من اللي قدامه، وخصوصًا لو واحدة ست، ودي أسهل طريقة، بعتبرها طريقة الخايبين." امتعضت ملامحها وهي تفتح عينيها تنظر له بضيق جعله يضحك عاليًا وهو يُلثم وجنتها مجددًا وينهض متجهًا للخارج.
"قومي لفي طرحتك وحصليني على تحت." أغلق الباب خلفه وتركها. ألقت بالوسادة على الباب وهي تنفخ بضيق ولكنه زال وحلت مكانه ابتسامة خجولة وهي تضع يدها فوق وجنتها حيث طبع قبلته. ألقت بجسدها فوق الفراش وهي تضحك وتغطي وجهها بكلتا يديها قائلة: "شكلها كده بدأت تندع." تعالت ضحكاتها برقة وصلت لأذنيه وهو يقف خلف الباب. ابتسم وتوجه ناحية غرفة أخته ليتفقدها. ***
مر الشهر سريعًا ولم يتبق منه سوى أسبوع. كان قد أنهى ارتداء ملابسه وتناول طعامه وفي طريقه لباب المنزل. ولكنه توقف حينما لاحظ أنها تسير خلفه. نظر لها فوجدها تفرك كفيها بتوتر. سأل بعينيه، فأجابته: "بص، أصل يعني… شهد…شهد كانت عايزة في أسبوع الفرح أكون معاها يعني، ومفروض أروح لها النهاردة." سألها بضيق وهو يضيق ما بين حاجبيه: "والكلام ده ما اتقالش من يوم أو اتنين ليه؟ على الأقل امبارح بالليل؟ مش على الباب وأنا رايح شغلي؟
إيه رأيي مجرد تحصيل حاصل بالنسبة لكِ؟! لم تجبه فهتف بغضب طفيف: "يبقى تتحملي نتيجة تأخيرك ده وتستني لبكرة أو بعده عشان نروح." نظرت له تحاول إقناعه قائلة: "يا طه مهو…" ولكنه قاطعها وهو يرفع إصبعه في وجهها: "ولا كلمة مفهوم! عن إذنك ورايا شغل."
رحل وقد صفق الباب خلفه بعنف. لم تشعر بأي شيء سوى دموعها التي سقطت فوق وجنتها. حتى وإن كانت مخطئة ما كان يجب أن يحادثها بهذا الشكل الجاف. عادت للداخل تجر قدميها جرًا. لا تدري ما الذي فعلته في دنياها للوصول لهذه النقطة، وهي التي كان يسعى لها من هم حولها لنيل رضاها وكانت هي التي لا تقبل. سنوات عديدة كانت تضع نفسها في الأعلى، كانت قمرًا بين النجوم. كانت قد اتخذت قرارها بألا تقبل إلا بمن يجعلها ملكة متوجة على عرش قلبه، أن
تكون هي شغله الشاغل، أن يبذل سعيه لإسعادها. نظرت حولها لما آلت إليه تأملاتها، تعيش مع رجل يشاركها الفراش ولكنها بعيد عنها كل البعد، متروكة في شقة سكنية طيلة يومها، لا ترى أحدًا ولا أحد يراها، لا يسمح لها بالخروج إلا بصحبته وكأنها سجينة وهو سجانها.
