الفصل 1 | من 47 فصل

رواية طغيان قلب الفصل الأول 1 - بقلم فاطمة محمد

المشاهدات
24
كلمة
3,657
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

بأحدى الدول الأوربية، وتحديدًا داخل إحدى الغرف التي يسودها اللون الأسود، تململت بنومها عندما وصل إلى عينيها تلك الإضاءة التي جعلتها تنزعج كثيرًا. رفعت رأسها عن تلك الوسادة لتنظر باتجاه تلك النافذة التي تعلم جيدًا من الذي قام بفتحها. اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار النافذة، وابتسامة جذابة على وجهها، وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على وجهها بنعومة، وهي تغمغم بابتسامة مشاكسة: -صباح الخير. فتحت وجد عينيها

بانزعاج وهي تقول بتأفف: -خير، وهيجي منين الخير وأنتي كل يوم تعملي فيا العملة المهببة دي. صدحت صوت ضحكات الفتاة بالغرفة، فقالت من بين ضحكاتها وهي تقترب منها جالسة بجوارها على الفراش: -أنتي عارفة يا وجد يا حبيبتي إن أكتر حاجة بحبها فيكي لسانك اللي بينقط سكر ده. ابتسمت وجد ابتسامة لم تصل لعيناها وهي تعتدل بجلستها قائلة بسخرية:

-وأنتي يا وسام يا حبيبتي تعرفي إن أكتر حاجة مبحبهاش فيكي دمك اللي يلطش ده على الصبح. أنتي يا بت مش هتبطلي عملتك المهببة دي بقى. تأففت وسام وهي تنهض من على الفراش وتضرب بقدميها على الأرض قائلة بتذمر: -ما أنتي اللي نايمة ولا على بالك أي حاجة، ولا كأننا مسافرين النهاردة. رمقتها وجد بنظرة سريعة وهي تنهض من على الفراش متجهة ناحية المرحاض: -ومين قالك إنه مش على بالي يا وسام.

ابتلعت وسام ريقها واقتربت منها محاوطة إياها من الخلف بمرح، وتقبلها على وجنتيها علها تنسيها بعضًا من همومها وأحزانها، وخاصة أنها تعلمها جيدًا وتعلم كم هي كتومة، فقالت بمرح: -إيه ده إيه ده، إيه التكشيرة دي مش لايقة عليكي خالص على فكرة، القمر ده مينفعش يكشر. وبعدين يلا ادخلي الحمام اغسلي وشك كده وفوقي، وبعدين تعالي نفطر وبعدين نطير على المطار.

تنهدت وجد وابتسمت ابتسامة مصطنعة تؤنب نفسها على موافقتها للنزول إلى بلدها التي بمجرد أن تصلها سيعاد كل شيء أمامها مرة أخرى. بالقاهرة، وبداخل قصر عائلة الهلالي، يقف أمام المرآة بغرفته الخاصة يهندم ملابسه يستعد للذهاب إلى عمله. كانت ملامحه مقتضبة كعادته التي اكتسبها منذ سنوات منذ أن غادرته وابتعدت عنه، لا أحد يشعر به أو هكذا يظن.

فالجميع على يقين تام بحالته التي كان سببها بُعدها ورفضها له. ورغم محاولة والدته طوال تلك السنوات حتى تجعله يؤسس عائلة، فهي تريد رؤية أحفادها وحملهم بين ذراعيها، ولكن لا يزال يرفض ذلك الموضوع، وكلما فاتحته به يعلن رفضه التام وينسحب من ذلك الحديث الذي لا فائدة له. فكيف يفكر بأنه سيستطيع الزواج بغيرها وتأسيس عائلة؟ كيف يقترب من الأخرى وقلبه لا يزال مشغولًا بها؟

لم ينسها ولا تغيب عن عينيه، لا يزال يذكر ملامحها وابتسامتها، اشتاق لرؤية غمازتيها التي تزين ذلك الوجه الطفولي. كيف يفعلها ونيران عشقها لا تزال تضرم بقلبه وصدره. دلف رائف إلى غرفته بعدما طرق الباب طرقًا بسيطة صاحبها دخوله للغرفة، متمتمًا باستعجال وهو ينظر إلى ساعة معصمه: -داغر كل ده بتلبس؟ هنتأخر! أومأ له داغر دون أن ينظر له، متناولًا ساعة يده مغادرًا الغرفة برفقة رائف.

