تحميل رواية ثأر القلوب بقلم نور pdf
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مكنش له لزوم يا بيبى الزعيق قدام الموظفين كده. قربت منه وقالت: - عشان محدش يحس بينا. وقفت وراه وهو جالس على كرسيه. - يعنى انت شايف كده؟ - طبعًا بقا أنا أزعقلك بردوا. بص لإيدها اللي كانت بتمشيها على كتفه وتلمسه. قربت من أذنيه وقالت بحزن مصطنع: - بس انت كسفتني واتهنت جامد قدام الكل. ينفع كده؟ كده تهون عليك علياء حبيبتك؟ يعاير كلامها اهتمامًا وتنهد بملل. قربت منه وأصبحت مقابله ثم جلست على قدميه. ترتفع توترتها القصيره ويظهر فخذيها. نظر إليها. لفت زراعها حول عنقه وقالت وهى تعبث بخصال شعره: - بس كله ي...
رواية ثأر القلوب الفصل الأول 1 - بقلم نور
مكنش له لزوم يا بيبى الزعيق قدام الموظفين كده.
قربت منه وقالت:
- عشان محدش يحس بينا.
وقفت وراه وهو جالس على كرسيه.
- يعنى انت شايف كده؟
- طبعًا بقا أنا أزعقلك بردوا.
بص لإيدها اللي كانت بتمشيها على كتفه وتلمسه. قربت من أذنيه وقالت بحزن مصطنع:
- بس انت كسفتني واتهنت جامد قدام الكل. ينفع كده؟ كده تهون عليك علياء حبيبتك؟
يعاير كلامها اهتمامًا وتنهد بملل. قربت منه وأصبحت مقابله ثم جلست على قدميه. ترتفع توترتها القصيره ويظهر فخذيها. نظر إليها. لفت زراعها حول عنقه وقالت وهى تعبث بخصال شعره:
- بس كله يهون قدام العيون الخضر دول.
قربت منه وهى تنظر إلى شفتاه. ابتسم. رفع يده وأبعد شعرها بعيدًا عن وجهه واقترب منها. تخدرت من لمسته. ابتسم وهو يراها تيقظ غرائزها وتقترب منه أكثر وتشعره بنعومة بشرتها.
- اطلعى برا.
فتحت عيناها بصدمة وهي مش مصدقة اللي سمعته منه. بصتله بشده قالت:
- بتقول ايه؟
- لا يا بيبى أنا مبحبش اللي فهمهم بطيء. ماشية.
وأومأت برأسها بطاعة وهي تنظر له من لمساته التي تفتنها ولا تريد أن تبتعد.
- يلا ابعدي.
بصتله. بعدت عنه وهي محرجة. لكن سرعان ما نوالها مفتاحاً. التقطته.
- أي ده؟
- هبعتلك عنوان شقة الزمالك تكوني هناك بليل.
بصتله وابتسمت قالت:
- اشمعنى؟
- في حاجات متنفعش في المكتب.
ابتسمت. قربت منه انحنت إليه وقالت:
- هستناك متتأخريش.
ابتسم إليها ثم ابتعدت عنه بخطواتها الواثقة وتركته. خفض رأسه وهو يبتسم بسخرية واشمئزاز.
هيثم هو رجل في سن ٢٨ يمتلك عيون خضراء ووجه وسيم يتمتع بجسد رياضي وشخصية لا يفهمها الكثير. إنه مجهول الطبع غريب الأطوار. لا أحد يعلم أي الأشخاص هو. وهذا ما كان يميزه. حد فهمه بحد ذاته. تكن ميزة.
سمع صوت أحد يدخل وكان شاباً. بص إليه ابتسم وقال:
- صدمتك كانت كبيرة فيها.
- بنت الـ*** وعاملة فيها محترمة. وحياة أمي لأوريها.
- خلاص يا سامر. أنا مردتش أسيبك مغفل كتير بما إنك صاحبي.
- مردتش تسيبني مغفل ولا محبتش تشوف نفسك فيا. وأكرر غلطتك.
تبدلت ملامح هيثم لبرود طغى على وجهه.
قال سامر بأسف:
- أنا مقصدش حاجة يا هيثم.
- خلصنا.
قالها بمقاطعة. فأومأ له سامر. قال بتردد:
- انت هتروح ولا إيه؟
- أي. لسه.
تهم.
بصله سامر بشدة وقال:
- لا متهمنيش. بس أي كان دي كانت تخصني. بس موضوعها خلص. انت بجد ناوي تروحلها؟
وقف هيثم ببرود. أخذ معطفه وقال:
- بدون موضعها خلص يبقا معدتش تخصك.
عدل ياقة قميصه. أخذ هاتفه وذهب.
قال سامر:
- مجاوبتش. انت هتروح لها بليل و...
سكت ومش عارف يكمل إلى ما سيحدث.
بصله هيثم بطرف عينه وقال ببرود:
- لا.
بصتله سامر بشدة. نظر أمامه وأردف:
- مبحبش السهل. ثم دي مش نوعي.
حس سامر أنه بيهينه وبيسخر من اختياره. مشي هيثم باللامبالاة وسابه في حزنه وكسرته. ويعود الزمن به لرؤية صديقه بهذه الحالة إلى نفسه القديمة التي قد دفنها بيده.
***
قالت ملك محدثة صديقتها:
- المحاضرة خلصت بدري انهارده.
ابتسمت فتاة في سن التاسعة عشر بملامحها الرقيقة وحجابها الملتف حول عنقها كوشاح ولبسها التي كان هادئاً. فهي في السنة الأولى.
- أفنان تيجي نروح ناكل.
قالت أفنان بأسف:
- معلش مش هعرف خالص.
قالت بضيق:
- لتذكر.
- خليني اخمن. الشغل مش كده؟
- للأسف.
- يوم بقا من ساعة ما دخلنا ام الجامعة دي وانتي مبتجيش معايا في حتة. معندكيش وقت لدرجة دي.
سكتت أفنان بحزن. قالت ملك:
- أنا آسفة. عارفة إن مسؤليتك كتير.
ابتسمت وقالت:
- ولا يهمك. إنشاء الله نعوضها.
وأومأت بتلك الجملة المعتادة على سماعها.
قالت أفنان:
- يالهوي اتأخرت. مع السلامة.
ذهبت سريعا في عجلة من أمرها. وقفت عند الطريق وهي شايفه العربيات. بصت في الساعة. كانت لازم تسرع. تخطت سريعا. لكن في لحظة واحدة كانت سيارة سريعة وتوقفت عندها قبل أن تصدم بها.
اتصدمت وحست أنها ماتت. فتحت عينها. بصت لنفسها ونظرت إلى تلك السيارة الفاخرة. لكنها متأخرة.
ضرب هيثم عجلة القيادة بضيق وقال بغضب شديد:
- انتي غبية.
فتح العربية وبينزل. بصت أفنان على ساعتها وركضت وهي تقول:
- أنا آسفة. آسف والله.
بصلها باستغراب وضيق وهي تركض. هبت رياح لتطير بوشاحها. شهقت أفنان ونظرت إلى وشاحها. فرأى هيثم جانب وجهها وتطلعه لوهلة. لكنها أكملت ركضه.
بص على الأرض عند رجله كان مكان ما استقر وشاحها. انحنى وهو يلتقطه وينظر إليه ويتخيل شكل تلك الفتاة التي اعتذرت وهي تركض. رغم أن سرعته كانت عالية وممكن أن يؤدي إلى موتها. لك يبالي وذهب.
***
دخلت أفنان وهي تلهث إلى مطعم بسيط. تحدثت المديرة والتي اسمها مي:
- يلا استعجلي يا أفنان.
- حاضر.
تقدمت وهي تبدل ملابسها ثم تحمل الأطباق. كانت شغالة في مطعم حلويات. راحت وحطت إلى الزبائن بابتسامة جميلة. ثم ذهبت في عجلة.
قالت مي بابتسامة:
- في إقبال انهارده.
قالت شذى بثقة وهي زميلة أفنان:
- قولت لحضرتك لو ضيفنا الديزرت الجديد كتير هيطلبوها.
قالت أفنان ببرائة وتعجب:
- بس محدش طلبها لحد دلوقتي غير زبون واحد.
بصت لها بحرج وقالت وهي تحمم ثم قالت بضيق:
- انتي متابعة معايا ليه؟
استغربت أفنان من انفعالها. مشيت وكملت عملها. ولما انتهى دوامها روحت وكانت حاسة بالبرد. كن الطقس. حطت ايدها حولين رقبتها وعنقها. افتكرت وشاحها الذي أضاعته وسلبته منها الرياح. ومن شدة استعالجها تركت. تنهد وأكملت سيرها.
رجعت أفنان بيتها.
- ماما أنا رجعت.
دخلت لشقة بسيطة جداً. لقتها قاعدة منغمسه في المشاهدة. قربت منها قالت:
- عمر عامل إيه؟
وأومأت بحزن وقالت:
- الحمدلله. لسه جايه من المستشفى وقالوا إنه بيتحسن.
- الحمدلله.
قالتها أفنان براحة. قالت والدتها والتي تدعى منى:
- الأكل عندك ابقي كلي.
- حاضر.
دخلت أوضتها. بدلت ملابسها واستلقت على السرير بتعب. بصت على الكتاب اللي محطوط على الكمودينو. مسكته وفتحته على أحد الصفحات في المنتصف.
كان فيه صورة. خدتها وبصت فيها. كانت هي وتبدو على ملامحها أنها صغيرة بعض الشيء في ذاك الوقت. وشاب آخر كان يكبرها بخمس سنوات. ابتسمت وهي باصة للصورة. وكأنها أوحت لها ذكريات من الماضي.
***
في ملهى ليلي كان هيثم جالس مع ثلاث شبان. من ضمنهم سامر إلى كان مقارب لعمره. كان يبتسمون عليه.
قال سامر بضيق:
- مخلاص منك ليه؟ هي نكتة.
قال حمزة بمزاح:
- مهي نكتة فعلاً. بت زي دي تلعب عليك انت يا خربها.
قال لؤي:
- فضحتنا الله يفضحك. اهو هيثم جبهالك من آخرها.
قال هيثم بعد صمته:
- تفتكر يا سامر لو كنت طاوعتك وجيت هنا كنت هتحاسبني معاه؟
تضايق سامر. بصله قال:
- خلاص يا هيثم متبقاش عليا معاهم. ده انت صاحبي يا جدع.
ابتسموا. بصوا لأمرأتان كانوا بيبصولهم. ولابسين فساتين ضيقة قصيرة وتظهر أكثر ما تخفي. كانت فتاة جميلة فاتنة لا يقاومها رجل. وكان نظراتها متعالية.
قال حمزة:
- أوباا. جني السويري هنا. و بتبصلنا. مع أنها صعب تميل لحد.
قال لؤي:
- لا أنا قولت السهرة دي لينا لوحدنا ومفهاش بنات.
قال سامر:
- اسكت منك ليه؟ أنا مش رايقلك.
ولم يكن هيثم مبالياً بمجرى نقاشهم. كان يحرك كأسه ببرود ولا مبالاة. لقى واحد يتقرب منه. بصلها. قعدت جنبه. بصولها بدعشة. فكانت هي جني. قربت من هيثم قالت:
- هايبصلها هيثم. وهي تضع ذراعها على كتفه.
- قاعد لوحدك ليه؟ شكل القعدة مش عجباك.
ابتسم قال:
- مع دول.
فلتت قهقه منها بأنوثة وتدلل. قالت:
- طب ما تيجي قاعدة بعيدة عن الأجواء دي.
قربت منه قالت في أذنه:
- بعيد عن الدوشة. أنا وانت وبس.
وأشارت عليه بإصبعها وأظافرها المطلية. ابتسم وقال:
- ما عنديش مانع.
حط ايده على وسطها وقربها منه. ابتسمت وبصت لشفتاه وقالت:
- طب يلا.
هذا كله وتحت أنظارهم. وهي تقف وتأخذه. ابتسموا.
قال حمزة بمزاح:
- طيب هيثم لقى يروقه. احنا مين يروقنا.
ضحكوا عليه. قال سامر:
- ده هيثم يا عم انت هتصدق؟ هو يوقعهم أه بس مبيقعش لأي واحدة.
دخلو غرفة. وكانت تعانق هيثم. قالت:
- فين تلفونك؟
بصلها باستغراب. خرجه وقال:
- لي؟
خدته وقفلته ورمته على الكنبة. بصت له وقالت:
- مش عايزة حد يزعجنا ولا إيه؟
ابتسم بخبث قال:
- لا معاكي حق.
بادلته الابتسامة. رفعت ساقيها وهي تخلع حذائها وترميه. ويتقدما من السرير. سحبها ليه وهو يلصقها بالجدار وقريب منها. نظرت له. قرب ايده من وشها. سار بحركة مثيرة ملامحها وينظر إلى عنقها. تخدرت بلمساته وهي مستسلمة له. قرب منها و ....
رواية ثأر القلوب الفصل الثاني 2 - بقلم نور
لم يعد أحد يزعجنا.
ابتسم بخبث وقال: "لا، معاكِ حق."
بادلته الابتسامة. رفعت ساقيها وهي تخلع حذائها وترميه، ثم تقدمت من السرير. سحبها إليه وهو يلصقها بالجدار.
قريبًا منها، نظر إليها. قرب يده من وجهها، مسح ملامحها بحركة مثيرة، ونظر إلى عنقها.
تخدّرت بلمساته وهي مستسلمة له. قربها.
وقف فجأة ونظر إليها وهي مغمضة العينين تنتظره. ابتسم بسخرية.
ابتعد عن عينها، فتحت عينيها ونظرت إليه.
أخذ هاتفه ومشى.
"رايح فين؟"
"مش أنا. تقدري تختاري نوعية من اللي شبهك."
صُدمت، وحلقت به. ذهب وتركها في حرجها. كيف تجرأ ورفضها؟ هي من يسعى كل الرجال خلفها.
كانوا جالسين، نظروا فوجدوا هيثم قادمًا. ابتسم سامر وقال: "مش قلت لك."
قرب منه وقال سامر بمزاح: "إيه يا هيثم، معجبتكش ولا إيه؟"
قال حمزة: "أنت بتهزر صح؟ معجبتش مين؟"
قال لؤي: "البت حلوة وعايزاك، وكل اللي هنا تمنوا أنها تكلمهم."
"متجمعش. أنا مش منهم."
أخذ معطفه ومفاتيحه وقال: "سلام."
ذهبوا وهم ينظرون إليه مبتسمين عليه بقله حيله.
***
صحت أفنان في الصباح الباكر. أعدت فطورًا خفيفًا، لبست، وذهبت لجامعتها.
وصلت وقابلت ملك. ابتسمت ولوحت إليها، لكنها خبطت في أحد.
"آسفة، ما أخدتش بالي."
"ولا يهمك، بتحصل."
أومأت له. جاءت تمشي، أمسك يدها. برد فعل سريع منها، سحبت يدها ونظرت إليه بشدة.
استغرب من رد فعلها. "مالك؟"
"مالي!! إزاي تسمح لنفسك تمسك إيدي كده؟"
"مقصديش يعني. بعدين، هو لسه فيه حد بتفكير الهاجل ده؟"
"لا، هو الجهل من عندك أنت."
غضب. قرب منها وقال: "تقصدي إيه؟ انتي عارفة بتكلمي مين يابت انتي؟"
ابتسمت بسخرية. نظرت إليه من فوق لتحت ومشيت.
لكنه أمسكها من يدها جامد. نظرت إليه بشدة وقالت: "انت بتعمل إيه؟ سيب إيدي."
"مش كنتي عاملة جامدة. بس تصدقي، عجبتيني. ويا ترى ورا الحاجات دي إيه؟ جامدة بردوه."
نظرت إليه بصدمة. سمعوا صوتًا. كان أحد أفراد الأمن.
"في حاجة يا آنسة أفنان؟"
نظر الشاب إليه من هذا الصوت. فلّت يدها في انشغاله وذهبت سريعًا.
نظر إليها وهي تبتعد. "أفنان!!"
وجد أحدًا يضع يده على كتفه وقال: "إيه يا عم، ما دخلتش ليه؟"
نظر إلى الصوت وكان رفيقه. "جامعة غريبة بشكل. محاطة بناس متخلفة."
"مين اللي مضايقك كده؟"
"لا، متشغلش بالك."
"طب يلا عشان الخروجة ما تبوظش. الشلة مستنيانا."
***
في مكتب هيثم، كان جالسًا وسط أوراق عمله. سمع طرقات. استأذن للدخول، فسمح له.
دخل رجل يرتدي نظارة ويكبره، وكان المحامي الخاص بهيثم.
"أستاذ هيثم، بعتذر على مجيئي من غير سابق أو معاد محدد."
"ما فيش حاجة، خير."
صمت قليلاً، قرب منه، جلس وقال: "في موضوع مهم اتفاجأت بيه النهارده."
"موضوع إيه؟ يخص الشغل يعني؟"
"لا، يخصك أنت."
تنهد وقال بنفاذ صبر: "ممكن تدخل في الكلام على طول."
"منير بيه جالي النهارده بعد أما عرفت بالموضوع ده. جه وفهمني. بس أنا قلت له إنك لازم تعرف."
قال باستغراب: "فهمك إيه بالظبط؟"
خرج ورقة من الملف الذي كان معه وقال: "دي ورقة متوثقة والعقد سليم مية في المية."
أخذها هيثم في تعجب. قرأها، وما أن قرأ ما بها حتى تثمرت ملامحه لصدمة كبيرة.
"عقد جواز."
***
في الجامعة، كانوا ماشين. نظرت ملك إلى أفنان وقالت: "مالك؟"
"مفيش. بفكر في امتحان الدكتور. قلقانة أوي."
"ليه؟ مادته أنتِ شاطرة فيها."
"أنتِ عارفة إنه ما يطيقنيش يا ملك، وكأني مبينة ومبينة طار. خايفة يشيلني المادة."
"بعد الشر، متقلقيش. إن شاء الله خير. هو مش هيعمل كده أكيد. مش لدرجة يظلم حد لعدم قبول مش أكتر."
"يارب."
كان مزاجها متعكرًا من ساعة الصبح. تنهد، وأكملت سيرها في صمت.
***
في قصر فاخر.
هتف هيثم بعصبية وغضب شديد وهو يقول: "متجوز!! انتو بتخرفوا بتقولوا إيه؟"
تحدث رجل بصرامة: "اتكلم بأدب. أنا مقدر صدمتك."
ابتسم بسخرية وقال: "صدمة اه!!! ده والله ليا الشرف إن منير بيه يهتم بيا بنفسه. وانت لو كنت مقدرني كنت عملت اللي عملته."
نظر إليه بشدة في تعصب. قربت امرأة وهي فاطمة، عمته، لهيثم وقالت: "ما تخافش يابني، البنت هتعجبك."
"بلا بنت بلا زفت. أنا رافض الجواز ده من أصله. يجيلي المحامي بتاعي المكتب يقولي توثيق عقد جواز؟ يعني إيه؟ ... إزاي جوزتوني وأنا معرفش؟"
قال منير بلامبالاة: "اديك عرفت. البت محترمة وبنت ناس."
قال بغضب: "انتوا أكيد بتهزروا. فاكرني زي الولايا اللي أهاليهم بيجوزوهم أي حد ومن غير علمهم؟ دي جوازة باطلة أصلًا."
وقف منير وقال بحدة: "أنت نسيت أنت بتكلم مين ولا؟"
"لا، منستش. ومن الآخر، الجوازة دي أنا مش معترف بيها. بل الورقة، واشرب ميتها."
قالت فاطمة بخوف: "بس يا هيثم، والله إحنا مخترنالكش واحدة من الشارع تتكون مراتك. ادي لنفسك فرصة."
"خلاص خلتوها مراتي. مش من حق حد فيكم يدخل في حياتي. ومين اللي هتكون مراتي ده اختياري. لو هي مش من الشارع، فاللي عملتوه ده هو اللي حركات ناس شوارع."
وكان لسه منير هيضربه بالقلم. وقفت فاطمة في وجهه وقالت: "بالله عليك، لا تبص لي."
نظر بضيق وغضب وهو يحاول التحكم في غضبه. أما هيثم، فكان ينظر إلى والده ببرود، غير مبالٍ لشيء.
ومنير رمقه نظرة غاضبة وقال: "اسمع كويس. الجوازة دي هتم ورجلك فوق رقبتك."
ابتسم هيثم وقال ساخرًا: "ده إزاي هتجبرني يعني؟ الكلام ده انت تعمله مع حد غيري. مش أنا. سلام."
قال هكذا معلنًا رحيله. لف وجهه، يمشي.
قال منير: "لما تبقى ضايع وبتغرق في الشرب والسهر والناس الزبالة، واجبي كأبوك إنقذك من القرف ده."
وقف. ارتسمت ابتسامة على جانب شفتيه وقال: "ضايع وبغرق!؟"
لف ونظر إليه، أردف: "إيه الحكم ده؟ شكرًا، مستغني عن مساعدتك."
"غصب عنك هتقبلها. لو مسمعتش كلامي، شركتك هقفلها لك، وأنت عارف أنا ممكن أعمل."
نظر هيثم بشدة وقال: "يعني إيه؟ بتهددني؟"
"اعتبرها زي ما تعتبرها. اللي عندي قلته."
نظر بحنق شديد وضيق. مشى وعيناه حمراء تطلق شرار.
خرج من ذاك القصر، ركب سيارته، خرج هاتفه وعمل مكالمة.
"أستاذ هيثم، حضرتك..."
"عايز معلومات عنها وتوصلني النهارده."
"النهارده!!"
"قدامك ساعة بالكتير."
قال بصدمة: "بس..."
قفل هيثم الهاتف، منهيًا مكالمته وهو مجمع قبضته بتوعد.
***
مر يومان.
كانت أفنان ماشية بعد ما خلصت شغلها. وقفت عند محطة الحافلات، قعدت لحد ما تيجي.
نظرت إلى هاتفها قليلاً لتضيع وقتًا. تنهدت، ورفعت رأسها بتعب.
لكن عينها توقفت على طفل واقف في ركن، منكمش، وحالته مزرية بملابسه المبهدلة.
نظرت إلى من يبص عليه، وجدت أطفالًا يشترون بالونات والضحكة مرسومة على وجوههم.
عادت ونظرت إليه وهو يبص لهم بفقد الأمل.
آلم قلبها على ذلك الصغير. تنهدت.
حطت يدها في جيبها وشافت هي معاها قد إيه.
عادت ونظرت إليه بتردد، لكن استسلمت وراحت عند ذلك الرجل وأخذت منه بالون.
كان الولد واقفًا. وجدها تقرب منه، خاف ورجع لورا.
وقفت لما حسّت بخوفه.
"تعالى، متخافش."
"أنا معملتش حاجة والله، خلاص همشي."
نظرت حولها كأنه متردد. "مش هعملك حاجة."
نظر إليها، وجدها تنحني وتمد له يدها.
"خد دي ليك."
اندهش وقال: "ليا أنا؟"
ابتسمت وقالت: "آه. مفيش حد بيكلمه هنا غيرك. يلا، قرب."
نظر إليها قليلاً بتردد. قرب منها، أخذها من غير ما يلمس يد أفنان، وهذا ما لاحظته.
لكنه وجده ابتسم وهو ينظر للبالونة.
"شكرًا."
قالها ببرائة. ولسا هيمشي، أمسكت أفنان يده لتوقفه.
لكنه سحبها.
"مالك؟ استنى."
"أنا آسفة بس... إيدك هتتوسخ."
نظرت إليه بشدة. فهل يتعمد ألا يلمسها بسبب ذلك؟
وجدته يخفض رأسه بحرج.
"ممكن تخليك هنا لحظة؟ لو رجلك هتوجعك، فممكن تقعد."
"ينفع؟"
ابتسمت وقالت بمزاح: "ومينفعش ليه بقا؟ يلا، اقعد."
نظر إليها وفعل ما قالت وهو خائف أن ينزعج منه أحد.
وقفت ونظرت حولها، بعدين مشيت. وهو استغرب.
لمحها جاية، وكان في يدها حقيبة بلاستيك. قربت منه، أعطته له.
استغرب، أخذها ونظر فيها، وجد أكل.
"ده أكل. كل اللي قدرت أجيبه."
نظر إليها بشدة، وكانت تشعر بالأسف كأن لو كان معها أكثر لأشترت له.
قعدت جنبه وقالت: "يلا كل، شكلك جعان."
ابتسم بسعادة وخرج قطعة من الخبز المكسو بخليط من الشوكولاتة وأكل بشراهة.
ابتسمت وهي تطالعه. سمعت صوتًا. كانت العربية وصلت.
"لازم أمشي."
وقفت ومدت يدها. نظر إليها، فأشارت له بعينها.
ابتسم وصافحها بدون خوف من يداه المتسخة. ابتسمت عليه.
