الفصل 13 | من 47 فصل

رواية طغيان قلب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطمة محمد

المشاهدات
15
كلمة
4,578
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

ولج "محمود" إلى المنزل برفقة أشقائه "سلامة" و"هاني". وما إن دلفوا داخل المنزل حتى وجدوا "آلاء" تقترب منهم وابتسامتها على وجهها من جديد. تهللت أسارير محمود وهو يرى ابتسامة ابنته التي فارقتها لسنوات، فارتسمت الابتسامة على وجهه هو الآخر وهو يهتف بعدم تصديق: -أنا مش مصدق اللي أنا شايفه، معقول رجعتي تضحكي تاني يا آلاء؟ اتسعت عيناها بسعادة وتحدثت بحماس: -ما هو لما تعرف أنا مبسوطة ليه هتفرح وتنبسط أكتر مني.

تبادل "سلامة" و"هاني" النظرات، فحرك رأسه باستفهام عاقدًا جبينه: -خير يا آلاء، عندي رغبة أعرف إيه اللي فرحك أوي كده وقدر يعمل اللي أنا معرفتش أعمله. فصاحت "آلاء" دون مقدمات: -وجدت يا بابا رجعت، واتجوزت هي وداغر، وداغر راجعها البيت النهاردة. أصلًا أول ما شفتها في البيت فهمت إنهم اتجوزوا. كمان اتكلمت معاها وسامحتني يا بابا، أنا كنت هموت وأشوفها وكان نفسي تسامحني أوي يا بابا، والحمد لله ربنا استجاب لي.

ارتخت ملامحه وهتف بهدوء متسائلًا: -أنتي بتكلمي جد يا آلاء؟ يعني وجدت موجودة هنا دلوقتي؟ أومات برأسها عدة مرات متتالية مؤكدة حديثها: -أيوه يا بابا، هي دلوقتي في الأوضة فوق مع داغر. كادت أن تكمل، ولكنها توقفت عن إكمال حديثها عندما وجدته يهرول من أمامها مسرعًا بسرعة لا تناسب عمره، متخطيًا السلالم الرخامية بسرعة الفهد، مقتربًا من غرفة "داغر" وطرق الباب بطرقات سريعة.

فتح "داغر" الباب و"وجد" تقف خلفه ببضع خطوات، وعيناها معلقة على والدها بعدما استمعت إلى صوت سيارتهم وأخبرها داغر بوصولهم. رفضت الهبوط لملاقاته. أما "محمود" فكانت عيناه تجول بلهفة على ابنته التي تطل عليه بجمود. فلم يأبه لنظراتها وجمودها الذي تظهره، فما يهمه الآن هو عودتها... عودتها فقط.

ازدرد "محمود" ريقه بعد أن أفسح داغر له. فحافظت "وجد" على ثباتها المزيف، والذي تحاول التمسك به وأصبح على وشك الانهيار مثل قالب الجليد. فظلت متماسكة أمامه، مستعينة بحسها المتبلد، مذكرة نفسها بخذلانه لها واستغنائه عنها في أكثر الأوقات التي كانت احتياجًا له. اشتاقت له... لملامحه. تأملت خصلاته التي زاد الشيب بها، والتي لم تنقص شيئًا من وسامته، وكذلك لحيته التي أصبحت يكسوها الشعيرات البيضاء.

خرج صوته مهزوزًا متمتمًا باسمها، التي اشتاق لصاحبته مثلما اشتاق لضمها لأحضانه، معوضًا إياها عن خذلانه لها. فهو لم يكن ذلك الأب الذي حلمت به، والذي استغنى عنها بأول الطريق. ولكن أيلوم نفسه الآن؟ أيسينفع ندمه ذلك بشيء؟ -وجد... اهتزت بشدة عند سماعها لصوته الرجولي الذي خرج بضعف، فظلت دقاتها تتسارع بشدة، شاعرة بأنها تريد أن تلقي بنفسها الآن داخل أحضانه، وتلومه عما فعله معها هي وشقيقها الذي وقف بجوار "باسم".