مسحت دموعها بعنف شديد وهي تنظر لانعكاسها في المرآة: "أنا مش هستحمل أكتر من كده خلاص، هو فاكر نفسه مين، ولا فاكرني معنديش كرامة. أنا لو صبرت على كل ده فـ ده عشان مبقاش أنا اللي هديت كل حاجة ويتقال عليا برفس النعمة." ضحكت ساخرة وهي تجيب: "هي فين النعمة دي أصلاً، أنا محطوطة في سجن! هزت رأسها وكأنها تحاور شخصًا أمامها: "هو ده الصح وما فيش صح غيره. بعد فرح شهد حكايتنا دي لازم تنتهي." ***
قاطع حديثه مع الضابط الجالس أمامه رنين هاتفه. نقل بصره تجاهه فوجدها أخته. زفر بضيق وهو ينهض مبتعدًا ليرد عليه. ما لبث أن أجابها حتى سألته بضجر: "إيه يا طه كل ده أنتو فين؟ أجابها بهدوء: "أنا في الشغل." سألته مجددًا: "طيب آية جاية مع السواق بتاع باباها يعني ولا إيه؟ ولكنه نفي ذلك بقوله: "لأ، آية في بيتنا." عادت تصيح بضيق: "أنت بتهزر مجبتهاش ليه، طه أنا محتاجة آية معايا الأسبوع ده بس علشان خاطري." رفض بقوله:
"ما تشوفي حد من أصحابك يا شهد إشمعنا آية يعني؟ بررت له: "عشان هي صاحبة جدعة، وفي نفس الوقت مرات أخويا، يعني في مقام أختي، مينفعش يبقى عندي أخت وأروح أجيب صاحبتي تساعدني." أصر على رفضه: "الصحاب على قفا من يشيل يا شهد، متوجعيش دماغي أنا عندي شغل." علمت أن هذا الأسلوب لن يفيد. لانت نبرتها واصطنعت البكاء بقولها:
"يا طه طب علشان خاطري ده أنا أختك، أنا عمري كله كنت بتمنى يكون عندي أخت وشهد الوحيدة اللي حسيت إنها في المكانة دي. فمن فضلك متحرمنيش من الإحساس ده بعد ما دوقته، علشان خاطري هاتها وتعالوا قضوا الأسبوع ده هنا ولما أمشي أبقى خدها ورجعوا شقتكم." صمت ولم يجبها فهتفت تحثه: "طه علشان خاطري بجد! قال مغلوبًا على أمره: "حاضر يا شهد هجيبها بكرة." طلبت: "وليه مش النهارد…" قاطعها بقوله الصارم:
"قولت بكرة خلاص خلصنا، بدل ما أحلف متحضرش الفرح من أصله." أغلق الهاتف وعاد يباشر عمله بعد أن تعكر مزاجه كليًا.
مساءً عاد في موعده المعتاد. كانت تجلس فوق كرسيها المعهود وقد غلبها النعاس وهي تنكمش على نفسها من البرودة. زفر باختناق وهو يتقدم منها. ظن أن بعد حديثه معها صباحًا أنها ستجافيه، ستتوقف عن أفعالها التي لا تزيد سوى من شعوره بالذنب. مال يحملها ولكن ما إن لامست يداه جسدها حتى انتفضت مستيقظة. نظرت له بتفحص تتأكد من عودته سالمًا ومن ثم هبت واقفة وهي تدفع يديه عنها قالت وهي تدور بعينيها على كل الأركان سواه:
"حمد الله على سلامتك، أحضرلك تتعشي؟ أجابها بجمود يتطلع إليها ينتظر فعلتها القادمة: "مش جعان." هزت رأسها بإيجاب وهي تبتعد نحو غرفة النوم قائلة قبل أن تختفي عن ناظريه: "طيب تصبح على خير." تعجب جفائها هذا وهي التي جلست في البرد تنتظره ولكنه نفض عن رأسه كل الأفكار وتوجه للداخل يطلب النوم بسلام. ***
صباحًا استيقظ مبكرًا قبلها بكثير من الوقت. تعجبت حينما وقعت عيناها عليه فوجدته في كامل ثوبه. نهضت دون حديث لم تلقِ عليه حتى تحية الصباح، ولكنها توجهت بوجه عابس نحو المرحاض، وغابت داخله لبعض الوقت. كانت تنتظر أن يرحل لعمله لا تريد أن تتشاجر معه مجددًا ولكنه لم يرحل فخرجت مضطرة. وجدته وقد توسط الأريكة يتصفح هاتفه. رفع رأسه لها قائلًا: "جهزي نفسك عشان أوصلك البيت عندنا قبل ما أروح الشغل." رفعت حاجبها بغيظ وهي تسأله:
"والله، أنت عايز تمشيني بمزاجك، إيه تحكمات سي السيد دي، كنت فاكرك أعقل من كده على فكرة." لم تلحظ نبرة صوتها العالية، ولكنه لاحظها فهتف بتخذير: "صوتك عالى! لكنها صاحت بغضب: "صوتي وأنا حرة فيه، وأقولك حاجة كمان، أنا مش رايحة في حتة، يلا بقى روح على شغلك." لم يجبها بل رفع الهاتف لأذنه يجري اتصالًا حتى هتف: "صباح الخير يا شهد عاملة إيه؟ صمت يسمع ردها ومن ثم أخبرها:
