كان كل من "إسلام" و"رائف" يقفان معها "ندى" التي تنساب الدموع من عينيها دون توقف، وقلبها يكاد يتمزق من أجل شقيقتها التي اختفت ولا يعلمون لها مكانًا. فصاحت بهم من بين دموعها: -أنا عايزة أفهم بس هي راحت فين؟ أنا مكملتش ساعة، هي ساعة بس اللي غبتها ولما أرجع ألاقيها. تبادل كل من "رائف" و"إسلام" النظرات، فتحدث رائف بحنق: -أنا بصراحة مش عارف هي راحت فين، دي كأن الأرض انشقت وبلعتها.
ازداد بكاء "ندى" مع كلمات رائف التي زادت من خوفها على شقيقتها، فلكزه "إسلام" بذراعيه وعيناه معلقة على تلك القابعة أمامهم، مشيرًا له بعينيه وقال بنبرة حنونة محاولًا بثها بعض الاطمئنان: -متقلقيش يا ندى، إن شاء الله مش هيبقى فيها حاجة وهترجع لوحدها. هي ممكن تكون حابة تقعد لوحدها شوية. رفعت "ندى" عينيها الباكية الحمراء ووجهها الذي اصطبغ باللون الأحمر قائلة:
-أنا خايفة عليها، خايفة تكون عملت في نفسها حاجة. أنا مليش غيرها هي وماما، لو جرالها حاجة أنا ممكن أضيع. أخذ "إسلام" نفسًا طويلًا واقترب منها واقفًا أمامها، ورغم عنه رفع يديه مزيلًا تلك الدموع مغمغمًا بحنان: -متقلقيش باذن الله هتظهر. قاطعته وعيناها تتطلع بعينيه: -ولو مظهرتش؟ صاح "رائف" هذه المرة وهو يرمق "إسلام" بنظرات غامضة: -لو مظهرتش خلال أربعة وعشرين ساعة هنبلغ البوليس. ***
عاد "داغر" إلى المنزل وصعد إلى غرفته بعدما لاحظ أن الجميع قد ذهب بسبات عميق. ولج إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء، زافرًا براحة تغلغلته بعض الشيء منذ أن رآها اليوم. فارسمت شبح ابتسامة على وجهه كلما تذكر كلماتها وانفعالاتها، حركة يديها. فكم كان يشتاق لها ولغضبها هذا. لا يصدق بأنه رآها بعد مرور تلك السنوات. فدفع جسده على الفراش مغمضًا عينيه، عاقدًا ذراعيه خلف رأسه، متناسيًا اختفاء حورية وغيابها. كل ما يريده الآن هو ألا تغيب صورتها من مرأى عينيه. ولم ينتبه لذلك الباب الذي فُتح بهدوء شديد وتلك الخطوات النسائية تقترب منه بحذر شديد، رامقة إياه بحب وعشق جارف.
فاقتربت منه جالسة بجواره بهدوء شديد وعيناها تكاد تلتهمه. فرفعت أصابعها وغلغلتها بين خصلاته الطويلة الناعمة. انتفض "داغر" من مكانه عندما شعر بتلك اليد التي تتلمسه بطريقة غريبة. ضيق عينيه وقال بلهجة حادة صارمة وهو يخفض نظراته لا ينظر إليها: -انتي بتعملي إيه هنا؟ نهضت "ياسمين" من على فراشه الوثير وهي ترتدي ذلك القميص بروبه الخاص، ولكن يكشف بعضًا من جسدها وبشرتها. اقتربت منه بخطوات هادئة متحدثة بدلال ويداها
تحاول لمسه مرة أخرى: -هكون بعمل إيه يعني؟ جايه أشوفك، إيه بلاش؟ أسودت عيناه بغضب وهو يفهم غايتها وما الذي تحاول الوصول إليه. وما كاد أن يتحرك تجاه الباب وهو يغمغم بغضب: -أنا خارج، ويا ريت أرجع ملقكيش، وإلا هيكون ليا تصرف مش هيعجبك. جذبته من ذراعيه قبل أن يتحرك، فانتشل يديه التي لمستها بعنف من بين أصابعها، فغمغمت هي بخبث ونبرة متحدية: -هتعمل إيه يعني؟ هتروح تقول لرائف إني دخلتلك الأوضة؟ طيب هو ساعتها هيعمل إيه؟