رفع "محمود" يديه التي ترتجف مرددًا اسمها مرة أخرى. وفي تلك اللحظة، انسحب داغر من الغرفة بهدوء شديد، مغلقًا الباب من خلفه، تاركًا إياهم حتى تصلح الأمور بينهم. نظرت "وجد" ليديه التي تلمس وجنتيها. فنظرت إليه، وما لبثت أن تعنفته، دافعة يديه. ولكن هناك ما أوقفها عن رفع يديها ودفعه...

هناك ما منع صوتها من الخروج. والذي لم يكن سوى تلك الدموع ونظرة الترجي التي رأتها بعينيه، والتي لم ترها سوى مرة واحدة. فسبق لها أن رأته بذلك الضعف عندما تأكد أنها ابنته. وها قد تحررت دموعه وانسالت على وجنتيه بحرقة. عبست بوجهها وخرج صوتها مبحوحًا، قائلة بصوت حاولت إخراجه قويًا، ولكنها لم تستطع فعلها: -أنت بتعيط! ابتسم بخفة ودموعه لا تزال تنسال على وجنتيه، مغمغمًا بصوت متحشرج أثر بكائه غير المتوقع بالنسبة لها:

-والمفروض إني أعمل إيه وأنا شايف بنتي اللي بعدت عني سنين؟ وها هو بحركة مفاجأة ضمها داخل أحضانه، متمسكًا بها بقوة، مكملًا حديثه: -أنتي إزاي تبعدي كده يا وجد من غير ما أعتذر لك على كل اللي حصل؟ أنا قلبي كان بيتقطع عليكِ يا بنتي، كنت بموت في غيابك. أنا عارف إن قلبك أبيض وهتسامحيني على غبائي، بس أنتي حطي نفسك مكاني يا وجد، حطي نفسك مكاني. ده أنا اللي مربيه! أنا اللي خرجت من داخل أحضانه بعدما تلوت واستطاعت تحرير نفسها،

صارخة به قائلة: -ربيت أفعى يا محمود بيه، ده مش بني آدم، ده حيوان، ذئب عايز ينهش أي حتة لحمة قدامه وخلاص. لو قلت إيه مش هسامحك، أنت سامع؟ مش هسامحك! صمتت ثوانٍ قليلة وصدرها يعلو ويهبط بانفعال، وسريعًا ما أكملت تحت نظراته المتعلقة بها، والتي يرجوها بها بأن تسامحه وأن تعطيه فرصة ثانية:

-في الوقت اللي المفروض أكون فيه معاك، كنت معاه هو. كلهم شافوا حنيتك إلا أنا. أنا عمري ما حد خدني في حضنه وطمني، ولما عملتها متتخيلش كنت عاملة إزاي، كنت حاسة إني طايرة في السما. بس زي ما خلتني طايرة في السما، نزلتني لسابع أرض على جذور رقبتي لما مديت إيدك عليا قدام الكل عشانه. فمتجيش دلوقتي تقولي أسامحك، عشان أنا مش هعرف أسامحك كده عادي ولا كأنه حصل حاجة.

اقترب قائلًا باستفهام لا يعلم لماذا هو بالذات لا تريد مسامحته، رغم مسامحتها لكل من "داغر" و"آلاء": -اشمعنى أنا يا وجد اللي مش عايزة تسامحيني؟ اشمعنه؟ ما أنتي سامحتي أختك وداغر ووافقتي تتجوزي منه. أنا أولى منهم، أنا أبوكي. اقتربت منه وتحدثت بنبرة هامسة أمام وجهه: -بالظبط كده، وعشان أنت الأولى والأقرب، فأنت أكتر حد فيهم جرحني، فاهم ولا لأ يا محمود بيه. *** داخل حجرة عدى ومي.

كانت جالسة على الفراش وخصلاتها متناثرة حول وجهها نتيجة لما حدث لها اليوم على يد وجد، تلك الفتاة التي تراها لأول مرة والتي قللت من شأنها. فظلت تحرك إحدى قدميها بعنف وهي توعد لها. فهي لا تقل عنها شيئًا، فهي زوجة لأحد أحفاد سيد الهلالي. كزت على أسنانها وهي تغمغم: -أنا هوريكِ بقى بتمدي إيدك عليا. أنا وحياة شعري ده ما هسيبك إلا لما أربيكي وأوريكِ مي اللي قللتي منها هتعمل فيكي إيه.