تقدمت من العربية. طلعت. نظرت إليه فشاور لها ببرائة والخبز في يديه.
ابتسمت بسعادة وراحة. بعدين كملت وقعدت وهي حاسة أن ذلك الولد لو لم تقم بمساعدته لحزن الله منها، فهو أوقعه في طريقها لمساعدته بقدر ما لديها.
فهي لديها حكمة مستقيمة عليها: "بعض المساعدة قد تعود عليك بالنفع قادمًا. لا تعلم ما يخبئه الله لك."
***
مر أربعة أيام.
في الصباح، كانت أفنان في المطعم، بس في منتصف العمل. رن هاتفها، وكانت أمها آمال.
استأذنت وردت بعيدًا. "الوو، يماما."
"أنتِ فين؟"
"في الشغل، ما انتي عارفة."
"طب تعالي عشان عاوزاكي."
"أجي فين ودلوقتي؟ نأجلها لما أرجع."
"لا، مينفعش."
سمعت صوتًا. كانت شذى تستعجلها عشان الشغل.
قفلت مع والدتها ورجعت.
راحت وقالت إلى مي المديرة: "معلش، بس أنا لازم أمشي."
"تمشي فين والزباين؟"
"مش هتأخر، أوعدك."
وفرت سريعًا من أمامها قبل أن تعترض. غيرت ملابسها وخرجت وهي تركض، ومع والدتها على المكالمة.
وقفت على الطريق. "حاضر يماما، خرجت أهو. هركب وجيالك. لا، مش هتأخر، مسافة الطريق."
وأغلقت معها. نظرت يمينًا ويسارًا تلتقط أي سيارة.
حست بأحد وراها. بصت واتصدمت لما لقت رجلين ضخامين يرتدون الأسود يقتربون منها.
وقبل أن تتكلم لتنطلق صرختها، حطوا أيديهم على فمها.
عربيه جت، أخذوها ومشوا ولم يتركوا أثرًا.
فتحت أفنان عينيها. نظرت لسقف الذي فوقها. افتكرت كل شيء.
فنظرت حولها بصدمة. لقت نفسها في بيت كبير، تصميم كتلك الركن الأجنبية وألوانه معتمة، لكنها راقية.
"أنا فين؟"
كانت نائمة على كنبة ويداها وراء ظهرها. حاولت تتحرك، لقت نفسها مش عارفة.
رجلاها ويداها مربطين.
"إيه ده؟ مين اللي ربطني كده؟ هون اتخطفت ولا إيه؟ يا ناس يا اللي هنا!"
قال ذاك بنداء. لم تجد ردًا.
حاولت تتحرك مثل الدودة وهي تنزل. وقعت من الكنبة على وجهها.
"آه!"
تألمت كثيرًا. حسّت بأقدام تقترب منها. رفعت عينيها بشدة، وجدت رجل مفتول العضلات يضع يده في بنطاله بجمود، ولابس تي شيرت فضفاض وكتفاه عريضين.
مسكها من كتفيها بقوة وهو يعدلها في جلستها، ويحيطها بذراعيه.
"شايفك صحيتي."
نظرت إلى عينيه الخضراوين اللتين كان يثقبها بهما. ابتعد عنها وقعد جنبها بجمود وهو يمسك بيده.
نظرت إليه باستغراب وبعدت عنه قليلاً وقالت: "انت مين؟ ولي خطفتني؟"
أكملت بانفعال وهي تعطيه ظهرها: "يلا فكني دلوقتي."
نظر إليها ببرود. حط يده على كتفها وضغط عليها لتميل على الكنبة وهو مايل عليها.
نظرت إليه بشدة وقال: "ما عنديش مانع يا... أفنان."
صُدمت لأنه يعرف اسمها. قرب منها. رجعت وجهها بخوف.
"اديتك مهلة خمس أيام عشان تفسخي عقد جوازنا."
نظرت إليه باستغراب شديد. قرب منها أكثر وهي بدأت تشعر بأنفاسه، وهو يشعر ببشرتها الناعمة من ملامسة وجههم.
"وانهاردة اليوم السادس. يعني مهلتك خلصت."
عاد ونظر إليها. خفضت عينيها بخوف وقالت بتقطع: "ع...عقد جواز مين؟ وخمس أيام إيه؟ مش فاهمة حاجة."
صمتت قليلاً، ثم نظرت إليه وقالت بصدمة واستدراك: "آه، افتكرت. أنت المجنون اللي بعتلي رسالة."
كان هادئًا جدًا. قرب منها. نزلت وجهها بخوف. قال: "أفنان..."
نظر إليها وأكمل: "مش عارف إزاي خدعتيه عشان يخليني أتجوزك. بس دلوقتي، من الأفضل ليكي إنك تروحيله وتطلبي منه يفسخ العقد ده."
قالت بتوتر: "أرجوك، ابعد. صدقني، أنا مش فاهمة جواز إيه. أنا معرفكش أصلًا."
رفعت عينيها وهي بتبص له وقالت: "انت خطفتني، ودي جريمة. سيبني أمشي، وإلا هبلغ عنك."
ابتسم بسخرية وقال: "مش أنا اللي خطفتك، ناس تاني."
استغرب. قرب منها وأردف: "وحطوكِ قدام بيتي. وأنا دخلتك لطفًا مني."
بلعت ريقها بخوف من اقترابه وقالت: "ط...طيب، ف...فكني، وإلا... وإلا هبلغ البوليس. وقتها، هنا اللي هيعرفوا جريمة ولا لأ."
"بتمثلي إنك واحدة تقيلة يعني وكده؟"
ابتعدت وشها وهو قرب وقال: "ده كل اللي عندك؟"
خافت جدًا من قربه وأنفاسهما التي بدأت تختلط، وهو ينظر لشفتاها.
صُدمت لما لقيته بيحط إيده على فخذيها وبيمشيها عليها.
"ماشي... طالما إحنا متجوزين."
لا يزال يحرك أصابعه عليها ويتحسسها بجرأة، وبيطلع، وهي مرعوبة، وتبعد وشها، وهو بيقرب، وتبص لإيده اللي بيمشيها عليها وبيلمسها.
"بتهيأ لي من حقي أعمل فيكي اللي أنا عايزه."
نظرت إليه بشدة وقالت برجفة: "م...مش فاهمة."
حط إيده على وسطها من ورا وقربها منه. اتخضت. نظرت إليه والتقطت عيناهما.
"هتفهمي ده في المستقبل."
رواية ثأر القلوب الفصل الثالث 3 - بقلم نور
ماشي .. طالما احنا متجوزين.
لا يزال يحرك أصابعه عليها ويتحسسها بجرأة.
وهي مرعوبة، تبعد وشها وهو يقرب، وتبص لإيده اللي بيمشيها عليها وبيلمسها.
"بتهيألي من حقي أعمل فيكي اللي أنا عايزه."
بصتله بشدة قالت برجفة:
"م..مش فاهمة."
حط ايده على وسطها من ورا وقربها منه. اتخضت، نظرت له والتقت عيناهم.
"هتفهمي ده في المستقبل."
قرب منها وهي مرعوبة وعينها بترتجف. قالت سريعاً:
"خلاص فهمت، فهمت."
توقف وبصلها وقال:
"فهمتي إيه بقا؟"
"اه افتكرت اننا اتجوزنا على عقد. أيوه افتكرت.. وهفسخ العقد ده حاضر."
بصلها بهدوء ثم ابتعد وجاب السكينة اللي على الطرابيزة اللي قدامه.
"هتعمل إيه؟"
مسكها جامد ونيمها على رجله. فتحت عينيها بشدة، لقيته بيمسك إيدها وبيقطع الحبال.
"لو محلتيش الموضوع في خلال بكرة هتلاقي نفسك مربوطة ومتربية قدام بيتي. وقتها مش هقدر أساعدك وأحميكي مني."
خافت. ولم يمهلها حتى انتهى من فكها ودفعها بعيداً عنه وهو يقول بجمود:
"تقدري تمشي."
بصتله وجت تقوم. مسكها وسحبها وقرب منها. اتصدمت.
"في إيه تاني؟"
"افتكري وعدك."
أومأت له بالطاعة بخوف. بصلها قليلاً ثم وقف وذهب وهو يتركها.
"متوحش. ده أكيد مجنون."
بصت لإيدها، كانت بتوجعها. وقفت بسرعة وجرت على الخارج.
لقت نفسها في شارع راقي جداً خالي. لا يوجد غير ذلك المنزل الأنيق حتى من الخارج. مشيت بسرعة وهي تبتعد.
بصت في تلفونها، كانت أمها اتصلت كتير. رنت عليها وجدتها تقول بغضب:
"إنتي فين؟ لي مبتردّيش على تلفونك؟"
"معلش أنا.."
"خلاص تعالي على المستشفى، عايزة أكلمك في موضوع مهم."
"حاضر."
قفلت تلفونها. بصت وراها، ثم ذهبت. راحت المستشفى. قابلت آمال والدتها.
"خير يماما، عمر فيه حاجة؟"
ابتسمت وقالت:
"لا يا حبيبتي، أنا عايزة أقولك حاجة تانية."
"حاجة إيه؟"
"أنا لقيتلك عريس."
بصتلها أفنان بصدمة قالت:
"إيه؟!"
"إنتي محظوظة أوي يا أفنان عشان هو الابن الكبير لعيلة زهران."
سكتت أفنان. اتصدمت وقالت بعصبية وعتاب:
"ماما إزاي تفكري تجوزيني من غير إذني؟ إزاي عايزاني أتجوز أصلاً من واحد عشوائي لا أعرفه ولا يعرفني؟"
ردت بلا مبالاة:
"ما يهمنيش. كنتي بتحبيني بجوازه عن حب واحد فقير ولا إيه؟"
"حاجة تخصني. أنا مش موافقة أتجوزه."
"لا ما إنتي اتجوزتيه أصلاً."
بصتلها بصدمة قالت:
"إيه؟ إنتي بتقولي إيه يماما؟ إزاي تعملي كده فيا؟"
بصتلها وقالت بعصبية:
"بنت، إنتي بتكلميني أنا كده؟"
"مقصديش بس.."
"إنتي في الأول والآخر هتتجوزي، مش هتفرق.. ولو كنتي هتتطوزي فلازم يكون راجل غني."
"بس.."
"خلاص خلصنا. ده قرار أخير. الراجل اللي هتتجوزيه هيكون غني عشان تقدري تسددي ديونه وده أفضل للكل. دراع أخوكي اللي انكسر واللي بنعالجه والديون اللي بتتراكم بسبب فواتير المستشفى. إحنا محتاجين الفلوس جداً. وجاية تضايقي عشان جوزتك واحد زي هيثم منير الرشيد؟ من عيلة كبيرة زي دي هترفعوكي معاهم وترفعينا إحنا كمان. مش فاهمة إيه الأنانية اللي فيكي دي."
حست بالحزن الشديد قالت:
"بس أنا بنتك. المفروض تقدري إن دي حياتي."
كملت بأنفعال:
"مش سعادتي اللي بتتبني على فلوس وديون. مش من حقك تعملي كده فيا."
ضربتها بالقلم على وشها. اتصدمت أفنان وهي حاطة إيدها على وشها وبتحاول تتمالك حزنها.
حطت آمال إيدها على قلبها وهي بتعقد بتعب. بصتلها وقالت بقلق:
"ماما مالك؟"
قالت بخذلان وهي بتبكي:
"إنتي أنكرتي كل أفضالي عليكي. طول السنين دي ربيتك وعلمتك، بس إنتي مشكرتنيش ولو لمرة واحدة."
"بس.."
"عملت إيه عشان أحزن وأشوف عصيان بنتي عليا؟"
"ماما خلاص."
كانت بتعيط ومش بصالها. قربت منها وقالت:
"أنا.. أنا هلقى طريقة وأدفع تكاليف المستشفى."
بصتلها آمال وقالت:
"هتدفعيها؟ عيلة زهران وافقت تدفع نص مليون كمهر ليكي."
اتصدمت أفنان وبحلفه فيها. مسكت والدتها يدها وقالت:
"لي متقبليش بيه؟ وافقي عشاني أرجوكي."
"نص مليون؟"
قالتها بدهشة. أومأت لها وهي تقول:
"أيوه. نرفع السعر أكتر."
بصت لها أفنان بشدة. صرخت بغضب:
"ماما إنتي بتحاولي تبيعيني؟"
"أبيعك إيه؟ أنا بخليكي تعيشي وسط عيلة تحلمي بيها. واحد زي هيثم بيه يعيبه إيه؟ كلهم هيموتوا عليه وإنتي اللي بقيتي مراته في الآخر."
"بس بقا بس كفاية."
مشيت وهي متضايقة وحاسة بالإهانة، لأن المفروض تفكر فيها أكتر. هي تمنت رجلاً يحبها، رجلاً بمعنى الكلمة، ليس مالاً تنغمر فيه.
في المساء كانت أفنان قدام البيت. تنهدت وهي تستجمع قوتها. دخلت وهي بتبص حواليها. لقته قاعد على الأريكة.
"باين إنك رتبتي أفكارك، وإلا مكنتيش جيتي هنا."
تقدمت بحرج وهي تضم معطفها.
"في الحقيقة أنا آسفة على اللغبطة. عرفت إن ماما اتفقت على كل ده مع عيلتك. آسفة إني خليتك تمر بده."
تنهد وهو يقول بهدوء:
"أفنان.."
وقف وسار تجاهها. رجعت لورا وهي بتبص له بتوتر وهو بيقرب.
"إنتي عاوزة تتجوزيني بعدين رجعتي في كلامك؟"
"لا والله، أنا مكنتش عارفة زيك."
"لي حاسس من كلامك إني تحت رحمتك؟"
بصت له بخوف وهو بيقرب منها. انكمشت في نفسها.
"ا..إنت عايز إيه؟"
لف دراعه على وسطها وقربها منه. اتصدمت.
"ماشي، بما إننا اتجوزنا."
بصت له برعب شديد وهي بتحاول تبعده بضيق وتفلت، لكنه يقربها أكثر. قرب من شفتيها وقال:
"بتهيألي أقدر أتمم واجباتي كزوج."
بصت له بصدمة. قرب من وجهها وهو يلامس بشرتها وقال في أذناها:
"لو كنتي عايزة تتطلقي، لازم الأول تكوني مراتي."
بص إلى عينيها التي كانت ترتجف. ثم انقض على شفتيها يلتهمهم.
زقته أفنان جامد بعيداً عنها. وسرعان ما صفعته على وجهها وهي بصاله بضيق وغضب. مسحت فمها باشمئزاز.
وجدته يرسم ابتسامة جانبية على وجهه. استغربت لأنها كانت خايفة من غضبه بسبب القلم.
بصلها وسار تجاهها. خافت ورجعت لورا.
"عيبك إنك بتخليني عايزك أكتر."
ثم سحبها إليه ولم يفصل جسدهم شيئاً. قرب من عنقها وقبلها. لقته ارتجفت وهي حاطة إيدها على صدره بتزقه.
"ابعد أرجوك."
بس كان محاوطها بعضلاته القوية التي لا تبدو من بينها شيئاً، ومش سامعلها. بل زاد عنفاً بغضب لما قالتله كده.
حست أفنان بوجع. حطت إيدها على بطنها. بصلها هيثم وفاق لما ملقهاش بتقاوم من تعبها اللي ظهر عليها فجأة.
بص لنفسه. بعد عنها وهو مش عارف إيه اللي كان بيعمله ده. بص لوشها، كان باين عليه التألم.
"مالك؟"
بصت له بحنق وعينها مدمعة. مشيت وهي محاوطة بطنها، بس وجعتها أكتر، فا وقفت.
بصلها هيثم. تنهد ثم اقترب منها بجمود. كانت هتبعد عنه. مسكها وقربها منه وحط إيده على جبهتها.
"حاسة بإيه؟"
بصت له ثم خفضت عينيها. قالت:
"بطني.. بطني بتوجعني. ابعد، هكون كويسة."
"مفتكرش."
بصت له. بعد عنها وأردف:
"تعالي معايا."
كانت أفنان قاعدة على الكنبة. تقدم هيثم وكان معاه كوباية مياه وأداها برشامة. خدتهم منه. قعد مقابلها بجمود وهو ينظر إليها. كانت بتبص للبرشامة بتردد.
"أكيد لو برشامة مخدر أو هتأذيكي، كنت أديتهالك بطريقتي من غير تمثيل."
بصت له بشدة من اعترافه.
"أنا واحد صريح، حتى لو هأذي اللي قدامي."
قالت بحنق:
"إنت.."
رفع عيناه وبصلها، فخافت من نظرته ولم تكمل، فكانت تريد أن تسبه.
"ماشي."
بصت له. كمل وقال:
"مكنتش أقصد أضايقك باللي عملته من شوية."
افتكرت تقربه منه وتقبيله. وجدته يكمل:
"كنت بجس نبضك. أنا مش كده، مبجبرش واحدة عليا."
"مش فاهمة، بتجس نبضي إزاي؟"
"مش ضروري تفهمي. اشربي يلا."
كانت مستغربة من ذلك الشخص كثيراً. حطت البرشامة في بوقها وشربت ثم تنهدت.
"هتعرفي تزيفى الجوازة دي زي ما زيفتي مرضك؟"
ردت بهدوء:
"أنا مزيفتش مرضي. بطني فعلاً كانت بتوجعني. لو مضايق أوي كده، باشر في إجراءات الطلاق وأنا هوقعه."
أمسكها من ذراعها وقال:
"إنتي قاصدة تتريقي عليا يا بت؟ منتي عارفة إنه مش هيوافق، وإلا كنت عملت كده قبل ما تقولي."
"أنا أصلاً معرفش هو مين ومش عايزة مهرك. شوف هنطلق إزاي وأنا معاك، بس ده كل اللي أقصده."
صمت بلا مبالاة ولم يرد عليها. مشي وسابها.
خرجت أفنان من البيت، بس وقفت فجأة لما لقت الدنيا بتمطر جامد والجو مقلوب. بصت في تلك المنطقة، فهي لحين أن تخرج منها عشان تركب هتكون اتغرقت، ويعلم هتلاقي مواصلة ولا لا. بصت على البيت بتردد، بعدين رجعت دخلت. بصت حواليها.
"أستاذ هيثم."
قالتها نداءً له، لكنه لم يعطيها رداً. كان هيثم بياخد دش. تعجب.
كانت أفنان تسير وهي تبحث عنه، ثم اصطدمت بجسده. بصت لقته لابس بورنص ومبلول وصدره باين. خفضت عينها على الفور.
"إيه اللي رجعك؟"
قالت بحرج:
"ممكن أقعد هنا؟"
بصلها بشدة وعدم فهم. فقالت بتفسير وهي بتشاور على النافذة للخارج.
"الدنيا بتمطر. مش هطول. أول ما تهدى همشي على طول، صدقني عشان كمان ممكن ملاقيش تاكسي أرجع البيت."
"ماشي. اقعدي، كده كده أنا ماشي."
بصت له بشدة وهي تفتح فمها. مشي ببرود وسابها. عقدت حاجبيها بضيق وقالت:
"إيه البتاع ده؟ مش المفروض بدام هيخرج يوصلني ده من باب الذوق حتى."
مر الوقت ولسا المطرة شغالة. وأفنان قاعدة مستنية، إلى أن غفوت.
في الليل رجع هيثم وكان شارب وبيطوح. توجه لغرفته، بس وقف فجأة. بص لأفنان اللي كانت نايمة على الكنبة، وواضح إنها خدتها نومة.
راح لها وهو مش ساند نفسه. قرب منها وانحنى وبص لها وهي نايمة.
حست أفنان. فتحت عينها واتخضت لما شافته. اتنفضت من مكانها. حط إصبعه على شفتيها وقال:
"ششش. أهدى."
"إنت بتعمل إيه؟ إيه الريحة المقرفة دي؟ إنت شارب؟"
قعد على الكنبة وقرب منها. خافت وزحفت بإيدها لورا بخوف. قالت:
"لو سمحت خليك بعيد."
"مش عايز أبعد."
"أرجوك، إنت مش في وعيك."
قرب منها وهو مش سامعلها. خافت جداً. رفع إيده لرقبتها وفك حجابها. اتصدمت. رماه على الأرض وبص لشعرها الناعم. قرب إيده منها وهو بيزيحوا عن وشها ورا ودنها. بعد وشها بخوف وضيق.
"شعرك حلو أوي، بس هي كان شعرها أقصر مني."
بصت له باستغراب. بص لشفتاها. قرب إيده من عنقها ومال عليها. بعدت وشها سريعاً وحاولت تبعده. يصلها وعينها مدمعة وباصة الناحية التانية.
"لي عملتي كده فيا؟"
بصت له باستغراب. مال عليها وهو يدفن وجهه في عنقها وقال وهو مش في وعيه:
"متسبنيش يا هايدي."
بصت له بشدة. حاولت تبعده وهي بتقول:
"هايدي مين ياعم، أنا أفنان. ابعد بقا."
لقيته بيلف دراعه على وسطها وبيحضنها وينام. بصت له بشدة، لكن هذا أمان عن اقترابه منها بدام هدأ ويبدو في حالة نعاس.
مسكت إيده عشان تبعد. لقته بيمسك إيدها جامد وبيحطها عليه عشان تبادله العناق. اتصدمت وحاولت تسحب إيدها، بس إيده أقوى. عم الهدوء وهي بصاله وهو نايم. تنهدت باستسلام.
فتحت أفنان عينها بتثاقل. بصت لقت نفسها لسه زي الوضعية بتاعت امبارح. سحبت إيدها بهدوء. بس هيثم حس. فتح عينه بتثاقل. بص لنفسه، استغرب من نومته. بص لأفنان، التي نظرت له. لم يستوعب وضعيته وقربهم من بعض. ساب إيدها. بعد عنها على الفور.
"اتعدلت بحرج."
بصلها من شعرها. بعد عينه وقال ببرود:
"إيه اللي مقعدك لحد دلوقتي؟ شايفك أخدتي على البيت وبتحسبيني جوزك بجد."
بصت له بشدة قالت بأنفعال:
"نعم؟ لا بقولك إيه، إنت اللي رجعت وكنت سكران."
"آه، وإنتي استغليتي الوضع."
"إنت بتخرف تقول إيه؟ إنت قعدت تقول كلام مش مفهوم لواحده كده معرفهاش.. إيه كانت مين هي؟ وأديك قومت وشوفت إزاي كنت ماسكني، حتى معرفتش أتحرك وأقوم."
أردفت وهي تعقد حاجبيها وتقول بثقة:
"بتهيألي إنك لازم تعتذر."
"والله أنا مضربتكيش على إيدك وقولتلك خليكي.. إنتي سبتلك ذوقك مني."
"لا فيك الخير ومقولتليش ليه إنك بترجع سكران وبتتنيل تشرب."
رفع عيناها إليها. خافت من نظرته قال:
"إيه؟ عجبتك؟ شوفتك مستمتعة من قربي منك."
بصت له بصدمة ولسا هتتكلم. مال عليها، فرجعت لورا وخوّفها بزراعيه.
"لحد هنا وكفاية."
خافت وقالت:
"أنا فضلت ليلة واحدة وخلاص همشي. شكراً."
"شكلك عايزة تبقي على طول."
قرب منها. فنفت براسها على الفور وقالت:
"لا محصلش والله."
بصلها ببرود وهي خائفة والعينان تثقب الآخر. وقف وهو بيبعد عنها. عدل قميصه عليه وقال:
"لو عايزة نطلق، لاقي منير زهران."
بصت له. مشي وسابها. وهي زفرت بضيق وقالت:
"مين منير زهران ده كمان؟"
خدت شنطتها بسرعة وخرجت من هذا البيت وكأنها تفر منه.
كان هيثم واقف عند النافذة الزجاجية المطلة على الخارج ويضع يده في جيبه والأخرى يمسك هاتفه.
"كنت بحسب إني بس اللي معرفش بالجوازة دي. اتضح إن إحنا الاتنين اتغفلنا."
جاءه صوت عبر الهاتف وهو يقول:
"واضح إنها عجبتك."
رد بلا مبالاة:
"عارف إنها مش نوعي."
"وإنت نوعك إيه؟ زي اللي قبلها بردوا؟"
لم يرد وهو حاسس بالضيق.
"بلاش نرجع لورا. أهي راحت لحالها. أنا بعمل كده عشانك."
"أنا مطلبتش حاجة منك. لو شايفني مش راجل عشان تجوزني بالطريقة دي، قول لي. لو إذا كان عليها، فهي بنت. حاجة زي دي بتحصل. أما أنا، دي تبقى عيبه في حقي. بتهيألي لازم توقف المهزلة دي."
"آخر كلامي قولتهولك يومها. بعدين أنا سمعت إنها فضلت معاك ليلة امبارح، يعني انسجمتوا مع بعض. هنعمل الفرح خلال أسبوعين إن شاء الله."
