الفصل 26 | من 47 فصل

رواية طغيان قلب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم فاطمة محمد

المشاهدات
18
كلمة
2,509
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

بأحدى الدول الأوربية و تحديدًا داخل أحدى الغرف التي يسودها اللون الأسود تململت بنومها عندما وصل إلى عينيها تلك الإضاءة التي جعلتها تنزعج كثيرًا فرفعت رأسها عن تلك الوسادة لتنظر باتجاه تلك النافذة التي تعلم جيدًا من الذي قام بفتحها. اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار النافذة وابتسامة جذابة على وجهها وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على وجهها بنعومة وهي تغمغم بابتسامة مشاكسة: -صباح الخير. فتحت وجد عينيها

بانزعاج وهي تقول بتأفف: -خير، وهيجي منين الخير وأنتِ كل يوم تعملي فيا العملة المهببة دي. صدحت صوت ضحكات الفتاة بالغرفة فقالت من بين ضحكاتها وهي تقترب منها جالسة بجوارها على الفراش: -انتِ عارفة يا وجد يا حبيبتي إن أكتر حاجة بحبها فيكي لسانك اللي بينقط سكر ده. ابتسمت وجد ابتسامة لم تصل لعيناها وهي تعتدل بجلستها قائلة بسخرية:

-وأنتِ يا وسام يا حبيبتي تعرفي إن أكتر حاجة مبحبهاش فيكي دمك اللي يلطش ده على الصبح، انتِ يا بت مش هتبطلي عملتك المهببة دي بقى. تأففت وسام وهي تنهض من على الفراش وتضرب بقدميها على الأرض قائلة بتذمر: -ما انتِ اللي نايمة ولا على بالك أي حاجة، ولا كأننا مسافرين النهاردة.

(وسام هي فتاة في الثانية والعشرون من عمرها ذات ملامح أنثوية رقيقة ناعمة عينيها زيتونية وأهدابها طويلة متوسطة الطول جسدها ممشوق وأنفها صغير وذات شفتين مكتنزتين وبشرتها خمرية) رمقتها وجد بنظرة سريعة وهي تنهض من على الفراش متجهة ناحية المرحاض: -ومين قالك إنه مش على بالي يا وسام.

ابتلعت وسام ريقها واقتربت منها محاوطة إياها من الخلف بمرح وتقبلها على وجنتيها علها تنسيها بعضًا من همومها وأحزانها وخاصة أنها تعلمها جيدًا وتعلم كم هي كتومة فقالت بمرح: -إيه ده إيه ده، إيه التكشيرة دي مش لايقة عليكي خالص على فكرة، القمر ده مينفعش يكشر وبعدين يلا ادخلي الحمام اغسلي وشك كده وفوقي وبعدين تعالي نفطر وبعدين نطير على المطار.

تنهدت وجد وابتسمت ابتسامة مصطنعة تؤنب نفسها على موافقتها للنزول إلى بلدها التي بمجرد أن تصلها سيعاد كل شيء أمامها مرة أخرى. بالقاهرة وبداخل قصر عائلة الهلالي يقف أمام المرآة بغرفته الخاصة يهندم ملابسه يستعد للذهاب إلى عمله وكانت ملامحه مقتضبة كعادته التي اكتسبها منذ سنوات منذ أن غادرته وابتعدت عنه لا أحد يشعر به أو هكذا يظن.

فالجميع على يقين تام بحالته التي كان سببها بعدها ورفضها له ورغم محاولة والدته طوال تلك السنوات حتى تجعله يؤسس عائلة فهي تريد رؤية أحفادها وحملهم بين ذراعيها ولكنها لا يزال يرفض ذلك الموضوع وكلما فاتحته به يعلن رفضه التام وينسحب من ذلك الحديث الذي لا فائدة له فكيف تفكر بأنه سيستطيع الزواج بأخرى وتأسيس عائلة. كيف يقترب من الأخرى وقلبه لا يزال مشغولًا بها لم ينسها ولا تغيب عن عيناه لا يزال يذكر ملامحها وابتسامتها اشتاق لرؤية غمازتيها التي تزين ذلك الوجه الطفولي كيف يفعلها ونيران عشقها لا تزال تضرم بقلبه وصدره.

