فتح الباب وظهرت من خلفه "وجد" مرددة اسم تلك الصديقة التي لم ترها أو تتحدث معها منذ سنوات. "حورية" التفتت ناظرة باتجاه ذلك الصوت المألوف بالنسبة لها، وما إن رأتها أمامها حتى نهضت من جوار أبنائها الذين كانت تشتاق إليهم، قاطعة تلك المسافة بينها وبين وجد، واحتضنتها. استقبلتها "وجد" بترحيب حار، متمتمة بفرحة لرؤيتها، نادمة على عدم سؤالها عن أحوالها طوال تلك السنوات. "عاملة إيه يا حورية، وحشتيني."
خرجت "حورية" من أحضانها، ترمقها بنظرات عتاب وخزي. "وانتي كمان وحشتيني، بس أنا حقيقي زعلانة منك أوي يا وجد. أتهون عليكي تبعدي بالطريقة دي، وكمان متسأليش عليا ولو لمرة واحدة." تنهدت "وجد" بضيق. "حقك عليا، أنا عارفة إني قصرت معاكي، بس صدقيني كان فيا اللي مكفيني. وبعدين انتي متعرفيش انتي جيتي في دماغي كام مرة، وحشني الكلام والفضفضة معاكي."
كادت ترد عليها، فغمغم الصغير من خلفها مناديًا عليها بنبرته الرقيقة الطفولية. فانتبهت وجد لأبنائها، فاتسعت ابتسامتها وقالت وهي تحمل أحدهم: "يا روحي، إيه الجمال ده، ما شاء الله. الحمد لله إنهم مش شبه أبوهم، كنت كرهتهم. ماهي الدنيا مش هتستحمل اتنين تاني من عدّي." صدحت صوت ضحكات حورية وهي تتجه تجاه ابنها زين، تحمله هو الآخر. وفي تلك اللحظة، دلف "عدّي" إلى الغرفة بعدما فتح الباب دون استئذان. فقطبت وجد جبينها وصاحت بغضب:
"في حد يدخل كده؟ مش المفروض تخبط يا أستاذ أنت! تجاهلها عدّي وكأنه لم يستمع لصوتها ولا لنبرتها العدوانية تجاهه، فاقترب من حورية بخطوات هادئة، رامقًا إياها بغيظ. "انتي بتعملي إيه هنا؟ امشي، اطلعِ بره، وإياكي تيجي تشوفيّهم تاني من غير علمي." وضعت "حورية" الطفل من يديها، واضعة إياه بالفراش بعدما قبلته بحنان. وكذلك اقتربت من وجد التي تحمل ابنها الآخر بين ذراعيها، وفعلت معه مثلما فعلت مع الآخر، مغمغمة:
"الولاد أمانة عندك يا وجد. أنا دلوقتي قلبي هيطمن أكتر بوجودك جنبهم، انتي وطنط سعاد." رمقت وجد عدّي بنظرة سريعة كارهة غاضبة، وهمهمت بعدما التفتت تجاهها مرة أخرى: "اسمعي يا حورية، دول ولادك وده بيتك، وأي وقت تحبي تشوفيّهم كلميني، انتي سامعة." ابتسمت لها حورية بخفة، فصاح عدّي بوجد مقتربًا منها، مزمجرًا بها: "انتي بتتحديني بقى يا وجد هانم! وضعت وجد الطفل من يديها بجوار شقيقه، ووقفت بمواجهة عدّي، مغمغمة:
"شوفها زي ما تشوفها، أنا أصلًا مش عارفة انت إزاي أخو داغر. انت متستاهلش ضفر البني آدمة دي، وأحسن حاجة إنك طلقتها، خليها تشوف نفسها وحياتها، وتقابل راجل بحق وحقيقي." احتَدّت عيناه وجذب وجد من ذراعيها بعنف، صارخًا بها بعدما لم يستطع التحكم بغضبه لتدخلها فيما لا يعنيها: "انتي زودتيها أووووي! انتي مين أصلًا بالنسبة لنا؟ انتي ولا حاجة، انتي سامعة؟ ولا حاجة. انتي واحدة رخيصة."
قاطعه ذلك الذي انتشله من ساعديه بالخلف، وتلك اللكمة القوية التي تلاقاها، ومن قوتها أسقطته على الأرضية. فرفع يديه واضعًا يديه مكان اللكمة، رافعًا عينيه ينظر لشقيقه الذي يتطاول عليه للمرة الأولى. "أول وآخر مرة تكلم وتتطاول على أي ست بالشكل المهين ده. فرد العضلات ده ميبقاش على الأضعف منك يا عدّي." اقتربت وجد من داغر، والتي اتسعت ابتسامتها من فعله. داغر، فرمقت حورية التي لم يبدو أي رد فعل على وجهها.
