أكيد واحدة من اللي تعرفيهم ومعاها عيال كمان. قال بغضب شديد وعروقه بارزة: -آخرسي. بتتحمليها أوي. واضح إن علاقتكم كانت قوية. علاقاتك كتيرة يا أستاذ هيثم، وساعات بتوصل لحد لدنئ... ولم تكمل كلامها، حين التف هيثم مرة واحدة وصفعها بظهر يده على وجهها، أصمتها. اتصدمت أفنان من ذلك الكف الذي تلقته منه. أما هيثم، فمن نوبة غضبه، فاق وأدرك ما فعله. كانت خافضة عيناها ولم ترفعهما، حيث سالت دموع من عيناها بصمت.
مشيت دون أن تنطق ببنت كلمة. بصلها ولم يتحدث هو الآخر. تضايق، زفر بضيق وهو يسند على الحائط، لكنه غير مبالٍ. فهو لم يخطئ، بل هي من أخطأت وتستحق ذلك. بس، أيًا يكن، هل كان عليه أن يمد يده عليها بتلك القسوة؟ لو كانت صمتت لما حدث كل هذا. فهل هي لا تعلم من تكون هذه المرأة؟ أنه لا يقبل أحدًا أن يقول عنها أي كلمة سيئة. إنها الملامة، ليس هو. بل هكذا كان هيناً معها.
أما أفنان، فقد جلست في الحديقة بمفردها، بعيدًا عن الأصوات. كانت منزلَة وشها والدموع تتساقط دون أن تتوقف. -ربنا يسامحك يا ماما. خلتيني مع واحد زي ده، أتهان وأسكت. حاسة إني قليلة ومليش حق في حاجة، لأنك بعتيني. ربنا يسامحك بحق اللي أنا فيه. مش عارفة أدعي عليكِ لأنك أمي.
كانت تنشج وجسدها يرتجف، وتحاول كبح صوتها وشهقاتها. مسحت الدموع بأكمام ملابسها، وهي ترفع رأسها للسماء، وكأنها تنادي خالقها الذي يراها الآن، تشكي له، وهو السميع العليم. كان هيثم قاعد وحاطط راسه بين إيديه. ولم ينم. قام، ولسا كان هيخرج من الأوضة، لقاها بتدخل. -ياصلها. كانت خافضة وجهها وشعرها على وشها. تخطاها دون أن تنظر إليه. خدت لحاف ومشيت. وقفها وهو بيقول: -راحة فين؟ لم ترد عليه وذهبت. بصلها. تضايق من تجاهلها.
مشي دخل أوضة، وكانت بتعدل اللحاف. قرب منها وقال: -بتعملي إيه هنا؟ ماردتش وكملت اللي بتعمله. فبدأ غضبه بأن يحتله. مسكها من دراعها ولفها ليه. -أنا مش بكلمك. بصتله بخوف. أما هيثم، فحين ظهر وجهها، رأى شيئًا. قرب أيده منها. بصتله بخوف. لقته بيلمسها وبيبعد شعرها من على جنب وشها، وجد خدها أحمر وعلامة مكان إيده معلمة. تبدلت ملامحه. فهل قسا عليها لذلك الحد؟ بعدت وشها وهي بتنزله وبتبعد عنه. وهو فلت دراعها ومجادلش. -ينفع تخرجي؟
قالتها وهي تخفي عيناها ولا تتطلع به. بصلها قال: -انتي هتنامي هنا؟ -آه. -عندك أوضة تقدري تنامي فيها، يلا. -مش أوضتي. قالتها ببرود وهي تكمل: -مش أوضتي، زي ما دي مش أوضتي، ولا ده بيتي. بس على الأقل هنا أضمن إني ما أشوفكش. -عارف إني غلطت، بس... -مبقاش ينفع تمشي. -انتي متعرفيش اللي قولتي. -ولا عايزة أعرف. أياً كان، مستحقش اللي عملتيه. مش عايزة أدخل في نقاش مع واحد شايف حتى إنه مش غلطان. -عشان أنا مغلطتش. بصتله بشدة.
أومأت وهي تقول: -معاك حق. انت عملت إيه يعني؟ مش حاجة تتضايق عشانها. حس بحزنها. تنهد وقال: -روحي على أوضتك يا "أفنان". بعد إذنك. -بعد إذنك انت، اطلع برا. مش عايزة مكان يجمعني بيك، ولا أن سريرنا يكون واحد، أو أشاركك في حاجة من ممتلكاتك الخاصة. من انهارده... انت في حالك وأنا في حالي. أشاحت بوجهها وهي تردف: -ولو مضايقك وجودي هنا، أقدر أنام في الصالة أو على الأرض، ولا إني أنام جنبك.
وجت تخرج. منعها وهو بيمسك أيدها يوقفها. لم تلتفت. نظر إليها. اقترب وقف أمامها قال: -خليكي. أنا خارج. مشي وسابها كي لا يضايقها أكثر من ذلك. في اليوم التالي، لبست أفنان عشان تروح الجامعة. افتكرت دفاترها اللي سابتهم في الأوضة عنده. راحت وهي متضايقة. لقت الباب مفتوح. دخلت، ومكنش موجود. فشكرت ربها أنها لن تراه في هذا الصباح. قربت من الكمود وخدت حاجتها. بس توقفت عيناها على تلك الصورة اللي على السرير في مكانه.
كانت نفسها بتاعت امبارح. استغربت، وكأنه كان نايم وهو ماسكها. مهتمتش. وجت تمشي. لقته بيدخل. بصتله. -كنت باخد حاجاتي. قالتها بتوضيح وهي بتمشي. -عايزة تعرفي مين دي؟ توقفت ثم قالت بلا مبالاة: -لا. -أمي. وقفت عند الباب من اللقب اللي سمعته. بصتله. فقال: -الطفل ده يبقى أنا. والست دي تبقى أمي. لا تنكر دهشتها، فهي رأت أن الطفل يشبهه، لكن ظنته ابنه. كيف وهو لم يتزوج؟ ظنت به سوء وأنه له علاقات بالخارج لا تعلمها.
قرب ووقف قدامها وقال: -أظن الصورة اتوضحت ليكي. بصتله في عينه وهي تتذكر كيف صفعها. أشاحت بوجهها وذهبت دون أن تعلق على كلامه. في الشركة، كان هيثم جالس شارد الذهن. بص له سامر وقال: -في إيه يا ابني؟ ماتركز معايا. -دماغي مش فايقة لشغل دلوقتي. نكمل بعدين. قالها وهو يرجع ظهره للخلف بتنهيدة. بص له باستغراب وقال: -مالك مش على بعضك ليه؟ حصل حاجة بينك وبين أفنان؟ بصله هيثم من ذكر اسمها وقال: -وانت عرفت اسمها منين؟
-منتا اللي قايله امبارح قدامي. أومأ له وهو يتذكر، لكن صمت قليلاً ثم قال: -مديت إيدي عليها. اتصدم سامر وقال له: -ينهار أسود. إزاي تعمل كده؟ -اللي حصل. ماكنتش شايف قدامي. -تقوم تمد إيدك عليها؟ انت اتجننت؟ من امتى وانت بتمد إيدك على بنت؟ لا ودى مراتك؟ -عشان غلطت. أنا معملتش كده غير بسببها. -واللي عملته غلط أكبر. قال بغضب شديد: -أنا مغلطتش. اللي يتكلم عن أمي بطريقة وحشة، أنسفه من على وش الأرض.