دلف رائف إلى غرفته بعدما طرق الباب طرقة بسيطة صاحبها دخوله للغرفة متمتمًا باستعجال وهو ينظر بساعة معصمه: -داغر كل ده بتلبس هنتاخر! أومأ له داغر دون أن ينظر له متناولًا ساعة يده مغادرًا الغرفة برفقة رائف. هبط معه وما كادوا يغادروا حتى انتبهوا لذلك الصوت مناديًا على رائف: -رائف، رايحين فين مش هتفطروا قبل ما تمشوا! ابتسم لها رائف بحب قائلًا: -مفيش وقت يا حبيبتي هنتاخر.

أومأت له ياسمين وعيناها ترمق داغر بنظرات سريعة فرغم زواجها من رائف فلا يزال قلبها متعلقًا بصديقه وابن عمه. ابتلعت ياسمين ريقها واقتربت منه مقبلة إياه على وجنتيه مما أزعج رائف كثيرًا. أما داغر فانتبه على ما تفعله أمامه فتمتم ببرود وصوت خالٍ من المشاعر: -هستناك في العربية يا رائف. جز رائف على أسنانه وهو يرمق ياسمين بغضب قائلًا وهو يغادر برفقة داغر: -لا يا داغر أنا جاي معاك.

داخل إحدى المراسم وبعدما تسللت أشعة الشمس لتسلط أشعتها ودفئها بداخل المرسم فنجده لا يزال جالسًا أمام تلك اللوحة بشعره الذي طال كثيرًا ولحيته وهيئته المهملة كانت الفرشاة بيده فهو لم ينهيها بعد وبجواره العديد من أكواب القهوة الفارغة بعدما ظل يتجرعها طول الليل حتى يستطيع إنهائها في الصباح الباكر.

فكانت ملابسه ويديه ملطخة بالكثير من الألوان ويغلبها اللون الأسود فالنوم لم يحالفه بفضل تلك الأكواب الفارغة فمعرضه على وشك الافتتاح وعليه تحضير رسوماته التي سيعرضها بذاك المعرض.

وبعد مرور بعض الوقت ترك الفرشاة من يديه وعيناه معلقة على اللوحة فها قد أنهاها للتو فارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه سعيدًا بإنجازه ذاك فنهض من مكانه متحركًا باتجاه تلك اللوحة التي يخفيها عن الجميع مزيحًا عنها ذلك الغطاء حتى لا يراها أحد فهو يغار عليها وبشدة.

وقف أمامها وظل يتطلع على ملامحها التي اشتاق إليها واشتاقت عينه لرؤيتها فلمعت عيناه بالدموع كلما تذكر كيف انتهت حياتها على يد ذلك الحقير الذي لطالما كرهه ليته قتله بيديه ليته فعلها منذ زمن. رفع يديه عندما سالت دموعه من عينيه رافعًا يديه تجاه اللوحة محركًا يديه على وجهها دون أن يلمسه حتى لا يلطخها بيديه المتسخة بالألوان وقال بصوت هامس عاشق متحشرج أثر بكائه الذي يفطر القلوب:

-عارف إن محدش هيحس بيا هيقولوا حبها امتى واتعلق بيها إزاي بس مش هيلاقوا إجابة أنا نفسي مش لاقي إجابة معرفش حبيتك واتعلقت بيكي كده إزاي. نفسي تبقي معايا دلوقتي كان نفسي تبقي نصي التاني. ظلت الدموع تسيل من عيناه واحمرت عيناه بشدة وقال بصوت متحشرج أثر بكائه ذلك فحتى الآن لا تزال هناك نيران متأججة داخل صدره فتمتم مكملًا حديثه:

-عايزك تعرفي إني لا حبيت ولا هحب غيرك يا إنجي هتفضلي الأولى والأخيرة أوعدك إن قلبي مدقش لحد بعدك عشان انتي مفيش بعدك. استيقظ من غفوته على صوت رنين هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين من الصباح الباكر فمد يديه بجواره وهو لا يزال نائمًا وقام بأنتشاله ووضعه على أذنيه ليصل إلى مسامعه صوت والده الغاضب وهو يغمغم بانفعال مفرط: -أنت فين يا عدى عارف الساعة كام ولا لأ الاجتماع فاضل عليه ربع ساعة وأنت لحد دلوقتي نايم!

أنت أكيد بتهرج أنت مش عارف الاجتماع ده مهم إزاي للشركة يا عدى. انتفض عدى من نومته وهو يزيح الهاتف من على وجهه ناظرًا بالوقت فجز على أسنانه ونهض من فراشه مسرعًا وهو يتمتم: -اقفل يا بابا اقفل عشر دقايق وأكون عندك.