هبط معه، وما كادوا يغادرون حتى انتبهوا لذلك الصوت مناديًا على رائف: -رائف، رايحين فين؟ مش هتفطروا قبل ما تمشوا! ابتسم لها رائف بحب قائلًا: -مفيش وقت يا حبيبتي، هنتأخر. أومأت له ياسمين وعيناها ترمق داغر بنظرات سريعة، فرغم زواجها من رائف، فلا يزال قلبها متعلقًا بصديقه وابن عمه. ابتلعت ياسمين ريقها واقتربت منه مقبلة إياه على وجنتيه، مما أزعج رائف كثيرًا. أما داغر فانتبه على ما تفعله أمامه، فتمتم ببرود وصوت خالٍ

من المشاعر: -هستناك في العربية يا رائف. جز رائف على أسنانه وهو يرمق ياسمين بغضب قائلًا وهو يغادر برفقة داغر: -لا يا داغر، أنا جاي معاك.

داخل إحدى المراسم، وبعدما تسللت أشعة الشمس لتسلط أشعتها ودفئها بداخل المرسم، فنجده لا يزال جالسًا أمام تلك اللوحة بشعره الذي طال كثيرًا ولحيته وهيئته المهملة. كانت الفرشاة بيده، فهو لم ينهيها بعد، وبجواره العديد من أكواب القهوة الفارغة بعدما ظل يتجرعها طول الليل حتى يستطيع إنهاءها في الصباح الباكر.

كانت ملابسه ويداه ملطخة بالكثير من الألوان، ويغلبها اللون الأسود. فالنوم لم يحالفه بفضل تلك الأكواب الفارغة، فمعرضه على وشك الافتتاح وعليه تحضير رسوماته التي سيعرضها بذاك المعرض.

وبعد مرور بعض الوقت، ترك الفرشاة من يديه وعيناه معلقة على اللوحة، فها قد أنهاها للتو. فارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه سعيدًا بإنجاز ذاك. فنهض من مكانه متحركًا باتجاه تلك اللوحة التي يخفيها عن الجميع، مزيحًا عنها ذلك الغطاء حتى لا يراها أحد، فهو يغار عليها وبشدة.

وقف أمامها وظل يتطلع على ملامحها التي اشتاق إليها واشتاقت عينه لرؤيتها. فلمعت عيناه بالدموع كلما تذكر كيف انتهت حياتها على يد ذلك الحقير الذي لطالما كرهه. ليته قتله بيديه، ليته فعلها منذ زمن. رفع يديه عندما سالت دموعه من عينيه، رافعًا يديه تجاه اللوحة محركًا يديه على وجهها دون أن يلمسه حتى لا يلطخها بيديه المتسخة بالألوان، وقال بصوت هامس عاشق متحشرج أثر بكائه الذي يفطر القلوب:

-عارف إن محدش هيحس بيا، هيقولوا حبها إمتى واتعلق بيها إزاي، بس مش هيلاقوا إجابة. أنا نفسي مش لاقي إجابة، معرفش حبيتك واتعلقت بيكي كده إزاي. نفسي تبقي معايا دلوقتي، كان نفسي تبقي نصي التاني. ظلت الدموع تسيل من عينيه واحمرت عيناه بشدة، وقال بصوت متحشرج أثر بكائه ذلك، فحتى الآن لا تزال هناك نيران متأججة داخل صدره، فتمتم مكملًا حديثه:

-عايزك تعرفي إني لا حبيت ولا هحب غيرك يا إنجي. هتفضلي الأولى والأخيرة، أوعدك إن قلبي ميدقش لحد بعدك، عشان أنتي مفيش بعدك. استيقظ من غفوته على صوت رنين هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين من الصباح الباكر. فمد يديه بجواره وهو لا يزال نائمًا، وقام بانتشاله ووضعه على أذنيه ليصل إلى مسامعه صوت والده الغاضب وهو يغمغم بانفعال مفرط: -أنت فين يا عدى؟ عارف الساعة كام ولا لأ؟

الاجتماع فاضل عليه ربع ساعة وأنت لحد دلوقتي نايم. أنت أكيد بتهزر، أنت مش عارف الاجتماع ده مهم إزاي للشركة يا عدى. انتفض عدى من نومته وهو يزيح الهاتف من على وجهه ناظرًا بالوقت، فجز على أسنانه ونهض من فراشه مسرعًا وهو يتمتم: -اقفل يا بابا، اقفل. عشر دقايق وأكون عندك. أغلق المكالمة مع والده وهو يهرول باتجاه الحمام والغضب يعتريه من تلك التي من المفترض أنها زوجته، ولكن أين هي؟