سكت سامر حين سمع اسم أمه في الأمر وتحوله الذي لم يدهشه، وكأنه أخذ إجابته، أنه ان فعل هكذا بسبب والدته التي يحبها بشدة. -وهي اتكلمت عنها وحش إزاي؟ سكت هيثم وهو متضايق أنه يفتكر. -معرفش هي قالت إيه، بس ممكن مكنتش تقصد يا أخي، أو مكنتش تعرف بحبك ليها. هي معرفتكش بشكل كلي يعني. -محطتلهاش مبرر، واقفل الموضوع ده. سكت. تنهد بقله حيلة ومشي، وكأنه عارف أنه لا مجال في النقاش إذا الأمر اتصل بوالدته. أنه لن يصغي لأحد.
لكن حتى هيثم كان يتخيل أمه تعاتبه وأنه مد يده على بنت. أيًا كان السبب. لطالما كانت تعززهم في نظره وتعلو من شأنهم، وأن عليه احترام النساء. لكنهم الآن أكثر ما يبغضهم. كانت أفنان في شغلها وسرحانة، بتفتكر هيثم. تذكرت كلامها الذي لم يجب أن تقوله. لكنها لم تعلم أن ذلك الطفل هو وهذه تكون والدته. إنها أخطأت كثيراً في كلامها هذا. لكن ماذا فعل هو؟ لقد صفعها بقسوة. غمضت عيونها جامد بحزن وهي بتفتكر ما تعرضت له.
-أفنان، ركزي في شغلك. فاقت على صوت شذى. أومأت لها. وكان أمامها شاب أعطته طلبيه. -لو فضلتِ تسرحي كده كتير، الزباين هيطفشوا منك. مردتتش عليها. قربت منها وبصت لها وقالت: -شكل حبيبك سابك وهو اللي مخليكي كده. بصت لها باستغراب من اللي قالته. -حبيب مين؟ -اللي جه قبل كده هنا وخدك. سكتت ومرديتش عليها وهي متضايقة. -انتو اتخانقتو ليه؟ قالتها بفضول، لكن لم تجد أفنان تغيرها اهتمام.
-باين إن الموضوع سر. هو بصراحة قمر أوي، أكيد مش هيبصلك انتي. أيًا كان، انتي واحدة من الأرياف. تنهدت أفنان ومشيت وسابتها. بصت لها شذى بقرف ولم تبالي ومشيت. في المساء، عادت إلى المنزل. كان هيثم لسا مجاش. غيرت لبسها ونزلت. سمعت صوت. بصت لقته رجع. بص لها ثم ذهب دون أن ينطق ببنت كلمة.
مر ثلاث أيام وهم هكذا. لا يوجد جديد. محادثاتهم رسمية، قليل إن حدث نقاش بينهم. كانت كلمات لا أكثر، ولم يكونوا يروا بعضهم، فكانت أفنان تتعمد أن تتلاشاه، وهو الآخر. في الليل، كانت بتذاكر في أوضتها. حسّت بألم في ضهرها. قامت بإرخائه قليلاً وهي تتنهد. نزلت وتوجهت المطبخ، بس وقفت لما شافته موجود. بص لها قال: -لسا منمتيش؟ استغربت من سؤاله. ردت ببرود: -لا. -أعملك قهوة معايا؟
بصتله وهو يقولها دون أن ينظر إليها ويضع القهوة في فنجانه. بص لها ليأخذ الرد. في المطبخ، كان هيثم قاعد على تلك السفرة الصغيرة، وأفنان معه. كان فنجان كل منه أمامه، والصمت يعم بينهم، قبل أن يكسر هيثم هذا الهدوء وقال: -سهران بتذاكري؟ بصت له، فكان يريد أن يكسر الحواجز. أومأت له بمعنى أجل. صمتت قليلاً ثم قالت: -وانت؟ -كان عندي شغل بخلصه.
أومأت له بتفهم، وهي تشرف شرفة من القهوة. بس اتبدلت ملامحها وبصت على القهوة وهي تتذوقها. -عملتها كده إزاي؟ بصلها قال بتلقائية: -عادي، مجرد قهوة. -بس طعمها مميز. -عجبتك؟ بصت له. سكتت، فعرف أنها لن ترد. قال: -ليا طريقة معينة لما بعملها، معرفش أشربها غير كده. -كويس، في حاجة تقدر تعلمهالي؟ ابتسم بهدوء وقال: -معنديش مانع.
بصتله وكان ينظر إليها، فالتقت عيناهما، لكن لم يطولوا، حيث أبعدتهم ببعض الحرج. فابعد عينه وهو الآخر وشرف من قهوته. تنهد ثم قال: -أنا آسف. استوقفت أفنان ما قاله للتو. نظرت إليه وعلمت مقصده. فهل اعترف أخيراً بخطأه؟ إنها كانت تنتظر منه ذلك. -آسفة أنا كمان. بصلها فكملت: -مكنش لازم أقول الكلام ده، وأنا معرفش إنها والدتك. ممكن ده بسبب الطرد اللي جالك يومها، خلاني افتكر إنها واحدة تعرفها. استغرب وقال: -طرد إيه؟
-آه، نسيت أقولك، في طرد جالك من واحدة كده، تقدر تشوفه تحت المكتب. عم الهدوء قليلاً قبل أن تقول بتساؤل: -ليه لما لقيتني مسكت الصورة، اتضايقت أوي ونتشتها مني، كأني عملت جريمة؟ سكت هيثم شوية، فحست أنه لن يجيب، لأنه سؤال خاص. -مبحبش حد يقرب من أي حاجة تخصها. دي آخر صورة ليا منها، فتلاقيني عينها ومحافظ عليها عشان مفيش حاجة تحصلها. -بس... -مستغربة ليه؟ -عشان دي مشاعر عادية، مش لايقة مع تعبيرات وشك يومها.
-ممكن عشان انت متعرفنيش، بس أنا عندي المشاعر مفرطة. استغربت، لكن لم تتحدث أكثر. وقفت وهو بيبصلها. حطت الفنجان على الرخامية. قالت: -شكراً. مشت وهي بتسيبه. في اليوم التالي، كان ده يوم إجازتها وقاعدة في البيت. كان هيثم خارج. سمعوا صوت الجرس. بصت له باستغراب أنه مستني حد، بس هو كمان بص لها. -انتي مستنية حد؟ -لا. راح وفتح، وكان منير. استغرب هيثم جداً لما شافه. -مش هدخلني؟ أفسح له. دخل، أُقفل الباب وتبعه. ابتسم منير
بهدوء لما شاف أفنان وقال: -عاملة إيه يا أفنان؟ -الحمد لله. وحضرتك؟ -بلاش حضرتك دي، شيلي الألقاب. انتي في مقام هيثم ابني، يعني بنتي. ابتسمت وهي تقول: -حاضر. تقدم هيثم ببرود من تلك النقاش الذي لا يبالي به. بص لأفنان، فهمت مقصده. -عن إذنكم. جت تمشي. وقفها منير وهو بيقول: -خليكي عشان عايزك. قعد. بصت لهيثم باستغراب. أما هو، فتقدم ببرود وجلس. فتبعته. قال هيثم: -خير؟ -ما جيتش ليك في بيتك شؤم. -دي أول مرة تيجي هنا.
-ممكن عشان الوضع اختلف عن زمان. مكنتش أفنان فاهمة حاجة من نقاشهم، وكيف لم يأتِ والده هنا قط. -في حاجة؟ قالها هيثم بتساؤل. فقال منير: -آه، كنت جاي أسلم عليكوا من بعد آخر مرة. وجيت أقولك ترجع القصر وتعيشوا معانا. استغرب هيثم. بصت له أفنان. بص له، وكان باين عليها الرفض بسبب ما حدث لها هناك. -متخافيش يا أفنان، هترتاحي هناك ومحدش هيضايقك. متزعليش من ريم المرة اللي فاتت، هي عرفت غلطها. -مفيش داعي.