أغلق المكالمة مع والده وهو يهرول باتجاه الحمام والغضب يعتريه من تلك التي من المفترض أنها زوجته ولكن أين هي فهو لا يشعر بوجودها أصبح لا يشعر بأي شيء تجاهها خاصة بعدما وجهت كامل اهتماماتها تجاه أبنائها الذين من المفترض أنهم أبناؤه أيضًا ولكن لا يرى سوى نفسه حتى هيئتها أصبح يسخر منها كثيرًا فمن المفترض عليها أن تهتم بكل شيء ولا تقصر بشيء ولكن ماذا عنه لما لا يرى تقصيره اتجاهها لماذا أصبح أعمى عن أفعاله لماذا.

خرج من غرفته بعدما ارتدى بدلته متجهًا تجاه غرفة تؤامه الذين أصبح عمرهم ثلاث سنوات وفتح الباب دون طرقه ليجدها جالسة أمامهم تقوم بإطعامهم والابتسامة على وجهها لا تفارقه وكأن كل شيء على ما يرام متغاضيًا ومغلقًا عينيه عن الحقيقة وعن آلامها الظاهرة والواضحة بعينيها وضوح الشمس.

دلف الغرفة وأغلق الباب من خلفه بهدوء منافٍ لغضبه فارتعش صدغه بقوة بعدما جز على أسنانه من لامباليتها التي جعلته يشتعل مكانه ويخرج النيران من فمه وأذنه. اقترب منها وقام بجذبها من ذراعيها وابتسامة مصطنعة على وجهه وهو يتمتم من بين أسنانه: -مدام الهانم صاحية مصحتينيش ليه! جذبت حورية ذراعيها من يديه بانزعاج من فعلته وملامحه مقتضبة وقالت بهدوء أثار استفزازه:

-وأنا من إمتى بصحيك يا عدى ما أنت كل يوم بتصحى لوحدك جايلى في الوقت اللي إحنا متخانقين فيه وتقولي مش بتصحيني ليه! انت تجر شكلي على الصبح صح؟ كور قبضته بغضب من هدوئها وردها عليه وتمتم قبل مغادرته: -أنا حقيقي ندمان إني اتجوزتك وندمان على الساعة اللي اخترتك فيها، ده كان يوم أسود يوم ما اتجوزتك. ويا ريت تبصي في المرايا تشوفي شكلك بقى عامل إزاي.

قال كلماته التي كانت كالسكين الحاد، فابتلعت حورية تلك الغصة المريرة ورسمت ابتسامة مصطنعة. تمتمت وهو يغلق الباب بوجهها ودموعها تسيل من عينيها، فذلك الوزن الذي اكتسبته جعله ينفر منها وبشدة، فلم يعد يشعر بأنها تلك الفتاة التي وقع بعشقها. تمتمت بخفوت: -وأنا كمان يا عدي ندمانة... ندمانة عشان حبيتك! *** أمام المطار...

وصلا كل من وجد ووسام أمام المطار وترجلا من سيارة الأجرة، وكل منهم تحمل حقيبة صغيرة. فإجازتهما وبقاءهما لن يدوم ولن يطول كثيراً. تأففت وجد وهي تحمل حقيبتها بيديها، فاستدارت وسام تنظر إليها عاقدة حاجبيها، متمتة بضيق مصطنع: -انت هتقعدي تتأففي كتير يا وجد؟ وبعدين ما أنا قولتلك مش هنطول. جزت وجد على أسنانها وبدأت خفقاتها بالتزايد، فقالت بضيق وندم شديد: -لا يا وسام، أنا مش حابة أرجع تاني، أنا لو...

قاطعتها وسام واقتربت منها قاطعة تلك المسافة بينهما، قائلة بنبرة هادئة حاولت بها بث الطمأنينة في صديقتها: -وجد عشان خاطري، انتي عارفة إني بقالي فترة كبيرة نفسي أنزل، أنا منزلتهاش من سنين. ولو نزلتها لوحدي مش هبقى مبسوطة، لكن وانتِ معايا الموضوع هيختلف، فعشان خاطر وسام عندك لتوافقي. وبعدين دي هي كام أسبوع، خليكي صاحبة جدعة بقى. لزمت وجد الصمت، فظلت وسام تتفحصها بنظراتها، وعندما طال صمتها غمغمت بخبث:

-أنا بصراحة مش عارفة انتي خايفة من إيه. رفعت وجد عينيها تنظر إليها بغيظ وقامت بضربها بقبضتها على إحدى ذراعيها قائلة: -أنا مش خايفة يا كلب البحر انتي، أنا بس مش حابة أنزل مش أكتر، مش حابة أشوف أي حد منهم. اتسعت عين وسام وصاحت بعدم تصديق من تفكير صديقتها، وبطريقة مسرحية جعلتها تبتسم دون إرادتها: -نهار أبوكِ أسود يا وجد، بقى خايفة إنك تقابليهم ليه يا حبيبتي؟ هو حد كان قالك إن مصر أوضة وصالة؟

يلا يا وجد، يلا يا ماما، بلاش كلام فاضي ودلع بنات، يلا يلا يا أختي. اتسعت ابتسامة وجد على حديث صديقتها وقالت والابتسامة لا تزال على وجهها: -يلا يا أختي، انتي متأكدة إن بقالك سنين منزلتيش مصر؟ قلبت وسام عينيها بتفكير قائلة بمرح: -شوور يا بيبي، وبعدين الأفلام مخلتش ربنا يخلينا الأفلام المصري، ههه. ثم قاطعت ابتسامتها وقالت بلهفة: -يلا وجد الناس بتتفرج علينا، خلينا نخلص، أنا مش مصدقة، ياااااه وأخيراً.

رفعت وجد حاجبيها بسخرية وتحركت معها، وبداخلها تناجي ربها ألا ترى أحد من عائلتها. *** بعد ذهاب عدي وبعد إلقائه لتلك الكلمات الجارحة لها ولأنوثتها، رفعت يديها وزالت تلك الدموع. فهي لم تكن بالفتاة الضعيفة، لا تعلم ما الذي حدث لها، ولكن كل ما تعلمه أنها لا تزال معه من أجل أبنائه، فلو لم يكونوا متواجدين لكانت تركته منذ زمن.

لا تنكر تغيره وتبدله من عدي الذي كان يتمنى نظرة من عينيها مدافعاً عنها ويحميها من ذلك المدعو أمير الذي لطالما أزعجها وحاول التقرب منها، إلى عدي الحالي الأناني الذي لا يفكر سوى بنفسه وبرغباته. ليتهم لم يعودوا مثلما كانوا، فلو لم يعودوا لذلك الغناء ما كان تغير معها لتلك الدرجة. هناك شعور يسيطر عليها وهو وجود امرأة أخرى في حياته. رفعت يديها تزيح تلك الدموع التي انسابت دون إرادتها، وبخاطرها شيء واحد...

ماذا لو كان بحياته امرأة أخرى؟ فما الذي ستفعله؟ هل ستتقبل بأخرى تشاركها إياه أم تتركه دون عودة؟ انتبهت لذلك الباب الذي فتح على مصراعيه وصاحبه دخول ياسمين إلى الداخل، ونظرة الشماتة بعينيها تتفحصها من رأسها لأخمص قدميها، متمتة بسخرية لاذعة: -حورية، أنا رايحة النادي، تحبي تيجي معايا؟

وأهو تتحركي شوية لحسن انتي فاضلك كام كيلو ومش هتعرفي تعدي من الباب. وأوعي تزعلي مني، أنا بس بنصحك، أصلي خايفة عليكي لواحدة تانية تدور حوالين عدي. نهضت حورية من جانب أطفالها الذين يلعبون بتلك الألعاب المخصصة لهم، واقتربت منها وتحدثت بهدوء، فكم جعلتها الأمومة أكثر اتزاناً وهدوءاً: -متشكرة على النصيحة، بس ياريت نصيحتك خليها لنفسك.

غضبت ياسمين من هدوئها وإجابتها العقلانية، فرسمت ابتسامة مصطنعة لم تصل لعيناها، وغمغمت وهي تغادر الغرفة تاركة الباب على مصراعيه: -الحق عليا إني بنصحك، صحيح خير تعمل شر تلقى. *** في منزل سحر. استيقظت من نومها وفتحت جفونها، والصداع يكاد يفتك برأسها، والفضل يعود لسهرتها ليلة أمس.