ولج عدى الغرفة وهو يتدندن بإحدى الأغاني، وصورة تلك السكرتيرة الجديدة والتي تدعى هديل لا تغيب عن رأسه، متذكرًا أسلوبها في الحديث وإيماءاتها التي تدعوه ليفعل ما يحلو له. فتنـهـد وابتسامة جانبية تأخذ طريقها على وجهه، متمتمًا بينه وبين نفسه، غير منتبه لتلك التي تشتعل بمكانها، مراقبة هدوئه وسعادته التي ارتسمت رويدًا رويدًا على وجهه. -من أول يوم وأنا برسم عليك، وأنا مش لازم أضيع صاروخ زي دي. وقعت عين عدى عليها،

فقطب جبينه وقال باستفسار: -إيه ده؟ مين اللي عمل فيكي كده؟ نهضت مي من على الفراش واقفة أمامه، متحدثة بنبرة حزينة مصطنعة أتقنتها جيدًا، فرفعت يديها مشيرة على خصلاتها وتلك الكدمة على وجهها: -شايف حصل فيا إيه في غيابك؟ شايف اللي حصل لشعري ولوشي؟ أنا اتبهدلت أوي يا عدى. اقترب منها عدى محاصرًا ذراعيها، مغمغمًا باستفسار: -مين اللي عمل فيكي كده؟ انطقي. أجابته مي وهي تنظر له بحنق على أسلوبه الجاف ذاك:

-معرفهاش. بس اللي عرفته إن اسمها وجد. دي هجمت عليا يا عدى وأنا أول مرة أشوفها ومعرفش ليه. بس هي قالتلي: "بقى انتي اللي عدى ساب حورية عشانك؟ زفر عدى ورفع يديه وبدأ بفك أزرار قميصه، وكأنه لم يستمع إلى شيء. فاتسعت عيناها وهي تراقب يديه التي بدأت بفك أزراره الخاصة وجلوسه على الفراش، مغمغمًا:

-خلاص يا مي، أنا هكلمها بكرة. هي مدام هنا يبقى رجعت تاني، وأنا بصراحة مش قادر دلوقتي أتكلم أو أتخانق مع حد. وكمان مش عايز عمي يزعل مني. جحظت عيناها واقتربت منه، رامقة إياه بنظرات مصدومة، فأذنيها لا تستوعب ما يقوله. فأين عدى السابق، ذلك العاشق الذي كان لا يخاف عليها من كل شيء وكان يفعل المستحيل لإرضائها؟ لما تغير الآن؟ لما تغير بين ليلة وضحاها؟ فكزت على أسنانها ترمقه بغيظ وأعين مشتعلة كالجمر، وقالت بعدم تصديق:

-أنا مش قادرة أصدقك! أنت بجد بتغير هدومك ومش هترجعلي حقي من الحيوانة اللي مدت إيدها عليا؟ أنت إيه اللي حصلك يا عدى؟ ما إمبارح كنا كويسين، كل ده عشان راحت عليا نومة؟ قلب عينيه بزهق ونهض من على الفراش وهو يدفع ذلك القميص الذي خلعه على الأرض، قائلًا ببرود: -هو أنا قولتلك إني هسكت؟ أنا قولتلك بكرة هكلمها. مينفعش تبقى غايبة عن البيت أربع سنين وأول ما ترجع لحضن عمي أتخانق معاها. ابتسمت بسخرية وأجابته باستنكار:

-فعلًا مينفعش. بس ينفع إنها تمد إيدها وتتطاول عليا بالشكل ده، مش كده؟ تأفف ورفع حاجبيه بملل، فابتعدت عنه بغيظ وهي تكاد تطيحه بأي شيء، فهناك شعور قوي يسيطر عليها وهو تسديد له بعض اللكمات المتتالية، فكم أشعرها بالإهانة برده غير المتوقع ذلك، وهي التي كانت تتوقع بأنه سيقلب المنزل رأسًا على عقب لتطاولها عليها. انخفضت تجاه قميصه الذي خلعه ودفعته بوجهه بغضب، مشيرة تجاه الباب بسبابتها قائلة:

-اطلع برة، مش هتبات. اطلع برة، لما تبقى تجبلي حقي تبقى تنام هنا يا عدى بيه. التقط عدى قميصه وتبدلت ملامحه من البرود والزهق إلى غضب ناري، واسودت عيناه واقترب منها بخطوات سريعة كسرعة الذئب الذي يهجم على فريسته، وجذب خصلاتها بقبضته القوية وملامحه متشنجة، هاتفًا بتحذير: -أول وآخر مرة تتجرأي عليا بالشكل ده، أنتِ فاهمة؟ مش واحدة ست اللي تعلي صوتها عليا، ومش عدى الهلالي اللي يطرد من أوضته، سامعة؟

أنهى كلماته وهو يجذب خصلاتها لأسفل بقوة شديدة، مزمجرًا بها. فتأوهت بألم قائلة بترجٍ: -آه آه شعري يا عدى، آه. زاد الضغط أكثر وأكثر، متمتمًا من بين أسنانه: -سامعة ولا لأ؟ أغمضت عينيها بألم قائلة: -سامعة، سامعة. دفعها بعيدًا عنه، فارتطمت بالأرضية الصلبة، ونظر لها نظرة متفحصة مشمئزة، وخرج من الغرفة دافعًا الباب من خلفه.

تابعت خروجه من الغرفة، فرفعت يديها تلملم خصلاتها، وتتمنى أن تلملم كرامتها التي بعثرها، ولكن صبرًا جميلًا، فستجعله يدفع ثمن ما فعله... وستجعله يركع تحت قدميها، وستتلذذ هي برؤيته بتلك الحالة. *** دلف داغر إلى الغرفة عقب خروج محمود، الذي كانت ملامحه تعبر عما حدث بينهم، والذي رفض الحديث متمسكًا بصمته.

وجدها تجلس على الفراش والدموع تفيض من عينيها بغزارة. وما إن استمعت لصوت الباب وهو يغلق وصوت خطواته التي تقترب منها، حتى نهضت من مكانها، دافعة نفسها داخل أحضانه، متمسكة به بقوة وكأنه حبل نجاة. فحاوطها بذراعيه بتملك، وهو يشعر بأن قلبه يتمزق إلى أشلاء لبكائها ودموعها التي تنساب دون أن تتوقف. مرت ثوانٍ لم يحصها وهي لا تزال داخل أحضانه، تأبى الخروج من بين يديه التي جعلتها تهدأ.

وعندما لاحظ هدوء وتيرة تنفسها، والتي كانت تتسابق منذ لحظات، حتى رفع يديه ممسدًا على خصلاتها الحمراء الطويلة، والتي أصبح لها ولونها عاشقًا. فتحدث بصوت حاول أن يجعله مرحًا بعض الشيء: -ما كفاية يا وجد، لحسن بعد شوية هعمل حاجات أنا مش مسئول عنها. خرجت من بين أحضانه ترمقه بعينيها الحمراء مثل لون الدم، ووجنتيها التي اكتست باللون الأحمر القاني عندما وصل إليها المغزى من حديثه.

فابتسم على خجلها وانخفض تجاه وجنتها مقبلًا إياهم بحنان بالغ، مغمغمًا بحب وهو يزيل تلك الدموع بأصبعه برقة بالغة، وكأنها زجاج يخشى أن يجرحه: -ممكن العيون الحلوة دي تبطل عياط بقى؟ ممكن ولا لأ يا أبو شعر أحمر أنت يا حلو. رغمًا عنها ارتسمت بسمة بسيطة على وجهها، ورفعت عينيها تنظر له بعشق، وبحركة مباغتة اقتربت منه دافعة نفسها بين أحضانه مرة أخرى. فحاوطها بذراعيه والسعادة تعتلي وجهه. فصاح بمرح:

-لأ، ده أنتِ خدتي عليا أوي. وبعدين خلي بالك، أنا متجوز ومراتي بتغير عليا أوي. دفنت وجهها بقميصه، وغمغمت دون وعي بعدما تغلغلتها الراحة والسكينة داخل أحضانه: -لأ، وبتحبك كمان. بتحبك أوي. جحظت عيناه وابتعد عنها محاوطًا ذراعيها تحت دهشتها من فعلته وحرمانه إياها من ذلك السكون داخل أحضانه. فقال بأعين متسعة وأذن تتلهف لسماع اعترافها مرة أخرى: -أنتي قولتي إيه؟

ازدردت ريقها واتسعت عيناها عندما أدركت فعلتها الحمقاء واعترافها بمشاعرها تجاهه. فكسى التوتر وجهها وحاولت الحديث مرارًا وتكرارًا، ولكن دون فائدة. فلم يستطع لسانها على الحديث بعدما اعترفت بكل سذاجة نتيجة لأقترابهم منذ لحظات.