قالها هيثم بحزم يعلنه بقراره. بصت له أفنان. -ممكن نبقى نيجي كزيارة، بس أنا أفضل أفضل في بيتي. -والقصر إيه يا هيثم؟ ما هو كان بيتك. ولا انت خليت حياتك دي هي الأساسية؟ حس بالضيق وقال: -اديك قلت، كان. بصت لهم أفنان، هما الاتنين، ولا تعلم نقاشهم هذا، إنها تستغربه حقًا. وقف منير وقال: -وما زال يا هيثم، فكر في كلامي عشان هستناك. وبصت له أفنان. وقفت وقالت: -خليك يا عمي، اشرب حاجة. ابتسم وقال: -مرة تانية.
بص له هيثم ثم ذهب وهو يتركهم. لقت هيثم بيقف وبيمشي هو كمان. مر يومين، في المس كانت أفنان جالسة في غرفتها. سمعت طرقات على الباب، وكان هيثم الذي فتح ودخل وقال دون أي مقدمات: -حضري حاجتك عشان هنمشي بكرة. قالت باستغراب: -نروح فين؟ -القصر. تعجبت لأنه غير رأيه فعلاً. وحصل ما خافته. جه يمشي. وقفته وقالت: -أنا مش عايزة أروح هناك. بصلها قال: -ليه؟
-انت عارف لما روحنا حصل إيه، وأنا مش عايزة ده يتكرر، أو حد يهيني تاني. لو كده، سيبني هنا وروح انت. مردتش. بس قرب منها. وقف عندها وقال: -مينفعش، لازم تكوني معايا. بصتله بشدة وزعلت. قال: -قلتلك متخافيش، طول ما انتي معايا. عشان مش هسمح لحد يهينك أو يضايقك. كان بيطمنها، بس هي التزمت الصمت وأومأت برأسها فقط. فهل أن رفضت، سيوافقها؟ إنها لم تقتنع بكلامه، فهو بحد ذاته أكثر شخص أهانها.
وفعلاً راحوا القصر. وكان الكل فرحانين أنهم جم ورحبوا بيهم. وارتاحت أفنان لما ملقتش ريم ما بينهم. وده كان أحسن ليها، لأنها مش عايزة تشوفها. أخذوا جناح خاص ليهم، وده ضايقها عشان نست أنهم هيتجمعوا في أوضة واحدة تاني، وهي مكنتش قابلة ده. -هو ينفع أروح أوضة غير دي؟ قال ببرود: -لا. -خلاص، نفصل الأوضة. -إزاي ده؟ -نخليهم جنبين، ومحدش يضايق التاني. تنهد ثم استدار إليها وقرب منها وقال: -أفنان.
بصتله، خافت ورجعت لورا. همهمت بمعنى نعم، وهو لا يزال يقترب، إلى أن توقف ونظر في عينيها. -متعرفيش تسكتي؟ بصتله بشدة. بعد عنها ببرود ومشي، وهي بصتله بحنق. -أفنان، متعرفيش تسكتي. نينيني. قالتها بصوت منخفض وهي تتذمر بتقليد ما قاله. لقته بيقف ويبصلها، فسكتت. خافت ليكون سمعها. -مش هتغيري؟ بصتله وبصت على نفسها. كانت لابسة المعطف، وكانت الأوضة بحرارتها الاعتيادية من المكيف. ضمّت المعطف عليها بخجل وقالت:
-ملكش دعوة. عجبني، هفضل كده. -خليكي بيه. قالها وهو بيمشي ويبتسم عليها، وهي متضايقة ولسا ضامة المعطف عليها، وكأنه بيبص لجسمها. بس بقت حرانة فعلاً. لما اتأكدت أنه مش موجود، لبست دريس رقيق لونه أزرق سماوي وطرحتها. كانت واقفة بتعدلها عليها في المراية. شافته بيبصلها. ثم ابتسم. لفت وقالت: -مفيش حاجة أضحك. أكيد مش هقعد بالجاكيت في الأوضة يعني. -حد ماسكك. حتى لو عايزة تقعدي من غير هدوم خالص، معنديش مانع.
سعت قدحتا عيناها من الصدمة لوقاحته الذي لم تتخيله. -ا.. انت ا.. -ابلعي ريقك بس، ليحصلك حاجة. بلعته، وهي لسا في صدمتها. بس قالت بغضب شديد: -انت قليل الأدب. وفرت من أمامه بخجل وضيق. ابتسم لأنه تعمد أن يجعل خديها حمران. كل أن على المائدة كانوا يجلسون، ومنير في المرسى الرئيسي بحكمه كعائلة. -فين هيثم وأفنان؟ قالت فاطمة بابتسامة: -أهم. بصوا ناحيتهم وهم يتقدمون منهم. ابتسم منير لما قعدوا. أما ريم، فلم تبالي.
-بقولك إيه يا هيثم. قالها حمزة، فرفع هيثم عينه إليه ليكمل: -بما إنك جيت القصر، لينا قعدة بليل. بصوا له باستغراب، وأفنان التي لم تفهم. -بليل نبقى نشوف. قال لؤي: -هنعتبرها موافقة منك. ابتسموا وعادوا لأكلهم. كانت أفنان جالسة مع جنى وفاطمة وسهير ونجيبة، التي كانت تمسك فنجان وتقرأه وتقول: -طريق طويل ملهوش نهاية. هتتعبي فيه أوي، لأنه مش سهل زي ما انتي فاكرة. قالت فاطمة: -إيه ده؟ إحنا بنفك عن نفسنا، مش تخوفي البنت.
-مش بقول اللي شايفاه. بصي كده يا أفنان يا بنتي. بصت أفنان إلى الفنجان وترسباته. -قلبك أبيض ومبتشيليش من حد. بس محدش بيفضل على حاله، والدنيا بتغير. بس بلاش تغيري جوهرك. خليكي زي ما انتي، مهما اللي هيعدي عليكي. في عقبة قدامك اهي. استمعت إليها باهتمام وهي تكمل. -زي السد اللي هيوقف حياتك. بصت لها أفنان. وفي تلك اللحظة، وجدت ريم تنزل. بصت عليها وقالت بتلقائية: -دي. فلتت ضحكة منهم، إلى ما قالته، وهم ينظرون إلى ريم.
قالت جنى: -هي عقبة في حياة الكل فعلًا. بصت لها ريم وهم يضحكون. أفنان رأت هيثم وهو يخرج برفقة ابني عمه. قالت سهير: -رايحين فين؟ قال حمزة: -ما قولتلك يا ماما، هنخرج نهوي نفسنا شوية كده. قال لؤي: -يلا يا عم، بدل ما يغير رأيه. بصت أفنان إلى هيثم. مشيوا، وهي مستغربة أن إسلام لم يكن معهم. ذلك الشاب غريب عنهم، رغم أنها مقارب لعمر هيثم، ومن المفترض أن يكونا مقربين منهم، لكنه يبدو هادئًا، بعيدًا. -هما رايحين فين؟
قالتها بتساؤل. مسكت جنى ذراعها وقالت: -انتي متعرفيش؟ -لا. -وأنا أقول، وافقتي إزاي إنك تخلي هيثم يروح؟ -مش فاهمة. -طالما الأربعة دول اتجمعوا، فهيسهروا في نادي كلب من بتوعهم. استغربت كثيراً. قالت: -بس هما تلاتة مش أربعة. -لا، ما سامر معاهم كده كده. مكنتش فاهمة، بس افتكرت ذلك الشخص وقالت: -وانتي تعرفي سامر منين؟ تبدلت ملامح جنى من ابتسامة إلى وجه يسحب. نظرت إلى أفنان وقالت:
-ها، ما سامر صاحب هيثم من زمان أوي، وهما صغيرين وكده، فتلاقينا كلنا عارفينه. سكتت وأفنان أومأت برأسها بتفهم، لكن شعرت بالريبة منها. قالت فاطمة لنجيبة: -ما تشوفي لنا كده، فيه حاجة جاية تفرحنا. لقتهم كلهم بيبصولها وبيبتسموا. قالت: -إيه؟ -مفيش أي جديد يا أفنان. -مش فاهمة، جديد في إيه؟ -فرد جديد، مثلاً. بصت لهم وفهمت نظراتهم، التي أحرجتها وسكتت ومرديتش. لكن فرت من تلك الجلسة.