"هي فضلت معايا آه، بس الموضوع مش هيمشي على هواك المرة دي."
"إيه كان اللي هتقوله. الفرح هيتعمل وهتمم جوازك منها."
دخلت أفنان المطعم وهي بتجري. راحت لوظيفتها وقالت:
"معلش على تأخيري."
قالت شذى بتعالٍ وسخرية:
"أفنان، أنا حاسة إني بعمل شغلك. أنا هنا بقالي كتير وإنتي لسه جايه."
"أنا آسفة."
"طب انجزي يا أختي، مش عارفة شغلوكي هنا على إيه. لو اتخصم حاجة من راتبنا مش هعدهالك."
"بس لسه فاضل دقيقة. أنا متأخرتش على ميعادي."
بصت لها وسارت تجاهها وقالت:
"أفنان، إنتي بتعلقي على كلامي؟ قريب وهكون موظفة منتظمة. مش عايزة واحدة زيك تسحبني للقاع معاها وأكون لسه موظفة جزئية. عشان كده ركزي في شغلك."
صمتت أفنان ولم ترد وذهبت إلى عملها لترى الزبائن. وهي تأخذ الطلبات، دخل أحدهم. بصت وتبدلت ملامحها لما لقيته هيثم. بصت له شذى من وسامته وهيبته، فهو ملفت للانظار. قربت منه وسابت كل اللي في إيدها. ابتسمت.
"اتفضل حضرتك، عايز إيه؟"
راح ناحية أفنان. بصت له. مسك إيدها.
"لازم نتكلم."
بصت له.
"بس.."
سحبها. وقع الدفتر من إيدها. نظرت شذى إليها وقالت:
"هو يعرفها منين عشان يمسكها كده؟ ده إنتي طلعتي مش سهلة يا أفنان."
كان هيثم ماسك ذراعها. قالت بغضب:
"سيب إيدي. إزاي تسحبني معاك كده؟ ابعد."
لم يرد عليها. فتح باب العربية ودفعها لداخل، ثم أقفل الباب ودخل هو الآخر. بصت له بحنق وتحسست ذراعها بتوجع.
"إنتي مين يا أفنان؟"
بصت له باستغراب. بصلها وكمل ببرود:
"إيه اللي عايزاه بالظبط؟ فلوس ولا سلطة؟"
قالت بضيق:
"لا فلوسك ولا سلطتك تهمني. قولتلك قبل كده، لي مش مصدقني؟ أنا ضحية في الجوازة دي زيك."
مسك ذراعها جامد وسحبها ليه رغم وجعها.
"إنتي هتضحكي عليا يا بت."
بصت له وكانت عيناه مخيفتان.
"لما إنتي مش عايزة تاخدي الفلوس، لي؟ متحاوليش تلعبي معايا عشان متندميش."
"مش أنا اللي خدت الفلوس والله. ما كنت أعرف أصلاً موضوع المهر والجواز ده غير منك. سيبني."
"ميخصنيش. لاقي منير وقوليله إنك مش عايزة الجواز دي، والغي الفرح قبل ما ينفذ اللي في دماغه ويبقى علني."
أومأت وهي تقول:
"حاضر."
"لو كذبتي عليا تاني، اعرفي إني هبعتك للجحيم بنفسي."
"أنا مكذبتش عليك أصلاً قبل كده."
سكت. بصلها وهي متوجعة وخايفة. بعد عنها. بص قدامه وقال ببرود:
"انهي الموضوع قبل بكرة. أنا بعتلك العنوان."
بصت له. قرب منها. رجعت لورا بخوف. بصلها من ردة فعلها. لم يبالي وفتح الباب ببرود. اتفاجأت لأنها ظنت أنه سيقترب منها.
"انزلي."
بصت له، ثم نزلت بسرعة. وقفت. فأنطلق بسيارته. قالت بصراخ بعدما كبحت غضبها:
"هيثم! إنت واحد حقير."
بصت على ذراعها بضيق. بس بعدين افتكرت المهلة اللي قالها عليها. زفرت بضيق.
"كنت ناقصة الجواز هو كمان. كرهتوني فيه قبل أما أجربه."
بصت على الساعة. بعدين مشيت. وصلت للمستشفى ودخلت الغرفة. لقت أمها قاعدة وكانت بتخيط كوفية وأخوها مسطح على السرير بجانبها. حمحمت ودخلت.
"ماما."
قربت منها قالت:
"أنا هكلم منير زهران هقوله يلغي الفرح والجوازة دي من الأساس و... بخصوص فواتير المستشفى، أنا هلقى وظيفة تانية وهدفع بنفسي. بس بلاها جوازة دي."
لم تكن مهتمة لكل ما قالته.
"ماما إنتي سامعاني؟"
"أنا خدت فلوس المهر وصرفت بعض منه."
اتصدمت أفنان. وقعت عليها تلك الكلمة. ولا تدري كيف ومتى. قالت:
"بتقولي إيه؟"
لم ترد. فكملت:
"صرفتي كام؟ طيب قوليلي بس وأنا هسدده، متخافيش."
ضاقت ملامح آمال وقالت بضيق داخل نفسها:
"هي عنيدة ومش هينفع معاها غير كده."
فاقت. ابتسمت بحزن. بصتلها وقالت:
"أفنان، أنا آسفة."
"في إيه يماما؟"
"إنتي عارفة إن مافيش في إيدي حاجة. فواتير المستشفى بتتراكم، غير اللي إحنا سلفينه. حتى قرايبنا بعدوا عننا بسبب ديونا. أنا لابسة اللبس ده من أربع سنين وخلاص زهقت من اللي إحنا فيه. كفاية."
مسكت يدها وأفنان بتبص لوالدتها وهي تبكي.
"أفنان، أنا آسفة على اللي عملته قبل كده. سامحيني يا بنتي، مقصدتش أمد إيدي عليكي."
"خلاص يماما. أنا مش زعلانة. متعيطيش عشان خاطري. أنا هساعدك. بعد أما تخرجي، هلقى شغل وأبقى موظفة مثبتة. هساعد العيلة كلها."
"أنا عشت كفاية، بس أخوكي لسه صغير جداً."
بصت أفنان إلى أخيها المسطح. حزنت.
"عشان خاطري، أرجوكي بلاش تعملي كده."
دمعت عينها بحزن من كلام والدتها ورجائها. ثم عانقتها وهي بتقول:
"حاضر يماما."
ابتسمت وبادلتها العناق وهي منتصرة أن خطتها قد نجحت.
في الشركة كان هيثم في مكتبه والليل يحل عليه. سكب الخمر في كأسه.
"خلفت وعدها للمرة التانية. وحياة أمها، ماشي."
دفع الكأس إليه وهو يشربه وعيناه جاحظان بتوعد. دخل سامر. بصله وقال:
"إيه يابني؟ بتسرب في المكتب؟ أول مرة تفضل لحد الساعة دي."
"سيبني في حالي يا سامر، مش ناقصك."
"مالك بس؟"
لم يرد. قرب منه بعد وقال:
"بسبب الجوازة اللي اتدبست فيها دي."
"بلا جوازة بلا زفت، مش معترف بيها أصلاً."
"طب أهدى. أنا أول مرة أشوفك كده."
صمتت. وهو يكبح ضيقه. ابتسم سامر. خد الزجاجة وسكب إليه وقال:
"مش تعزم؟"
طيبة. تنهد وهو يبعد شعره للخلف. قال سامر:
"قولي صحيح، هي حلوة؟"
بصله هيثم. قال:
"مش فاهم."
"البت، أكيد شوفتها. هي عاملة إزاي؟ شكلها كده."
قال بلا مبالاة:
"عادية."
"امم، بس؟ مفهاش حاجة مميزة؟"
صمت وهو يتذكرها. شرب كأسه ولم يرد. بصله سامر. قال:
"هي لو مكنتش مميزة، مكنتش قدرت تعصبك كده."
"قصدك إيه؟"
"طالما عادية، امشي الجوازة بعدين طلقها، وإنتوا اتفقتوا مع بعض."
بصله هيثم. فقال:
"ولو معرفتش أطلقها، هكون اتدبست فيها عمري كله."
"لي يابني؟ دي سهلة عليك أوي. بعدين هي مش عاجباك أوي كده. مفيش حاجة شديتك ليها ولو شوية؟"
قال ببرود وهو ينظر أمامه:
"لا."
"لا ولا إنت اللي مدتش نفسك فرصة تتقبلها."
"ولا هدي لنفسي فرصة. يا سامر، الموضوع ده خلص زمان. بلاش نفتحه."
"حاضر. إلى إنت عايزه. مش هضغط عليك. بس إنت بقول من حيث لو اتجوزتها وعيشت معاها، متحسش بالخنقة منها وكده. على الأقل كصديق."
رد. وعم الصمت قليلاً. وكان هيثم ينظر لكأسه. قال:
"مختلفة عني أوي يا سامر."
بصله. كمل وهو شارد.
"مش شبهي ولا أنا شبهها. في بينا اختلافات كتير. مش عارف أقولهالك إزاي. بس صعبانة عليا تاخد واحد زي."
"واحد زيك إزاي؟"
"البنت غلبانة، طيبة، مش هتنفع معايا."
"وإنت عرفت منين إنها كده؟"
سكت هيثم ومردش. وكأنه يقلب كلامه وبيفتكر اليوم اللي حاله في معلومات عنها من المحامي.
"ده ملفها وكل اللي قدرت أجمعه من ساعة زي ما حضرتك طلبت."
خد الملف وبص على صورتها. ولوهلة استغرب. حس إنه شاف الوجه ده قبل كده، بس مش فاكره فين. ممكن تخيل مش أكتر.
"بتشتغل في مطعم بدوام جزئي وهي طالبة في كلية تجارة، بس متفوقة ودرجاتها بتثبت ده. عايشة مع والدتها وأخوها مريض وهي اللي بتصرف عليه."
استغرب هيثم. هل كل هذا من تلك الفتاة؟ قال ببرود:
"بالنسبة لعلاقتها إيه؟"
"لا بنت عادية في حالها. حتى صاحبها مش كتير. هي زميلتها في الجامعة."
خد عنوان شغلها وشافها أول مرة وهي قاعدة مستنية العربية بعد أما خلصت شغلها. وكان ناوي يكلمها. بس لما نزل من العربية وقرب منها خطوتين، شافه بتمشي. استغرب. لقاها بتشتري بالونة. سخر منها داخله. بس اتفاجأ لما راحت لطفل مشرد يقف منكمش على نفسه وبتدهاله.
قرر يقف. سند على عربيته وهو بيتابع المشهد من بعيد. وبسمتها وهي بتكلمه بود. والطفل لما مسك البالونة، كيف ارتسمت بسمة بريئة على وجهه.
شافها بتقعده وبتسلمه وبتمشي. وبعدين رجعت وفي إيدها كيس طعام وبتدهوله وبتقعد جنبه وهو يأكل بسعادة. شافها بتركب العربية وهو بيشاور لها وكأنه بيودعها. ثم ذهبت واختفت عن الأنظار. رأى كم هذا الطفل محظوظ لأنه التقى بها وأسعدته تلك الفتاة بطيبتها. فهل هو أيضاً محظوظ لأنها دخلت حياته كذلك الطفل؟ ما حكمه ربه بأن يجمعه به؟
تنهد وذهب إليه. وقفه. بصله الطفل قال:
"بتنادي يعمو؟"
"تعالى."
بصله بتردد. ثم قرب منه قال:
"هي اللي جابتلي الأكل، والله أنا.."
"بس أنا مسألتكش."
"مش إنت بوليس وهتعاقبني؟"
صمت وحس بالحزن عليه. خرجت محفظته وأعطاه مبلغ من المال. بصله الطفل بدهشة وهو بيمد إيده ليه.
"خد، بلاش تضيعهم منك."
"ا.. لا، ده كتير."
ابتسم ابتسامة خفيفة. مسك أيده وحط الفلوس فيها. قال:
"خلي بالك من نفسك."
بص الطفل إلى المال. تنهد هيثم وحط إيده على شعره بمداعبة. ثم وقف وذهب وهو يتذكر أفنان. تلك الفتاة التي رآها بطريقة فظة قبل أن يأتي لرؤيته.
لكن هذا لا يمنع كونها امرأة وهو يبغضهم.
فتح العربية وركب وهو بيمشي.
"إيه يابني سرحت في إيه؟"
فاق هيثم. نفى وقال:
"مفيش."
"يعني طيبة. المفروض تعجبك. مش تكون مش عايزها. إنت شوفت حاجة منها؟"
"لا. وده اللي مضايقني."
"يعني إيه؟"
"في اليومين اللي عرفتها فيهم واتكلمنا، جسيت نبضها. بس هي كانت مختلفة عن أي واحدة عرفتها."
أجل. فكان هيثم يتقرب إليها عمداً، يرى ابتعادها وخوفها. حتى أنها لم تبادله أو تضعف له ولو لذرة. حتى حين قبلها، قامت بصفعه. وهذا ما جعله يبتسم. أنه انجذب إليها بما فعلته. فهي فاجأته حقاً.
"إنت بتبتسم؟ ده بجد؟"
"تصور أنها ضربتني بالقلم لما قربت منها، رغم إنها مراتي."
ضحك وهو يقول:
"إنت بتتكلم جد؟ مش قادر أستوعب هيثم يضرب بالقلم!"
بصله هيثم بحدة. فتوقف عن الضحك بحرج. قال:
"احم.. ممكن تكون عشان غريبة عنها. مش بدام إنك جوزها يبقى عادي. البت متعرفكش بردو."
"ممكن."
"شكلك معجب بيها. مضايق لي بقا؟ بدام طيبة يعني البنت حلوة."
تنهد وهو يقول بضيق:
"مش هتفهمني."
بصله سامر. فيبدو أن أفكاره تجعله يعاني هذه الفترة. تنهد. حط إيده على كتفه وقال:
"ممكن أكون مش فاهمك، بس كفاك يا هيثم تبص لورا. إحنا في النهارده. أرضى بالواقع ومشي الموضوع وهتتحل. بعدين محدش هيجبرك تعيش معاها. تقدر تنهي الموضوع بكلمة منك وقرشين وكل واحد يروح لحاله."
رد هيثم. شرب كأسه وهو يقول:
"ده اللي هيحصل."
أردف ببرود:
"بس مش قبل أما أعرف السر اللي وراها."
دخلت أفنان المطعم وهي بتجرى. راحت لوظيفتها وقالت:
"معلش على تأخيري."
قالت شذى بتعالي وسخرية:
"أفنان، أنا حاسة إني بعمل شغلك. أنا هنا بقالي كتير وإنتي لسه جايه."
"أنا آسفة."
"طب انجزي يا أختي، مش عارفة شغلوكي هنا على إيه. لو اتخصم حاجة من راتبنا مش هعدهالك."
"بس لسه فاضل دقيقة. أنا متأخرتش على ميعادي."
بصت لها وسارت تجاهها وقالت:
"أفنان، إنتي بتعلقي على كلامي؟ قريب وهكون موظفة منتظمة. مش عايزة واحدة زيك تسحبني للقاع معاها وأكون لسه موظفة جزئية. عشان كده ركزي في شغلك."
صمتت أفنان ولم ترد وذهبت إلى عملها لترى الزبائن. وهي تأخذ الطلبات، دخل أحدهم. بصت وتبدلت ملامحها لما لقيته هيثم. بصت له شذى من وسامته وهيبته، فهو ملفت للانظار. قربت منه وسابت كل اللي في إيدها. ابتسمت.
"اتفضل حضرتك، عايز إيه؟"
راح ناحية أفنان. بصت له. مسك إيدها.
"لازم نتكلم."
بصت له.
"بس.."
سحبها. وقع الدفتر من إيدها. نظرت شذى إليها وقالت:
"هو يعرفها منين عشان يمسكها كده؟ ده إنتي طلعتي مش سهلة يا أفنان."
كان هيثم ماسك ذراعها. قالت بغضب:
"سيب إيدي. إزاي تسحبني معاك كده؟ ابعد."
لم يرد عليها. فتح باب العربية ودفعها لداخل، ثم أقفل الباب ودخل هو الآخر. بصت له بحنق وتحسست ذراعها بتوجع.
"إنتي مين يا أفنان؟"
بصت له باستغراب. بصلها وكمل ببرود:
"إيه اللي عايزاه بالظبط؟ فلوس ولا سلطة؟"
قالت بضيق:
"لا فلوسك ولا سلطتك تهمني. قولتلك قبل كده، لي مش مصدقني؟ أنا ضحية في الجوازة دي زيك."
مسك ذراعها جامد وسحبها ليه رغم وجعها.
"إنتي هتضحكي عليا يا بت."
بصت له وكانت عيناه مخيفتان.
"لما إنتي مش عايزة تاخدي الفلوس، لي؟ متحاوليش تلعبي معايا عشان متندميش."
"مش أنا اللي خدت الفلوس والله. ما كنت أعرف أصلاً موضوع المهر والجواز ده غير منك. سيبني."
"ميخصنيش. لاقي منير وقوليله إنك مش عايزة الجواز دي، والغي الفرح قبل ما ينفذ اللي في دماغه ويبقى علني."
أومأت وهي تقول:
"حاضر."
"لو كذبتي عليا تاني، اعرفي إني هبعتك للجحيم بنفسي."
"أنا مكذبتش عليك أصلاً قبل كده."
سكت. بصلها وهي متوجعة وخايفة. بعد عنها. بص قدامه وقال ببرود:
"انهي الموضوع قبل بكرة. أنا بعتلك العنوان."
بصت له. قرب منها. رجعت لورا بخوف. بصلها من ردة فعلها. لم يبالي وفتح الباب ببرود. اتفاجأت لأنها ظنت أنه سيقترب منها.
"انزلي."
بصت له، ثم نزلت بسرعة. وقفت. فأنطلق بسيارته. قالت بصراخ بعدما كبحت غضبها:
"هيثم! إنت واحد حقير."
بصت على ذراعها بضيق. بس بعدين افتكرت المهلة اللي قالها عليها. زفرت بضيق.
"كنت ناقصة الجواز هو كمان. كرهتوني فيه قبل أما أجربه."
بصت على الساعة. بعدين مشيت. وصلت للمستشفى ودخلت الغرفة. لقت أمها قاعدة وكانت بتخيط كوفية وأخوها مسطح على السرير بجانبها. حمحمت ودخلت.
"ماما."
قربت منها قالت:
"أنا هكلم منير زهران هقوله يلغي الفرح والجوازة دي من الأساس و... بخصوص فواتير المستشفى، أنا هلقى وظيفة تانية وهدفع بنفسي. بس بلاها جوازة دي."
لم تكن مهتمة لكل ما قالته.
"ماما إنتي سامعاني؟"
"أنا خدت فلوس المهر وصرفت بعض منه."
اتصدمت أفنان. وقعت عليها تلك الكلمة. ولا تدري كيف ومتى. قالت:
"بتقولي إيه؟"
لم ترد. فكملت:
"صرفتي كام؟ طيب قوليلي بس وأنا هسدده، متخافيش."
ضاقت ملامح آمال وقالت بضيق داخل نفسها:
"هي عنيدة ومش هينفع معاها غير كده."
فاقت. ابتسمت بحزن. بصتلها وقالت:
"أفنان، أنا آسفة."
"في إيه يماما؟"
"إنتي عارفة إن مافيش في إيدي حاجة. فواتير المستشفى بتتراكم، غير اللي إحنا سلفينه. حتى قرايبنا بعدوا عننا بسبب ديونا. أنا لابسة اللبس ده من أربع سنين وخلاص زهقت من اللي إحنا فيه. كفاية."
مسكت يدها وأفنان بتبص لوالدتها وهي تبكي.
"أفنان، أنا آسفة على اللي عملته قبل كده. سامحيني يا بنتي، مقصدتش أمد إيدي عليكي."
"خلاص يماما. أنا مش زعلانة. متعيطيش عشان خاطري. أنا هساعدك. بعد أما تخرجي، هلقى شغل وأبقى موظفة مثبتة. هساعد العيلة كلها."
"أنا عشت كفاية، بس أخوكي لسه صغير جداً."
بصت أفنان إلى أخيها المسطح. حزنت.
"عشان خاطري، أرجوكي بلاش تعملي كده."
دمعت عينها بحزن من كلام والدتها ورجائها. ثم عانقتها وهي بتقول:
"حاضر يماما."
ابتسمت وبادلتها العناق وهي منتصرة أن خطتها قد نجحت.
في الشركة كان هيثم في مكتبه والليل يحل عليه. سكب الخمر في كأسه.
"خلفت وعدها للمرة التانية. وحياة أمها، ماشي."
دفع الكأس إليه وهو يشربه وعيناه جاحظان بتوعد. دخل سامر. بصله وقال:
"إيه يابني؟ بتسرب في المكتب؟ أول مرة تفضل لحد الساعة دي."
"سيبني في حالي يا سامر، مش ناقصك."
"مالك بس؟"
لم يرد. قرب منه بعد وقال:
"بسبب الجوازة اللي اتدبست فيها دي."
"بلا جوازة بلا زفت، مش معترف بيها أصلاً."
"طب أهدى. أنا أول مرة أشوفك كده."
صمتت. وهو يكبح ضيقه. ابتسم سامر. خد الزجاجة وسكب إليه وقال:
"مش تعزم؟"
طيبة. تنهد وهو يبعد شعره للخلف. قال سامر:
"قولي صحيح، هي حلوة؟"
بصله هيثم. قال:
"مش فاهم."
"البت، أكيد شوفتها. هي عاملة إزاي؟ شكلها كده."
قال بلا مبالاة:
"عادية."
"امم، بس؟ مفهاش حاجة مميزة؟"
صمت وهو يتذكرها. شرب كأسه ولم يرد. بصله سامر. قال:
"هي لو مكنتش مميزة، مكنتش قدرت تعصبك كده."
"قصدك إيه؟"
"طالما عادية، امشي الجوازة بعدين طلقها، وإنتوا اتفقتوا مع بعض."
بصله هيثم. فقال:
"ولو معرفتش أطلقها، هكون اتدبست فيها عمري كله."
"لي يابني؟ دي سهلة عليك أوي. بعدين هي مش عاجباك أوي كده. مفيش حاجة شديتك ليها ولو شوية؟"
قال ببرود وهو ينظر أمامه:
"لا."
"لا ولا إنت اللي مدتش نفسك فرصة تتقبلها."
"ولا هدي لنفسي فرصة. يا سامر، الموضوع ده خلص زمان. بلاش نفتحه."
"حاضر. إلى إنت عايزه. مش هضغط عليك. بس إنت بقول من حيث لو اتجوزتها وعيشت معاها، متحسش بالخنقة منها وكده. على الأقل كصديق."
رد. وعم الصمت قليلاً. وكان هيثم ينظر لكأسه. قال:
"مختلفة عني أوي يا سامر."
بصله. كمل وهو شارد.
"مش شبهي ولا أنا شبهها. في بينا اختلافات كتير. مش عارف أقولهالك إزاي. بس صعبانة عليا تاخد واحد زي."
"واحد زيك إزاي؟"
"البنت غلبانة، طيبة، مش هتنفع معايا."
"وإنت عرفت منين إنها كده؟"
سكت هيثم ومردش. وكأنه يقلب كلامه وبيفتكر اليوم اللي حاله في معلومات عنها من المحامي.
"ده ملفها وكل اللي قدرت أجمعه من ساعة زي ما حضرتك طلبت."
خد الملف وبص على صورتها. ولوهلة استغرب. حس إنه شاف الوجه ده قبل كده، بس مش فاكره فين. ممكن تخيل مش أكتر.
"بتشتغل في مطعم بدوام جزئي وهي طالبة في كلية تجارة، بس متفوقة ودرجاتها بتثبت ده. عايشة مع والدتها وأخوها مريض وهي اللي بتصرف عليه."
استغرب هيثم. هل كل هذا من تلك الفتاة؟ قال ببرود:
"بالنسبة لعلاقتها إيه؟"
"لا بنت عادية في حالها. حتى صاحبها مش كتير. هي زميلتها في الجامعة."
خد عنوان شغلها وشافها أول مرة وهي قاعدة مستنية العربية بعد أما خلصت شغلها. وكان ناوي يكلمها. بس لما نزل من العربية وقرب منها خطوتين، شافه بتمشي. استغرب. لقاها بتشتري بالونة. سخر منها داخله. بس اتفاجأ لما راحت لطفل مشرد يقف منكمش على نفسه وبتدهاله.
قرر يقف. سند على عربيته وهو بيتابع المشهد من بعيد. وبسمتها وهي بتكلمه بود. والطفل لما مسك البالونة، كيف ارتسمت بسمة بريئة على وجهه.