فنهض عدّي من مكانه واقترب من داغر وتحدث من بين أسنانه بغيظ، مشيرًا بإصبعه تجاه وجد: "انت بتضربني عشان دي؟ عشان اللي عذبتك سنين وكانت عايشة حياتها ولا سائلة فيك ولا عشان دي؟ وأشار تجاه حورية التي رمقته بدهشة. فأكمل عدّي: "ولا عشان دي اللي فضلت نفسها على ولادها وصممت على الطلاق وراحت دارت على واحد تاني، بس إيه؟ واحد أغنى وأشهر. لا عرفتي تصطادي يا حورية."
تحركت وجد بضعة خطوات بعدما أصبحت لا ترى أمامها من شدة غضبها، فجذبها داغر ومنعها مما تنوي فعله. وبحركة سريعة، انتشل عدّي من قميصه بعنف وخرج به من الغرفة متجهًا إلى غرفته، بعدما انتبه بأنهم لا يزالون بغرفة الأطفال الذين يلعبون ويرمقونهم من حين لآخر، غير مدركين لما يحدث أمامهم. وما إن غادر برفقته، اقتربت وجد من حورية محاولة التخفيف عنها: "متزعليش يا حورية، هو أصلًا مش عارف هو بيقول إيه، ده متخلف."
تنهدت حورية وهمهمت بهدوء: "مش زعلانة يا وجد." قطبت وجد جبينها وضيقّت عينيها وقالت: "انتي متأكدة يا حورية؟ أومأت لها "حورية" وقالت بصدق: "أظن إن اللي بيزعل من حد بيكون بيحبه، ومكنش متوقع منه الحاجة دي عشان كده بيزعل. بس أنا خلاص بقيت متوقعة أي حاجة من عدّي، وخلاص مبقاش ليه جوايا ذرة حب واحدة." ظلت وجد تطلع عليها، وسريعًا ما ارتسمت ابتسامة بسيطة على محياها سعيدة بما استمعت إليه. فهمهمت حورية وهي تتحرك من أمامها:
"أنا همشي بقى قبل ما الوقت يتأخر عن كده." "تمشي إيه؟ استني داغر ونوصلك أنا، وهوب." بللت حورية شفتيها وقالت بتوتر لاحظته وجد: "لا مفيش داعي، في صديق مستنيني وهيوصلني. يلا سلام بقى." وجد بنظرات متفحصة: "سلام يا حورية." "أنا عايز أعرف فيه إيه، إيه اللي حصلك، من إمتى وإنت كده يا عدّي؟ ولا انت كده من زمان وإحنا مش واخدين بالنا؟ فهمني." صاح داغر بتلك الكلمات يحاول الوصول لحل ما، فحال شقيقه لا يعجبه بالمرة. صرخ به "عدّي"
وهمهم بعداء واضح: "أفهمك إيه بالظبط؟ وبعدين أفهمك إيه بعد ما مديت إيدك عليا؟ وعشان مين؟ عشان اتنين أوسخ." قاطعه داغر رافعًا إصبعه بتحذير: "متكملش، متكملش عشان اللي بتغلط فيهم دول. واحدة فيهم كانت مراتك وأم ولادك، والتانية تبقى بنت عمك، والأهم تبقى مراتي، مرات أخوك يا أستاذ." ابتلع ريقه ورمش بعينيه عدة مرات وقال: "اتجوزتها!!! ده حصل إمتى الكلام ده؟ أجابه داغر بعنف ممزوج ببعض الصدمة: "هو ده اللي يهمك؟ حصل إمتى؟
اسمع يا عدّي، كل اللي هقولهولك إنك لازم تفوق، فوق من اللي انت فيه." زفر عدّي وارتسمت السخرية على جانب وجهه وهمهم باستنكار: "أنا اللي أفوق!!! لا طبعًا مش أنا اللي لازم أفوق، انتوا اللي لازم تفوقوا. حضرتك وروحت اتجوزت وجد، وانت لو فيك ذرة عقل مكنتش فكرت تجوزها أصلًا. وبالنسبة لرائف فبرضو طلع مغفل ومراته واخداه سلم. وبالنسبة لحسام اللي عامل فيها حبيب ولسه زعلان على حتة بت متسواش ومتستهلش ضفرها." وما كاد يكمل،
فقاطعه داغر مغمغم بتهكم: "وانت إيه بقى يا أستاذ عدّي؟ ها؟
أقولك أنا بقى. انت كنت متجوز واحدة أي راجل يتمناها، بس انت طلعت ميملاش عينك غير التراب وسبتها وروحت اتجوزت واحدة مش عارف دماغك كانت فين لما اتجوزتها. بس أحب أقولك إن المظاهر والشكل الخارجي اللي انت مهتم بيهم أوي كده بيروحوا، وكله بيروح إلا الحب الحقيقي هو اللي بيفضل. وعشان كده انت حبيب ست مي. حبيتها عشان شكلها، انت بتاع مظاهر. وأول ما لقيت واحدة أحلى من مراتك عينك زاغت عليها. وأول ما تلاقي الأحلى من مي عينك هتزوغ عليها برضه. وعشان تبقى عارف الطريق اللي انت سلكته ده آخرته وحشة."