أول حاجة هيعملها هييجي يسألني إنتي عملتي كده ليه وإزاي أدخل أوضتك وإنت عازب؟ بس يا ترى بقى أنا جوابي هيكون إيه؟ ضيق "داغر" عينيه محاولًا فهم حديثها هذا، فقالت هي بهمس: -أنا هقولك، هقوله إيه؟ هقوله إني بحبك إنت يا داغر، ومن زمان، من ساعة أول يوم شفتك فيه. بس إنت مكنتش شايف غير حبيبة القلب اللي سابتك واختفت، وإنت لحد دلوقتي عايش على ذكراها. بس يا ترى هي تستاهل حبك ده؟ كاد أن يتحدث صارخًا بها، فقاطعته هي قائلة بغل وحقد:
-الإجابة هتكون لأ يا داغر، محدش يستاهل حبك غيري. بس إنت غبي مشفتش غيرها، وزي ما إنت مش شايف غيرها أنا كمان مش شايفة غيرك. أنا صبرت كتير، حاولت ألمحلك كتير، بس إنت غبي، أو عامل نفسك مش فاهم مشاعري ناحيتك. بس خلاص، أنا فاض بيا أربع سنين وأنا جنبك وإنت مش حاسس بيا، بس خلاص لازم تعرف إني بحبك وهفضل أحبك. أنهت حديثها وهي تتحرك من أمامه بدلال، مغادرة الغرفة تاركة إياه تحت صدمته.
أما هو فكان يستمع إليها والصدمة تعتريه، لا يعلم ما الذي عليه فعله الآن. كيف له أن يخبر صديقه وابن عمه عن حقيقة تلك الزوجة التي تملكها الشيطان وتمكن منها. كيف لها أن تفكر بغير زوجها؟ ألا تشعر بمشاعره تجاهه؟ رفع يديه ماسحًا على وجهه، لا يدري ما حدث معه منذ لحظات. فتحرك باتجاه الباب، مغلقًا إياه بالمفتاح، وجلس على الفراش يحاول الوصول لحل لتلك المعضلة التي وقع فيها. بالجهة الأخرى.
وعقب خروج "ياسمين" من غرفة "داغر" دالفة إلى غرفتها هي و"رائف". خرجت "مي" من ذلك الظلام وابتسامة خبيثة ماكرة ترتسم على وجهها بعدما رأت دخول "ياسمين" غرفة "داغر" بتلك الهيئة. فاقتربت من الباب واسترقت السمع إلى حديثهم. وسريعًا ما أخفت تلك الابتسامة ودلفت غرفتها وبيديها ذلك العصير. واقتربت من "عدي" الممدد على الفراش وقالت بابتسامة: -حبيبي جبتلك العصير. اعتدل "عدي" ونظر لها وقال ببعض الضيق: -اتأخرتي ليه يا مي؟
ابتلعت ريقها ووضعت العصير بجواره وقالت بابتسامة: -حبيبي كنت بعصر لك العصير بإيدي. نظر لها بمكر وكاد أن يقترب منها، فأوقفته بيديها وقالت بدلال: -العصير الأول. أومأ لها وانتشل ذلك الكوب من العصير وتجرعه مرة واحدة. وبعدما انتهى وضعه بجواره، مقتربًا منها مرة أخرى قائلًا بلهفة ويداه تغلق إضاءة الغرفة: -ودلوقتي العصير خلص. ***
في صباح يوم جديد وبعدما تسللت أشعة الشمس لغرفتهم، نجده ينام بجوارها يراقبها أثناء نومها، متأملًا ملامحها التي أصبح لها عاشقًا. وكلما تعمق بتأملها، اتسعت ابتسامته، رافعًا يديه مداعبًا خصلاتها، مغمضًا عينيه متذكرًا اللقاء الأول بينهم. فلاش باك...