كان منير واقف بعيدًا، يرى ابتسامتهم ويتابع أفنان ببسمة هادئة. تنهد. جاءه صوت من خلفه: -مش ناوي تعرفها الحقيقة؟ وجدها والدته. عرف مقصدها فقال: -في الوقت المناسب. -جوزتها لابنك، دخلتها العيلة، وبيننا، بقت منا... وعلينا. آخرت اللي بتعمله إيه؟ -خير يا أمي. إنشاء الله هيكون آخرتها خير.
في الليل، كانت أفنان لسا صاحية. سمعت صوت من برا. وقفت وراحت فتحت وخرجت. شافت هيثم، بس مكنش ساند نفسه وبيطوح. قربت منه، كان هيقع، بس لحقته ومال عليها بجسمه كله. -بتشرب ليه؟ مدام مش هتعرف تسند طولك؟ لقيته بيبتسم بسكر وبيقول: -عشان أرتاح. بصتله باستغراب. كانت حاسة إنها هتقع، فسندت على السور، وهي بتطلع وسندت. دخلو الأوضة. قال هيثم: -إيه ده؟ أنا إيه اللي جابني هنا؟ -قفلت الباب وهي بتقول: -كارمتك بقت في الأرض.
رفع وشه وهو بيبصلها، وكأنه بيتعرف عليها. ابتسم ببلاهة وقال: -أفناااان! انتي بتعملي إيه هنا؟ -يا الله! هو يوم مش فايق. شكلك يضحك. -ليه يعني؟ -بتتكلم براءة، مش زي وشك اللي اتعودت عليه ده. قرب ونظر في عينيها. اتخضت وبصتله. لوحده يقول: -إني أحلى. بصت له في عينيه المباشرة وقالت بهيام: -الاتنين. متعرفش إزاي قالت كده، وفاتت لما لقته بيبعد وبيبتسم وبيقول بخبث: -الاتنين ها! احمرت وجنتها وقالت بضيق:
-لا، مقولتش كده. وامشي عدل بقى، بدل ما أقع أنا وانت. راحت ناحية السرير وهي مش عارفة تسند نفسها. ثم دفعته فوقع على السرير. ابتسمت. تنهدت وهي تنظر له. قربت منه وعدلته، بس لقيته سحبها مرة واحدة. اتصدمت لما لقت نفسها فوقه، ولافف إيده حوالين وسطها. بعدت عنه، بس كان ماسكها جامد. بصتله وهو باصصلها بأعينه الجدية. -هيثم، سيبني.
مردش عليها. رفع إيده تدريجيًا عليها. دق قلبها وهي بتحس بلمسته في عنقها. ثم سحب طوق شعرها، فانسدل من نعومته وهو يتحرر ويسقط على وجهه. بصت لنفسها بشدة، وإلى ما فعله. لقته بيقرب إيده من وشها، وهو بيبعد شعرها قليل خلف أذنها، ويقرب إيده من عنقها. -تعرفي إني بحب الشعر الطويل. نبضات قلبها علت وهي بصاله. -بس كل حاجة اتغيرت، لما دخلت هي. غيرت مواصفاتي وحبيتها. استغربت جداً، لأنه يتكلم عن امرأة مرة أخرى. قالت: -هي مين؟
-ممكن أكون غلطت لأني أهملتها. بس لي أخد ده منها... أنا سبت الكل عشانها. مكنتش عايز غيرها من الدنيا ديه. ده جزائي وتمت حبي ليها. كانت تسمع لكلماته، وكأنه يريد أن يبكي. -بعدين؟ قالتها أفنان باهتمام وفضول. ثم قال: -هي فين دلوقتي؟ بصلها. قرب من شفتاها. توترت جداً. قالت: -هيثم، انت مش في وعيك. لم يرد عليها واقترب أكثر، وشعرت بسخونة أنفاسه. غمضت عينها جامد بخوف، ولم يعد يفصلهما شيء. توقف هيثم وبصلها. هيثم، وهي تغمض عيناها.
فهمس بين شفتاها: -قتلتها. فتحت عينها بصدمة وبصت لعينه ونظرته المخيفة التي لم ترها من قبل. ابتعد عنها وهو يلقي برأسه بإرهاق. بعدت أفنان سريعاً بعد أما حس دراعاته خفت من عليها. وقفت وهي بتظبط هدومها. أما هيثم، فتقلب في نومته بحركة عشوائية ويغط في النوم. بصت له أفنان بخوف، كأن إلى سمعته ونفت برأسها أنه مش صح، وأكيد هو مش في وعيه.
قربت منه وقامت بخلع حذائه. ثم أبعدت ساقيه برفق، وهي ترفع الغطاء عليه. بص له شوية وهو نائم، وبتفتكر كلامه. -مين اللي كان بيتكلم عليها بطريقة دي؟ ممكن تكون حبيبته القديمة. متخيلتش أنه يكون حب قبل كده، أو يحب بإخلاص ده، زي ما حسيت من نبرة صوته اللي مكنتش باردة ولا هادية، بالعكس، كان صوته مبحوح فيه جرح كبير.
في اليوم التالي، في الصباح، كانت أفنان تسير في القصر بشرود. لقت اللي بيمسك أيدها ويسحبها. اتخضت. بصت لقته لؤي. اتصدمت من قربهم وأيده اللي على وسطها. زقته جامد بعيد عنها. قالت: -انت! قاطعها وهو يقول: -خلي بالك وانتي ماشية بعد كده. بصت له باستغراب، فأشار على السلم اللي كان جنبها، وهي على حافته. -كنتي هتقعي.
بصت له، أومأت برأسها بتفهم، بس كانت متضايقة من اللي عمله، ومتعرفش ليه. حسّت أنه تعمد يقربها منه بالشكل ده. كان يقدر يبعدها. -إيه اللي بتفكري فيه؟ -لا، مفيش. انتو كنتو فين امبارح؟ ابتسم. حط إيده على مؤخرة رأسه وهو يحك شعره ويقول: -سهرة من بتوعنا. ما تشغليش بالك. بتسألي عشان هيثم؟ -آه. انتو جيتو زيه كده؟
-لا، ده هو اللي لما بيشرب بيتقل في الشرب عشان يبقى كده، مش واعي باللي حواليه ويغيب شوية. أما في العادي، مبيسكرش لو شرب زينا، أصل بنعمل حساب رجوعنا، ولو عمي أو بابا شافنا، هتبقى مشكلة. -وهو بيتقل في الشرب ليه؟ مش زيك؟ وسكت شوية ثم قال: -تقدري تسأليه. جاي يمشي. قالت: -استنى. وقف. ابتسم ابتسامة جانبية ثم أخفاها ونظر إليها. فقالت:
-يوم أما ودتني لشركة، وقتها قلت حاجة غريبة. قلت إن موضوع زمان خلى هيثم زي دلوقتي. كنت تقصد إيه؟ -هو فعلاً موضوع قديم، مش مهم. -بس شكله مهم لحد دلوقتي لهيثم. -انتي عرفتي حاجة؟ -زي إيه؟ البنت اللي بيقعد يهلس بيها لما يكون مش في وعيه. مخدتش كلامه على محمل الجد عشان مكنش فايق. -يبقى حاولي تسأليه وهو مدرك. أعطاها ظهره وهو يكمل: -وإن كان هيجاوبك ولا لأ.