شافها بتقعده وبتسلمه وبتمشي. وبعدين رجعت وفي إيدها كيس طعام وبتدهوله وبتقعد جنبه وهو يأكل بسعادة. شافها بتركب العربية وهو بيشاور لها وكأنه بيودعها. ثم ذهبت واختفت عن الأنظار. رأى كم هذا الطفل محظوظ لأنه التقى بها وأسعدته تلك الفتاة بطيبتها. فهل هو أيضاً محظوظ لأنها دخلت حياته كذلك الطفل؟ ما حكمه ربه بأن يجمعه به؟
تنهد وذهب إليه. وقفه. بصله الطفل قال:
"بتنادي يعمو؟"
"تعالى."
بصله بتردد. ثم قرب منه قال:
"هي اللي جابتلي الأكل، والله أنا.."
"بس أنا مسألتكش."
"مش إنت بوليس وهتعاقبني؟"
صمت وحس بالحزن عليه. خرجت محفظته وأعطاه مبلغ من المال. بصله الطفل بدهشة وهو بيمد إيده ليه.
"خد، بلاش تضيعهم منك."
"ا.. لا، ده كتير."
ابتسم ابتسامة خفيفة. مسك أيده وحط الفلوس فيها. قال:
"خلي بالك من نفسك."
بص الطفل إلى المال. تنهد هيثم وحط إيده على شعره بمداعبة. ثم وقف وذهب وهو يتذكر أفنان. تلك الفتاة التي رآها بطريقة فظة قبل أن يأتي لرؤيته.
لكن هذا لا يمنع كونها امرأة وهو يبغضهم.
فتح العربية وركب وهو بيمشي.
"إيه يابني سرحت في إيه؟"
فاق هيثم. نفى وقال:
"مفيش."
"يعني طيبة. المفروض تعجبك. مش تكون مش عايزها. إنت شوفت حاجة منها؟"
"لا. وده اللي مضايقني."
"يعني إيه؟"
"في اليومين اللي عرفتها فيهم واتكلمنا، جسيت نبضها. بس هي كانت مختلفة عن أي واحدة عرفتها."
أجل. فكان هيثم يتقرب إليها عمداً، يرى ابتعادها وخوفها. حتى أنها لم تبادله أو تضعف له ولو لذرة. حتى حين قبلها، قامت بصفعه. وهذا ما جعله يبتسم. أنه انجذب إليها بما فعلته. فهي فاجأته حقاً.
"إنت بتبتسم؟ ده بجد؟"
"تصور أنها ضربتني بالقلم لما قربت منها، رغم إنها مراتي."
ضحك وهو يقول:
"إنت بتتكلم جد؟ مش قادر أستوعب هيثم يضرب بالقلم!"
بصله هيثم بحدة. فتوقف عن الضحك بحرج. قال:
"احم.. ممكن تكون عشان غريبة عنها. مش بدام إنك جوزها يبقى عادي. البت متعرفكش بردو."
"ممكن."
"شكلك معجب بيها. مضايق لي بقا؟ بدام طيبة يعني البنت حلوة."
تنهد وهو يقول بضيق:
"مش هتفهمني."
بصله سامر. فيبدو أن أفكاره تجعله يعاني هذه الفترة. تنهد. حط إيده على كتفه وقال:
"ممكن أكون مش فاهمك، بس كفاك يا هيثم تبص لورا. إحنا في النهارده. أرضى بالواقع ومشي الموضوع وهتتحل. بعدين محدش هيجبرك تعيش معاها. تقدر تنهي الموضوع بكلمة منك وقرشين وكل واحد يروح لحاله."
رد هيثم. شرب كأسه وهو يقول:
"ده اللي هيحصل."
أردف ببرود:
"بس مش قبل أما أعرف السر اللي وراها."
رواية ثأر القلوب الفصل الرابع 4 - بقلم نور
كانت أفنان في أوضتها قاعدة بتذاكر وبتفتكر هيثم.
"انهي الموضوع قبل بكرا."
مسكت رأسها وهي تصرخ وتنكس شعرها بضيق.
"أكيد هيخطفني تاني.. طلعلي منين ده بس يارب."
ثم ألقت برأسها على المكتب وشعرها متبعثر على وجهها.
نفخت وهي تبعد خصلاتها عن فمها بملل.
"أفنان انتي واحدة بائسة شبه حياتك."
***
في القصر كان يوجد امرأة عجوز جالسة وهيثم قاعد جنبها.
كانت مبتسمة وهي تنظر له.
"ليه مبتجيش يا هيثم؟ لازم أقولك إنك وحشتني عشان تشوف جدتك."
صمت ولم يرد، فهو قد غادر من ذلك القصر، كيف يعود إليه.
مسكت يده، بصلها قالت:
"سمعت من والدك إنك ارتبطت ببنت جميلة وهو اختارها."
بص لمنير ببرود، الذي كان يقرأ كتاب بلا مبالاة.
"متسمعيش ليه.. أنا مش هتجوزها."
رفع منير وجهه إلى هيثم بشدة، واتصدمت جدته هي الأخرى.
قالت:
"إيه اللي أنت بتقوله ده؟"
تنهد منير بقله حيلة ولم يعلق.
فكملت الجدة بغضب وحزن:
"ليه يا هيثم؟ الحياة موقفتش."
سكتت وهي تتألم.
بصلها هيثم، قرب منها وقال بقلق:
"مالك؟"
"شكلك مش هتتجوز غير لما أموت."
تنهد وصمت.
تحدث منير وهو يقول:
"متزعليش، هما أصلاً عايشين مع بعض."
بص له هيثم ببرود.
فكمل:
"بلاش تنفعلي عشان ضغطك ما يرتفعش."
هيثم تنهد بلا مبالاة لحديثه.
"بلاش تتصرف كده وتضايق جدتك منك، هي مش عايزة منك حاجة غير إنها تشوفك عريس."
لم يعير كلامه اهتماماً.
بص لجدته وقال وهو يبص في ساعته:
"لازم أمشي، ورايا شغل دلوقتي.. خلي بالك من نفسك."
بصتله بحزن ولا يزال التعب على وجهها.
وقف، بص لمنير ببرود ثم ذهب.
وكان يتابعه، ثم نظر إلى الجدة.
قال:
"أمي."
ابتسم واردف:
"خلاص كفاياكي تمثيل، هو مش."
"اتعدلت."
بصتله قالت بضيق:
"ممكن ميقبلش يتجوزها."
"متخافيش، كل حاجة هتمشي صح، مش هخليه يختار تاني."
"منها لله اللي كانت السبب في كسر قلب حفيدي وخلته هنا.. انت واثق في البنت دي؟"
تحدث بجدية:
"لو مكنتش عارف إنها اللي ممكن تغيره، مكنتش اخترتها تكون مراته."
"يارب.. طب أنا عايزة أشوفها."
ابتسم بهدوء وقال:
"هتشوفيها قريب."
بادلته الابتسامة، وربتت على يده برضا.
***
مر يومين.
في الجامعة كانت أفنان تسير مع شهد بصمت.
بصت لها وقالت:
"مالك يا بنتي سرحانة في إيه؟"
فاقت أفنان وقالت:
"ل..لا مافيش حاجة."
"مافيش حاجة إزاي، ده انتي اليوم كله مفيش محاضرة ركزتي فيها.. انتي كويسة؟"
"آه."
سكتت لما لقت عربية وقفت جنبها.
اتخضوا الاثنين.
"مين الأعمى ده؟ مش ت.."
فتحت النافذة، وتبدلت ملامحها لما شافته.
"اركبى."
بصت له شهد وبصت لأفنان.
قالت:
"انتي تعرفيه؟"
سكتت وهي مش عارفة تتكلم.
بصلها هيثم ببرود.
اتوترت، بصت حواليها.
"أشوفك مرة تانية يا شهد."
"ماشي."
ركبت معاه وهي خايفة.
بصتله، فذهب دون أن ينطق بكلمة.
في المنزل كانت أفنان قاعدة.
بصت له من هدوئه.
خدت الورقة اللي على الطرابيزة قدامها.
قالت:
"إيه ده؟"
"مبتعرفيش تقري؟"
بصتله بضيق من سخريته، وهو لم يبالي.
قرأت الورقة، قالت باستغراب:
"قانون الثنائي! .. الزوج دايماً على حق!! .. مينفعش تردي عليه!!! .. الخروج بعلمه!!!! .. طاعته قبل أي شيء!!!!!"
اتصدمت وبصتله بشدة.
كان هادئ.
قالت:
"هيثم هو انت طفل؟ ده مش عدل."
حطت الورقة بغضب وتذمر.
"ليه مضطرة أمضي على ده؟"
قال ببرود:
"لأنك مضطرة يا أفنان."
بصتله، أردف وهو يريح ظهره للخلف ويقول:
"مفيش داعي لو مقعتيش.. ادفعي نص مليون جنيه بكرة."
عرفت إنه قصده المهر اللي خدته أمها.
اتضايقت وحست بالحرج.
بصتله قالت بتردد:
"ينفع يعني.. أقسطهملك.. على مدار حياتي؟"
تنهد وقال ببرود:
"آنسة أفنان.. أنا رجل أعمال."
نظر إليها وأردف بجمود:
"يعني مبحبش الوعد الفارغة والكلمة بحسابها.. واللي بتعمليه بتضيعي وقتي اللي هو غالي عندي."
"ليه بتقول كده؟"
"عشان أنا عارف إنك مش هتقدري تدفعي المبلغ ده."
عقدت حاجبيها بضيق، قالت وهي تحاول التحدث بهدوء:
"خليك عقلاني شوية يا أستاذ هيثم.. مبلغ زي ده إزاي أدفعهولك في يوم واحد؟"
"يبقى امضي وأنتي ساكتة."
قالت بغضب:
"انت مش عايز تتجوزني من أصله، ليه أمضي على الورق ده؟ لا عايز يتم الفرح ولا عايز تطلقني."
مسكها من دراعها وسحبها ليه، قال:
"صوتك ميعلاش عليا، سمعتيني؟"
بصتله بخوف وأومأت له.
قال بتحذير:
"ومتتدخليش في اللي ملكيش فيه، وإنجزي، أنا مش فاضيلك."
ساب ذراعها بضيق، وهي تألمت.
بصت على الورقة، دمعت عينها.
فهل ستتزوج هذا الرجل ويعاملها بتلك القسوة؟
همست، أمسكتها ويدها بترتجف، فهي تمنت أن تتزوج رجل يحبها، حنون يقف معها لتلك الدنيا، لكن اتضح الواقع غير.
وقعت بقله حيلة، ثم أعطته الورقة وقالت:
"اتفضل."
"خليها معاكي عشان تفتكري اللي لازم تعمليه.. الفرح بعد يومين."
بصتله بصدمة وقالت:
"فرح؟!"
"للأسف.. طبعاً عارفة إن لو حاولتي تهربي يومها مش هيحصل طيب، وفي الآخر هجيبك مش حباً له، عشان شكلي قدام الناس بس. وقتها هتكوني كتبتي جحيم بإيدك، آنسة أفنان."
سكتت وهي حاسة بغصة في حلقها.
جت تقوم، مسك إيدها وسحبها.
بصتله قالت:
"في إيه تاني؟"
"معندكيش أي طلبات بخصوص جوازنا؟"
بصتله وصمتت قليلاً، ثم قالت:
"مش هسمح بأي تواصل جسدي.. افتكر إن جوازنا مزيف."
سكت قليلاً وهو يدرك ما قالته، ثم تحدث بلامبالاة:
"حاجة تانيها؟"
استغربت لأنه وافق على هذا الطلب.
نفيت برأسها، ثم قالت:
"لا.. أنت عندك حاجة عايز تقولها؟"
"بما إنك مراتي، لازم تكوني عفيفة ومخلصة ليا وتحترمني."
بصتله باستغراب شديد.
بص قدامه وأردف:
"بتهيألي فاهمة كلامي."
"بصراحة لأ.. مخلصة ليك إزاي؟"
"أنا مبثقش في أي واحدة، بس هحاول معاكي بما إنك هتبقي مراتي."
تنهد ووقف وهو يكمل:
"وعشان أكون عادل، أنا كمان هيتطبق عليا كلامي وهكون مخلص ليكي ومش هبص لواحدة تانية طول فترة جوازنا.. لحد ما يخلص الموضوع وكل واحد يروح لحاله."
ذهب وهو يتركها في حيرتها تجاهه.
لا تفهم طلبه الغريب هذا، ولما لا يثق بنساء؟
تعجبت، فهل ستعيش مع شخص لا يثق بها؟ كيف هذا؟
رجعت بيتها، وهي بتدخل قابلت والدتها.
التي ابتسمت وقالت:
"كنتي مع هيثم، مش كده؟"
بصت لها أفنان ومردتش.
مشت تبعتها أمال وقالت:
"قالك إيه؟ اتكلموا بخصوص الفرح؟"
قعدت أفنان، بصت إلى والدتها وقالت:
"وأنا يا ماما.. حياتي اللي بتتاخد ملهاش قيمة عندي؟"
سكتت أمال وقالت باستغراب:
"مالك؟ في حاجة؟"
"ولا حاجة يا ماما، ولا حاجة."
سابته ومشيت ودخلت أوضتها وهي لا تشعر بالسعادة.
فهل هذه عروس سيتم زواجها بعد يومين؟
تمنت أن تختار حياة غير حياتها الكئيبة عبر زواجها ممن تحب، لكن اتضح أن حتى ذلك قد سلب منها.
راحت اتوضت وصليت استخارة حتى ترى رؤية تكون بشارة إليها أو شيئاً يجعلها توقف هذا الزواج.
لكن هل تستطيع إيقافه؟
وجه يوم الفرح، وأتموا الزفاف الذي حضر فيه صحافيون وناس كبار.
وكانت أفنان متألقة، قد توجهت الأنظار حولها بفستانها الأبيض الذي يجعلها كاليمامة الجميلة من رقتها.
لا ينكر هيثم أنه انجذب من رؤيتها، ولا ينكر أنه تضايق من الأنظار عليها، وأراد أن يخبأها، فهي الآن بحكم وضعها زوجته، ولا يقبل أن ينظر لها أحد غيره.
لكن لما التضايق؟ هل يعتبرها زوجته بالفعل؟ هل هو مجرد تضايق عادي أم غيرة؟
غيرة!! أليست تلك مشاعر؟ وهو لا يمت للمشاعر بصلة ناحيتها.
دخلوا البيت، بصت حواليها، كانت هتقع بس مسكها هيثم.
بصتله، اتوترت.
أيده خزائن وسطها، اتعدلت بحرج، وهو أيضاً.
"معلش مش متعود على الكعب."
"خدي راحتك، هتعيشي هنا من انهاردة."
مشي وسابها.
بصتله، ثم نظرت إلى قدميها.
قلعت الجزمة، مسكتها في إيدها، وتبعته.
صعدت السلم الخشبي، فكان تصميم المنزل كما توقعت، رات كذلك في أحد البيوت عبر التلفاز.
كانت ماشية وراه وبتص للأوض.
لقته توجه لغرفة، وكانت غرفة تبديل الملابس.
فك أزرار الأكمام.
بصتله قالت:
"أنا فين أوضتي؟"
لم يرد عليها.
بصتله بغضب، وهو غير مبالي.
"أنا بكلمك على فكرة."
فك الجرافته وقال:
"عايزة إني أوضة؟"
بصتله، صمتت قليلاً، ثم قالت:
"الصالة، أقدر أنام فيها؟"
"لا."
قالها ببرود.
بصتله بشدة وقالت:
"قلت إيه؟"
لم يرد عليها وهو يفك أزرار قميصه.
وقفت قدامه لينظر إليها.
"لا يعني إيه؟"
شهقت لما لقته قلع قميصه وبقى عاري قدامها لا يرتدي سوى بنطاله.
لفت وهي بتديه ضهرها قالت:
"أنجز وقول عشان أمشي."
رد بلا مبالاة:
"هتنامي في أوضة النوم."
"لا."
وجدته يحاوطها بذراعيه.
اتخضت، رغم إنها بتديه ضهرها، بس كانت حاسة بقربه، وبتتخيله.
لقت بيمشي إيدها عليها على ضهرها، خافت وقلبها بيدق جامد من التوتر.
وكان هيثم يقترب من وجهها.
حست بيه بيمسك السوسته.
"إيه رأيك لو."
اتصدمت لما لقته بيفتحها وبتنزل ببطء.
ثم قرب وجهه وهمس لها:
"نتمم جوازنا حالا."
اتنفضت ولفت سريعاً وهي بتديه وجهها وتنفى برأسها بحرج.
بصت على صدره، ثم أخفت عينيها.
زقت بعيد عنها، قالت:
"مش هيحصل."
بصلها بهدوء وقال:
"انتي بتتعدي القواعد من أول يوم جوازنا، أمال الأيام الجاية هتبقى إيه؟"
بصتله، فأردف:
"انتي مبتوفيش بوعدك زي أما توقعت."
"بتتكلم عن قواعد!! الزوجة متخالفش كلام جوزها.. دي أكتر قواعد غريبة أنا ممكن أشوفها."
كان وجهه بارد.
بصتله وقالت بضيق:
"بس حاضر، هتتنفذ.. فين الأوضة بقا؟"
شاور إليها.
سابته ومشيت وهي تتذمر عليه.
ابتسم هيثم وهو يذكر كيف دفعته بعيداً عنها.
غيرت أفنان فستانها، ولبست بيجامة رقيقة لونها وردي.
"ياريت يفضل برا كتير وميجيش أو يروح أوضة تانية.. أي هالة التوتر اللي أنا فيها دي.. اهدى يا أفنان عشان غريب عنك مش أكتر، والأحداث كانت كتيرة عليكي آخر فترة."
تنهدت وهي تهدأ من روعها.
سمعت صوت، بصت للباب، وبسرعة جريت على السرير نامت، ورفعت الغطا عليها.
بصت للباب، اتفتح، فغمضت عينيها بتعمل نفسها نايمة وقلبها بيدق جامد.
دخل هيثم، بصلها وهي نايمة.
ابتسم، راح ناحيتها، قرب منها وبص لملامح وجهها اللي بتثبت إنها صاحية.
جفنها اللي بيتحرك، وعينها اللي بتعتصرها بخوف، وجنتها الحمراء من شدة توترها.
كل هذا يجعله يبتسم دون أن يدري.
"ما بالها هذه الفتاة؟ هل هكذا تمثل النوم؟ إنها ليس لها في تلك الخدع، لا تستطيع الكذب وادعاء شيء غير حقيقتها."
"نمى."
قالها بتساؤل، فاومأت براسها وهي تحز على شفتيها بتوتر.
ابتسم لأنها ردت حتى متعرفش تمثل صح.
قرب إيده من وشها، اتوترت وحست إن ضربات قلبها بتعلى، وهو بيبتسم على شكلها.
قال بصوت مثير:
"شكلك حلو وانتي نايمة."
حست إن الدم بيطلع لوشها اللي هينفجر من الكسوف.
حست بيه بيقرب وشه من وشها وبتحس ببشرته.
فتحت عينيها سريعا، بصتله بخوف من اقترابه.
"ه..هيثم."
بصلها وهي تجز على شفتيها اللي رآها شبيهة لكرزتين.
حس بالضعف.
قرب منها، خبت وشها بخوف في البطانية وسايبة عينها وبتبصله.
"بتعمل إيه؟"
بص لعيناها الطفولية وهي بتبصله.
"لازم توفي بوعدك.. قلت إنك مش هتلمسني.. انت وعدتني."
قرب منها، خافت وغمضت عينيها.
ابتسم عليها وهو سامع ضربات قلبها.
همس في أذنيها:
"لما تيجي تمثلي.. مثلي صح."
فتحت عينيها وبصتله بشدة.
بعد عنها وهو بينام على الناحية التانية.
كانت أفنان محرجة لأنه اكتشف كذبها في إنها نايمة.
فكيف صورتها في مخيلته الآن؟ هل أصبحت كطفلة حمقاء؟
على الجانب الآخر، كان هيثم بيفتكر شكلها وهي بتخبي وشها في البطانية وبتسيب عينها وبتتبصله بتوتر.
ابتسم، يبدو أن تلك الفتاة بالفعل لا تمت له علاقة بصلة، إنها نقية من الداخل، وهذا ما يضايقه.
صحت أفنان، بصت جنبها، مكنش موجود.
اتنهدت براحة.
قامت بنعاس، خرجت نزلت وهي تتجول في هذا المنزل.
اتخضت لما لقته قاعد بيشرب قهوة وباصص في تليفونه، وكان لابس قميص أبيض وبنطال رمادي.
لوهلة وقفت تنظر إليه.
كان ضوء الشمس يسقط على عينها الخضراء، فتبدو أجمل.
كانت جلسته جميلة، وهدوئه هذا يجعلها تعجب به.
يبدو أن تلك شخصيته الحقيقية.
"واقفة ليه؟"
اتصدمت لما سمعته بيقولها كده.
إزاي شافها وهو مرفعش عينه عليها حتى.
اتكسفت.
قربت منه، قعدت معاه، قالت:
"ا..أنتي خارجة؟"
"عايزة حاجة؟"
"لا، بس كنت هقولك إني هروح الشغل انهاردة أنا كمان."
"لسه عايزة تكملي فيه؟"
بصتله باستغراب وقالت:
"مش فاهمة."
"يعني معدتيش محتاجة الشغل دلوقتي، أي حاجة تعوزيها هتجيلك."
"بس مين قالك إني عايزة أقعد من الشغل بمجرد ما اتجوزك؟"
"هديكي القبض بتاعك ويمكن أكتر."
حست بالإهانة الشديدة.
قالت بغضب:
"انت بتقول إيه؟ مقصدتش ده. هو بدام عايزة أروح الشغل يبقى عشان الفلوس؟ انت كل حاجة عندكوا ماديات."
توقف عما كان يفعله.
رفع عينه إليها وقال:
"عشان أكون صريح معاكي، مش مرأة هيثم زهران اللي تشتغل في مطعم أي كان نوعه إيه ده. ده هيرجع عليا بعدين. انتي بقيتي زي وجه لاسمى، أظن كده فهمتي."
سكتت ومردتش وهي حاسة بغصة في حلقها.
"معاك حق."
بصلها من نبرتها.
رفعت وشها وقالت:
"طبعاً لو اعترضت هتقول إن بتعدي قواعدك.. رغم إن ده حقي."
ابتسمت ابتسامة مريرة وأردفت:
"حق!! أنا في الأول والآخر واحدة والدك جوزهالك بفلوسه، يعني اشتراها، إذا كانت أمها ذات نفسها باعتها. آه، بقيت مراتك، بس الحقيقة إنها متليقش باسمك."
كان بيبصلها وهي بتتكلم وعينها مدمعة، وكأنه أول مرة يشوف حزنها ونبرتها دي.
"شوف عايزني أوقف أي في حياتي تاني أو مخرجش خالص، يبقا أحسن عشان مكنش وجه ينزلك مش يرفعك."
"مقولتش كده، الشغل هو اللي رافضه، تقدري تخرجي زي ما انتي عايزة."
"شكراً، عن إذنك."
بصلها.
قامت ومشيت وهي بتسيبه، وكان بيفتكر كلامها والكسرة التي باتت عليها.
فهل قال شيئاً خاطئ ليجرحها أو يقل بها؟
تنهد ووقف وهو يذهب بلا مبالاة.
كانت أفنان في الأوضة وبتكبح دموعها.
"شش.. متعيطيش، عادي يا أفنان."
كانت تأخذ أنفاسها وهي تهدأ نفسها كي لا تسيل دمعتها.
وقفت عند الشرفة بتستنشق بعض الهوا.
ثم جاء في مخيلتها هيثم وهو يهينها.
شعرت بأن كرامتها وكبرياؤها وكل هذا قد نزل إلى قاع كونها.
لا تليق به.
حاولت التماسك وأمها ما تفتكرش.
سمعت صوت من الخارج، وكان بيركب عربيته وبيمشي.
حست بالحزن لأنه مشي وهو قاعدة في البيت ده اللي متعرفش فيه أي حاجة.
نظرت إلى السماء، تنهدت، ثم دخلت.
وصل هيثم إلى شركته، لقى الموظفين بيبصوله باستغراب.
بس لما بصلهم، خافوا ورجعوا لشغلهم بسرعة.
نظر هيثم أمامه وأكمل طريقه إلى مكتبه.
اقتربت منه إحدى الموظفات وقالت:
"مستر هيثم، حضرتك..."
"ابعتيلي أوراق صفقة انهاردة."
"حاضر."
بصتله وهو يتركها.
أخذت نفساً براحة.
دخل هيثم مكتبه، قلع معطفه وحطه على الكرسي.
"انت هنا بجد؟"
بص لصوت، كان سامر.
قرب منه قال:
"إيه اللي جابك انهاردة؟"
رفع حاجبه وقال:
"مليش إني آجي شركتي، ولا إيه؟"
"أنا مقلتش كده طبعاً، بس أقصد إن انهاردة صباحيتك، المفروض تقعد."