خرج من شركته واستقل سيارته وهاتفه على أذنه محاولًا الوصول لزوجته التي لا تجيب على هاتفها، فتأفف وهو يضرب مقود السيارة بعنف أمامه ودافعًا الهاتف من يديه وتحرك بالسيارة شاردًا بتلك التي أصبحت مهملة به ومهملة بنفسها. كم يتمنى أن يعود به الزمن وما كان فعل ما فعله. فتلك الحورية لم تعد تشبه اسمها وأصبحت لا تليق به وبمكانته الجديدة، فهيئتها أصبحت تحرجه وكثيرًا. فغمغم بغضب من نفسه:
-بني آدم غبي، أيوه غبي عشان استعجلت واتجوزتها. ظل يلعن ويسب نفسه على اختياره لها من بين تلك النساء الفاتنات التي رآهم بحياته، وبدون أن ينتبه لتلك التي تسير خلفه بسيارتها منتظرة تلك اللحظة التي ستصدم سيارتها بسيارته لتحقق لقائهم وتنفذ مخططهم.
وما أن قام بتهدئة سرعته حتى يبحث عن هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين، حتى شعر بذلك الاصطدام الذي حدث لسيارته، فجحظت عيناه وقام بتوقيف السيارة بإحدى الزوايا والغضب يتملكه. وبذات الوقت قامت "مي" بإيقاف سيارتها خلفه. وترجلت من السيارة بهيئتها الفاتنة وملابسها التي تحدد مفاتنها. أما "عدي" فترجل قبلها ناظرًا على السيارة وما أن التفت حتى يصرخ على ذلك الغبي كما نعته والذي صدم سيارته، حتى وجدها أمامه قائلة بنبرة أنثوية بحتة:
-أنا آسفة جدًا بس إنت اللي فرملت مرة واحدة. تبدلت ملامحه سريعًا واتسعت ابتسامته لجمالها القاتل الذي أسر قلبه، ممدًا يديه يريد مصافحتها قائلًا بابتسامة ساذجة: -ولا يهمك يا جميل، الغلط عندي أنا. ابتسمت له ابتسامة جذابة خطفت قلبه، فقال مبتلعًا ريقه: -أنا عدي، وإنتي؟ لاحت السعادة بعينيها، فها هو مخططها يسير كما أرادت، وقالت بصوت هادئ وبرقة مفرطة: -مي، اسمي مي. باك...
اتسعت ابتسامته وانحنى لمستواها، مقبلًا جبهتها، مغمضًا عينيه مستمتعًا برائحتها، متنهدًا براحة، ناهضًا من جوارها بهدوء شديد حتى لا يزعجها. خرج من الغرفة متجهًا ناحية غرفة أطفاله، وفتح الباب ووجد والدته تقوم بإطعامهم، فغمغم بمرح: -صباح الخير يا ماما. تجاهلته "سعاد" ولزمت الصمت، فقلب عينيه بملل وبزهق واقترب منها مغلقًا الباب من خلفه قائلًا بحنق: -ممكن أعرف مبترديش عليا ليه؟ أنا مغلطتش يا ماما، أنا حبيبت.