وقفت سيارة عمر أمام البناية التي تقطن بها حورية، وما كاد أن يتحدث حتى قالت وهي تتفادى النظر لعينيه، هاتفة بجمود وعيناها تنظر حولها رغم تلك اللهفة التي تعتريها للنظر في حدقتيه:
"بص، انت صممت توصلني لتحت البنت ومرضتش تنزلني بره، فأنا هنزل دلوقتي. مينفعش أفضل معاك ونتكلم قدام أهل الحارة، عشان كده بديهم فرصة عشان يتكلموا عليا، وبذات إني مطلقة. وياريت متزعلش من كلامي، بس أنا آخر مرة هسمحلك توصلني، وشكرًا جدًا يا عمر على كل حاجة."
وسريعًا ما هرولت من السيارة تحت أنظاره، فأخذ نفسًا طويلًا محركًا رأسه قائلًا بحب ووهن، متمنيًا أن يقضي معها المزيد والمزيد، معبرًا لها عما يحدث له بوجودها بجواره وبأنه لن يمل منها. "شكلك هتتعبيني معاكي يا حورية!! في صباح اليوم التالي وتحديدًا السادسة صباحًا.
تململت بفراشها بتكاسل، وفتحت جفونها، وبسمة بسيطة تأخذ مسارها على وجهها، فلأول مرة تشعر براحة كبيرة، ولأول مرة لا يزورها زوجها المتوفى بمنامها، وكم أشعرها ذلك براحة كبيرة وسعادة طاغية تسللتها. فدفعت الغطاء من عليها، وخصلاتها تنساب حول وجهها، تحركت تجاه الشرفة وقامت بفتحها راغبة بأن يلفح الهواء البارد بشرتها الخمريّة وخصلاتها، وكان لها ما رغبت وتمنت.
فخرجت للشرفة الخاصة بها المطلة على الحديقة الخاصة بالقصر، وأغمضت عينيها وأخذت نفسًا طويلًا، وخصلاتها السوداء الفحمية التي أصبحت تصل لمنتصف خصرها تنساب حول وجهها. ففتحت عينيها وعيناها تجول بالحديقة، فوقعت عيناها على ذلك الجسد الواقع على أرضية الحديقة الخضراء. فقطبت جبينها ودلفت من الشرفة، وأخذت وشاحًا لها، وضعته على خصلاتها بإهمال، حامدة ربها على تلك المنامة القطنية الواسعة والتي تستر جسدها ولا تظهر منه شيئًا.