"انت صدقت إنها جوازة بجد ولا إيه؟"
"لو مش معتبرها كده، مثل على الأقل عشان كلام الناس والصحافة."
رد بلامبالاة:
"آخر حاجة تفرق معايا الناس."
"الحق عليا.. قولي صحيح."
قرب منه، ابتسم وكمل:
"ليلتك كانت عاملة إزاي؟"
بصله هيثم من إلى يقصده.
"زهقت بدري كده عشان ترجع انهاردة؟ انت مكملتش يوم، هي معجبتكش ولا إيه؟"
ليقاطعه هيثم وهو يقول:
"ساااامر."
بصله من لهجته.
نظر له بجدية وقال بحده:
"خلي بالك، انت بتتكلم عنها، تبقى مراتي، يعني متاخدش في الكلام عليها عشان هتلاقي وش مش هيعجبك."
"مراتك؟ مش انت اللي قلت مش معترف بيها؟"
بصله هيثم، فأردف:
"ماشي، خلاص. في مالك يا عم، أنا مقصدتش.. حاضر، أنا غلطان."
رد بكل برود:
"تقدر تروح على شغلك."
كان سامر مستغرب.
بصله، مشي وقفل الباب وسابه مع نفسه.
عم الهدوء، وكان هيثم حاسس بالضيق من كلام سامر.
تنهد وجلس وهو يتفكرها، ومش عارف ليه حاسس بالذنب ناحيتها من كلامهم الصبح ونبرتها اللي مش قادر ينساها.
في منتصف اليوم، كان في اجتماع.
سمع صوت، بص لقى منير، استغرب من وجوده.
"عايز أتكلم معاك."
بص له الموظفين، فاومأ لهم وقال:
"الاجتماع خلص."
وقفو وهم كل منهم إلى ذهابه لعمله.
"عامل إيه يا عمي، ليك وحشة."
قالها سامر وهو يسلم على منير.
ابتسم وصافحه هو الآخر.
أما هيثم لم يكن مبالياً كثيراً.
قال:
"ينفع أعرف سبب مجيتك هنا؟"
بصله منير، قرب وقعد على الكرسي جنبه قال:
"جاي أطمن على ابني اللي مفروض متجوز امبارح، ألاقيه راح الشغل أول يوم."
استغرب هيثم كثيراً قال:
"وانت عرفت منين؟"
بص لسامر بضيق، وشك.
فأسرع وهو يقول:
"والله ما أنا."
قال منير:
"مش سامر."
قال ببرود:
"يبقى هي، أي بتواصل معاك وهتبقى الوصي عليه."
تنهد وقال بهدوء:
"لا، بردو أنا ليا عيون عليك."
لم يبالي كثيراً لمجرى الحديث.
"مقدرتش تاخدك يومين إجازة بدل ما انت سايب مراتك ونازل؟"
"بتهيألي دي حاجة ترجعلي، وهي معترضتش."
"تلاقيها خافت منك."
بصله هيثم بشدة، وفلتت قهقه من سامر.
بصله هيثم بحدة، فسكت.
"قوم يلا وارجع بيتك."
قال بكل برود:
"مش راجع، ورايا شغل لازم أخلصه."
قرب سامر منه وقال:
"سيبهالي وأنا هخلصه بدالك."
بصله بحنق، فصمت بحرج، فهو يسعى للبقاء لا المغادرة.
أما صديقه هذا يريد أن يستفزه.
"الشغل يستنى، بس مراتك لا، يلا روح."
تنهد وبصله في عينه وقال:
"أولاً، بلاش جو مراتك وبيتك ده، تمام. ثانياً، أنا اتجوزتها زي ما انت عايز، مفيش حاجة مطلوبة مني تاني. ثالثاً، هي لما تكون في البيت لوحدها أفضل، تاخد راحتها.. أي سؤال تاني؟"
"تاخد راحتها إزاي؟ انت مش جوزها ولا أنت غريب عنها؟"
صمت هيثم وأدرك ما قاله.
بص لمنير إلى كان بيبصله قال:
"انت تممت جوازك منها ولا لأ؟"
عرف يرد.
افتكر أفنان امبارح، خوفها منه، وتوترها أما كان بيقرب منها لمجرد يخرجها، وطلبها أنه ميلمسهاش.
"سكت ليه؟ تممته ولا لأ؟"
حس إنه لو قال لأ، هيكون أحرج نفسه قدام أبوه وصاحبه، مش هيفهمه إنه مش عايزها.
وحتى لو بطلب منه يتمم الجوازة، وقتها هي اللي هتتضرر وهيخلف وعده.
"آه."
قالها هيثم.
بصله منير بشك.
"حاجة تانية؟"
"آه، يلا ارجع لها، مش ذنبها إنها متجوزة واحد معقد زيك."
ابتسم سامر قال:
"لا يا عمي، مش من حقك ده. هيثم يهتم بيها بس، وهي مش هتشوف حد من بعضه، هو خبرة في الموضوع ده..."
بصله هيثم بحدة قال:
"خلصنا."
سكتوا.
تنهد بضيق وخد معطفه وتليفونه ومشي وهو بيسبهم.
ابتسم منير، بص لسامر قال:
"قالك إنه حس بأي حاجة ناحيتها؟"
ابتسم وقال:
"لسه بدري على الكلام ده. تعامله لما بيجيب في سيرتها، ده واحد عادي. وبعدين جرح هيثم مش صغير لدرجة إنه يتنسي بسرعة، أديه وقته."
"هو السبب في اللي فيه.. يا ما حذرته بس مبيسمعش لحد. لو يفتح قلبه من تاني مكنش هيكون هنا، بس حتى في ده معاند."
ابتسم وقال:
"وانت شايف إنها هي اللي هتقدر وتفتحه من تاني؟"
بادله الابتسامة، لكن مجهولة وقال:
"تقدر تقول نفس العقلية.. فالأمل كبير."
استغرب جداً وقال:
"مش فاهم.. ثم ليه اخترت البنت دي بالتحديد؟"
صمت منير قليلاً وهو يشرد ويقول بعد صمته المهيب:
"دين بسدده."
قال سامر بتعجب:
"دين إيه؟ فلوس يعني وكده ولا إيه؟"
"متشغلش بالك."
ابتسم وقال:
"واثق فيها أوي. أنا خايف عليها من هيثم."
"وأنا رغم ثقتي، بس هي مش قده.. سيبها على الله."
"ونعم بالله."
***
رجع هيثم إلى بيته، صف العربية ونزل، دخل البوابة.
سمع صوت رنين من هاتفه، رد عليه.
"خير يا أستاذ جلال؟"
"كان عندنا معاد انهاردة."
"آه، أنا بعتذر ليك، سامر هياخد مكاني ويخلص العقد."
"لأ، انت فهمتني غلط. أنا اتصلت بيك بباركلك على جوازك."
تعجب هيثم، تقدم من الباب.
"عرفت إنك أكيد مش هتكون في شركتك انهاردة بخصوص الشغل، فحبيت أباركلك."
"شكراً."
"العفو.. لينا فرصة نشوف مراتك قريب؟"
فتح هيثم الباب ودخل وهو يقول:
"إن شاء الله."
"أكلمك في وقت تاني."
أنهى مكالمته وتقدم، ثم رفع عينيه وتوقف فجأة، وتبدلت ملامحه من ما يراه.....
رواية ثأر القلوب الفصل الخامس 5 - بقلم نور
فتح هيثم الباب ودخل وهو يقول:
- إن شاء الله أكلمك في وقت تاني.
أنهى مكالمته وتقدم، ثم رفع عيناه وتوقف فجأة. تبدلت ملامحه مما يراه.
لقى قشر لب على الأرض وفي كل مكان، والدنيا مبهدلة وكل حاجة مش في مكانها وأكياس.
رفع عيناه إلى أفنان التي كانت قاعدة على الكنبة قدام التلفزيون، بتتفرج بانسجام وبتاكل وترمي على الأرض.
جمع قبضته، قرب منها.
- أي ده، جيت بدري؟
كان يحاول تمالك نفسه. قال بهدوء:
- ممكن أفهم إيه ده؟
نظرت على نفسها وحواليها وقالت:
- إيه؟
- بالنسبة للمزبّلة اللي حصلت دي، مش واخدة بالك منها؟
نظرت حواليها تاني وهي بتاكل اللب.
- لا، فين المزبّلة؟ آه قصدك ده.
بصقت القشر وهي بتحرك فكها بتكمله:
- لا ده تسالي بس، كنت زهقانة وكده.
أغمض عينه، وكان غضبه على وشك أن يحتله. نظرت له أفنان وقالت:
- تاخد؟
قالتها وهي بتمد إليه ببعض اللب. بصلها. هل هي تتعمد إغضابه وهي تتحدث براءة هكذا، كأن شيئًا لم يكن، أم تعمدت حدوث كل ذلك لتثير جنونه؟
- مالك واقف كده ليه؟
- انتي قاصدة تعملي ده؟
- ده اللي هو إيه؟ مكنتش أعرف إن قعدتي هتضايقك.
- مبتكلمش على قعدتك، بتكلم على اللي عملتيه في البيت.
- عملت إيه؟ أنا بتسلى، بضيع الوقت مش أكتر. أنا حافظة قوانينك ومفتكرش إن في حاجة مخالفة. اللي عملته إني آكل أو ما آكلش أو... أوسخ حاجة.
قالت آخر جملة وهي بتبص له. تنهد.
- توسخي حاجة، آه. بس عارفة إني بكره الفوضى وبحب كل حاجة تكون مترتبة والدنيا نضيفة.
- لا، بس مكنتش عارفة. مش ذنبي إنك خدت واحدة مش شبهك.
حس إنها بترمي إلى نقاشهم في الصباح. علم الآن أنها فعلت كل هذا لإغضابه. لقد استهان بها وظنها ستتغاضى عن ذلك، لكنها ترد له بإثارة جنونه. ولا تعلم أن ما تفعله سيلقي بحتفها. عرف دلوقتي إنها ابتدت تظهر وش تاني غير اللي شافه، وكأنها بتتحداه.
- اتفضلي لمي الزبالة دي ورجعي الدنيا زي ما كانت عقبال ما آخد دش.
قال ذلك بحزم وهو يذهب ويتركها. نظرت له قليلاً ثم عادت إلى ما تفعله. لكن تذكرت شيئًا. قالت بصوت مرتفع:
- خلي بالك وانت بتدخل الحمام.
لم تجد ردًا، فلم تبالي.
دخل هيثم الأوضة واتصدم لما لقاها هي بردو متبهدلة. جمع قبضته وهو شايف أغراضه مش في مكانها. شال التيشيرت اللي كان على الأرض وحطه في مكانه.
تنهد وراح للحمام. فتح وقف وهو بيبص. كان مغترقًا بالمياه. دخل وهو بيبص حواليه. اتزحلق وكان هيقع، بس مسك في العمود. بص على الأرضية. كان باين إن عليها صابون سائل من الشاور الخاص به، والفوضى العارمة اللي حلت على المكان، بل على البيت كلها.
احمرت عينه بغضب شديد. خرج من الأوضة ونزل وهو بيتوجه إليها. بس وقف لما شافها لسه قاعدة وبتتفرج ولا اتحركت. قرب منها وقال:
- انتي لسه قاعدة؟
نظرت يمين وشمال وقالت:
- بتكلمني أنا؟
- هو في حد غيرك؟ أنا مش شايفه.
- جايز.
غضب وقال:
- أي اللي حصل في الأوضة؟ ممكن تفهميني؟
- كل الحكاية إني كنت بدور على لبس ألبسه، فتلاقي الأوضة اتبهدلت شوية.
- شوية؟ آه. وبالنسبة للحمام؟
- لا، أنا كنت بستحمى وجربت الكريمات بتاعتك عادي يعني.
- وانتي بتحمّي الحمام معاكي ولا إيه؟ ومرجعتيش كل حاجة في مكانها وتشغلي الهوا ينشف الأرضية ليه؟
سكتت شوية ورفعت كتفيها بعلامة استنكار وقالت:
- نسيت.
- ونسيتي دلوقتي كمان؟ وأنا لسه سايبك، مروقتيش القرف ده ليه زي ما قولتلك؟
بصقت قشر اللب عليه وهي تقول:
- الفيلم لسه مخلصش.
- وحياة أمك.
وهنا مقدرش يتحكم في نفسه. وما أن انقض عليها حتى انتفضت أفنان وهي تقفز من على الأريكة، والطبق اللب وقع على الأرض.
احمرت عينه. بصلها وهي خافت. رجعت خطوتين لورا وهي بتبصله. سرعان ما التفت وركضت فتبعها بغضب جحيمي.
- خلاص، هلم. أنا آسفة والله.
- ده انتي نهار أبوك أسود.
وقفت عند السفّرة، وهو قدامه. جرى عليها، فلتفت الناحية التانية.
- طب أهدى. معرفش إنك هتتحول لدرجة.
- إيه؟ بتحسبيني ابن ناس؟ ده أنا ش*و*ا*ر*ع*ي.
ابتسمت وهي تقول بتصنع الود:
- عيب يا أستاذ هيثم تقول كده. أنت مفيش في أخلاقك.
- منا هوريهالك دلوقتي.
توجه لينقض عليها. لفت على طول وهي بتجري. فسند على الكرسي ولحق بها فورًا.
كانت بتجري على السلم وهو وراها. مسكها من جاكتها وسحبها، فخلعه من زراعها الأيسر التي كشفت. اتصدمت به، فحاوطها كي لا تهرب.
اتخضت أفنان. بصت لهيثم وهي بين ذراعيه، ونظر إليها هو الآخر. وقعت عينه على زراعها المكشوف، فكانت ترتدي بلوزة قط. رجع بصلها وهي قريبة منه، بتاخد نفسها من الجري وخايفة منه، وقلبها بيدق جامد من النظر لعينيه تلك والتوتر اللي بقت فيه.
- ه..هيثم.
قالتها بتلعثم. قالت:
- ممكن تسيب الجاكت؟
كان هيثم لسه ماسكه. قال ببرود:
- عشان تجري تاني؟
- مش هجري، أوعدك.
- قولتلك قبل كده مبثقش فيكو. هثق في وعدك؟
- يبقى خليهولك.
قالتها وهي بتدفعه بعيدًا عنها وتسحب زراعها الآخر من الجاكت، وتركض. اتصدم هيثم. بص لجاكت اللي في إيده. دفعه على الأرض بغضب وتبعه.
دخلت الأوضة وقفل الباب سريعًا قبل أن يصل إليها. مسك هيثم المقبض وفتحه، بس معرفش. عرف إنها قفلته من جوه. خبط على الباب وقال بغضب:
- افتحي يا أفنان.
- مش فاتحة.
جمع قبضته بغضب وقال:
- افتحي وإلا هكسر الباب على دماغك، ومحدش هيقدر يرحمك من تحت إيدي.
- لا، برضه.
- ماشي. هتروحي مني فين يا أنا يا انتي في أم البيت ده. ولو هتفضلي قاعدة جوه يبقى موتي من الجوع وقابليني لو عرفتي تخرجي.
خافت من نبرته وغضبه الشديد وثورته، اللي خشيت على نفسها كثيرًا. لذلك اضطرت لأن تبقى هنا كي تهرب منه، لكن لم تعرف أنها سجنت نفسها، بل زادته غضبًا وتوعد لها بالشر. إنه يبدو مخيفًا حقًا من نبرته الجادة.
حست بالهدوء عم. عرفت إنه مشي. خدت نفسها بارتياح.
في الليل، فتحت أفنان الباب بحذر شديد وهي تطل برأسها وترى إن كان موجودًا أم لا. لكن لم تجد أي أحد. خرجت وما أن وطأت قدماها خارج.
- طولتي.
اتصدمت وبصت على الصوت. لقيته هيثم واقف وساند ظهره ببرود وهو يعقد ذراعيه ثم ينظر إليها.
- لو كنتي فضلتِ جوا كان أفضل ليكي.
سرعان ما دخلت الغرفة وأغلقت الباب. لكن يده سبقتها وهي تدفع الباب، وكان أقوى منها. كادت أن تقع، لكنها أسندت. بصت له بخوف. قالت:
- أكيد هديت من الصبح.
- ممكن عشان متعرفيش، بس أنا كل أما الوقت بيمر مبهداش. يعني لو كنت حاسبتك الصبح كان أحسن ليكي. أما المدة دي كفيلة إنك تم*وتي يا أفنان.
- موت إيه؟ بس، وحد الله. مش كده؟
- لا إله إلا الله.
- بص، أنا كنت بهزر. اسمعني الأول. أنا...
وسرعان ما قفزت على السرير وهي بتجري لبرا وتخطته، لكنه أمسكها سريعًا من ذراعها قبل أن تهرب، ودفعها على الحائط وهو ملتصق بها.
تألمت من ظهرها. بصت إلى صدره، ثم رفعت عيناها بخوف، والتقطت بعينيه المتلأتين بالغضب وآثار خوفها منه.
- بتعملي إيه؟
حاولت تلف يدها، بس لزق فيها أكتر واشتد عليها قبضته. وجعتها ولم تعد تعرف تتحرك، وبقت ساكنة.
- أنت هتم*وتيني بجد؟
قالتها بتساؤل وهي بتبص له وتلتقي عيناهما عن قرب، ولا يفصلهما الكثير، حتى أن أنفاسها اللاهثة من خوفها كان ترتطم بأنفاسه الباردة.
- خلاص، أنا آسفة. أعتذرلك أكتر من كده إيه؟
لكن ما قالته وبراءتها في سؤالها جعل هيثم يتعجب ويهدأ ثورته تدريجيًا وغضبه يتلاشى وهو ينظر في عينيها ويتعمق بهما. يدرك اقترابه منها الشديد ونظرات الخوف منها. يسمع نبضات قلبها ويشعر بأن قلبه هو الآخر ينبض.
- إيه اللي خرجك؟
قالها ببرود. بصت له من سؤاله. عقدت حاجبيها بضيق.
- جعانة.
قالتها بحرج وتردف:
- مأكلتش حاجة من امبارح. متعاقبنيش في الأكل، أنا عندي أنيميا أصلاً.
صمت ولم يرد، لكن ابتعد عنها وهو يحررها منه.
- تعالي.
بصت له وهو بيمشي ويسيبها. تنهدت براحة، ثم تبعته.
في المطبخ، أشار لها هيثم على مكان الطعام وقال:
- شوفي عايزة تاكلي إيه.
بصت له. أومأت برأسها. جه يمشي، وقفته وهي بتقول:
- انت لسه منمتش ليه؟
وقف وصمت قليلاً. نظر إليها بطرف عينه وقال:
- مش عارف أنام.
قربت منه، وقفت قدامه وهي بتبص على ملامح وشه. استغرب، ثم جدها تضع يدها على جبهته وهي تقول:
- حرارتك عادية.
بص لإيدها. بصت له. التقت عيناه. بعدت بحرج وقالت:
- آسفة، كنت بشوفك إذا كنت عيان.
- لا، أنا بس مبعرفش أنام لما الدنيا تكون مكركبة.
سكتت شوية. قالت:
- هروح أروّق عشان تنام.
جت تمشي، وقفه وهو بيقول:
- خليكي.
بصت له باستغراب. فأردف:
- كلي الأول، بعدين ابقي شوفي الموضوع ده.
- وانت؟
- أنا إيه؟
- مش هتاكل؟ انت مأكلتش انت كمان صح؟
- مش جعان.
مشي وسابها. بصت له شوية، ثم نظرت إلى الطعام. مكنتش مصدقة إنه مش هيعملها حاجة ورجع هادي تاني. أخذت نفسها براحة.
في الجنينة الخلفية، كان هيثم قاعد شارد الذهن. سمع صوت. بص لقاها أفنان. قربت منه وكانت تحمل أطباق.
قربت منه، مدت يدها يصلها بإستغراب. عشان تفسر له، فقالت:
- عملتلك طبق معايا.
- مش قولتلك مش عايز.
قعدت جنبه وهي سايبة مسافة. حطت طبقها. مسكت إيده وحطت الطبق فيها. يصلها بشدة:
- وأنا عملت، أكيد مش هنرميها. لازم تقدر نعمة ربّنا.
مسكت طبقها وهي بتاكل. وهو بيبصلها باستغراب. بص في طبقه. كانت مكرونة سريعة التحضير بقطع من دجاج. تعجب. لكن كانت الرائحة تتغلغل في أنفاسهم.
مسك الشوكة وهو بياكل. وما أن تذوقها حتى تبدلت ملامحه.
- مش عارفة إذا كانت هتعجبك ولا لأ، لأنها مش أكلة مشهورة من بتوع المدينة وكده.
بس اتفاجأت لما لقيته بياكل بتلقائية كطفل ياكل وجبته المفضلة. بصت له لوهلة وهي مندهشة.
- في تاني؟
كان قد انتهى من طبقه. كان نبرته كشخص عادي، لا هيثم البارد، بل شخص آخر تماماً.
- ها.. آه.. أقصد لا.. هي عجبتك؟
- أه.
- اعملك تاني؟
أومأ لها وهو بيمد إيده بالطبق. بصت له، خدته منه وهي مستغربة كثيرًا. مشيت وبعد قليل رجعت وهي تحمل طبقًا آخر. أعطته له.
- شكراً.
- العفو.
قعدت جنبه وهو بياكل. قالت:
- بحسب أكله زي دي مش هتعجبك نهائي.
- لي؟
- يعني انت متحضر، ودي أكلة من بتوع الريف. مفتكرش إنك دقتها في مطعم دخلته قبل كده. أكيد مش من الأصناف اللي عندك.
صمت. ولم يرد. لم تريد مقاطعته في وجبته وتركته ليستمع بها. إلى ما أن انتهوا، وكان الطقس باردًا. بص هيثم لأفنان. بصت له. اتوترت من نظرته.
- تقدري تعلميني إزاي أعملها؟
قالت بدهشة:
- حاضر. بس انت بتعرف تطبخ؟
- يعني مش أوي. بس عايز أتعلم دي، عشان أبقى أعملها ومحتاجلكيش.
- تقصد إني مش باقية يعني، وجوازنا هينتهي دلوقتي أو بكرة؟ فـ لازم تعرفها قبل ما يجي اليوم ده.
- بالظبط.
- حاضر. هـ...
سكتت شوية. بصت له. وقالت:
- بشرط.
رفع حاجبه وبصلها.
- شرط إيه؟
- قوم معايا نروّق البيت سوا.
يصلها بشدة وقال:
- نااعم.
- إيه التحول ده؟
- هو أنا اللي قلبتُه وخليته مزبلة كده، ولا انتي؟
- ما انت السبب.
يصلها بإستغراب. فأردفت:
- أصلاً مكنتش أعرف إنك منظم أوي كده. شكلك كان يخوف، حتى ندمت على اللي عملته.
بصت له بضيق وكملت:
- مش عارفة أقولك إيه، بس أنا كمان بكره الفوضى.
- لا، مهو واضح.
- قصدك إيه؟ على فكرة بقا أنا كده في الحقيقة. كل اللي عملته بتعمد.
- مش محتاجة تقولي. أنا عارف.
حست بالحرج أنه فهمها كل ده وعارف إنها قصدت تضايقه.
- ما علينا. موافق ولا لأ؟
- انتي بتحلمي.
- أروّق؟
- قال: هو أنت بتوع الراجل راجل؟ تؤتؤ. بحسبك متعلم ومتفتح أكتر من كده.
- متحاوليش. مش مضطر إني أعمل حاجة. أقدر أجيب شغالة تنضف اللي عملتيه. بس أنا بعاقبك وهترجعي كل حاجة زي ما كانت.
- أنا بقول يا عدني في الأوضة بس.
- لا تضايق.
ابتسمت وقالت بلا مبالاة:
- خلاص. أنا كمان مش مضطرة أعلمك الأكل. ابقى دور على شيف من بتوعك دول يعاملوهالك، ويعلم هيعرفوها ولا لأ.
يصلها بشدة. جت تقوم. مسك إيدها وهو بيحسبها. فرجعت في جلستها.
- يعني إيه؟
- يعني هتساعديني، هساعدك. الأوضة بتاعتك دي معقدة. عشان كده محتاجالك مش أكتر. ولو عملت معايا، هعملك الأكلة دي أو أي حاجة عايزها طول المدة اللي هنعيشها. وقبل ما موضعنا ينتهي، هتكون اتعلمتها ومش محتاجالي.
سكت شوية وهو بيقلب كلامها. ابتسمت وقالت:
- قولتي.
يصلها بحنق وشيق. ثم ترك يدها.
في الأوضة، دخلت أفنان. بصت لهيثم اللي كان قاعد وحاطط رجل على رجل وإيده في جيبه.
- روّقتي اللي برا؟
- أه. تحب تخرج تشوف؟
- هشوف فعلًا.
بصت له بشدة. وقفت ومشي. وقفها وهي بتقول:
- مش هتساعدني؟
- مش قبل أما أقيم عملتي إيه برا، والبيت رجع زي ما كان ولا لأ.