"دلوقتي آية اللي قولتي عليها امبارح أختك، بقولها تجهز نفسها عشان أوصلها عندكم، اتعصبت واتنرفزت وقالت مش رايحة في حتة." صمت من جديد يسمعها، مد يده بالهاتف للواقفة أمامه قائلًا: "أهي معاك، كلميها." كانت تنظر لها بغضب شديد، ودت لو أخذت منه الهاتف وحطمته في وجهه، أو ربما يمكنها الخروج وتركه هكذا، ولكنها رفضت هذا والتقطته منه بعنف أولته ظهرها وهي تضع الهاتف فوق أذنها:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إزيك يا شهد… يا بنتي أنتِ فهمتي غلط، أخوكي بيقول الكلام على كيفه، أنا هاجي بس عشان خاطرك وعشان أنتِ غالية عندي، تمام ماشي، يلا سلام." أغلقت المكالمة وألقت بالهاتف فوق الفراش وهي تتجه للمطبخ. رفع حاجبه بغيظ والتقط هاتفه وخرج خلفها وجدها تعد القهوة وتمسك بيدها خبزًا قد وضعت فوقه بعض الجبن تقطم منه. هتف بضيق: "هو أنا مش قولت يلا عشان أوصلك! نظرت له ببراءة مصطنعة:
"هفطر وأشرب القهوة، أكيد مش هنزل على لحم بطني! سأل بغيظ: "ده على أساس إننا رايحين مجاعة، ما هنفطر هناك معاهم." صبت قهوتها وهي تخبره: "عادي، عقبال ما نوصل هكون جوعت تاني." حملت الكوب وسارت للغرفة وأغلقت الباب خلفها. جلس فوق الكرسي المواجه للغرفة وقدمه تدك الأرض دكًا بغضب. خرجت بعد ما يقارب الساعة إلا الربع تحمل حقيبة صغيرة وضعت بها بعض الثياب و بيدها الأخرى حقيبة يدها قائلة: "يلا أنا خلصت."
نهض يتوجه نحوها حتى وقف أمامها. ظنته سيأخذ منها حقيبة الثياب لكن ظنه خاب حين هتف بضيق شديد: "للعلم اللي حصل ده مش هيعدي كده عادي، ولو اتكرر تاني مش هيحصل كويس." أعطاها نظرة تحذيرية واتجه نحو الباب فتحه بغضب ولم ينتظر أن تخرج أمامه بل خرج هو وتركه مفتوحًا. همست لنفسها بحسرة: "شكلها ولعت وإحنا بنجيب آخرها خلاص."
انفتح باب المصعد فخرج بخطوات سريعة. ركب سيارته وانتظر منها أن تضع حقيبتها بالخلف وتأتي للجلوس في مقعدها جواره. ولكنها أدخلت الحقيبة بالخلف وجلست بالخلف هي أيضًا. رمقها من المرآة بنظرات غاضبة بادلته هي بأخرى متحدة. لكنه أثر الصمت. أدار مقود السيارة بعنف وهو يأكل الطريق أكلًا. خيم الصمت بينهما ونظرات التهكم تسود بينهما. ما إن توقفت السيارة خرجت منها مسرعة للداخل. استقبلها في بهو المنزل والد زوجها مرحبًا:
"أهلا يا آية يا بنتي، وأنا أقول البيت نور كده ليه! ابتسمت وهي تصافحه بمودة: "ده منور بوجودك يا عمو ووجود طنط وشهد كمان." نزلت والدة زوجها من فوق السلم قائلة: "شهد قالتلي إنك مكنتيش عايزة تيجي النهاردة، وإمبارح طه هو اللي مكنش عايز يجيبك، إيه حكايتكم انتوا الاتنين." عقب جملتها دخل طه يحمل حقيبته. وقف أمامهم وقبل أي شيء أجابت هي: "والله يا طنط السؤال ده يجاوبنا عليه طه مش أنا." أخذت حقيبتها منه دون أن تعطيه نظرة
واحدة واستأذنت منهم بأدب: "بعد إذنك هطلع الشنطة وأروح أشوف شهد." رحلت وخلفها ثلاثة أزواج من الأعين. زوجان منهما متعجب والثالث حانق على ما تفعله. توجهت نظرات والدته إليه وكانت والدته الأسبق وهي تقول: "فهمنا إيه اللي بيحصل ده." صاح بنبرة غاضبة وصلت لها وهي في منتصف السلم: "اللي بيحصل ده اسمه لعب عيال وأنا لا عيل ولا بلعب فياريت تفهم ده كويس عشان أنا جبت آخري." هل قال هذا حقًا، هو من فاض كيله منها؟!
يرى نفسه مظلومًا هذا الأشعث. حاولت نزع نفسها من فوق درجات السلم انتزاعًا والصعود لأعلى لكنها لم تقدر. ألقت الحقيبة التي وإن ملكت القدرة على الحديث لكانت صرخت تطلب الكف عن معاملتها بهذه القسوة. هبطت مسرعة تلحق به قبل أن يخرج من الباب جذبته من ذراعه بعنف وهي تصيح بوجهه متناسية وجود والديه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!