اقترب منها ووضع إصبعه على شفتيها مانعًا إياها من الحديث، وعيناه تسرح بعينيها، الذي كلما نظر بهما يتذكر المرة الأولى التي رآها بها أمام منزله. فكلما نظر بعينيها يشعر وكأنه يحلق بالسماء، وكأنه طير بلا أي قيود. فكلما نظر بعينيها يشعر وكأن اتزانه وعقله يذهبان تدريجيًا دون أدنى استئذان. فكلما وقف أمامها يرتجف قلبه رغمًا عنه، لا يصدق حتى الآن بأنها أصبحت زوجته وملكه، يفعل بها ما يشاء.

أنزل يديه ببطء شديد وعيناه لا تزال معلقة بعينيها، يقترب منها رويدًا رويدًا، يريد إدخالها عالمه. وما كاد أن ينالها حتى صدح رنين هاتفه، فأغمض عينيه وابتعدت هي بعدما شعرت بأنها لم تصبح كما كانت من قبل، فكل شموخها وقوتها يذهبان أمامه... أمام نظرة من عينيه. تنهد بحرارة وأخرج هاتفه مجيبًا على الطرف الآخر، والتي لم تكن سوى حورية: -سلام عليكم، إزيك يا حورية؟

وما إن التقطت أذنيها اسم حورية حتى اقتربت منه بلهفة، فأكمل هو حديثه مع حورية التي كانت تخبره بوجودها بالخارج ورغبتها برؤية أبنائها وتريده أن يخرج لها حتى يأخذها للداخل، وبذلك تتفادى أي مواجهة بينها وبين زوجها السابق. -تمام يا حورية، أنا طالع لك. أغلق معها، فغمغمت وجد بتساؤل: -مالها حورية؟ تنهد داغر مجيبًا إياها: -واقفة بره وعايزاني أطلع آخدها عشان تشوف الولاد، خايفة تقابل عدى ويعمل مشكلة. قاطعته بحدة وشراسة، مغمغمة:

-لأ، أخوك ده زودها أوي. يعمل مشكلة بتاع إيه؟ إن شاء الله واحدة و عايزة تشوف ولادها. وضع داغر هاتفه بجيبه، متمتمًا: -مش وقته الكلام ده، أنا طالع آخدها. أومات له برأسها وهي تتحرك أمامه، مغمغمة: -تمام، يلا بينا. نظره داغر بذهول، مغمغمًا وهو يجذبها من ذراعيها: -يلا بينا إيه؟ أنتِ رايحة فين بشعرك ده؟ خليكي هنا، أنا هخرج أجيبها وأجي، وشوفيها لما تيجي.

دبدبت بالأرض وهي ترمقه بغيظ، وكادت أن تخبره بأنها ستضع وشاحًا على رأسها، ولكن سبقها وخرج من الغرفة، تاركًا إياها تتآكل من غيظها. *** التفتت تنظر إليه، وابتسامة بسيطة على محياها. فابتسم لها ابتسامة واسعة، مغمغمًا: -يلا انزلي وأنا مستنيكي. أول ما تخرجي هتلاقيني واقف مستنيكي. بس على الله متعمليش زي المرة اللي فاتت وتسيبيني ملطوع، وفي الآخر تمشي مع قريب طليقك ده. اتسعت ابتسامتها تدريجيًا، وقالت بتلقائية:

-ده داغر، ويبقى أخو عدى، يعني عم ولادي. وهو على فكرة خلوق جدًا. وقاطعه بعدما رمقه بنظرة أدهشتها وجعلت العديد من التساؤلات تدور بخلده. فلما تلك النظرات التي يراها بعينيه؟ فنظراته توحي بالانزعاج والضيق. فظلت تتساءل عما قاله لتتحول ملامحه وتتبدل بتلك السرعة. أما هو، وما إن رددت اسم رجل آخر حتى شعر بنيران تشعل بصدره، وتشنجت عضلات وجهه، وارتعش صدغه بقوة عندما جز على أسنانه بغيظ وغيره. فكيف تفكر تلك الفتاة؟

كيف استطاع لسانها نطق اسم كل من داغر وعدي، ذلك الشخص الذي يشعر تجاهه بمشاعر متناقضة؟ فكم يحقد عليه لأنه كان زوجها وكانت ملكًا له، وفي ذات الوقت يشعر بالسعادة لتركه إياها وإعطائه فرصة للوصول إلى قلبها. فمنذ أن رآها لا تغيب عن عينيه. يعلم بأنه سيعاني قليلًا للوصول إليها، ولكن لا بأس، فليحدث ما سيحدث، فهو لن يتركها وسيجلعها تقع في غرامه ويجلعها أسيرة له، مثلما جعلته أسيرًا لها.

توترت قليلًا من نظراته وتشنجه غير المبرر، فابتلعت ريقها وغمغمت وهي تفتح باب السيارة: -أنا هنزل عشان داغر يشك. كادت أن تكمل لولا يديه التي جذبتها من ذراعيها، مانعًا إياها من النزول من السيارة، مغمغمًا وعيناه تتعلق بعينيها: -عارفة لو عملتي زي المرة اللي فاتت ومخلتينيش أوصلك، هعمل فيكي إيه؟ خفضت عيناها تنظر ليديه التي تلمسها، والتي جعلت جسدها ينتفض ودقاتها تزداد وكأنها طبول تقرع. فازدردت ريقها وهي تنظر بعينيه مرة أخرى،

قائلة: -هتعمل إيه؟ ظل يتأملها ثوانٍ، وبعدها قال بنبرة يغلفها الحنان وابتسامة شغوفة ترتسم على وجهه: -ولا أي حاجة. بس ممكن أضربلك داغر ده بوكسين وأخدك وأجري بيكي، وممكن كمان أخطفك. ابتسمت رغمًا عنها وضيق عينيها وهي تهتف بتساؤل: -هو حد قالك قبل كده إنك مجنون؟ ابتعد عنها مجبرًا نفسه على تحرير يديها، قائلًا بمرح: -يووووه، كتير أوي متعديش.

حركت رأسها بقلة حيلة وترجلت من السيارة مقتربة من بوابة القصر، وظل يتابعها بعينيه يتمنى لو كان أول رجل بحياتها. فذلك الزوج الذي تركها بسهولة لا يستحقها، فمن ذلك الذي يكون لديه مثل تلك الحورية ويتركها؟ فهو بالتأكيد أحمق. يتمنى لو كان بمكانه، فما كان تركها أبدًا.

تجهم وجهه بشدة عندما انتبه لذلك داغر الذي قابلها وسار معه. فظل يتابعها حتى غابت عن عينيه، فتنهد وأغمض عينيه يحاول السيطرة على مشاعره الملتهبة تجاهها، غير مدركًا ما المميز بها ليتعلق بها بتلك السرعة ولتلك الدرجة. *** -يعني إيه مش موجودة؟ ويعني إيه اتجوزت؟ ويعني إيه منفذتوش اللي أطلب منكم؟ هو إحنا بنهرج ولا إيه؟ اسمعوا بقى اللي قولتلكم عليه هتعملوه، والخطة هتفضل زي ماهي، بس استنوا مني ميعاد التنفيذ، سامعين؟

أغلق الهاتف بوجه ذلك الرجل الذي جلبه صديقه هو ورفاقه لينفذون له مخططه الدنيء، والذي لا يقل عنه دناءة. دفع جسده على الأريكة، ملتقطًا علبة سجائره، مخرجًا أحدهم، واضعًا إياه بين ثغره، مشعلًا إياه، ينفث بها غضبه.