فهو لا يشعر بوجودها. أصبح لا يشعر بأي شيء تجاهها، خاصة بعدما وجهت كامل اهتماماتها تجاه أبنائها الذين من المفترض أنهم أبناؤه أيضًا، ولكن لا يرى سوى نفسه. حتى هيئتها أصبح يسخر منها كثيرًا، فمن المفترض عليها أن تهتم بكل شيء ولا تقصر بشيء، ولكن ماذا عنه؟ لما لا يرى تقصيره تجاهها؟ لماذا أصبح أعمى عن أفعاله؟ لماذا؟

خرج من غرفته بعدما ارتدى بدلته متجهًا تجاه غرفة تؤامه، الذين أصبح عمرهم ثلاث سنوات، وفتح الباب دون طرقه ليجدها جالسة أمامهم تقوم بإطعامهم والابتسامة على وجهها لا تفارقه، وكأن كل شيء على ما يرام، متغاضية ومغلقة عينيها عن الحقيقة وعن آلامها الظاهرة والواضحة بعينيها وضوح الشمس.

دلف الغرفة وأغلق الباب من خلفه بهدوء منافٍ لغضبه، فارتعش صدغه بقوة بعدما جز على أسنانه من لامباليتها التي جعلته يشتعل مكانه ويخرج النيران من فمه وأذنه. اقترب منها وقام بجذبها من ذراعيها، وابتسامة مصطنعة على وجهه، وهو يتمتم من بين أسنانه: -مدام الهانم صاحية؟ مصحتنيش ليه! جذبت حورية ذراعيها من يديه بانزعاج من فعلته وملامحه مقتضبة، وقالت بهدوء أثار استفزازه: -وأنا من إمتى بصحيك يا عدى؟

ما أنت كل يوم بتصحى لوحدك. جايلى في الوقت اللي إحنا متخانقين فيه وتقول لي مش بتصحيني ليه! أنت بتجر شكلي على الصبح صح؟ كور قبضته بغضب من هدوئها وردها عليه، وتمتم قبل مغادرته: -أنا حقيقي ندمان إني اتجوزتك وندمان على الساعة اللي اخترتك فيها. ده كان يوم أسود يوم ما اتجوزتك. ويا ريت تبقي تبصي في المرايا تشوفي شكلك بقى عامل إزاي.

قال كلماته التي كانت كالسكين الحاد، فابتلعت حورية تلك الغصة المريرة، ورسمت ابتسامة مصطنعة، وتمتمت وهو يغلق الباب بوجهها ودموعها تسيل من عينيها، فذلك الوزن الذي اكتسبته جعله ينفر منها وبشدة، فلم يعد يشعر بأنها تلك الفتاة التي وقع بعشقها، فتمتمت بخفوت: -وأنا كمان يا عدى ندمانة... ندمانة عشان حبيتك! أمام المطار.

وصلا كل من وجد ووسام أمام المطار، وترجلا من سيارة الأجرة وكل منهم تحمل حقيبة صغيرة. فإجازتهما وبقاؤهما لن يدوم ولن يطول كثيرًا. تأففت وجد وهي تحمل حقيبتها بيديها، فاستدارت وسام تنظر إليها عاقدة حاجبيها، متمتة بضيق مصطنع: -أنتي هتقعدي تتأففي كتير يا وجد؟ وبعدين ما أنا قولت لك مش هنطول. جزت وجد على أسنانها وبدأت خفقاتها بالتزايد، فقالت بضيق وندم شديد: -لا يا وسام، أنا مش حابة أرجع تاني. أنا لو...

قاطعتها وسام واقتربت منها قاطعة تلك المسافة بينهم، قائلة بنبرة هادئة حاولت بها بث الطمأنينة بصديقتها: -وجد عشان خاطري، أنتي عارفة إني بقالي فترة كبيرة نفسي أنزل، أنا منزلتهاش من سنين. ولو نزلتها لوحدي مش هبقى مبسوطة، لكن وأنتي معايا الموضوع هيختلف. فعشان خاطر وسام عندك لتوافقي. وبعدين دي هي كام أسبوع، خليكي صاحبة جدعة بقى. لزمت وجد الصمت، فظلت وسام تتفحصها بنظراتها، وعندما طال صمتها غمغمت بخبث:

-أنا بصراحة مش عارفة أنتي خايفة من إيه! رفعت وجد عينيها تنظر إليها بغيظ، وقامت بضربها بقبضتها على إحدى ذراعيها قائلة: -أنا مش خايفة يا كلب البحر أنتي، أنا بس مش حابة أنزل مش أكتر. مش حابة أشوف أي حد منهم. اتسعت عين وسام وصاحت بعدم تصديق من تفكير صديقتها، وبطريقة مسرحية جعلتها تبتسم دون إرادتها: -نهار أبوكِ أسود يا وجد! بقى خايفة إنك تقابليهم؟ ليه يا حبيبتي؟ هو حد كان قالك إن مصر أوضة وصالة؟

يلا يا وجد، يلا يا ماما، بلاش كلام فاضي ودلع بنات، يلا يلا يا أختي. اتسعت ابتسامة وجد على حديث صديقتها، وقالت والابتسامة لا تزال على وجهها: -يلا يا أختي. أنتي متأكدة إنك بقالك سنين منزلتش مصر؟ قلبت وسام عينيها بتفكير قائلة بمرح: -شاور يا بيبي. وبعدين الأفلام مخلتش ربنا يخلينا الأفلام المصري، ههه. ثم قاطعت ابتسامتها وقالت بلهفة: -يلا وجد، الناس بتتفرج علينا، خلينا نخلص. أنا مش مصدقة، ياه وأخيرًا.

رفعت وجد حاجبيها بسخرية وتحركت معها، وبداخلها تناجي ربها ألا ترى أحدًا من عائلتها. بعد ذهاب عدى، وبعد إلقائه لتلك الكلمات الجارحة لها ولأنوثتها، رفعت يديها وزالت تلك الدموع. فهي لم تكن بالفتاة الضعيفة، لا تعلم ما الذي حدث لها، ولكن كل ما تعلمه أنها لا تزال معه من أجل أبنائه، فلو لم يكونوا متواجدين لكانت تركته منذ زمن.

لا تنكر تغيره وتبدله من عدى الذي كان يتمنى نظرة من عينيها مدافعًا عنها ويحميها من ذلك المدعو أمير الذي لطالما أزعجها وحاول التقرب منها، إلى عدى الحالي الأناني الذي لا يفكر سوى بنفسه وبرغباته. ليتهم لم يعودوا مثلما كانوا، فلو لم يعودوا لذلك الغناء ما كان تغير معها لتلك الدرجة. هناك شعور يسيطر عليها، وهو وجود امرأة أخرى في حياته. رفعت يديها تزيح تلك الدموع التي انسابت دون إرادتها،

وبخاطرها شيء واحد: ماذا لو كان بحياته امرأة أخرى؟ فما الذي ستفعله؟ هل ستتقبل بأخرى تشاركها إياه أم تتركه دون عودة؟ انتبهت لذلك الباب الذي فتح على مصراعيه، وصاحبه دخول ياسمين إلى الداخل، ونظرة الشماتة بعينيها تتفحصها من رأسها لأخمص قدميها، متمتمة بسخرية لاذعة: -حورية، أنا رايحة النادي، تحبي تيجي معايا؟

وأهو تتحركي شوية لحسن أنتي فاضلك كام كيلو ومش هتعرفي تعدي من الباب. وأوعي تزعلي مني، أنا بس بنصحك، أصلي خايفة عليكي لواحدة تانية تدور حوالين عدى. نهضت حورية من جانب أطفالها الذين يلعبون بتلك الألعاب المخصصة لهم، واقتربت منها وتحدثت بهدوء، فكم جعلتها الأمومة أكثر اتزانًا وهدوءًا: -متشكرة على النصيحة، بس ياريت نصيحتك خليها لنفسك.

غضبت ياسمين من هدوئها وإجابتها العقلانية، فرسمت ابتسامة مصطنعة لم تصل لعيناها، وهمهمت وهي تغادر الغرفة تاركة الباب على مصراعيه: -الحق عليا إني بنصحك، صحيح خير تعمل شر تلقى. في منزل سحر.

استيقظت من نومها وفتحت جفونها، والصداع يكاد يفتك برأسها، والفضل يعود لسهرتها ليلة أمس. نهضت من مكانها واتجهت تجاه المطبخ وهي تسير بهدوء ويداها لا تزال على رأسها، وجلبت كوبًا من الماء ودلفت به إلى غرفتها مرة أخرى، وانتشلت ذلك الدواء من الدرج وقامت بتناوله حتى يساعدها لتخطي ذلك الصداع الفتاك.