أجابته "سعاد" بهدوء وبداخلها يشتعل من غباء ابنها: -حبيبت على مراتك اللي صناك وشايلة ولادك في عينها. حورية عملتلك إيه عشان تعمل فيها كده؟ إيه ذنب ولادك إنهم يتحرموا من أمهم وهما لسه حتة لحمة حمرا ها؟ رمق "عدي" أطفاله الذين يبتسمون ويهمهمون ببعض الكلمات غير المفهومة، وصاح بنبرة منفعلة:
-أنا معملتش حاجة حرام يا ماما، أنا اتجوزت على سنة الله ورسوله، وأظن إني راجل ومن حقي أتزوج بدل الواحدة أربعة. أما بالنسبة لأمهم فهي اللي اختارت وبعدت عنهم، أنا مضربتهاش على إيدها. قطبت "سعاد" جبينها وقالت بنفاذ صبر: -إنت الكلام معاك ملوش فايدة، ومدام إنت شايف إنك مغلطتش يبقى خلاص. بس كل واحد بيتحمل نتيجة أفعاله. وعلى فكرة أنا مرتحتش للهانم الجديدة و... قاطعه بغضب قائلًا قبل مغادرته للغرفة:
-مش لازم ترتحلها، كفاية أنا مرتحلها. وعلى فكرة مي اللي مش عاجباكي دي برقبتي مية زي حورية. وعقب خروجه، حركت رأسها بقلة حيلة وهمست مع نفسها: -ربنا يستر عليك يا عدي، ربنا يستر. أنا قلبي مش مطمن. *** وبغرفة داغر. دلف "عدي" الغرفة دون أن يطرق الباب، فوجد شقيقه يستعد للخروج والذهاب لعمله، فصاح بغضب: -أنا عايز أفهم، هو إنتوا مع مين بالظبط؟ معايا ولا مع حورية ها؟ تمتم "داغر" بنبرة هادئة ولكنها مخيفة بذات الوقت:
-صوتك يا عدي، صوتك. تشنجت عضلات وجهه وقال: -بلا صوتي بلا بتاع يا عم، أنا عايز أعرف إيه اللي أنا عملته غلط؟ كلكم محسسني إني ارتكبت جناية. متقولي يا شيخنا يا اللي عارف ربنا، هو حرام أتجوز تاني ولا إيه؟ التفت إليه "داغر" وتمتم ببرود: -لأ مش حرام، بس إنت مش شايف فرق السما والأرض بين الاثنين. إنت إزاي تقبل تتجوز واحدة بالمنظر ده؟ زفر بحنق وأجابه ببرود: -أنا حر، دي مراتي وأنا حر، سامع؟ أنا حر. زم "داغر" شفتيه وقال:
-طيب ما دام إنت حر يبقى استحمل النتيجة. وما كاد أن يخرج من الغرفة تاركًا "عدي" بها، حتى صاح عدي بسخرية: -صحيح، لقيتوا الحلوة اللي بتشتغلكم ولا لسه؟ استدار إليه ينظر له بعدم فهم، مضيقًا عينيه متمتمًا: -إنت بتقول إيه؟ إنت فاكر إنها ممكن تكون بتشتغلنا؟ إنت مجنون يا عدي؟ ارتسمت ابتسامة ساخرة على جانب فمه وقال: -أنا مش مجنون، بس فاهم حركات الستات دي. هي بتعمل كل ده عشان تصعب عليا وأردها لعصمتي، بس بعينها. أغمض "داغر"
عينيه وقال بغضب مكتوم: -أنا همشي، بس عشان مرتكبش جناية فيك يا عدي. *** داخل تلك الغرفة القاطنة بها "حورية". ولج "أمير" إلى الغرفة وبين يديه تلك الصينية المحملة بأشهى أنواع الطعام، واقترب منها يرمقها بدهشة بعدما وجدها مستيقظة جالسة على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها ووجهها شاحب اللون وعينيها شاردة. جلس بجوارها وهو يضع تلك الصينية بجوارها، وابتسامة جذابة على وجهه. "صباح الخير يا حبيبتي. إيه اللي صحاكي بدري كده؟
أنا كنت حابب أنا اللي أصحيكي، بس مش مشكلة، الأيام جاية كتير." لم تجبه، وظلت تنظر له بحنق شديد. فانتبه على نظراتها تلك، ورفع يديه مبعدًا تلك الخصلة التي انسابت على وجهها، وقال: "أنا عايز أعرف هتفضلي قالبة وشك كده لأمتى ها؟ أجابته ببرود: "لحد ما تمشيني من هنا. أنا عايزة أشوف ولادي، عايزة أطمن عليهم." "متقلقيش، ولادك كويسين وجدًا كمان. حماتك مش سايباهم، وأبوهم مش سايب مراته الجديدة." أغمضت عينيها بوجع وصرخت به قائلة:
"متجبش سيرة الحيوان ده قدامي!!! اتسعت ابتسامته وقال بسعادة: "بس كده، عيوني يا حبيبتي، إنتي تؤمريني." ثم أشار لها باتجاه تلك الصينية التي تحمل ما لذ وطاب، وقال: "أنا جبتلك تفطري، يلا يا حبيبتي افطري. وأنا هخلص اجتماعي وهجيلك، ومتقلقيش لو اتأخرت، اتفقنا يا حبيبتي." جزت على أسنانها تشعر بالغضب يعتريها كلما تحدث واستمعت لصوته البغيض ذلك، وخاصة عندما يردد تلك الكلمة "حبيبتي". فرفع يديه ممسكًا ذقنها قائلاً
بغلاظة وهو ينظر لثغرها: "لما أكلمك تردي عليا، إنتي سامعة؟ انحنى لمستوى ثغرها يريد أن يلتهمهم بقبلة عميقة، ولكنها استطاعت بلحظة الأخيرة إبعاده وعيناها تطلق شرارًا قائلة: "إياك تفكر إنك ممكن تلمس مني شعرة، إنت سامع... ضغط على شفتيه وقال: "وماله، على العموم عشان متزهقيش ورفقًا بيكي، الفيلا قدامك، اعملي ما بدالك. تمام يا حبيبتي." لم تجبه هذه المرة أيضًا. فجز على أسنانه من عندها وإصرارها اللا متناهي.