عقد ذراعيها بضيق. لم يبالي وخرج.
- مش قبل أما أقيم عملتي إيه برا...
قالتها بتذمر وهي بتقلد كلامه. ثم أردفت:
- مستفز.
راحت تشوف الحمام. دخلت. ابتسمت لما بتفتكر نفسها. قالت:
- زودتها.
كانت قد أمسكت عبواته وصارت تلقي بها أرضًا وتفرغها. إنها أحدثت فوضى بالفعل، بس هي مكنتش عارفة هي بتعمل إيه. حسّت إنها بترد كرامتها وبتخرج غضبها. تنهدت ودخلت بحذر.
شاف هيثم البيت. وكانت فعلاً روّقته ورجعته زي ما كان. حتى هو ملقاش أي عيل عشان يمسكولها. راح الأوضة. ولما دخل ملقهاش. استغرب. سمع صوت من الحمام، فتوجه إليه ودخل. لقاها بتشب وبتحط كل حاجة في مكانها على ذلك الرف الزجاجي.
- بتعملي إيه؟
اتخضت أفنان من الصوت. استدارت وبصت له، بس رجليها لفت حوالين بعض واتزحلقت. هيثم فتشبثت به، بس اختل توازنه. مسك الدش، لكن وقعوا في الحوض وتدفقت المياه من فوقهم تسقط عليهم وتغرقهم.
فتحت أفنان عينها وهي بتاخد نفسها من المياه. بصت لهيثم اللي كان فوقها وقريب منها للغاية. وإيده ورا ضهرها عشان لو كانت وقعت عليه، كان عظامها قد تكسرت. فائده أخذت الواقعه عليها ولابد أنها تؤلمه بشدة.
بصت له في عينه. وكانت أول مرة تتعمق بهما وترى كم هما جميلان بلونهما. بل كم هو وسيم عن قرب. كان كل منهم ينظر إلى الآخر لملامحه وتفاصيله. كان قلبها بيدق جامد، وكان هيثم سامعه رغم صوت المياه وبرودتها. لكن احمرار وجهها يزداد. دفء جسدها يشعر به. شفتاها المبتلة تجعله يضعف كثيرًا ولا يريد أن يبعد عينه من عليها.
قرب منها. بصت له أفنان بتوتر شديد وصدره يعلو وأنفاسه الحارة.
- ه..هيثم.
ينفع تبعد؟
فاق من نوبة ضعفه. سحب يده وبعد عنها. وهي اعتدلت بحرج. قفل المياه ومشي دون أن ينطق ببند كلمة.
خرجت لقته عاري الصدر قدام خزانته بياخد تيشرت وبيلبسه. بصلها. فخفضت عيناها بحرج.
- غيري هدومك عشان متتخديش برد.
أومأت له. مشي وهو بينزل التيشرت عليه. وأفنان خدت بيجامة وغيرت هدومها وبدأت في ترويق الأوضة. لقت هيثم معاها وبيساعدها. استغربت.
- ده اتفاقنا وانت ملتزم بيه. متنسيش. انتي بس اللي هتعمليه في المقابل.
ابتسمت وقالت:
- مش هنسى. أنا كمان ملتزمة بالاتفاق وهعلمك الأكلة.
أومأ لها. بصلها قليلاً. ثم قال:
- لي؟ قولتي إن أنا السبب في اللي عملتيه.
سكتت شوية. بعدين قالت بحنق وتذمر:
- عشان انت السبب فعلاً.
قال بغضب:
- هو أنا قولتلك أقلبي الدنيا قبل أما أمشي؟ ده أنا غيبت ساعتين.
فردت بغضب مماثل:
- لا، أنا حرة. محدش قالك سيب البيت واخرج.
- هو أنا هقعد ولا إيه؟ مش ورايا شغل أنا.
عقدت حاجبيها بضيق. قالت:
- شغل آه. مليش دعوة. اقعد زي ما قعدتني أنا كمان. منا مش هتحبس لوحدي.
سكتت لما قالت كل اللي جواها. بصت له. ابتسم بسخرية وقال:
- قوللي كده بقا. الحوار كله عشان شغلك؟
- لا.
- امال؟
- متشغلش بالك بيا.
قالت:
- بالي كثيراً. وجدتها تدفعه بالوسادة وقالت:
- حط دي هناك.
بصلها بشدة وقال:
- أنا بعمل معاكي كمساعدة، يعني لطف مني.
ثم دفعها هو الآخر ويكمل:
- مش تاخدي علي.
بصت له بضيق. مسكت الوسادة ودفعته وهي تقول:
- خلاص، كمل جميلك.
كانت قد أصابته في وجهه. بصلها. تقدم منها وقال:
- انتي قد الض*ربة دي؟
خافت. رجعت لورا. ابتسمت بتوتر وقالت:
- بصراحة لا.
وقف بصلها. ثم خفض رأسه. استغربت من هذا الهدوء. بس اتفاجأت جداً لما لقيته ابتسامة بترتسم على شفتاه.
- منتا بتبتسم اهو.
- زيّك؟ إزاي؟ حد قالك إني جاي من الفضاء؟
- لا، بس شخصيتك هي اللي من الفضاء.
سكت ولم يرد. ثم ذهب وأكملوا عملهم.
وبعدما انتهوا، مد هيثم على سريره. بصت له أفنان. بصت على الكنبة. راحت عشان تنام عليها.
- متفكريش.
تنهدت. بصت له. قالت:
- مش مقتنعة بكرة النوم على سرير واحد ده.
- نامي وانتي ساكتة. مفيش يوم عدى عليا بـ إزعاج ده زي النهارده.
عقدت حاجبيها بضيق. وهو غير مبالٍ. خلد للنوم وتركها في حيرتها. فضلت واقفة شوية بتبص له لحد أما اتأكدت إنه نام. في استلقت على جانب السرير بعيد عنه ونامت. كان لكل منهم غطاء كي يمنع اقتراب أحد من الآخر.
في اليوم التالي، صحيت ملقتوش جنبها. عرفت إنه راح الشغل. بس لما نزلت سمعت صوت من أوضة. راحت لقته قاعد واللابتوب قدامه. كان باين إنها أوضة مكتب، بس كان لابس لبس البيت عادي، التريننج الرياضي الخاص به.
- انت مش رايح الشغل؟
- لا، مضطر أقعد يومين وبعدها أرجع تاني.
- انت رجعت بدري أوي امبارح ليه؟
- عشان ساعتك.
- وأنا مالي؟
- مهتم بيكي أوي وقالي روح متسبش مراتك في البيت.
سكتت باستغراب. ثم قالت:
- مين ده؟ ثانية... منير زهران اللي قولتي عليه قبل كده؟
- آه.
- وهو يعرفني منين؟ هو يقربلك؟
لم يرد عليها. تضايقت. بس مشيت وسابته يكمل شغله. تجولت في المنزل وهي تستكشف.
لقت تلفونها بيرن. وكانت آمال. ردت عليها.
- أي يا أفنان، عاملة إيه؟
- الحمد لله يا ماما.
- مال صوتك؟
- لا، ماليش.
- هيثم معاكي؟ سلميلي عليه.
ابتسمت بسخرية ومرارة وقالت:
- حاضر.
- هسيبكم شوية، انتو لسه عرسان.
وقفت معاها. وحست أفنان ببعض الحزن. قالت:
- عرسان؟ الكلمة دي مش لايقة علينا أصلاً.
مشيت خرجت للجنينة. قعدت فيها شوية بتشيع الملل اللي هي فيه. شافت نبتة ذابلة. استغربت. قربت منها وشافت إنها هتنتهي. عضت التراب من حواليها شوية، بعدين جابت مية ونزلت عليها وهي ترطب طينتها. ابتسمت كأنها بتعمل حاجة مسلية. سمعت صوت وراها. بصت. كان هيثم يضع يده في جيبه. بصلها وقال:
- قاعدة كده ليه؟
- لا، عادي. انت بتهتمش بالزرع بتاعك ليه؟
يصلها بإستغراب. ثم نظر إلى ما تفعله. تبدلت ملامحه. قرب منها سريعًا. مسك إيدها من عند معصمها عشان كانت متوسخة. وقال بغضب:
- انتي غبية! بتعملي إيه؟
بصت له باستغراب. قالت بتوضيح:
- كانت هتموت. قولت أسقيه.
دفع بعيدًا بقرف وضيق وقال:
- ابعدي يخربيت الجهل! هي نوعها كده.
ضايقت جداً من اللي قاله وحست بالإهانة الشديدة.
- أنا متعلمة زيك. اتكلم معايا أحسن من كده. أنا مسمحلكش.
بصت له ببرود. وقف أمامها مباشرة وقال:
- هتعملي إيه؟
بصت له من نبرته. قرب منها وقال وهو ينظر لعيناه مباشرة:
- أنا بتكلم براحتي مع أي حد زي ما أنا عايز. مش انتي اللي هتعلميني. انتي حتة واحدة اتجوزتها يومين وهطلقها مع أول فرصة. متنسيش نفسك. مش معنى إني اتكلمت معاكي حلو شوية يبقى خلاص.
دمعت عينها بحزن. وهي بصاله بحنق وقالت بلا مبالاة:
- ومش معنى إني سكتلك مرة هسكتلك التانية.
يصلها من نبرته. أردفت بضيق:
- واعرف كويس أوي يا أستاذ هيثم إن أنا كمان مجبورة عليك. مش انت بس. لا تكون فاكرني هموت عليك ولا حاجة.
مسك دراعها جامد وقال:
- انتي تطولي أي واحدة تتمنى إنها تبقى معايا واسمها يبقى على اسمي. أو أكلمهم.
بصت في عينه بحنق وقالت:
- روح لهم، عشان أنا مش زيهم.
بص لدموعها ونظرتها ليه. دفعها بعيدًا عنه بضيق وقال:
- ولا هتكوني زيهم. فرق شاسع بينك وبينهم.
- فرحانة بالاختلاف ده. اعذرني، أصل متعودتش أبين جسمي للغريب زي اللي تعرفهم. مش دي اللي انت عايزها؟ بس أنا مش كده. وأوعك تفتكر إن بكلامك ده بتهز ثقتي في نفسي. لا، أنا عارفة أنا مين كويس ومش محتاجالك تذكرني.
سكت وهو بيجمع قبضته. قال:
- صدقيني، أول ما أعرف السر اللي وراكي بأنك تخليّه يجوزني ليكي وبعدين أطلقك.
- هستنى اليوم ده بفارغ الصبر.
قالتها وهي تنظر له، ثم ذهبت وتركته وهي تكبح دموعها. يصلها هيثم. وهي بتمشي. ثم نظر إلى النبتة وكان مضايق. بس لوهلة أدرك ما قاله إليها وأنه مكنش ينفع يقول الكلام ده ليها. هي معملتش حاجة عشان يطلع فيها ويجرحها كده. كان حاسس زي أما يكون انتهز أتفه سبب بأنه يطلع ضيقه منها بسبب عمل أبوه وجوازه منها فيها. رغم أنها كمان مكنتش موافقة.
في الحمام، كانت أفنان جوه سانده على الحوض بحزن. تنهدت. فتحت الحنفية وهي بتغسل إيدها.
خرجت. لقته قدامها. بصت له شوية وكأنه عايز يقول حاجة، بس مشيت من غير ما تعتيره اهتمام. تنهد هيثم. فهو كان يود أن يعتذر منها.
على السفرة، كانوا بياكلوا والصمت يعم بينهم. خلصت أفنان وجت تقوم. وقفه صوته وهو بيقول:
- كملي أكلك.
- شبعت.
قالتها وهي تذهب وتتركه. تضايق من نفسه لأنه يهتم بها.
في الليل، دخل شافها هتنام. كان سيبها اليوم كله عشان يجمع أفكاره. وعرف إنه غلط معاها.
- ممكن نتكلم؟
بصت له ولم ترد. تنهد. قرب منها وقال بتردد:
- أنا آسف.
- على إيه؟
- على كلام الصبح. مكنش قصدي.
- كان قصدي.
قالتها ببرود. بصلها. نامت وهي ترفع الغطاء عليها وبتسيبه في حيرته. هو فعلاً كان قاصد لأنه كان بيطلع غضبه. بس اكتشف لما شاف حزنها إنه هانها وضايقها. تنهد. ثم نامت على جانب السرير الآخر وهو يدعي البلاهة.
مر يومان وكان كل منهم لا يتحدث مع الآخر غير برسمية. وتعاملهم عادي. بس شاف هيثم من هدوئها أنها مضايقة. بس معلقش. وقضى يومه بطريقته العادية.
وجه اليوم الثالث، كان بيلبس ساعته ومرتدي زيه الرسمي. ارتدى معطفه ونزل. شافها قاعدة بتذاكر. بصت له. عرفت إنه رايح الشغل. معلقتش.
- أنا خارج. عايزة حاجة؟
- لا.
مشي. بس وقف فجأة. بصلها. تنهد. ثم قال:
- عايزة ترجعي شغلك؟
بصت له أفنان بشدة. قالت:
- ينفع؟
- تقدري تروحي.
اتصدمت. وقفت وقالت بدهشة:
- بجد؟
يصلها من ردة فعلها وكأنها فرحت. أومأ لها. قال:
- يلا. لو هتروحي عشان أوصلك.
- لا شكرا. ملوش لزوم. أنا هعرف أروح لوحدي.
قرب منها وهو حاطط إيده في جيبه وقال:
- انتي بتنتهكي القواعد للمرة التالتة.
بصت له بشدة. وافتكرت يوم فرحهم لما قالها هتنام في الأوضة واعترضت.
- هي المرة دي تتحسب؟
- انتي شايفة إيه؟
- تتحسب.
بص في ساعته وقال:
- مش عايز أتأخر.
سابته ومشيت. وبدلت ملابسها بعجلة، فهي أخيرًا ستخرج كي تكسر هذا الملل.
توقف هيثم بسيارته. بصلها. وقال:
- هنا؟!!!
- آه.. كفاية كده. أنا هعرف أكمل.
- تمام.
فتحت الباب. نزلت. قال:
- لما شغلك يخلص، كلميني عشان هعدي عليكي.
- مفيش داعي. أنا...
يصلها ببرود. فصمتت. عرفت إنه هيفكرها بالقوانين. أومات له. جت تمشي، وقفت. بصت له وقالت:
- شكراً.
يصلها من شكرها. مشيت وسابته. وهو حاسس ببعض الراحة لأنه غير مودها. بس كان مستغرب. عشان المطعم لسه قدامه شوية. ليه وقفته هنا؟ هل هي لا تعترف بزواجها ومحرجة منه؟ لم يبالي. ثم انطلق بسيارته.
وصلت أفنان المطعم. بصت لها شذى وقالت:
- أهلاً بأفنان هانم. أي اللي جابك؟ جاية كزبونة؟
لم ترد عليها. ذهبت فتبعتها شذى وقالت:
- هو أنا مش بكلمك؟
- بتهيألي أنا بشتغل هنا. سؤالك ملوش لازمة.
- أنا سؤالي ملوش لازمة، وبتتريقي عليا؟ انتي واحدة ريفية. هتفهمي إيه في الناس بتوع المدينة. ثم إنك غيبتي ده كله. شغل إيه؟ بقيتِ إيه؟
تنهدت. بصت لها وقالت:
- مستأذنة من مديري المعط إنّي أغيب يومين. ممكن اليومين التأنين دول اللي زودتهم، بس بسبب ظروف.
- ظروف إيه؟
لم ترد عليها. بصت لها شذى بلا مبالاة ومشيت.
في المساء، كان هيثم في مكتبه. قال سامر:
- هيثم.
همهم بمعنى نعم. فقال:
- انت ناوي تعمل التعاقد ده بينك وبين حسام؟
ملامح وشه اتغيرت لما سمع الاسم. ووقف عن اللي هو بيعمله. قال ببرود:
- بتسأل ليه؟
قعد سامر قدامه وقال:
- انت مش مضطر ترفض العقد ده وتمنع الباب ده إنه يتفتح.
- بس أنا قبلت.
- وقبلت ليه أصلاً من الأول؟
- عشان مش أنا اللي أنسحب وأخليه يبصلي نظرة الشماتة بمجرد ما أرفضه. ثم إنك قولت الباب يتفتح، بس أنا قافله. متقلقش يا سامر.
- انت عارف إن تواجدكم مع بعض مش حاجة كويسة ليك.
- اقفل الموضوع ده. أنا قولت اللي عندي. ده بيزنيس. ملهوش دعوة بالخلافات الشخصية.
سكت سامر. تنهد بقله حيلة. ثم سمعوا رنين هاتف. وكان بتاع هيثم. بص لقاها أفنان. بص على الساعة. افتكر إنه قالها إنه هيعدي ياخدها ويرجعوا. إزاي نسي؟
وقف وخد معطفه. قال سامر:
- رايح فين؟
- أفنان مستنية. قولتلها هعدي عليها آخدها من الشغل.
جه يمشي. وقف سامر في وشه وهو بيبصله بصدمة وبيقول:
- أفنان مين؟ مراتك؟
- في إيه؟ مالك؟
- لا. مفيش.
مشي هيثم وهو يتجاهل نظراته. وسامر مستغرب من اللي قاله. إزاي يعني عليها؟ هل يهتم بها؟
كان هيثم في العربية متوجه إليها. رن تلفونه. بس مكنتش هي.
- في حاجة؟
- آه. كنت بقول تيجي انت وأفنان؟
- لي يعني؟
- عشان تتعرف علينا. وينك عايز أشوفها، ولا انت مفهمها إن ملكش عيلة؟
- يوم تاني.
- لا، النهارده. شكلك بره أصلاً.
تنهد. ثم قال:
- تمام. هجيبها.
أنهى مكالمته. ثم ركز في طريقه. وصل لقا أفنان واقفة في المكان اللي نزلت منه وبتبص يمين وشمال. وقف عندها. بصت له. قال:
- اتأخرت عليكي.
- لسه خارجة.
أومأ لها. ركبت. ثم ذهبوا. بس استغربت لما لقيته بيمشي في طريق تاني. قالت:
- إحنا رايحين فين؟
- هتعرفي.
بصت له باستغراب. لكن لم تتحدث ثانيًا. وبعد مرور الوقت توقفت السيارة.
- انزلي.
قالها هيثم وهو يترجل. فتبعته. بس اندهشت من ذلك القصر اللي تقف أمامه وتلك الأنوار المنبعثة منه.
- إحنا فين؟
- يلا، هعرفك على ناس كده.
بصت له وهو يمد يده إليها. تعجب. مدت يدها بتردد وهي تمسك بيده. فقبض على يدها. لا تعلم لما دق قلبها حين أمسك بيدها. خدها ودخلوا. وكان بتبص حواليها. لقت واحدة مبتسمة وبتقول:
- هيثم بيه.
- دادة نجيبة، هما فين؟
- والد حضرتك هتلاقيه في الأوضة اللي بيقعد فيها طولًا.
وأومأ لها. وكانت أفنان تتابع الحديث. مشيت معاه. وقفو وبصت على ذلك الرجل الذي يكسو شعره بعض الخصلات البيضاء ويقرأ مجلد. رفع عينه بص لها. وتبدلت ملامحه. بص له هيثم. وقف. وقف قدامها. استغربت من نظرته. لقته بيبتسم. مكنتش فاهمة حاجة. بصت على هيثم.
- ده منير زهران.
اندهشت من ذلك الاسم. بعد وهو بيعقد بتعالي وبيقول:
- اللي دبر لجوازنا.
بص له منير بضيق. ثم نظر إلى أفنان وقال بود:
- تعالي يا أفنان، اقعدي. متخافيش.
- حضرتك مين؟
ابتسم قال:
- هو هيثم مقالكش إني أبوه، ولا إيه؟ يعني حماكي.
اتصدمت وبصت لهيثم اللي مكنش مبالي لمجرى الحديث. بصله منير وقال:
- مش هتعرفها على عيلتك؟
- تقدر تقوم بالدور ده.
بصله بحدة. تنهد. ثم وقف. قال منير:
- تعالي، كلهم نفسهم يتعرفوا عليكي.
- هما مين؟
- تقدري تقولي عيلتك الجديدة.
خرجوا من الغرفة متوجهون لصالة. وهو يناديهم. لقت ناس غرباء عنها. وجدت امرأة تبتسم إليها وقالت:
- انتي أفنان؟
أومأت لها. وهى بتقول:
- تعرفيني؟
- منير قالي عليكي، وإنك مرات هيثم. أه نسيت أعرفك. أنا عمته فاطمة.
ابتسمت لها كنوع من التعارف. رغم أنها كانت مرتبكة منهم، تشعر بالغرابة تجاههم. قربت امرأة أخرى وسلمت عليها أيضًا.
- دي سهير مرات محمد أخويا.
سمعوا صوت. فابتسمت وقالت:
- هو ده.
كان رجلاً شامخًا. بص لأفنان. قال:
- ازيك يا بنتي؟
- الحمد لله يا عمي.
ضحكو عليها. بصت لهم باستغراب. قال:
- أنا قولت حاجة غلط؟
- لا يا حبيبتي. دي بقا جنى.
ابتسمت جنى. وكانت فتاة تصغر أفنان بسنة، ترتدي حجاب، لكن تظهر بعض شعراتها ولبسها ضيق بعض الشيء.
- إزيك؟
بادلتها ابتسامة وقالت:
- الحمد لله.
- أي يا حجيجة، مش هتعرفنانظرت إلى الصوت. وجدت شابين. لكن شخص يبدو أصغر. والآخر يبدو في عمر هيثم.
- أي ده هيثم؟ ليك وحشة يا راجل.
قال هيثم ببرود:
- بس منك ليه.
- أي ده ماله ده؟
قال منير لأفنان:
- ده حمزة، ابن محمد أخويا. والتاني إسلام، ابن فاطمة. أفنان مرات هيثم.
قال حمزة بدهشة:
- إيه؟ مراته؟
قرب من هيثم وقال بصوت منخفض:
- انت اتجوزت إمتى وأنا معرفش؟
لم يرد. سمعوا صوت. فلقت بنت بتنزل وماسكة تليفونها بغرور. قربت منهم وقعدت على الكنبة. بصوا لها.
قالت سهير:
- ريم، مش هتسلمي على أفنان؟
نظروا إليها وهي غير مبالية. قالت:
- أهلا.
استغربت أفنان من طريقتها. قالت فاطمة:
- ريم، اتعرفي عليه.
تأففت بملل. ثم نظرت لأفنان. ابتسمت. وقفت قربت منها وقالت بلطف:
- ازيك أنا ريم.
قالتها بسخرية وهي تتصنع اللطف:
- قوليلي يا أفنان، انتي اتعرفتي على هيثم بقالكم قد إيه؟
بصت أفنان لهيثم. ثم قالت:
- شهرين.
قالت بدهشة:
- شهرين؟ وعرفت توقعيه في حبك ويتجوزك؟
حست أفنان بالضيق. مسكتها ريم وهي بتقول:
- بجد يا أفنان، انتي مش سهلة. ابقي علِّميني على الأقل حد من خبرتك.
وهنا تكلم هيثم بحدة:
- ريييييم.
قالت سهير:
- معلش يا بنتي، هي متقصدش. بتهزر. متزعلش منها يا هيثم، انت تعرفها.
قالت ريم:
- أنا قولت إيه؟ يماما. أنا فعلاً عجبت بيها.. أه صحيح يا أفنان، انتي عيلتك بتشتغل إيه؟ تشرف بعائلتنا ولا لأ؟ أكيد هيثم مخدش أي واحدة والسلام، أصله مقاييسه عالية زي هايدي.
جمع هيثم قبضته وتبدلت ملامحه لذكر الاسم. أما أفنان فحست إنها سمعت الاسم ده من هيثم قبل كده. كانت مضايقة من الإهانة اللي بتتعرضلها.
قال إسلام بضيق:
- ريم، اطلعي على أوضتك.
قالت بحزن:
- لي كده؟ مش أتعرف عليها الأول.
لقت أفنان بتنزل إيدها من عليها وبتقول ببساطة:
- أنا من عيلة عادية. واحدة عاشت في قرية. وأنا بشتغل وبصرف على ماما وأخويا.
بصوا لها من اللي قالته. ابتسم منير لأنها ردت دون أن تحرج. والجميع نظر إليها نظرة إعجاب. لكن ريم تضايقت وقالت:
- الطاولة. وقالت بدهشة:
- واو! وهيثم حبك واتنازل عن أرقامه القياسية وخدم انتي... إيه ده؟ يعني انتي من عيلة فقيرة؟ يا حرام. وبتاكلوا إيه بقا وبتعيشوا إزاي؟ هخلي مشروع الجامعة السنادي عن حياتكم. انتي أكيد هتساعديني.
دخل هيثم وهو يقول بغضب:
- ريييييم. اخرسي.