بصت له باستغراب. مشي وسابها، بعدما تلقى بكلماته التي لم تساعدها في شيء. دخلت أفنان الأوضة، لقت هيثم صحي ويمسك راسه وهو يعتدل. بص لها، خافت ومشيت سريعاً من أمامه. كانت نازلة وهي راحة جامعتها. وقفها منير وهو بيقول: -راحة فين يا أفنان؟ -الجامعة. -مقولتيش لهيثم ليه يوصلك؟ -مش عايزة أزعجه، عادي. -خلاص، هكلم السواق. قاطعه صوت هيثم وهو يقول: -مفيش داعي. بصوا له. تقدم من أفنان وقال: -يلا.
وقفت وما تحركتش. بص له هيثم باستغراب، وكانت خايفة تروح معاه. بص له منير قال: -مالك يا أفنان؟ يلا جوزك هيوصلك. -خلاص، خلي السواق. استغرب جداً. بص لهيثم، اللي كان مستغرب هو كمان. قال: -انت عملتلها حاجة يا هيثم؟ رد ببرود: -وأنا هعملها إيه؟ مش عايزني، وأصلها هي حرة أصلاً. متأخر على الشغل. جاي يمشي. وقفت منير وقال: -خد مراتك وصلها على جامعته. تنهد هيثم بضيق. بص لفنان ببرود وقال: -هتيجي؟
خافت من نبرته. مشي وهو بيسبقها. بصت لمنير. أشار لها أن تذهب. مشيت وهي قلقة. وقف هيثم بسيارته عند الجامعة بعيداً قليلاً. جه يفتح الباب. خافت أفنان وتراجعت. بص له بشدة من حركتها وخوفها من أي حركة بيعملها. فتحت الباب سريعاً ونزلت. قالت: -شكراً. بصلها باستغراب. -هبقى أعدي عليكي لما تخلصي شغل. -مفيش داعي. قاطعها بلا مبالاة: -أكيد مش هرجع من غيرك. أومأت له بقله حيلة، فذهب. أخذت نفساً وقالت: -هعيش معاه تاني إزاي ده؟
مر أسبوع، وكان تصرفات أفنان غريبة، كأنها تتجاهله أو تتعمد عدم التعرض إليه وتجنبه. وهيثم لاحظ تصرفاتها. كان يتغاضى عنها بلا مبالاة، لأنها دائمًا غريبة. لكن هذه المرة تزداد غرابة. هل أزعجها وهو سكير واقترب منها دون موافقتها، لذلك تبتعد عنه؟ فمن تلك الليلة، وهي تبتعد عنه. ما الأمر؟ مهتمتش، وأكمل أيامه. وكانت تروح جامعتها وتواظب دراستها وشغلها.
في الشركة، كان هيثم في مكتبه. واقف عند الزجاج المطل للخارج. حاطط إيده في جيبه بجمود وبيص لأسفل. لسيارتان توقفت، وفتح السائق الباب لينزل رجل مقارب لعمره. وينظر للأعلى، وكأنه يراه هو الآخر. ثم ارتسمت ابتسامة على شفتيه، رغم أنه لا يراه، لكنه يعلم أنه ينظر إليه. تقدم من الشركة وهو يدخل. كان هيثم لا يزال واقفاً، حتى حان. وجده ينظر إليه. لم يرتجف له طرف من أوصاله. -هيثم. جاءه ذلك الصوت من الخلف، وكان سامر. همهم بمعنى نعم.
-حسام جه. -عارف. -لسا عايز يوقع العقد ده. بلاش يا هيثم، انت كده هيتخلى الشغل يجمعك بيه. -اسمه شغل يا سامر. الاتفاقية دي جتلي. لو رفضتها، هبقى مغفل، وكأنه كاسر عيني. وده مش أنا. -شايف اللي بتعمله ده صح؟ استدار مقابله ببرود وهو يتقدم منه. وقف عنده. -طالما ده شغال، فأنا صح. قالها وهو يشير لعقله بإصبعه. ثم نظر أمامه وذهب. تنهد سامر وتبعه.
دخلو غرفة الاجتماعات، وكان الجميع بانتظاره. وفور دخوله، وقفو جميعاً احتراماً له، عدا شخص واحد كان يجلس على الأريكة، يضع قدمه فوق الأخرى بتعالٍ. تقدم هيثم. نظر إليه. ابتسم قال: -واخيراً اتجمعنا. -نزل رجلك واعقد عدل. قالها هيثم ببرود. بص له حسام من اللي قاله، فنظر سامر إلى الاثنين، فيخشي من هذا اللقاء وتلك النظرات. نزل حسام رجله وهو بيقف وبيرفع كفيه وبيقول: -كدا كويس. لم يعلق هيثم، حيث أكمل: -مش هتسلم على أخوك ولا إيه؟
قالها وهو يقرب منه ويحضنه، وليرسم ابتسامة جانب شفتيه. بعض من الحاضرين اندهشوا. وبعضهم لم تتبدل ملامحهم، لأنهم يعلمون أن هذين الاثنين أخوة، لكنهم كالأعداء. بنظر الجميع، هم متنافسان، لا يربطهم شيء. -كدا تتأخر في تعاقد مع أخوك ده. انت حتى ليك وحشة. كان هيثم جامحاً، عينه ممتلئة بالبرود المخيف، وصمته مهيب. وسامر ينظر إليه وإلى حسام، الذي يعانقه. -ده شغل، مش مقابلات خاصة.
وهنا تحدث هيثم بذلك. نظر إليهم الجميع، وحسّ حسام بالحرج. لكن ابتعد وهو يقول: -لا، معاك حق. لينا قعدة سوا بالمرة، تعرفنا على مراتك. أصلي عرفت إنك اتجوزت ومعزمتش، بس يلا، مش زعلان. أكيد انت متقصدش متعزمش أخوك. أضايق سامر وحس أن حسام يتعمد إغضاب هيثم بكلامه، وبكلمة أخيه تحديداً. أدخل وقال: -العقد جاهز، نقدر نبدأ. أومأ حسام وقال: -شايف كده.
قعدوا. اقتربت فتاة من هيثم وهي تمد يدها إليه بملف. أخذه منها ليطلع نظره على العقد، لكن تبدلت ملامحه. رفع عينه إلى حسام، الذي كان قاعداً يبالي. فقال: -إيه ده؟ بصله. حط العقد على الطاولة وقال: -يعني إيه؟ لو حصل خلل في الموازنة 70%، هتحملها أنا. -متنساش إنه افتراض، يعني مش مؤكد. -كلامي واضح يا حسام. منير زهران. قالها هيثم وهو يبهت على اسمه ببرود. ثم أكمل:
-أي افتراض بيتحمله الطرفين. ولا انت متعرفش حاجة زي دي، سواء افتراض أو احتمال أو... تأكيد. بصله من ثقته ونظرته المتحدية، التي أضايقته. حيث أراح ظهره للخلف وقال: -اللي مش قد البيزنس بعيوبه، ومش ضامن نجاحه من خسارته، يبقى الأحسن يسيبه خالص. ابتسم ونظر إليه وقال: -ممكن معاك حق في دي. بس الثقة الزيادة نتيجتها بتكون أسوأ في الآخر، ولا إيه؟ تبدلت ملامح هيثم من اللي قاله، وذكر الثقة، وإلى ما يرمق إليه.