نهضت من مكانها واتجهت تجاه المطبخ وهي تسير بهدوء ويديها لا تزال على رأسها، وجلبت كوباً من الماء ودلفت به إلى غرفتها مرة أخرى. وانتشلت ذلك الدواء من الدرج وقامت بتناوله حتى يساعدها لتخطي ذلك الصداع الفتاك. وبعد مرور بعض الوقت وبعدما زال صداعها، انتشلت هاتفها الموضوع بجوارها فوجدت به العديد من المكالمات. فأعتدلت بجلستها واتصلت بذاك الرقم الذي اتصل بها كثيراً ولم يتوقف عن الرنين، ولكنها بالطبع لم تستمع إليه.

-الو، أيوه يا مجدي، أنت اتصلت عليا كتير بس مسمعتش الموبايل خالص. قالتها سحر بأسف، ففاجأها رد مجدي الصارم الساخر قائلاً: -ما لازم متسمعيهوش يا سحر!!! ابتلعت ريقها وما كادت تتحدث حتى قاطعها، جاعلاً إياها تبتلع باقي حديثها بجوفها: -وجد راجعة انهاردة يا سحر. ***

خرج من مكتبه يدور دورية كل يوم، يراقب إصلاح العمال للعطل المتواجد بالسيارات التي قد حان موعد التسليم الخاص بهم بعينيه الحادة كالصقر. انتقل بعينيه تجاه تلك السيارات المصفوفة بجوار بعضها البعض، بدأ بعدهم، ولكن توجد واحدة من بينهم غير موجودة. بدأ يبحث عن أحد العمال المسؤولين عنها فهتف بصرامة قائلاً: -في عربية ناقصة، انتوا بتهرجوا مش كده... هتف أحدهم يجيبه بعدما سمع حديثه، فكان ماراً بجوار: -لسه بتتصلح يا أستاذ داغر.

عقد داغر حاجبيه بانزعاج وتمتم بحدة وعيونه تطلق شرار: -يعني إيه لسه بتتصلح؟ وميعاد تسليمها النهارده؟ أومال انتوا لازمتكم إيه؟ وصل صوته إلى مسامع رائف الجالس بمكتبه وأمام بعض من الأوراق يقوم بمراجعتها، فهرول من مكانه حتى يعلم ما الذي حدث واستدعى أن يصرخ بتلك الطريقة، فأسرع حتى ينقذ الأمر قبل أن يحدث مشكلة مع العمال.

-أنا مش قلت ميت مرة مش بحب التأخير في الشغل، بحب المواعيد تبقى مظبوطة والتسليم يبقى في معاده. اللي بتعملوه ده اسمه تهريج، احنا هنا بنشتغل مش بنلعب... اقترب رائف منه وهو يتسائل عما حدث، فنظر داغر تجاهه صارخاً به هو الآخر لينال جزءاً من عصبيته المفرطة: -إيه يا رائف ده؟ إزاي يعني عربية ميعاد تسليمها النهاردة ولسه مخلصتش؟

وما كاد أن يتحدث حتى يهدئه، فهو أيضاً ليس على دراية بذلك الأمر، ولكنه قاطعه داغر عندما تحرك من مكانه وهو يشمر تلك الأكمام من قميصه وهو يصرخ بهم: -رائف تعالى معايا نشوف العربية، العربية لازم تتسلم في ميعادها... *** صعدت على متن تلك الطائرة وجلست بجوار صديقتها التي لا تكف عن الحديث، فاتسعت عيناها وهي تصرخ بها تنهرها حتى تصمت قليلاً: -في إيه يا وسام؟ أكلتي دماغي، اهدى شوية أنا جالي صداع. ضغطت وسام على

شفتيها بسعادة وهي تهتف: -أنا فرحانة أوي يا وجد، انتي بجد مش متخيلة أنا حاسة بإيه. جزت وجد على أسنانها وقالت: -طيب ممكن بقى تسبيني أنام شوية؟ وكفاية أوي إنك قلقتيني الصبح وماخدتش كفايتي من النوم. تنهدت وسام براحة وتمتمت: -نامي يا ستي، أنا ماسكاكي. ثم أغمضت عينيها وتمتمت في نفسها بهيام وعشق جارف: -أخيراً هنزل وأشوفك يا حسام يا هلالي...

أما وجد فاغمضت عينيها وأراحت رأسها بظهر المقعد، متنفّسة الصعداء وذكريات الماضي تجول بعقلها، متذكرة ما حدث معها عندما هاجمها ذلك الشاب بغرفتها محاولاً قتلها، هامساً لها بهوية من يريد قتلها والتخلص منها. قبل أربع سنوات من الآن...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...