وبعد مرور بعض الوقت، وبعدما زال صداعها، انتشلت هاتفها الموضوع بجوارها، فوجدت به العديد من المكالمات. فأعتدلت بجلستها واتصلت بذاك الرقم الذي اتصل بها كثيرًا ولم يتوقف عن الرنين، ولكنها بالطبع لم تستمع إليه. -الو، أيوه يا مجدي. أنت اتصلت عليا كتير بس مسمعتش الموبايل خالص. قالتها سحر بأسف، ففاجأها رد مجدي الصارم الساخر قائلًا: -ما لازم متسمعيهوش يا سحر! ابتلعت ريقها وما كادت تتحدث حتى قاطعها جاعلًا إياها

تبتلع باقي حديثها بجوفها: -وجد راجعة النهاردة يا سحر. خرج من مكتبه يدور دورية كل يوم، يراقب إصلاح العمال للعطل المتواجد بالسيارات التي قد حان موعد التسليم الخاص بهم بعينيه الحادة كالصقر. انتقل بعينيه تجاه تلك السيارات المصفوفة بجوار بعضها البعض، بدأ يعدهم، ولكن توجد واحدة من بينهم غير موجودة. بدأ يبحث عن أحد العمال المسؤولين عنها، فهتف بصرامة قائلًا: -في عربية ناقصة؟ أنتوا بتهزروا مش كده؟

هتف أحدهم يجيبه بعدما سمع حديثه، فكان مارًا بجواره: -لسه بتتصلح يا أستاذ داغر. عقد داغر حاجبيه بانزعاج وتمتم بحدة وعيونه تطلق شرار: -يعني إيه لسه بتتصلح وميعاد تسليمها النهاردة؟ أومال أنتوا لزمتكم إيه؟ وصل صوته إلى مسامع رائف الجالس بمكتبه وأمام بعض من الأوراق يقوم بمراجعتها، فهرول من مكانه حتى يعلم ما الذي حدث واستدعى أن يصرخ بتلك الطريقة، فأسرع حتى ينقذ الأمر قبل أن يحدث مشكلة مع العمال:

-أنا مش قولت ميت مرة مش بحب التأخير في الشغل. بحب المواعيد تبقى مظبوطة والتسليم يبقى في ميعاده. اللي بتعملوه ده اسمه تهريج. إحنا هنا بنشتغل مش بنلعب. اقترب رائف منه وهو يتساءل عما حدث، فنظر داغر تجاهه صارخًا به هو الآخر لينال جزءًا من عصبيته المفرطة: -إيه يا رائف ده؟ إزاي يعني عربية ميعاد تسليمها النهاردة ولسه مخلصتش؟

وما كاد أن يتحدث حتى يهدئه، فهو أيضًا ليس على دراية بذلك الأمر، ولكنه قاطعه داغر عندما تحرك من مكانه وهو يشمر تلك الأكمام من قميصه وهو يصرخ بهم: -رائف، تعالى معايا نشوف العربية. العربية لازم تتسلم في ميعادها. صعدت على متن تلك الطائرة وجلست بجوار صديقتها التي لا تكف عن الحديث. فاتسعت عيناها وهي تصرخ بها تنهرها حتى تصمت قليلًا: -في إيه يا وسام؟ أكلتي دماغي. اهدى شوية، أنا جالي صداع. ضغطت وسام على

شفتيها بسعادة وهي تهتف: -أنا فرحانة أوي يا وجد. أنتي بجد مش متخيلة أنا حاسة بإيه. جزت وجد على أسنانها وقالت: -طيب ممكن بقى تسبيني أنام شوية؟ وكفاية أوي إنك قلقتيني الصبح وماخدتش كفايتي من النوم. تنهدت وسام براحة وتمتمت: -نامي يا ستي، أنا ماسكاكي. ثم أغمضت عينيها وتمتمت في نفسها بهيام وعشق جارف: -أخيرًا هنزل وأشوفك يا حسام يا هلالي.

أما وجد فاغمضت عينيها وأراحت رأسها بظهر المقعد، متنفثة الصعداء، وذكريات الماضي تجول بعقلها متذكرة ما حدث معها عندما هاجمها ذلك الشاب بغرفتها محاولًا قتلها، هامسًا لها بهوية من يريد قتلها والتخلص منها. قبل أربع سنوات من الآن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...