فكل شيء من حوله ينهار، بدءًا من إيقافه عن عمله لتطاوله على رئيسه وتحويله للتحقيق، حتى قتله لمجدي، والذي ظن بقتله له بأن الحياة ستبتسم له، ولكن ما حدث كان عكس توقعاته، وترك كل شيء لتلك الفتاة التي بات يكرهها، وسيفعل أي شيء ليندمها على أخذها ما لا تستحق. وهنا انتشل ذلك الكأس أمامه وقام بدفعه، مخرجًا غضبه به، ليرتطم الكأس بالأرض ويهشم لقطع عديدة. وكز على أسنانه متوعدًا لها:

-هندمك يا وجد، وهوريكي، حتى لو هطلع روحك في إيدي. *** لا يزال جالسًا مكانه، وصورة تلك الفتاة وجرأتها لا تذهب من عقله. لا يعلم من أين جاءت بتلك الجرأة لتأتي أمامه وتعترف بحبها له وتتحداه بتلك الطريقة، مخبرة إياه بأنه سيصبح لها عاشقًا متيمًا. فمن أين أتت بتلك الثقة؟

فقلبه لا يزال عاشقًا لأخرى. أخرى تركته يعيش مع ذلك الذنب، فهو من جعلها تتحدث أمام باسم معترفة بكل أفعاله، ليته لم يفعل، وليته لم يأخذها لتلك المواجهة التي أدت إلى قتلها دون رحمة أو شفقة. فهناك ما يمنعه من التفكير بأي امرأة سواها. نهض من مكانه متجهًا ناحية اللوحة الخاصة بها، نازعًا ذلك الوشاح، واقفًا أمامها لعدة ثوانٍ، مغمضًا عينيه بألم. ألم لم يدم طويلًا بسبب رنين هاتفه الذي أخرجه من آلامه ومن عالمه الخاص.

وضع الهاتف على أذنه، وغمغم بصوت متحشرج: -ألو، مين معايا؟ جاء الرد سريعًا، والذي لم يكن سوى صوتها الذي أصبح مزعجًا بالنسبة له: -مين معايا؟ لأ، أنت كده زودتها أوي يا بن الهلالي. بقى نسيت صوتي ده؟ ده حتى مبقاليش كام ساعة سايباك. أغمض عينيه بضيق وأجابها على مضض: -قولي عايزة إيه بدل ما أقفل في وشك السكة. اتسعت عيناها وقالت بنبرة مرحة أغاظته وأشعلته:

-لأ، صدمني حقيقي صدمني. بس مش مشكلة، أنا أصلًا بحبك ومش هزعل منك. ولو قفلت في وشي هتصل تاني. ابتسم بسخرية وغمغم بتهكم، مقاطعًا حديثها: -ده أنتِ معندكيش كرامة بقى. قلبت عيناها وأجابته باستفزاز وضحكة عالية: -عرفتها لوحدك دي؟ لأ، برافو عليك. أنا فعلًا في الحب معنديش كرامة ومستعدة أعمل المستحيل عشان تحبني. وأراهنك يا حسام، وأبصملك بصوابعي العشرة إن من ساعة ما مشيت وأنت بتفكر فيا. دهت ضحكته العالية، والتي سريعًا

ما تحولت لنبرة شرسة: -بلاش الثقة الزايدة، آخرتها وحشة. وبعدين أنا مبحبش غير واحدة وبس، ومش هحب غيرها، فمتحلميش وتحاولي على الفاضي. -ومين قالك إنها على الفاضي؟ ما أنا قولتلك هتحبني وهتعشقني وهتتمنالي الرضا، أرضى وهتشوف. كـز على أسنانه وضم قبضته بغضب، وتمتم بغضب ناري: -اعملي حسابك، آخر مرة تتصلي عليا. لو اتصلتي تاني هتسمعي كلام مش هيعجبك. أنا مش ناقص لعب عيال.

أنهى كلماته وهو يغلق الهاتف بوجهها، وأنفاسه عالية من شدة غضبه. فصدح صوت رسالة على هاتفه، ففتحها، وإغاظة محتواها، والذي كان كالآتي: "متفتكرش إنك لما تقولى الكلمتين دول هخاف وهكش. لا يا حسام، يبقى متعرفنيش. وبعدين أنت قفلت قبل ما أقولك أنا عايزة إيه. أنا بعتلك أدد على الفيس بوك، ياريت تقبله وترد على رسالتي. بحبك.........

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...