-تعجبت فيك ثقتك في نفسك، اللي لسا موجودة. فإيه اللي مش عايز توقعه؟ أكيد مش هيثم منير زهران اللي يتراجع في اتفاقية مهمة زي دي. الأرفع عينه وهو يكمل: -لو كان فيه سبب مقنع. جمع هيثم قبضته وهو ينظر إليه. ويتمالك. بص سامر وشاف الدم من إيده بيتنافر، وبيتحول للون أبيض من شدة قبضته. فقال: -العقد من الأول واضح، ومش مستر هيثم اللي هيتحمل الخسارة.
-مين قال إن لوحده ده 70% بس. وأنا عشان عارف اسم هيثم في السوق، اللي عدى ليلف الوحش، أكيد مش هيتراجع بسبب حاجة زي دي. -ومهواش مضطر. لأن العقد مرتبط باسم الشركة. -موافق. قالها هيثم وهو يقاطعه. فابتسم حسام بانتصار أن كلامه تمكن منه. أما سامر، فانصدم وبصله بشدة. لقاه بيمسك العقد وبيوقع. قرب منه وقال بصوت منخفض: -انت بتعمل إيه؟ انت هتوقع بجد؟
مش مضطر يا هيثم، متخليهوش يستفزك ويحقق اللي عايزه. جت من عنده، ألغي الموضوع واخلص. لم يرد هيثم، حيث أتم إمضته وانتهى الأمر. في المطعم، كانت أفنان بتشتغل وبتودي الطلبات. حيث اتصدمت في شذى. -مش تفتحي؟ مردتتش عليها ومشيت. مسكتها شذى من دراعها جامد وقالت: -هونا مش بكلمك. -عايزة إيه؟ -اتأسفي. لسا خبطاني في دراعي، ولا مش واخدة بالكتير؟ تنهدت، وكانت هتعتذر منها لتنهي الأمر، لكن شيئًا ما داخلها جعلها ترفض. قالت:
-انتي كمان خبطي فيا. إحنا الاتنين غلطانين. بصت لها شذى بضيق. سألتها. مشيت أفنان وهي بتاخد الطلبات. كانت شذى جنبها. حركت أيدها شوية، إلى علبة مغلفة، ودفعها وقعت وانسكب ما بداخلها على الأرض. بعدت علطول واتخضت أفنان. قالت شذى بانفعال وصوت مرتفع: -إيه اللي عملتيه ده يا مهملة؟ بصت لها أفنان بشدة ومش عارفة تتكلم. لقتها يتمادى على المديرة. جت وقالت: -في إيه؟ -أفنان غلطت تاني. وقعت آخر علبة كريمة في المحل.
بصت مي على الكوب الكريمة المخفوقة، التي ملأت الأرضية. -إيه اللي عملتيه ده يا أفنان؟ مش تحسبي؟ ردت بحرج، وهي تخفض رأسها: -أنا آسفة، مكنتش أقصد. -ممكن تفهميني؟ هتصلحي الوضع إزاي؟ قالت شذى: -أستاذة مي، إحنا بنشتري الكريمة من المزرعة الشمالية قبل الساعة 8، قبل أما تخلص، وبتاخد وقت عقبال ما توصل الطلبية، وإحنا مش هنعرف نعمل حاجة من غيرها. قال بضيق:
-هحاول أحل الموضوع. وانت يا أفنان، نضفي اللي عملتيه. لو قفلنا بكرة بسببك، هطردك. أومأت لها. قالت شذى: -أنا أخويا بيشتغل في مزرعة، أقدر أقوله وهو أكيد هيساعدنا. -بجد؟ هيبقى كويس. حطت أيدها على كتفها وقالت: -إحنا محظوظين عشان عندنا موظفة زيك. بصت شذى على أيدها وابتسمت بسعادة. بصت مي لأفنان بضيق، ثم ذهبت. بصت لها شذى، ابتسمت بسخرية ومشيت من قدامها، وهي تدعس على الكريمة وتلوس الأرضية. ولم تتحدث أفنان. كانت تتمالك حزنها.
في المساء، في الشركة، كان هيثم جالس على مكتبه. -مضيت يا هيثم. بدل ما تثبت له العكس، خليته يستفزك ويقلب الطرابيزة عليك. -سامر، خلصنا. -أنا مش مطمن. لسا قدامك فرصة تخرج من التعاقد ده وتقطع الشغل اللي هيربطك بيه. الله أعلم هو بيفكر في إيه، بس أنا حاسس الشغل ده آذية ليك انت يا هيثم، وكل ده بان لما شوفنا العقد انهارده، وانت بكل سهولة مضيت. -مش هيحصل حاجة. تقدر تطمن. -انت إيه البرود اللي فيك ده يا أخي؟
أنا محروق دمي من الصبح، وانت ولا على بالك. المفروض إني مديرك التنفيذي، يعني متتجاهلش كلامي. رفع هيثم عينه ببرود وقال: -وأنا صاحب الشركة دي، وعارف أنا بعمل إيه. وفر نصايحك لنفسك. بصله سامر ومشي دون أن يقول شيء. تنهد هيثم وهو بيحط دماغه بين إيديه بضيق، وهو بيفتكر حسام، ولذكر زوجته، التي تكون أفنان. لا يعلم لما تضايق حين ذكرها. افتكرها، وأنها زمانها خلصت شغل، بقالها كتير. مكنش عايز يرجع دلوقتي، بس مضطر بسببها.
بص على تليفونه. خده واتصل عليها، بس اتعجب لما لقاش رد. وهو في العادي بترد عليه بسرعة. كانت أفنان ماشية وهي تخفض رأسها بحزن وتبكي. جلست على مقعد ودموعها تتساقط وتمسحها بكف ملابسها كالأطفال، لكنها تستمر في النزول. سمعت صوت رنين تليفونها. خرجت وشافت اسم هيثم. قفلت التليفون ومردتش. استغرب هيثم وبدأ القلق يحتله تجاهها. فإن كانت في القصر، لماذا لا ترد؟ هل يتصل بأحد ويسأله هل عادت أم لا؟
لكن لو لم تعد، فهو سيفتح عليه نقاش بلا نهاية. أنه لا يعلم مكان زوجته. كانت وسط بكائها الكتوم، لكن جسدها ينتفض، وهو يجهش كتعبيرات تلقائية عادية تصيبها وهي تبكي. وهي منزلَة وشها، حسّت بهالة من الظل تقف عندها. -مبتترديش على تليفونك ليه؟ سمعت ذلك الصوت، وكان من هيثم. رفع وشها وبصت له. كان هو بالفعل، بصلها. خفضت وجهها ومردتش.
اقترب هيثم منها. جسّ على إحدى ركبتيه، مقابلها، وشاف دموعها اللي بتنزل. فاتفاجأ جداً، لأنها بتعيط بتلك الطريقة الصامتة، لكن تبدو بريئة، فجسدها ينتفض كالأطفال بنشيجها. -ارفعي وشك. نفيت برأسها بمعنى لا. -سمعتيني بقول إيه؟ قالها ببرود، لكنها لم ترد عليه. حسّ خوفها. قرب أيده من دقنها ورفع وشها ليه، والتقت عينه بأعينها الحمراء والدموع تتغلغل بينهم. -مالك؟ بتعيطي ليه؟ نزلت عينها ومرديتش. قرب أيده من وشها، لقاه بيمسح دموعها.