اتخض الجميع من صوته. تقدم وقف جنب أفنان اللي كانت حزينة وبتحاول تخفي حزنها. لقت هيثم بيحط إيده على كتفها وبيقرّبها منه. بصت له بدهشة والجميع. واحتنقت ريم.
- تعرفي إن اللي بتتكلمي عنها دي تبقى مراتي. يعني لما تهينيها، انتي كده بتهينيني. وأنا مقبلش الإهانة ليها، أياً كان مين.
ابتسم منير من ردة فعل ابنه واعترافه بأفنان.
- يلا يا أفنان.
بصلها. وكانت بتبص له ومش مصدقة اللي قاله. خدها ومشي. لقتها بتقف في وشهم. بتوقفهم سريعًا وتقول لهيثم:
- خلاص، معلش يا هيثم. متمشيش. مكنش قصدي أزعلك مني. أنا كنت بهزر معاها، مش كده يا أفنان؟ انتي عارفة إن ده هزار. متبقيش قفوشة.
استغربت من نبرتها. أما هيثم كان في بروده. قال:
- اعتذري.
بصت له ريم بصدمة. وقالت:
- إيه؟
- مسمعتيش؟ بقولك اعتذري منها.
احتنقت ريم. بصت لأفنان. ابتسمت. قربت منها وقالت بلطف:
- أنا آسفة.
لا تعلم لما سمعت باعتذارها. رغم حزنها، حسّت إن هيثم رد كرامتها اللي بعثرتها تلك الفتاة. رغم إنها لم تفعل لها شيئًا، لكنها تبغضها لسبب مجهول.
قال محمد:
- خلاص يا هيثم، اقعد يا ابني. انت لسه جاي ومراتك على عينينا وعلى راسنا.
بصلهم. قربت فاطمة منه. وقالت:
- مش هتعرف جدتك على أفنان؟ عايز تاخدها وتمشي كده؟ يلا، هي مستنياك أصلًا.
بص لأفنان اللي كانت خافضة وشها ومبتتكلمش. خدها ومشي وهو بيسيبهم. بص حمزة لأخته بضيق. وقال:
- استفدت إيه لما هنتي البنت بالشكل ده؟ بقى شكلك مغفل بسببك.
بصت له. مشي وهو متضايق منها. ووالدها أيضًا. لم تبالي.
كان هيثم ماشي. بص لأفنان. كانت ساكتة وبتخبي وشها. بس لقى دمعة بتنزل على وشها. كان يعرف إن الكلام أثر بها. خرج منديل ومد إيده ليها.
بصت لإيده. خدته منها ومتكلمتش. قال:
- متزعليش. هي متقصدش.
- بس هي كانت تقصد زيك بردوا.
بصلها. وكانت تقصد حين كلمها بطريقة فظة. عرف إن كلام ريم فكرها، لكنها لم تكن قد نسيت قط.
- بتقولوا كلمة "متقصدش" عشان تنهوا الموضوع. رغم إنكم قاصدين كل كلمة قولتوها بسهولة، من غير ما تفكروا هتأثر إزاي على الشخص ده. بعد كده بتقولوا "متقصدش" بكل سهولة. أنا مقصدتش... خلاص الموضوع انتهى. نكتة مش كده؟
قالت آخر جملة بابتسامة ساخرة.
- أنا آسف.
بصت له من اللي قاله ونبرته الجدية. ليكمل:
- على كلامي المرة اللي فاتت. وبتأسفلك نيابة عنها. عارف إنك زعلتي. بس بلاش تهتمي باللي قالته.
بصت قدامها وقالت:
- عادي. إذا كنت سمعت الكلام ده منك انت شخصيًا، ههتم بيها ليه؟ هي قالت الحقيقة.
بصلها. كملت سيرها. فصمت ولم يتحدث. دخلا لغرفة. كان جدته جالسة. أول ما شافته ابتسمت. قرب منها وعانقها. فأخذته برحاب. وقالت:
- جبتها معاك؟
- أه.
بعدها وقالت:
- وهي فين؟
- قدامك أهي.
بصت على أفنان اللي بصت لها. ابتسمت وأشارت لها أن تقترب.
- تعالي يا بنتي.
قربت أفنان. لقتها بتحضنها بدفا. بصت لها بدهشة. بس ابتسمت. بعدها وقالت وهي بتبص لها وبتعاينها:
- استغربت. لقتها بتقول:
- لا، البنت حلوة وجسمها كذلك.
اكتست وجنتها بالحمار من الحرج.
- انتي عندك كام سنة؟
قالت بتوتر:
- ٢٠.
- أه، صغيرة لسه. أما تكبري البنت بتبقى أجمل. وانتي ماشاء الله جميلة من دلوقتي. قوللي هيثم عامل إيه معاكي؟
- ها.. أه.. الحمد لله.
- الحمد لله وكل حاجة. عامل إيه بردوا؟
ابتسم هيثم وهو شايف حرجها وكلام جدته. بصت له أفنان. ثم نظرت إليها. قالت:
- ا... أنا لازم أروح الحمام.
ابتسمت لها. وقفت ومشيت سريعًا وهي تتنهد براحة. بصت الجدة إلى هيثم. قالت:
- هي مبتعرفش تتكلم.
- اتكسفت بس.
- هو في حد غريب؟ ده أنا وانتي.. بس حلوة. مفيش بنات بتتكسف اليومين دول.
ابتسم عليها بقله حيلة. فابتسمت لأنها تراه يبتسم.
كانت أفنان ماشية. بصت يمين وشمال. قابلت ريم. وقفتها. قالت:
- نعم؟
- فين الحمام؟
بصت لها باستغراب. ثم أشارت لها وقالت:
- هناك كده على إيدك الشمال.
أومأت لها ومشيت وسابتها. ابتسمت ريم. فتحت.
فتحت أفنان الباب. بس استغربت لما لقتها أوضة. دخلت وبصت حواليها.
- فين الحمام ده؟
كان يبدو أنها غرفة لأحدهم من أغراضه. وقعت عيناها على برواز لصورة على الكمود. بصت حواليها. قربت منه ولفتها. وشافت الصورة. كان شابًا مقارب لعمرها. بس عقدت حاجبيها باستغراب وتبدلت ملامحها لصدمة كبيرة تعتري وجهها.
- انتي مين؟
اتصدمت من الصوت اللي جه من وراها.
- بتعملي إيه هنا؟
كان قلبها بيدق جامد وتتعرق من خوفها. لفت ببطء واتسعت قدحتا عيناها حين رأته.
- ا.. انت.
تبدلت ملامحه هو الآخر لما شافها. ابتسم وقال:
- الأهه، هو انتي.
كانت بتبص له. قرب لؤي منها. رجعت لورا.
- بتعملي إيه هنا؟ معقول عرفتي مكاني وجيتي تفضي حسابكم؟
بقت عارفة ترجع. لما اتخبطت في الكمود. سندت إيدها. قالت:
- أنت اللي بتعمل إيه هنا؟
ابتسم وقال:
- يعني متعرفيش إن ده بيتي وابن للعيلة دي.
بصت له بشدة. قالت:
- إيه؟
- متعرفيش إن وجودك هنا غلط. مش عيب تقتحمي بيت حد؟
- ا.. أنا كنت رايحة الحمام. معرفش إنها أوضتك.
جت تمشي. وقف قدامها وقال:
- ومن وسألتيش ليه؟
بصت له بخوف. رجعت لورا. قرب منها. كانت لسه هتتكلم. بس صوت رجولي سبقها. وهو بيقول:
- إيه اللي بيحصل؟
وقف لؤي وبص لصوت. واتفاجأوا. لما شافوا هيثم واقف عند الباب وبييبصلهم بشدة.
رواية ثأر القلوب الفصل السادس 6 - بقلم نور
بصتله بخوف، رجعت لورا. قرب منها، كانت لسه هـتتكلم بس صوت رجولي سبقها وهو بيقول:
- إيه اللي بيحصل؟
وقف لؤي وبص للصوت واتفاجأ لما شاف هيثم واقف عند الباب وبييبصلهم بشدة.
وكانت ريم واقفة وبتيبص له بسخرية، بتقول:
- إيه ده؟ اتعرفت على لؤي بسرعة؟ قولولي بتعملي إيه هنا يا أفنان؟
اتصدمت من اللي قصدته، وبصت لهيثم اللي كان بيبصلها وساكت، لكن يبدو عليه الضيق.
- أنتي تعرفيها يا ريم؟
قالها لؤي بتساؤل واستغراب، ثم نظر إلى أفنان. بعدت وراحت عند هيثم، قالت:
- نقدر نمشي؟
بصلها، ثم نظر إلى لؤي. مسك إيدها ومشي وهو بيسحبها جامد وراه. ابتسمت ريم بمكر.
قال لؤي:
- هو هيثم جه هنا إمتى ومسكها كده ليه ومشي؟ ده حتى مسلمش عليا.
- أصله مدايق شوية لما شاف السنيورة مراته في أوضتك.
بصلها بشدة وقال:
- مراته؟
قالت بحنق:
- آه، واحدة مش عارفة هو جايبها منين.
- أدهم يتجوز؟
- الموضوع في إن مش كده. أنا قولت هيثم مياخدش واحدة زي دي.
- زي دي إزاي يعني؟ مش شايف فيها عيب؟
بصلته، وجدته بيبتسم بسخرية وبيقول:
- ولا حبيب القلب هو اللي حارقك.
- قصدك إيه؟
- قصدي إن جواكي نار مش عارفة تهديها لما لقيتي هيثم اختار غيرك للمرة التانية ومش شايفك.
جمعت قبضتها بحنق، بس ابتسمت وقالت:
- غلط، أنا هديت ناري شوية. ربنا يكون معاها.
استغرب لؤي من ابتسامتها وقال:
- عملتي إيه يا ريم؟
- ولا حاجة.
بصله بشك. بصتله، اتقدمت وقفت قدامه بتعالي، وقالت:
- ثم عايزة أقولك على حاجة من خبرتي في معرفة هيثم.. هو مبيحبهاش. ودي مش زي هايدي، لأني لسه شايفاها في عينه وقلبه لسه بيحبها. يعني سهل أبعدها عنه في لحظة أو خلاف واحد صغير هيدمر العلاقة دي من أصلها.
ابتسمت، قرب منها وقال:
- وبعد كده؟
بصت له باستغراب. أردف:
- بتحسبيه هيبصلك؟ هو بيعتبرك أخته، مش أكتر من كده. وزي ما قولتي، لسه بيفكر في هايدي. أكيد يعني هينساها بيكي يا ريري، ولا إيه؟
كان لؤي قد أوقد شعلتها وغضبها من كلامه. استدارت وتركته بضيق من سخريته منه.
بصت أفنان لهيثم وأيده اللي بتوجعها:
- ابعد، إنتِ جرّتني وراك كده ليه.
لم يرد عليها، بل اشتد على إيدها وهو بيسحبها. وبينزل، بصله منير، قال:
- فيه إيه يا هيثم؟
قالت فاطمة:
- إنت ماشي؟
- آه.
- ما تخليك يا ابني، اقعد معانا. إحنا لسه متعرفناش عليها.
- مرة تانية.
قالها وهو بيمشي وبياخد أفنان. بصله منير من إيده اللي ماسك بيها معصمها، وكان باين إنه بيقبض عليها وبيوجعها، لكن لم يظهر في كلامه الغضب. تساءل ماذا حدث لينقلب هكذا.
خرجوا من القصر. فتح باب العربية، بس أفنان فلّت إيدها بغضب وقالت:
- سيب إيدي دي وقولي فيه إيه.
- إيه اللي وداكي أوضته؟
بصتله وعرفت قصده، فقالت:
- قولتك، كنت راحة الحمام و..
- وهو الحمام أوضته ولا إيه؟ ما تفهمني.
- أنا مكنتش أعرف إنها أوضته.
- ومسألتش ليه بدام مش عارفة؟
- معقول فاكرني مسألتكش؟ ورجلي اللي خدتني على الأوضة دي. أكيد سألت وهي اللي قالتلي إن ده الحمام. أنا مرحتش لوحدي.
- هي مين؟
- ريم.
قالتها بضيق. سكت هيثم وهو مستغرب، بس كان باين عليه إنه مصدقها ومفيش شك ظهر على ملامحه، بل تضايق من تصرف ريم.
إلى جت وهو قاعد مع جدته: "هيثم، أمال أفنان؟ أصلي شفتها دخلت أوضة لؤي. استغربت، جيت أسألك."
"لؤي؟ وهي هتعمل إيه عنده؟"
"مش عارفة بقى.. يعني إنت كمان متعرفش إنها هناك؟ إزاي أفنان متقولكش؟ متحرك إنها علمت. عمومًا أنا جيت قولتلك."
كانت قاصدة تضايقه، عارفة إن هيثم لا يثق في أي امرأة. ولما عرفت إنه مبيحبهاش، أكيد كلامها هيأثر عليه. هيجي معاها ويشوف. رغم إن جدته منعته إنه ميروحش وميسمعلهاش، بس هو لا يأبى لكلام أحد. يريد أن يرى بنفسه.
- هيثم.
فاق من صوت أفنان وهي بتبصله. قالت:
- إنت اتضايقت كده ليه؟ وكنت بتعمل إيه هناك؟
- عندك اعتراض إنّي جيت ولا إيه؟
- عندي اعتراض من المسكة اللي إنت ماسكهالي قدامهم وجرتني ولا كأني عاملة عَمِلة.
قالتها بضيق وهي تدير وجهها. بصلها، تنهد ثم قال:
- أنا آسف.
بدل ضيق أفنان من اعتذاره بلهجته الهادئة، وكأنه معترف بخطأه في حقها.
كانت ريم جالسة، حاطة رجل على رجل، وبتبتسم. دخل هيثم وقال:
- ريم.
قالت سهير:
- قاعدة تلعب، هو فيه حاجة؟
لم يرد، وتقدم منها، وكانت أفنان معاه. بصتله ريم، وقفت وقالت بابتسامة:
- هيثم، فيه حاجة؟ بتسأل عني ليه؟
- اعتذري من أفنان.
بصت لأفنان بصدمة، والكل مش فاهم حاجة. جه لؤي على الصوت، وبص لحمزة، اللي قال:
- فيه إيه يا هيثم؟
لم يعر أي منهم اهتمام، وكرر وهو يقول:
- يلا يا ريم.
قالت بحنق:
- واعتذر منها ليه إنشاء الله؟ هي بقت شغلانة؟ أنا اعتذرت منها مرة، وده كان عشانك، مش عشان سواد عيونها.
- ريـــــم.
- إيه؟ أنا معملتش حاجة عشان أعتذر.
قرب منها ببرود، وهو بيقف قدامها وبيقول:
- تحبي أقولك عملتي إيه؟ لولا إنك بنت عمي، كنت مديت إيدي عليكي. بس أنا مبديش إيدي على بنات.
قال منير:
- هو فيه إيه يا هيثم؟
قال محمد لابنته:
- عملتي إيه يا ريم؟
- معملتش حاجة.
قالت أفنان لهيثم:
- خلاص، يلا نمشي.
تحدث وهو يقول:
- إنتي مش واخدة بالك من اللي عملتيه؟ يعني إيه تخليكي تدخلي أوضة واحد غريب؟
بص له الكل، وتوترت ريم. فقال هيثم:
- ريم، بدل ما تقوليها على مكان الحمام، قالتها على أوضة لؤي. وبعدين تيجي وتقولي إنها شافتها بتدخل أوضته.
تصدموا، وكلهم نظروا إلى ريم ولؤي. لكنه كان ينظر إلى أفنان، وعلم الآن أنها لم تدخل عمداً.
- طريقتها في اللي تقصده كان القرف بذات نفسه. مش عارف إيه اللي يخليك تعملي كده، بس إنتي غلطتي.
قال محمد:
- إنتي عملتي كده يا ريم؟
قال منير بحدة:
- ريم، اعتذري من أفنان حالاً.
نظرت إلى أفنان بحنق، وقالت:
- آه، عملت كده ومش هعتذر من دي.
قالتها وهي تشير عليها بقرف، وقالت:
- وأنا مكنش قصدي حاجة. مش ذنبي إنك بتشك في مراتك يا هيثم، ده لو إنت فاكرها مراتك بحق وحقيقي.
قال محمد بحدة وصوت مرتفع:
- بس يا ريم، اخرسي. مش غلطانة وتبجحي.
- أنا مغلطتش. واهيه عندكوا، اشبعوا بيها.
قالتها وهي بتمشي. بتقرب منها أفنان، ولتخففها، حامد في كتفها، وقعتها ومشيت بلا مبالاة. أما أفنان، كانت حزينة من ما تتعرض إليه.
قربت جنى منها، وقالت:
- متزعليش منها. معرفش مالها انهارده. المهم إنتي كويسة؟
وأومأت لها. جت تقوم، رجليها وجهتها لما ضغطت عليها حركة غلط.
- مالك؟
فُتِحت وهي بتقول:
- مفيش حاجة.
سندت، بس لقت هيثم بيقرب منها وبيشيلها. اتصدمت، بصتله بشدة، ولقت الجميع ينظرون إليها. فاتكسفت، لكن لم تنطق ببنت كلمة، وخفضت رأسها ومتكلمتش.
قالت فاطمة:
- خليك يا هيثم، نشوف رجليها على الأقل.
- كفاية أوي لحد هنا.
قربت سهير من أفنان، وقالت:
- معلش يا بنتي، ريم قلبها طيب والله. متعرفش إن اللي عملته غلط.
لم ترد أفنان، فهل هي صغيرة كي لا تدرك؟ بل تعلم مقدار ما تفعله جيداً. بصت إلى لؤي، اللي كان بيبصلها. ارتبكت. خدها هيثم ومشيكانت ريم في البلكونة مضايقة. قالت:
- قال اعتذر لها قال.
جت تدخل، وقفت لما شافت هيثم. واتصدمت لما لقيته شايلها. اشتعلت عيناها بغضب وضيق. لفت ودخلت.
وصلوا البيت. نزل هيثم، واتقدم أفنان، اللي فتحت الباب. بصتله وقالت وهي تقف:
- أنا كويسة، أقدر أمشي.
لكنه حملها، قال:
- خلي عنادك دلوقتي على جنب.
بصت له بكسل وسكتت. دخل وهو شايلها.
كانت أفنان قاعدة على الكنبة ومددة رجليها. جه هيثم، قعد جنبها، وكان في يده كيس طبي مثلج. حطه على رجليها عند الكدمة. كانت مكسوفة من اللي بيعمله وهو بيمسك برجليهابصلها من سكوتها والحزن اللي باين عليها من ساعة ما مشيوا.
- متفكريش في اللي حصل.
بصت له من اللي قاله. تنهدت وردت بلامبالاة:
- فيه إيه بالظبط؟ إنها تدلني على مكان غلط؟ ولا تنمرها وتريقها عليا؟ عادي، كل ده أنا متعودة عليه.
بصلها باستغراب، فكملت:
- لما كنت في المدرسة الثانوي، كان بعض التنمر بيتعرض ليه إني من قرية مش من مدينة زيهم، بس كنت بتجاهلهم.
- اتجاهليها هي كمان.
رفع عينه إليها، وقال:
- متخافيش من أي حد بعد كده.
بصت له، والتقطت عيناه. قرب منها، وبعد شعرها من على وشها، فاتوترت.
- أي حد يضايقك بعد كده، متخافيش. عشان إنتي دلوقتي مرات هيثم منير زهران. ومحدش هيقدر يتنمر عليكي أو يسيء ليكي بكلمة.
بصلها في عينها، قالت:
- غريبة! بتقول إني مراتك عادي ومفيش حد غيرنا. بحسبك لما قولتها قدام الكل، كمساعد ليا إنك ترد كرامتي.
عرف إنها تقصد حديثه الفظ معها. تنهد، وقال:
- ينفع تنسي اللي قولته في اليوم ده؟
سكتت، ومرديتش. بص له، وأردف:
- هيبقى أحسن لينا احنا الاتنين عشان نقدر نكمل الفترة دي.
أومأت له، وهي تقول:
- معاك حق. أصلي هشوفك أكتر من حد تاني. وده للأسف يعني.. بس ما علينا. مضطرة أنسي عشان أقدر أتعامل معاك.
ابتسم، قال:
- شكراً.
بصت له من ابتسامته. بعد عنها ومشي. أما هي، افتكرت لؤي، ذلك الشاب اللي التقت به مرة في الجامعة، ومسك إيدها وضايقها، واقترب منها لولا حارس الأمن اللي أنقذها، وهربت منه في لحظتها. كانت فكراه من يومها ومنسيتش، بس صدمتها لما شافته انهارده، وأنه قريب هيثم.
- ابن عمه!
قعد هيثم مع نفسه، وهو بيفتكر كلام ريم ليه: "أصل هيثم، ليه مقايسيه زي هايدي؟"
جمع قبضته، فكانت تتعمد إنه تذكره بها. لقد شعر بأن جرحه يتفتح، وألمه يعود إليه من جديد.
رن على سامر، وقال:
- إنت فين؟
- في البار. مال صوتك؟
- مخنوق شوية.
- طب تعالى، هستناك.
قفل معاه، وخد معطفه ومشي. شاف أفنان، قالت:
- رايح فين؟
- خارج شوية.
مشي وسابها. استغربت، بس مهتمتش.
وصل هيثم البار، بصله سامر، شاور له، قرب منه، قعد معاه.
- بحسبك لوحدك.
ابتسم سامر، وبص للفتاة اللي بجانبه، قال:
- معرفش إنك هتتصل بيا، فأكيد مش هسهر لوحدي. حمزة قالي إنك روحت القصر انهارده، وكانت معاك.
- آه، منير طلب إني أجيبها عشان أعرفها عليهم.
- يبني، منير إيه؟ هو مش أبوك؟ ولا أنا غلطان؟ أنا بقيت أشك فيكم.
- منت عارف اللي فيه.
بصله من نبرته، قال:
- مالك؟ شكلك مضايق.
مردش عليه. بص إلى الفتاة، ابتسم، وقال:
- سيبنا شوية، هكلمك لما أمشي.
- تمام.
قامت ومشيت. بص سامر لهيثم، قال:
- فيه حاجة حصلت ولا إيه؟
- مسك زجاجة النبيذ، وسكب في كأسه، وهو يشرب. بصله سامر وهو بيتابعه، قال باستدراك:
- حد جاب سيرتها قدامك؟
بصله هيثم، وكأنه فهمه، قال:
- مش عارف إذا كنت ندمان عشان روحت ولا لأ. أنا منقطع عنهم بسبب كده. مش عاوز حد يجيبلي سيرتها ولا أشوف نظرة شماتة من حد. أرجع وأقول إن دلوقتي أو بعدين هرجع لهم، لأنهم، أيًا كان، عيلتي.
- وأي اللي مضايقك دلوقتي عشان افتكرتها؟ إنت أصلًا منستهاش. بلاش تضحك عليا.
- منستهاش من ناحية الجرح اللي جوايا، مش أكتر من كده.
- بس..
بصله هيثم من اللي يقصده، فقال:
- إنت لسه بتحبها يا هيثم؟
ابتسم بسخرية، وقال:
- إنت آخر واحد ممكن أتوقعه يقول كده.
- مجاوبتنيش، إنت لسه بتحبها؟
- لا.
قالها بجدية، ثم أردف:
- مش أنا يا سامر. مش هكون مغفل لدرجة دي. كفاية إني اتغفلت كتير.
- ولي لسه بتفكر فيها؟ لي متديش نفسك فرصة إنك تحب حد غيرها؟
- أنا ماسك جرحي ومش عايزة يشفى عشان مقعش تاني. حب!
قال آخر كلمة بسخرية، ثم أردف:
- الحب ده لعنة. ثم يتخرج من سليم، يتخرج مريض نفسي، زي دلوقتي. مش هكرر الغلطة. أنا فاقد الثقة في نفسي. هديها لله، أحبها إزاي؟
- وآخرتها؟
مردش هيثم. بص إلى النبيذ، وهو يتعمق في لونه بشرود.
وفي الليل، كانت أفنان نائمة. قلقت من نومها، بصت جنبها، ملقتش هيثم. استغربت. قامت خرجت، راحت تشرب ميه. وهي راجعة، وقفت. شافت هيثم قاعد على الكنبة بطريقة عشوائية. قربت منه، لقيته نايم. راحتله. حست بريحة غريبة. قربت منه وشمته، وحست بضيق. عرفت إنه شرب وراح في النوم. بصت على ملامحه، ليه بتحس إنه جواها حزن، بس متعرفش سببه؟ كأنه بيشوف الخمرة دي هتخرجه من اللي هو فيه، إنه ميكونش في وعيه.
قربت منه وهزته، وهي بتقول:
- هيثم، قوم. ضهرك هيوجعك، نام جوا أحسن.