فخرج من الغرفة دافعًا الباب من خلفه. وما إن خرج حتى اقتربت من الباب تسترق السمع من خلاله تتأكد من ذهابه. وإن انتهى صوت حذائه حتى فتحت الباب وهي تتلفت حولها، متحركة للأسفل بسرعة شديدة ولكن بحذر، تريد أن ينتهي كل ذلك. فاتجهت ناحية الباب وهي تناجي ربها حتى تستطيع الهرب منه. فقامت بفتح الباب فابتلعت ريقها وعيناها تجول على كل ما حولها. وكل ما رأته بتلك اللحظة هم تلك الرجال عراض البنية والذين يقفون سويًا يتسايرون، وتلك السيارة التي تقف أمامها. فابتلعت ريقها للمرة الثانية، مخفضة جسدها، فاتحة شنطة السيارة، ودلفت بداخلها.
أما بداخل القصر، وبعدما خرج "أمير" من غرفة مكتبه، نادى على الخادمة التي أجبته على الفور: "اؤمرني يا أمير بيه." "خلي بالك من حورية وعينك عليها، وشوية كده وهطلعيلها وهدي صينية الأكل، ولو عرفتي خرجيها من الأوضة بس عينك تفضل عليها، سمعاني." "سامعاك يا بيه." غادر من أمامها ووقف أمام سيارته صارخًا بهؤلاء الرجال الذين لا يقومون بعملهم ويتسامرون:
"جرى يا جحش إنت وهو، هو أنا جايبكم تتسايروا يا بهيم منك له، ما كل واحد في مكانه." خاف الجميع من نبرته الحادة المخيفة، متخذين أماكنهم. وصعد هو بسيارته متحركًا بها متجهة لفيلا شريكه بالعمل. بالاسكندرية وبعدما قام مصطفى بتسريع إجراءات الدفن حتى لا تكتشف جريمته، تم دفن مجدي. وكم شعر مصطفى بذلك الوقت بأن الحياة قد ابتسمت له، فموته ذلك سيورث كل شيء.