-ممكن توقفي عياط وتفهميني إيه اللي حصل؟ بعد أيده وبصلها، وهي ساكتة ومرديتش، كأنها مش عايزة تقول. تنهد. حط أيده على كتفها وهو بيوقفها. -تعالي نمشي من هنا الأول. كان يضمها إليه، وهي بصاله. قعدوا في العربية، وكان مستني تتكلم. -هتفضلي ساكتة كتير؟ سكتت أفنان شوية، وهي بتستعيد رباط جأشها، وبتحكيله اللي حصل، وهو بيسمعلها وبيضا يق من نبرة صوتها والحزن اللي باين عليها. قالت من بين دموعها:
-أنا معرفش وقع إزاي، بس أنا مكنتش أقصد. -هو ده كل اللي حصل؟ أومأت برأسها إيجاباً. فقال بابتسامة هادئة: -خلاص، أنا هحل الموضوع. متعيطيش. بصت له من ابتسامته، لكنه وجدها لا تزال كما هي. فقال ببرود واستدراك: -في حد ضايقك؟ بصتله وسكتت، بس نفيت برأسها، عشان ميخليهاش تسيب شغلها. -أفنان. -ع.. عمري ما ضربت حد في حياتي. متعلمتش أرد بالأذية. -بس دي مش حاجة كويسة، ده اسمه غباء. بصتله وحست بحزن. لقاه بيردف:
-اتعلمي بعد كده تردي الضربة لأي حد. وتكون أضعاف الضربة اللي خدتيها. متخليهمش يتمادوا معاكي. كل أما خفتي، كل أما فرحوا. حس وكأنه بيكلم نفسه اللي أمامه، وهو ينظر لعيناها. -مش عايزك تخافي من أي حد. أنا معاكي. وكانت أفنان بتبصله. وقفت عياط من كلامه. خفضت عينها وقالت: -بس انت مؤقت، مش هتكون معايا على طول. عرف أنها تقصد جوازهم. قرب منها وقال: -يبقى اتعلمي من دلوقتي. هكون معاكي لحد ما تعتمدي على نفسك. دي حاجة ترضيكي؟
بصتله أفنان في عينه لوهلة، ثم اقتربت منه وطبعت قبلة على خده. تبدلت ملامحه. -شكراً. كان ملامحه متثمرة. بصت له من اللي عملته. كانت تخفض عيناها بخجل. كانت قبلة امتنان أو شكر، لكنه يشعر أن نبضات قلبه لم تعد منتظمة بسببها. يشعر بشيء غريب. اعتدل وعم الصمت قليلاً بينهم، ثم قاد السيارة وذهب. كانت أفنان بتبص من النافذة، بس استغربت. قالت: -هيثم، ده مش طريق القصر. انت رايح في حتة؟ -مش عايز أرجع دلوقتي. بصلها وقال:
-عندك مشكلة في إنك معايا؟ لو عايزة تروحي، ألف وأرجعك. -وانت؟ -قولتلك، مليش نفس أرجع دلوقتي. -خلاص، هكون معاك لحد ما نرجع سوا. بصلها شوية وسكت. بص قدامه وقال: -مش جعانة؟ -أوي الصراحة. قالتها بصراحة وهي محرجة. ابتسم عليها، لأنها نسيت حزنها تماماً. فقال: -خلاص، تعالي ناكل. -معنديش مانع. دخلوا إلى مطعم راقٍ، حيث أخذت أفنان تتجول بأنظارها في المكان. قعدوا وطلب هيثم أكل لهم. وسط ما هو بياكل، كان حاسس أن أفنان بتاكل بطيء.
-الأكل مش عاجبك؟ بصت له، نفيت برأسها وقالت: -لا، حلو. -امال مالك؟ بتقلبيها كده ليه؟ -مش مرتاحة، حاسة إن الكل بيبصلي. أنا فيا حاجة غلط. بصلها باستغراب شديد، وبص لحواليه. كانت فعلاً بعض الأنظار موجهة على أفنان، لكن ليس نظرة ازدراء كما هي تظن، بل هي متضايقة من النظر إليها عموماً. -تحبي نقوم نمشي؟ -لا، خلاص. فتح محفظته وحط الفلوس على الطاولة. وقال:
-يلا، قالها وهو بيقف وبيمد إيده ليها. بصت له، قربت أيدها منه بتردد، فمسكها وخدها. قابل الجراسون. -في حاجة أزعجت حضرتك؟ -الحساب تحت المنيو، والباقي ليك. قالها هيثم دون مقدمات وهو ماشي. بص له الجرسون وهو بيخرج. في السيارة، بص لها وقال: -كده مرتاحة؟ -اتكسفت؟ قالتها بحزن. استغرب. وقف السيارة وقال: -من إيه؟ -يعني كل اللي هناك مع واحدة شكل وجسم ولبس. ده النوع اللي انت بتفضله، مش كده؟
-مفيش أي حاجة من اللي انتي قولتيها. ولو كنت مشيت من هناك، فا ده عشانك. قرب منها. بصت له، وجدته يعدل حجابها وقال: -مكنش حد بيبصلك عشان حاجة، ولا إنك قليلة. كان بيبصوا للحجاب، ولأنك مختلفة. بصلها في عينها، وأردف: -واختلافك بيميزك. دق قلبها واحمرت وجنتها. -ده سبب نظراتهم. بس أنا عارف إن حتى لو عرفتي حاجة زي دي، هتضايقي، لأنهم بيبصلوك. واضايقت أنا كمان، فخدتها من قصرها وخرجنا.
-يعني مش عشان ليك مكانة، بإنك تاخد واحدة شبهك؟ -ومين اللي شبهي يا أفنان؟ واحدة حلوة تبين نفسها للناس، ولا واحدة حلوة تظهر جمالها ليا أنا بس؟ استوقفت كلامه وبصت له بشدة. -اه، عارف إن جوازنا مش حقيقي، والحواجز اللي بينا، بإنها مقربلكيش، وتعاملنا كأنا أغراب عن بعض. بس انتي جميلة يا أفنان، من جوه ومن برا. كانت تايها من كلامه ونظرته. كل ده كان بيديها معنى غير لدقات قلبها. بعد عنها وقال: -تحبي نرجع؟ -لا، أنا لسا جعانة.
قالتها بتلقائية. يصلها، اتكسفت. قالت: -أقصد إني مأكلتش حاجة. -تحبي نروح فين؟ بصت له، وكأن خطر ببالها شيء. وداه أفنان لمطعم كان بسيطاً، يعمه الضوضاء، الذي أزعج هيثم، فهو بطبيعته يحب الهدوء. قال بدهشة: -كشري؟ -آه. إيه؟ مبتاكلوش؟ -لا، بصراحة. ملقتش اللي يعملهولي. -يعني ده انت محروم. خلاص، أنا هعزمك.
مسكت إيده، خدته وهو يصلها، لأنه عايز يخرج مش يدخل. كان بيبص للناس، قعدوا. طلبت أفنان الأكل، وهو بصلها. وبعد قليل، جاه طبقهم. فبصله شوية. بص لأفنان وهي بتاكل باستمتاع. بصت له لأنه مبياكلش. فعمل زيها، وكل، وعجبه كثيراً. أنه كان مفتقد تلك الأكلات، وهي من جعلته يجربها. وطلب طبق آخر وهو يأكل، وأفنان قلقة عليه. قالت: -متقلش في الأكل ياهيثم. -لي؟ -عشان بطنك. انت بتقول مأكلتش بقالك كتير، يعني مش متعود.