فهبطت درجات السلم ووصلت للأسفل، وحتى الآن لا ترى عيناها أحد، فمن الواضح أن الجميع لا يزال يغط بسبات عميق. فتنهدت وعقلها يتساءل، فعينها لم تستطع تحديد هوية الساقط، إذا كان حسام أم رائف، فكلاهما يشبهان بعضهما، وذلك البعد لم يسعفها لتحديد الهوية. خرجت إلى الحديقة واتجهت تجاه الواقع أمامها، وما إن اقتربت منه حتى وجدته "رائف"، فزفرت واقتربت منه، ولكزته بقلق، مغمغمة باسمه: "رائف، رائف، انت كويس؟
فتح "رائف" إحدى عينيه ورمقها بنصف عين، قائلًا بتساؤل معدلًا بمكانه: "فيه إيه؟ تنهدت براحة وقالت بهدوء: "إيه اللي نيمك هنا؟ كز "رائف" على أسنانه وقال ببرود ووقاحة: "وانتي مالك؟ أنا حر أنام مطرح ما أنا عايز. انتي هتحاسبيني؟ اتسعت عيناها وقالت بعدم تصديق: "لا مش هحاسبك ولا حاجة، بس قلقت عليك لما شوفتك واقع كده، وبعدين مكنتش شايفة كويس ومكنتش عارفة أحدد انت حسام ولا رائف." امتعضت ملامحه وصاح بغلاظة: "خلصتي؟ قطبت جبينها
ورددت الكلمة وراءه بدهشة: "خلصتي!!! انت إيه الأسلوب اللي بتكلمني بيه ده؟ هو أنا قتلتلك قتيل؟ ده أنا شوفتك واقع قلقت عليك." نهض من مكانه مهندمًا ملابسه، مغلقًا أزرار قميصه العلوية، ناظرًا لها بعجرفة: "ومحدش طلب منك تقلقي عليا، ومش عايز حد يقلق عليا، انتي سامعة." نهضت هي الأخرى وقالت بهدوء زائف: "سامعة يا بنت عمي، وأوعدك لو شفتك تاني واقع على الأرض مش هقربلك، وهسيبك زي ما انت حلو كده."
أنهت كلماتها وبعض من خصلاتها تطايرت من خلف الوشاح، فتعلق عين "رائف" على خصلاتها التي تطايرت، فاقترب منها خطوة واحدة، فلفحت أنفاسه الساخنة بشرتها ووصل إلى أنفها رائحة عطره، فابتلعت ريقها بتوتر من ذاك القرب، فصاح رائف وعيناه لا تنزاح من عليها: "ادخلي جوه يا آلاء، ادخلي جوه بشعرك ولبسك ده. فيه رجالة في البيت وأنا واحد منهم، ومينفعش تمشي بالمنظر ده." اشتعلت عيناها وقالت بحدة: "وإيه هو المنظر ده اللي بتتكلم عنه؟
أنا مش لابسة بدلة رقص يا أستاذ رائف، دي بيجامة وواسعة، وفيه على شعري طرحة، ولا انت مبتشوفش كويس." أنهت كلماتها وهي تتحرك من أمامه بغضب، فرمقه بنفاد صبر ورفع يديه ومسح على وجهه بضيق واتجه لخارج المنزل. في وقت الظهيرة.
صدحت طرقات على الباب الخاص بغرفة "وجد"، فظلت تهمهم ببعض الكلمات تشعر بعدم قدرتها على النهوض ورغبتها العالية بإكمال نومها، فظلت طوال الليل تتسامر مع داغر وتقص عليه ما فعلته بغيابها، وهو كذلك قص عليها ما حدث معه وكيف تألم بغيابها الذي طال كثيرًا، ولكنه رغم ذلك ظل يتمسك بحبه، مقتنعًا بأنه سينالها وسيحصل عليها، جاعلًا أمرًا أجلًا أو عاجلًا. ونهض باكرًا من جوارها وقام بتقبيلها بنهم مغادرًا دون إصدار أي صوت.
فقررت وجد تجاهل ذلك الطارق وإكمال نومها. ولكن حدث ما لم تتوقعه، وسمعت ذلك الصوت الذي تألفه بجوار أذنيها يصرخ بها: "يااااااااا وجد! خرجت شهقة خافتة من فمها، ونهضت جالسة على الفراش وهي ترمق وسام الجالسة أمامها: "انتي بتعملي إيه هنا يا مجنونة انتي؟ قبلتها وسام بوجنتيها وقالت بمرح:
"بصراحة بصراحة، لسببين. أولًا عشان أشوفك، ثانيًا بقى عشان ابن عمك الجبلة قفل تليفونه ومش عايز يقبل الأد بتاعى، بلس إني ملقتوش في المرسم بتاعه." اتسعت عين وجد وابتسمت ابتسامة لم تصل لعيناها: "آه يا بجاحتك يا وسام. وبعدين مش كنا قلنا إنك تقاطعها وسام قائلة:
"بصراحة بقى، محبتش الخطة بتاعتك دي، حسيتها مش هتمشي، وملقتش غير الصراحة والجرأة والبجاحة، هي دي اللي هتجيب نتيجة مع حسام، وإنهاردة لازم يعرف إني صاحبتك الروح بالروح، وصدقيني أول ما يوقع في شوشتي أنا هخليه يعفو عنك." أجابتها وجد بابتسامتها المصطنعة مشيرة تجاه الباب: "وسام، شايفة الباب اللي وراكي ده؟ أومأت لها قائلة: "أكيد." "طب كويس، قومي بقى، اطلعِ بره، أنا عايزة أنام، منمتش طول الليل، حرام عليكي." ضيقت
وسام عيناها وقالت بمكر: "آها، قولي كده بقى. منمتيش طول الليل؟ طيب يا ستي ربنا يهني سعيد بسعيد." كزت على أسنانها ولكزتها بذراعيها، مغمغمة: "مش اللي فهمتيه يا كلب البحر انتي. وبعدين عايزة أكمل نوم يا وسام، اطلعِ بره." "عشان خاطري يا وجد، وبعدين ده أنا مبسوطة أوي، دي حماتي اللي قابلتني ووصلتني لأوضتك هنا، يلا بقى عايزة أشوف ابنها يا وجد، عشان خاطري، انتي مش عايزة تعملي أي حاجة عشانى كده؟
رغم إني عملت كتير عشانك، وأنا السبب في جوازك من حبيب القلب." ضيقت وجد عيناها بعدم فهم وقالت: "عملتي إيه يا وسام؟ ابتلع وسام ريقها وعلمت بأنها قد وقعت بلسانها أمام صديقتها التي لن تتركها دون أن تقص عليها ما فعلته، فصاحت بتوتر:
"بصراحة يعني، أنا اللي بعت لداغر رسالة بسفرك إسكندرية، كنت ببعتله تحركاتنا من أول ما سافرنا إسكندرية، بس طبعًا هو ميعرفش مين اللي بعتله، بس أنا كنت خايفة عليكي من مصطفى، عشان كده دخلت داغر في الموضوع."
جالس خلف مكتبه وهي أمامه تخبره بما عليه اليوم، وبالتأكيد لا يخلو صوتها من دلالها المتعمد، أما هو فكان لا يستمع إلى أي شيء، فعينيه كانت تتفحص كل شبر بها، وابتلع ريقه بتوتر، محررًا أزرار قميصه، فلاحت بسمة سريعة على وجهها، تعلم جيدًا تأثير ما تفعله عليه. فصاحت بتلك النبرة المتعمدة: "بس كده يا فندم، حضرتك تؤمرني بحاجة تانية؟ تنهد بحرارة وعاد بظهره للخلف وتمتم بخبث:
"آه، زودي على اللي قولتيه ده كله إننا في عشا عمل النهارده الساعة ٩، وانتي هتحضريه معايا." أومأت له برأسها قائلة برقة مصطنعة: "اللي حضرتك تؤمرني بيه." اتسعت ابتسامته وقال بنبرة ذات مغزى: "حلو أوي، يبقى أعدي عليكي وأخدك من البيت، إيه رأيك؟ ابتسمت له بجانبية قائلة: "مفيش داعي، أنا معايا عربيتي." "لا، أنا حابب أعدي عليكي يا هديل." حركت كتفيها بدلال: "تمام، اللي حضرتك تشوفه. عن إذنك."
تحركت مغادرة من أمامه، وخصرها يتمايل بدلال، فزفر بضيق مبتلعًا ريقه. كادت أن تخرج من المكتب، فوجدت أمامها من ترمقها بتفحص: "انتي سكرتيرة عدّي؟ ابتسمت لها هديل بتحفظ وقالت: "أيوه يا فندم. ده لسه تاني يوم ليا." استمع عدّي إلى صوت مي، فصاح بجدية: "إيه اللي جابك يا مي؟ تحركت مي من أمام هديل، وبداخلها يشتعل، فها قد فهمت لماذا تغير معها الآن، فجزت على أسنانها وابتسمت له بحب مصطنع، مقتربة من مكانه، مقبلة إياه بحرارة.
فصاح بجمود بعدما رمقتهم هديل بنظرة سريعة، مغلقة الباب من خلفها: "خير يا هانم، إيه جابك هنا؟ وخرجك من البيت من غير ما تستأذني؟ سندت على ركبتيها تريد أن ترضي غروره وكبرياءه، ممسكة يديه بحب قائلة بندم مزيف: "أنا آسفة يا عدّي على اللي حصل امبارح، حقيقي آسفة. وأسفة كمان على عدم اهتمامي بيك، بس صدقني ده مش هيتكرر تاني. وبعدين أنا عندي ليك خبر هيفرحك أوي يا عدّي." ضيق عينيه منتظرًا منها إكمال حديثها، فصاحت:
"أنا حامل يا عدّي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!