دلف إلى القصر وهو يمتع عينيه بكل شيء، فأخيرًا حدث ما أراده. فاتسعت ابتسامته وظل يجول بكل زاوية بالمنزل والابتسامة تزداد على وجهه. وما إن انتهى حتى تمتم بخفوت: -بقى عايش في كل العز ده ومستخسر تمتعني معاك؟ يلا تستاهل والله مش خسارة فيك السم اللي اتحط لك في الأكل. ثم تنهد براحة وتحرك باتجاه الباب حتى يجلب أغراضه وينتقل للعيش بذاك القصر، فوجد المحامي بوجهه. فامتعضت ملامحه وهتف بسخرية: -أهلاً. أجابه
محمد بهدوء واحترام شديد: -أهلاً بحضرتك، والبقاء لله. أنا لسه عارف من شوية وأول ما عرفت قولت لازم أعزي حضرتك. أماء له مصطفى متمتمًا بلامبالاة: -شكرًا. وما لبث أن يتحرك حتى نادى عليه محمد مغمغمًا بأسف: -مصطفى بيه، أنا عارف إنه مش وقته بس أنت لازم تعرف. جز مصطفى على أسنانه وحك أنفه وقال بنفاذ صبر: -سمعك اتكلم. تنهد المحامي وقال: -مجدي بيه من أربع سنين كتب وصيته. ضيق مصطفى عينيه وقال: -معناه إيه الكلام ده؟
والوصية دي فيها إيه؟ -الوصية لازم تتفتح بوجود آنسة وجد. جحظت عين مصطفى واقترب من المحامي بهدوء مخيف: -يعني إيه تتفتح وهي موجودة؟ انطق وقول الحقيقة. ابتلع المحامي ريقه وتمتم: -أنا مش هقدر أتكلم غير لما آنسة وجد تحضر بناءً على رغبة مجدي بيه الله يرحمه. فتمتم مصطفى بسره: -الله يرحمه؟ ده الله يجحمه. يا ترى عملت إيه من ورايا يا خالي؟ بمنزل وجد ووسام تأففت وسام بضيق وصاحت بصراخ:
-أنا عارفة إني فقريّة. بعتاله الرسالة من امبارح ولسه مردش عليا. بالذمة ينفع كده؟ أجابتها وجد التي تتجرع من ذلك المشروب الساخن بين يديها وقالت بهدوء: -هيرد متقلقيش، بس خليكي تقيلة. -إمتى بس؟ أنا بعتاله من امبارح. ناوي يرد عليا إمتى؟ بعد سنة؟ تركت وجد الكوب من يديها وهي تغمغم: -جرا إيه يا وسام مستعجلة كده ليه؟ أنا قولتلك لما يفتح ويشوف الرسالة هيرد. تنهدت وسام وقالت باستسلام:
-طيب اديني صابرة أهو. لما نشوف آخرتها مع ابن عمك اللي شكله مش هيجيبها البر ده. ابتسمت وجد ابتسامة بسيطة وهي ترى تلك اللهفة بعين صديقتها. وبتلك اللحظة رن هاتفها فانتشلته من جوار ذلك الكوب وأجابت عليه قائلة باستنكار: -أهلاً سحر هانم. عاش من سمع صوتك. -وجد مش وقت كلامك ده. اسمعيني أنتِ ضروري تيجي اسكندرية. رفعت وجد حاجبيها وهي تستمع لوالدتها وقالت: -ليه ضروري؟ أجابتها سحر بنبرة فرحة بعض الشيء:
-مجدي مات امبارح بليل والمحامي بتاعه كلمني وقالي إنك لازم تيجي اسكندرية. اتسعت عين وجد وقالت بصدمة: -مات!!!!!! اقتربت وسام منها وهي تغمغم بفصول وقلق: -مين اللي مات يا وجد؟ مين؟ تجاهلتها وجد وهي تستمع لحديث سحر: -أيوه، وعلى بليل لازم تبقي هنا، أنتِ سامعة؟ زفرت وجد وهي تمسح على وجهها وقالت: -بليل هكون عندك. سلام. اغلقت معها، فصاحت وسام بفضول: -مين اللي مات يا وجد؟ -مجدي. في المساء
وصلت وجد ووسام وسحر أمام الفيلا، ففتحت لهم الخادمة وهي تشير لهم ناحية الصالون. فتَحركوا معها ووجدوا كل من المحامي ومصطفى بانتظارهم. ومصطفى يرمقهم بنظرات قاتلة نارية. فتمتم المحامي بعدما نهض مرحبًا بوجد: -البقاء لله يا آنسة وجد. ابتلعت وجد ريقها وعين مصطفى تتفحصها من رأسها لاخمص قدميها، وقالت: -ونعمة بالله. ربنا يرحمه ويغفر له. أماء لها المحامي وأشار لها حتى تجلس هي ووسام وسحر. فجلسا منتظرين سماع ما لديه،
فقال بدون أي مقدمات: -آنسة وجد، مجدي بيه من أربع سنين كتب وصيته. والوصية بتقول إنه سايب لك كل حاجة بلا استثناء. نهض مصطفى بغضب ويكاد يطيح بكل شيء أمامه: -نعمممممم!!!! أنت هتهرج ولا إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!