-محسساني إني باكل تسمم. -لا، بس جسمك رياضي، يعني وانت... يصلها وقال: -أنا إيه؟ -سكتت. -عرفتي منين إن جسمي رياضي؟ بتركزى معايا أوي كده؟ بصت له بشدة، وقالت: -لا، بس باين من لبسك اللي بيظهر عضلاتك ده، وكتفك العريض، و... سكتت وهي تدرك ما قالته. ابتسم وقال بمكر: -و إيه؟ لا، الواضح إنك مركزتيش فعلاً. صمتت وهي مكسوفة كثيراً، لكن لم يعد بإمكانها التحدث. خلصت. أمل وجه هيثم يدفع. وقفته أفنان وقالت: -بتعمل إيه؟ قال باستغراب:
-هحاسب. -قولتلك، أنا عزماك. هنا معيش فلوس ولا إيه؟ -وأنا هخلي واحدة تدفعلي؟ -طب ما انت دفعتلي، وبعدين إيه واحدة دي؟ انت مش بتؤمن بالمساواة، ولا إيه؟ -لا. -ولا أنا. ابتسم عليها. فتحت حقيبتها سريعاً ودفعت. ومشيو. بس أفنان منعت تروح، ووديت هيثم عند عربة حلويات. وأعطاهم الرجل طبقان من الرز باللبن. فشكرته بابتسامة، وأعطت هيثم، وأكلت وتلذذ بطعمه. وكان يتابع ابتسامتها. -أحلى حاجة التحلية اللي بعد الأكل.
قالتها بهيام. بصت له، وهو بيبصلها. فأدخلت ملعقة في فمه. اندهش جداً. -طعمه حلو، مش كده؟ مسك أيدها، وهو يأخذ في ملعقتها، وبيص في عينها. احمرت زحنتها، واختفت ابتسامتها من الخجل، وهو مش سايب إيدها. -هيثم، الناس... ابتسم عليها. سابها. فالتقطت أنفاسها لتغير الموضوع. بص للناس في هذا الطريق، وتلك العامة، والأصوات. قال: -تعرفي إن مجتش مكان زي ده قبل كده. -أكيد يعني، وهتروحه ليه؟ انت مدلع ومن عيلة غنية.
-مدلع آه. لا، هو الحقيقة إني مش مدلعتش في حياتي خالص، بس ما علينا. السبب إني مبحبش الصوت العالي، الناس الكتير. قالت براءة: -انت مريض يا هيثم؟ -أنا مريض إني جيت معاك. -مش مشكلة. اديك غيرت جو، وهترجع القصر. متتفرش، بدل ما انت كنت مخنوق. ابتسم عليها. قال: -معاك حق. بادلته الابتسامة، وهي تأكل بتلذذ واستمتاع. ركبوا العربية، وكانوا ماشيين، وكل منهم يغوص في بحور أفكاره، لحد ما قالت أفنان: -وقفت. اتخض، ووقف سريعاً. بصت له،
وقالت: -تيجي نقعد على النيل شوية؟ بصلها وبص للخارج. وقبل أن يتكلم، فكت حزامها وقالت: -يلا. نزلت قبله، وهو بصلها وتبعها. كانوا بيتمشوا. قال: -كنتي عايزة تخرجي أوي كده؟ نفيت برأسها، وقالت: -لا، بس دي أول مرة أخرج فيها مع حد. ويشاء ربنا تكون أنت الحد ده. -مش فاهم إزاي يعني؟ -هقولك. تقدمت، وهي تتركه. بصلها. قعدت عند النيل، وأشارت له، فاقترب وجلس بجانبها.
-قليل لما كنت بخرج بسبب الشغل، والمسؤولية. ماما، أخويا، المذاكرة، الجامعة. كل ده، وطبعاً النوم. يصلها وهو بيستمع إليها، وكأنه بيتعرف عليها. -أكيد مش هيكون فيه وقت أخرج. ولو فيه، يستغله في النوم، عشان ده أحلى حاجة في حياتي. استغرب من هذه الفتاة، التي بعدما تحكي معاناتها، قلبت كلامها بآخر جملة بمزاح ودعابة على نفسها. قال: -بدام بتعاني من الشغل، ليه مختارتيش ترتاحي؟ واضايقتي لما قولتلك متشتغليش؟ ليه متمسكة بالشغل كده؟
سكتت. وتقلبت ملامحها. بصت له، وقالت: -مكنتش بتقولها لي على أساس إني أرتاح. استغرب هيثم. نظرت أمامها، وكملت: -كلامك كأنه أمر، بسبب مكانتك ومجتمعك ميسمحش إن مراتك تكون بتشتغل. ده غير حكاية وجه لاسمى. حسيت إني... مشرفتك. مجرد واحدة اتحكمت عليها غصب. -أنا آسف. بصت له، وكان أضايق من كلامها. -انتي تشرفي أي حد يا أفنان. نضيفة من جواكي وجميلة. محظوظ البن آدم اللي هتكملي معاه حياتك. المهم تختاري صح، كنصيحة مني.
متعرفش ليه أضايقت لما قال كده، ومخيلنها. نظرت لهيثم بأنه لماذا لا يكون هو ذلك الشخص. -بس انت ليه متمسكة بالشغل؟ حتى مردتيش تقولي لي إيه اللي حصل معاكي انهارده، خوفاً من إني أمنعك ترجعي؟ -سببين. الأول، إن لما أقعد، ونتطلق، وأرجع حياتي، هصرف على عيلتي منين؟ -مشفتيش النفقة اللي هتاخديها لما نتطلق؟ بصت له وحزنت. وقالت بضيق: -مش عايزة حاجة منك. حتى المهر مخدتش منه جنيه واحد. ليه شايفني كده؟ الفلوس آخر حاجة أهتم بيها.
-متزعليش مني، أنا مقصدتش. كنت بعرفك مش أكتر. والسبب التاني... -عندي حلم. إني أفتح مطعم يكون باسمي، وأنا اللي هعين المكان، وأبني اسمه ويشتهر. ابتسمت وهي تتخيل. بصت له وقالت بمرح: -هيكون حلو، مش كده؟ -أكيد. قالها بابتسامة خفيفة، وهو ينظر أمامه. بصت له أفنان، وافتكرت البارحة. -ممكن أسألك عن حاجة؟ -اممم. -ا.. انت ق.. قتلت قبل كده؟ قالتها بتقطيع وقلق. فتبدلت ملامح هيثم. واختفت ابتسامته. فقالت بتوضيح:
-امبارح، قلت إنك قتلتها؟ -أنا قلت كده. أومأت برأسها وقالت: -آه. مخدتش كلامك بجد، عشان مكنتش في وعيك. هو أكيد مش صحيح. -عشان كده كنتي خايفة، وبتتعاملي معايا بحذر الفترة اللي فاتت، وبتتجنبيني؟ -بصراحة، آه. ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه، وهو يخفض رأسه ويقول: -قاتل!! بصت له أفنان من نبرته. نظر إليها وقال: -وانتي رأيك إيه؟ -رأيي في إيه؟ -لسا خايفة مني بعد ما عرفتي الحقيقة؟ هي حقيقة تخوف فعلاً.
بصت له بشدة من اللي بيقوله، ومش عارفة تدرك الأمر. حسّت بخوف، وقالت برجفة: -ح.. حقيقة إيه؟ -إني قتلتها. قالها وهو ينظر إليها. فسار الرعب في جسدها من تلك النظرة وما قاله. وحست أن الدنيا اسودت من حواليها، وهي تجلس بجانب ذلك الشخص، وعينها احمرت من الخوف، ودموعها تتغلغل بينهم. قالت برجفة: -قولت إيه؟ انت قتلت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!