مردش عليها، لكن قلق في نومته. قربت منه، حطت ذراعه حولين رقبتها، وسندته في الوقوف، وهي شبه تحمله. بصت له، وهو نايم عليها، ويلقي برأسه على كتفهاتنهدت، ومشيت وهي بتحاول تسند طولها ومتغطش على رجليها. دخلت الأوضة، قعدته على السرير، وهي بتنيمه وبترفع الغطا عليه. جت تمشي، لقيته بيمسك إيدها وبيسحبها ليه. اتخضت، بصت له بشدة، وهو يدفن وجهه في عنقها.
- سيبني يا هيثم.
- إنتي اللي قربتي مني مش أنا. لي بتحاولي تغويني في الساعة المتأخرة دي؟
بصت له بشدة. رفع عينه إليها، وقال:
- كنتي بتعملي إيه؟
مكنتش عارف إذا كان صاحي ولا نايم، في وعيه ولا لا. قالت:
- أنا كنت..
- بتستغليني.
- إيه؟
قلبها وبقا فوقها، وهي تحته. اتسعت قدحتا عيناها. بصت على إيدها، كان ماسكهم ومثبتهم على السرير. لقته بيقرب منها. قالت بخوف:
- بتعمل إيه؟ ابعد.
- هحققلك رغبتك.
- رغبة إيه؟ إنت فاهم غلط. سيبني يا هيثم.
حاولت تحرك إيدها، فاشتد عليها، وهو بيقول:
- مكنش وقتك يا أفنان. أنا متحمس دلوقتي ومش هعرف أبعد.
اتصدمت. قالت بنداء ورجاء:
- هيثم.
بصت له بخوف، وهو كان مغيب. قرب من عنقها وقبلها. بس أفنان بحركة سريعة، قربت من رقبته وعضته جامد.
صرخ هيثم، وانتفض، وبعد عنها، وهو حاطط إيده على رقبته ومصدوم. يصلها، وقال:
- إنتي عضتيني؟
اتعدلت وبصت له، وقالت بغضب:
- هيثم، إنت وعدتني إنك مش هتلمسني عشان جوازنا مزيف، وإنت عارف.
- إنتي اللي قربتي مني.
- محصلش. أنا جبتك من بره عشان ضهرك مبيوجعكش، بس أنا غلطانة. أنا كان لازم أسيبك.
- متتكررش تاني يا أفنان.
بصت له. حط إيده على رقبته بضيق ومشي. فزفرت بحنق، وخدت نفسها من خوفها.
في اليوم التالي، صحيت أفنان، شافت هيثم جالس وبيشرب قهوته. بصلها، اتوترت، ومشيت راحت المطبخ لتعد فطور.
- حاسس إني قاعدة مع وحش.
- مش عيب تقول لي عليا كده من بعد امبارح؟
اتخضت من الصوت. لفت، لقيته هو. قرب منها، قالت:
- مش فاهمة.
- اللي مفروض يقول كده، أنا مش إنتي.
بصت له باستغراب، بس مبقتش عارفة ترجع. لقت بيشاور على رقبته، وبيقول:
- ممكن تفهميني إيه ده؟
بصت، وكان حاطط مكان عضتها ضمادة. قالت:
- لزق طبي.
- والله، وأي السبب في إني أحطه؟
حست بالحرج، وخفضت عيناها، وقالت:
- عشان عضيتك.
- بالظبط. يبقى مين فينا الوحش؟
- إنت السبب. مكنتش عارفة أعمل إيه.
- تقوم تعضيني بالطريقة دي؟ مبتأكلش لحمة.
ابتسم. يصلها بحده، فاتوترت، واخفت ابتسامته. بعد عنها، مشي، بس وقف، وقال:
- مش هتخرجي انهارده، مش كده؟
- لا، خارجة.
بصله باستغراب، وقال:
- اللي أعرفه إن معندكيش شغل النهارده.
- أيوه، بس ورايا جامعة.
- إمتى؟
- مش دلوقتي. من الأفضل تمشي إنت عشان متتأخرش على شغلك.
مردش، بس مشي وهو بيفتكر رفضها إنه ميواصلهاش جامعتها، ولما وصلها لشغلها، خليه يقف بعيد. هل هي تخجل إنه زوجها فعلاً؟ رغم إنها عليها أن تفتخر كونها زوجته.
لبست أفنان. سمعت صوت الجرس، نزلت وفتحت. لقيت مندوب.
- فيه طلبية باسم هيثم زهران.
- آه، بس هو مش هنا. تقدر تدوهالي؟
- بس ده طلبية خاصة، لازم هو يستلمها.
استغربت. بصت له، وقالت:
- عمتاً، هو مش موجود، بس أنا مراته.
- طيب، اتفضلي، افتحيها.
بصت له، بأنها ملهاش حاجة. وبعدين وقعي هنا بأنك استلمتي بدالها. وأومأت له. فتحتها، واتأكدت إنها أمان. وقعت، وخدت العلبة ودخلت.
قفلت الباب، وبصت فيها باستغراب. لقت بيرفيوم، وكان نوعه حريمي. وشافت صورة لامرأة فاتنة، شقراء، ولابسة مايو، وجسدها جميعه ظاهر، وكأنها صورة إغراء. لفت الصورة، لقت روج مطبوع: "I miss you" أنا افتقدك.
اضايقت، وحست بالازدراء. حطت الصورة والبرفيوم بضيق، ومشيت.
في الشركة، قال سامر:
- اجتماع النهارده هيبقى بعد ساعة كده.
- تمام. ابقى هات لي الورق على المكتب.
- ماشي.
جه يمشي، وقف فجأة، وقال:
- إيه ده؟
بصله هيثم، وهو يشير على رقبته. فاخفاها بحرج، وهو يقول بضيق:
- مفيش.
- مفيش إزاي؟
شال اللاصق. بصله هيثم، وبعد عنها. اتصدم سامر، وقال:
- يخربيت*ك! إيه ده؟ هي وصلت بيك لدرجة دي؟
- إنت بتقول إيه؟ أكيد لا.
- أمال مين اللي عمل فيك كده؟
- إنت تفكيرك راح لفين؟
- متقولي.
انتقل بضيق، وهو بيفتكر:
- دي المتوحشة اللي أنا عايش معاها.
بصله باستغراب شديد، ثم اتصدم، وقال:
- مراتك؟
أومأ له. بص سامر على رقبته، وقال:
- وهي تعمل فيك كده؟
لم يرد. ابتسم، وأردف:
- وأنا اللي كنت خايف عليها منك. أنا بقيت خايف عليك.
بصله ببرود، وقال:
- روح على شغلك.
- حاضر. خبّي الفضيحة دي بس.
قالها، وهو بيحط له الضمادة. فبعضه هيثم بحدة، فابتسم سامر عليه، ومشي وهو يود الضحك.
حط هيثم إيده على رقبته، وافتكر أفنان امبارح، حين اقترب منها.
في الجامعة، كانت قاعدة مع صحبتها ملك، اللي قالت:
- امتحان في مستوى الطالب الجينيس.
- بص لي بشماتة. أنا خايفة يسقطني بجد يا ملك. مش بعيد يكون جايبه صعب عشان يقول إن أنا اللي معرفتش أحله.
- متخافيش، الدفعة كلها هتسقط كده. اتفائلي خير.
- يارب. يلا عشان ماشية.
- راحة فين؟
- في مشوار كده هعمله.
استغربت. مشيت أفنان، وخرجت من المقهى. بس اتفاجأت لما لقت لؤي، وكان واقف مع شاب آخر. بصلها، ولاحظها هو كمان. بعدت عيناها سريعاً، ومشيت. استغرب، بص لصاحبه، وقال:
- أكلمك بعدين.
- رايح فين؟
مشي، وسألها. تقدم من أفنان، وقال:
- أفنان، استنى.
وقفت لما نداها. قرب منها، وقف قدامها، قال:
- عاملة إيه؟
أولاً، استغربت، فشاور على رجليها، بيفهمها قصده، فقالت:
- آه، الحمد لله.
- امبارح كان سوء تفاهم. أتمنى أكون مضايقتكيش. بالنسبة ليومها، أنا مسكت إيدك، كنت عايز أسألك على مكان في الجامعة عشان أنا مش فيها، مش عارف حاجة. معلش لو كنت اتصرفت بطريقة مش كويسة. كان سوء تفاهم، أتمنى إنك متزعليش.
مكنتش عارفة هل هو بيقول كده عشان عرف إنها مرات هيثم، أو إيه السبب؟ قالت:
- تمام، مفيش مشاكل.
- إنتي راحة فين كده؟
- مروحة.
- تحبي أوصلك؟
- لا، شكراً.
- تمام، ماشي.
ابتسم لها. مشيت، وهي مستغربة. بس وقفت، وبصت له، وقالت:
- لؤي.
لف لما لقاها بتناديه، قالت:
- عرفت اسمك امبارح. كنت عايزة أسألك على حاجة.
- قولى.
- تعرف مكان شركة هيثم؟
قال باستغراب:
- آه، لي؟
- عايزة أروحله.
- طب كنتي تقولي له يبعت لك عربية والسواق يوصلك.
سكتت شوية، يصلها باستغراب، قالت:
- هو ميعرفش أصلًا.
استغرب، ابتسم، وقال:
- عايزة تطبّي عليه ولا إيه؟
- حاجة زي كده.
- طب تعالى.
- فين؟
- هوصلك.
مالكنفيت بأنه مفيش وراحت معاه. ركب العربية. كانت مترددة إنها تركب، بس افتكرت إنه اعتذر لها، ومفيش خطر منه، فركبت.
بصلها، ولاحظت نظراته.
- إنتي تعرفي هيثم منين؟
ارتبكت، قالت:
- قابلته مرة، وعرفنا بعض.
- من مرة؟ حبك وعرفك واتجوزك؟ غريبة.
بصت له، وقالت:
- إيه الغريب في كده؟
- لو كان واحد غير هيثم، كنت قولت لك آه، ماشي، ممكن تحصل. بس هو رافض الارتباط من أساسه. مرة واحدة يتجوز؟ جوازه كان مفاجأة لينا. فأعذريني، أصلي مستوعبتش الموضوع غير من حمزة، وإنه اتجوز فعلاً.
- وهو رافض الارتباط ليه؟
- حوار قديم كده، خلى هيثم الشخص اللي معاك دلوقتي.
- مش فاهمة. هو مكنش كده في الأول.
ابتسم، بصلها، وقال:
- لا.
لم تفهم نبرته ونظرته تلك التي يرمقها إليها. نظر أمامه، وركز في قيادته، وقال في سره:
- كان معاك حق يا ريم. الموضوع في إن، هي متعرفش حاجة عن هيثم... ولا حتى إنه كان متجوز قبل كده.
وصلت أفنان، شكرت لؤي، ونزل. بس لقته مسك إيدها. سحبتها على طول، وهي بتبصله بشدة، فاستغرب، وقال:
- شنطتك نسيتيها.
خدتها منه، وقالت:
- آه، شكراً.
لفت، ومشيت، وحسّت بالحرج من ردة فعلها، بس دي ردة فعل طبيعية. دخلت، وسألت الاستقبال على مكتب هيثم، فقالت الفتاة بطريقة رسمية:
- الدور الرابع، آخر مبنى.
شكرتها، ومشيت. ركبت الأسانسير، بس لقت واحد بيدخل معاها. بعدت شوية. بصلها، لم يبالي. قال:
- الدور الكام؟
عرفت إنه بيكلمها، فقالت:
- التالت.
- أنا كمان الرابع.
بصلها، ضغط على الزرار بتاع الدور، ورجع في وقفته، وهو بيبصلها. ولاحظت نظراته. اضايقت بعض الشيء.
- إنتي وجه جديدة هنا؟
- آه.
- ورايحة الدور الرابع تعملي إيه؟
تنهدت بضيق، قالت:
- ينفع أقولك لحضرتك حاجة؟
- إيه؟
- وإنت مالك؟
بصلها بشدة، نظرت أمامها بلامبالاة.
- أنا مالي، آه. أنا بس بسألك عشان مش أي حد يطلع الدور ده.
- فهمت، شكراً على المعلومة.
قالتها كنوع من الذوق، ومتكلمتش تاني. بس لسه شيفاه بيبصلها. اتفتح الأسانسير، فخرجت، وكان مبنى تصميم خاص بالفعل وكبير. فبقيت حيرانة، فين مكتب هيثم؟ شافته تاني، وقفته، وقالت:
- لو سمحت.
وقف، وبصلها، فقالت:
- فين أستاذ هيثم؟
استغرب، بس قال:
- قدام، على إيدك اليمين.
أومأت له، ومشيت، بس حسّت بحد وراها. لقيته هو. استغربت، بس ملقتوش. انعتق، وقريب منها، وكأنه بيتبعها، ومتعمد. لفت له، وقالت بغضب:
- فيه إيه؟ ما إخلاص، إنت استحلتها.
قال باستغراب:
- أفندم!
قالت بانفعال:
- ماشي ورايا ليه؟ ممكن أفهم؟
اتصدم، وقال:
- إنتي أكيد مجنونة. وأنا همشي وراكي ليه؟ أنا رايح..
- منت أكيد مش سايب الدنيا دي كلها وماشي معايا. وهكون بالف من دماغي. شوف رايح فين.
قال بانفعال وعصبية:
- بت، إنتي، إنتي متعرفيش بتكلمي مين.
- هتكون مين يعني؟ مدير الشؤون المالية؟
- أنا فعلاً مدير الشؤون المالية للشركة دي.
ابتسمت بسخرية، وقالت:
- مهو واضح.
فغضب كثيراً، وقال:
- قصدك إيه يا بت؟ أنا ماسك نفسي عنك.
- هتعمل إيه يعني؟ ها؟
وكان قد فقد أعصابه، حتى سمعوا صوت:
- إيه الزعيق ده؟
قالها هيثم بغضب، وهو يخرج من مكتبه، بعدما سمع أصواتهم. بص لأفنان بتفاجؤ من وجودها، قال:
- أفنان، بتعملي إيه هنا؟
- أنا كنت جاية أشوفك.
نظر إليهم بشدة، وقال:
- إنت تعرفها يا هيثم؟ مين دي؟ دي جاية ترمي بلاها على الناس.
بصت له أفنان بغضب، وقالت:
- بتتكلم عن مين؟
- هو فيه حد غيرك؟
- آه.
انتقل هيثم بغضب، وهو يقاطعهم:
- بس، منك ليها، إيه اللي فيك؟
- بتقولي إني بمشي وراها، وأنا جاي لك.
حس بالحرج، خصوصاً طريقة كلامهم الغير رسمية، فقالت بضيق:
- ومقولتش ليه؟
- وإنتي سبتيلي فرصة أتكلم؟ ده طلعت الطالعة فيا وفقدت النطق.
سكت بضيق، فقال هيثم:
- خلاص يا سامر. وإنتي تعالي يا أفنان.
- أنا اتهزقت وأنا والدها. متقولي، تعرفها منين؟
بصله، ثم نظر إلى أفنان، وقال:
- مراتي.
اتصدم، وبص لأفنان بشدة، قال:
- المتوحشة.
اتسعت عيناها، وقالت:
- م... إيه؟
سكت سامر، وبص لهيثم. بصت له أفنان بشدة، فهل هو من قال عنها ذلك؟ مشي بلا مبالاة، فتبعته.
- إنت اللي قولته له عليا كده؟
قال بكل برود:
- آه.
- أنا متوحشة؟ قلت إيه عني تاني؟
- إنك رغايّة، ومبتفصليش.
- أنا رغاّية، إنت اللي شخص بارد و...
أسكتها حين سحبها، وهو يضع يده على فمها، يمنعها من التكلم.
- شوفتي إنك رغايّة؟ كان فيه هدوء قبل أما تيجي وتعملي الإزعاج ده كله.
تضايقت، وهمت بغضب، بس هو كان بيمنع خروج كلمتها. ثم ابتسم، وقال:
- بس إزعاجك مميز.
هدأت من بعد جملته. كلامتها تبخرت، غضبها تلاشى، كل شيء تصاعد، ومبقتش عارفة حاجة، غير إن قلبها بيدق.
بعد يده من على بقها، ونظر إلى شفتاها، وقال:
- إيه اللي جابك؟
كانت في هالة من التوتر. قالت:
- مكنتش عارفة إن وجودي هيضايقك.
- مش ده اللي أقصد. أقصد سبب وجودك. أكيد مفكرتيش تيجي مرة واحدة كده.
- كان فيه سبب، بس...
- بس إيه؟
- نسيت.
ابتسم من توترها. بص لشفتاها، قرب منها، دق قلبها جامد، غمضت عيونها جامد، شعرت بملامسة شفتاهم. بس قاطعهم فتح الباب، وتدخل الفتاة. قالت:
- مستر هيثم، ا...
اتصدمت من اللي شافته. رفع هيثم عينه ببرود، لقى أفنان بتبعد على الفور، أول ما سمعت الصوت. لفت الفتاة على الفور، وقالت:
- أنا آسفة جداً، مكنتش أعرف إن حضرتك معاك حد. أسف.
مشيت بسرعة، وهي تفر من أمامهم. خرجت، قابلت سامر، بصلها، وقال:
- مالك؟ قولتي له على الاجتماع؟
- ها... آه... لا. مستر هيثم مش فاضي.
قال باستغراب:
- مش فاضي إزاي؟
- معاه ضيفة.
عرفت إنها تقصد أفنان. بصت له، وقالت:
- هي مين دي يا مستر سامر؟ حضرتك تعرفها؟
- بتسألي ليه؟
- أصل... أصل شفتهم بيبوسوا بعض.
اتصدم سامر كثيراً، فهل معقول إنها تقول الحقيقة؟ ابتسم، وقال:
- إنتي متأكدة؟
- آه والله.
- طب روحي على شغلك.
عند هيثم، بص لأفنان، اللي كانت مخبية وشها من الخجل. ابتسم، قال:
- اهدى، خلاص. محصلش حاجة.
كانت تخفي عيناها. تقدم من مكتبه، وقال:
- كلتي؟
- لأ.
عمل مكالمة، وطلب طعام، وهي بصت له. يصلها، فبعدت عينها. ابتسم. لا يعلم لماذا، لكن هذه الفتاة تجعله يبتسم. لن ينكر هذا.
- إنتي جيتي هنا إزاي؟ وعرفتي مكان الشركة منين؟
- آه، لا. ده لؤي هو اللي قاله لي.
يصلها باستغراب، وقال:
- لؤي مين؟
- ابن عمك.
- وإنتي شفتي لؤي فين وتعرفيه منين؟
استغربت من نبرته، قالت:
- قابلته في الجامعة النهارده، وسلم عليا عادي، فسألته، ووصلني.
- وصلك إزاي؟ بعربيته؟
- آه.
قال بغضب:
- وإنتي بتركبي معاه العربية ليه؟ مش غريب عنك.
قالت بتعجب:
- غريب إزاي؟ هو مش ابن عمك؟
- بس راجل.
استغربت من نبرته، اللي خافت منها، وقالت:
- فيه إيه يا هيثم؟ أنا معملتش حاجة لكل ده. أكيد لو واحد معرفوش، مكنتش ركبت معاه. كل الحكاية إنه قريبك.
- الغلط يفضل غلط. تعرفي منين؟ إنتي لسه شيفاه امبارح؟ ولا وجودك في أوضته خلاكم تاخدوا نقاش تعارف، وأنا مش واخد بالي؟
بصت له بشدة، وقالت بانفعال:
- إيه اللي إنت بتقوله ده؟ تعارف إيه؟
سكت هيثم بضيق، عشان ميزودهاش أكتر من كده ويجرحها تاني، رغم إنه ميعرفش إنه جرحها فعلاً. كانت بتبصله، وبتفتكر كلام ريم، فقالت:
- إنت بتشك فيا فعلاً يا هيثم؟
تبدلت ملامح هيثم، وبصلها من نبرتها:
- كانت تقصد إيه لما قالت كده؟ هي تعرف منين إن الثقة عندك معدومة في أي واحدة؟ بس إنت مثلت الثقة قدامهم بحكم إني مراتك، بس الحقيقة... إنت مبتثقش فيا.
تنهد، وقال:
- أنا مقولتش كده.
- أمال اللي إنت بتعمله ده إيه؟
- إنتي مش شايفة إن الموضوع يضايق؟
- مش لدرجة، وطريقتك دي.
- خلاص يا أفنان، ياريت متتكررش.
مشي، وقفته، وهي بتقول:
- إنت كنت فين امبارح؟
وقف، وهو مستغرب من سؤالها. لف لها، وقال:
- مش فاهم.
- خرجت امبارح ورجعت متأخر. كنت فين ومع مين؟
كانت تنظر له وكأنها ترد له كلامه، لتفتعل شجاراً أيضاً. بس قال بكل برود:
- هتفرق معاكي؟
- آه. زي ما بكون مع مين، إنت كمان لازم تعرفني.
- هتحاسبيني ولا إيه؟
قالها بجمود. بصت له، خدت شنطتها، قربت منه، وقفت قدامه، وقالت:
- يبقى إنت كمان ملكش الحق في إنك تحاسبني.
قالت ذلك، ثم ذهبت، وهي تبتعد عنه. بصلها، وهي بتخرج. دخل سامر، بص لأفنان، بس هي لم تطلع به. تخطته، وذهبت. دخل، وبص على هيثم، وقال:
- هي مشيت؟ مش كنت طالب أكل ليكو؟
- الغيه خلاص، مش عايز.
بصله، وهو يجلس، والضيق باين عليه، فقال:
- حصل حاجة ولا إيه؟
- لا تعجب، فكيف تبادلوا هكذا؟ فالوضع كان جيداً. ماذا حدث؟
في المساء، كانت قاعدة بتذاكر. سمعت صوت، عرفت إنه جه. لم تبالي. دخل، بصلها، بس طلع من غير ما يقول ولا كلمة. تضايقت، بس مهتمتش.
بعد أما خلصت مذاكرتها، طلعت الأوضة. مكنش موجود، فاستريحت. سمعت صوت هوا يرتطم بالنافذة.
- الجو بيقلب في لحظة. بيفكرني بواحد.
قالتها بتذمر. فتحت الخزانة، وشدت لحاف. بس سمعت صوت حاجة بتقع. بصت، لقت صندوق خشبي صغير. وكان اتفتح من الوقعة. استغربت. حطت دفاترها على جنب، وسألت اللحاف.
مسكت الصندوق، وهي بتشوفه. كان عليه نقوش من الخارج. استغربته. بصت على الصورة اللي قعدت منه، خدتها، ورجعت الصندوق. لقت امرأة جميلة، لابسة دريس رقيق، تبتسم، وتحمل طفلاً.
بصت على ذاك الطفل، وتلك العينان والملامح. فهو يشبه أحداً تعرفه، بس مرة واحد. لقت اللي بينتش الصورة من إيدها. اتخضت. بصت لهيثم، اللي بص للصورة، وكأنه يرى. أن كان أصابها خدش، قال بضيق:
- بتعملي إيه؟
- معملتش حاجة. هي مين دي؟
رفع عينه إليها، وقال:
- بتلمسي حاجة مش بتاعتك، ليها.
استغربت، وخافت من نبرته الغريبة وعينه المخيفتان. قالت:
- أنا مقصديش. الصندوق ده وقع واتفتح، وأنا بس..
بعدها من وشه، وهو بياخد الصندوق، وبيقرّب من الدولاب، بيحط الصورة، وبيقفله.
- باين إن الصور عزيزة عليك أوي، عشان تضايق بالشكل ده.
قالتها بسخرية. بصلها هيثم، لتردف:
- أكيد واحدة من اللي تعرفهم، ومعاها عيل كمان.
قال بغضب شديد، وعروقه بارزة:
- اخرسي.
- بتتحمّلها أوي، واضح إن علاقتكو كانت قوية. علاقاتك كتيرة يا أستاذ هيثم، وساعات بتوصل لحد الدناء...
ولم تكمل كلامها، حين صفعها هيثم بظهر يده بغضب على وجهها، و.....
رواية ثأر القلوب الفصل السابع 7 - بقلم نور
أكيد واحدة من اللي تعرفيهم ومعاها عيال كمان.
قال بغضب شديد وعروقه بارزة:
- آخرسي.
بتتحمليها أوي. واضح إن علاقتكم كانت قوية. علاقاتك كتيرة يا أستاذ هيثم، وساعات بتوصل لحد لدنئ...
ولم تكمل كلامها، حين التف هيثم مرة واحدة وصفعها بظهر يده على وجهها، أصمتها.
اتصدمت أفنان من ذلك الكف الذي تلقته منه. أما هيثم، فمن نوبة غضبه، فاق وأدرك ما فعله. كانت خافضة عيناها ولم ترفعهما، حيث سالت دموع من عيناها بصمت.
مشيت دون أن تنطق ببنت كلمة. بصلها ولم يتحدث هو الآخر.
تضايق، زفر بضيق وهو يسند على الحائط، لكنه غير مبالٍ. فهو لم يخطئ، بل هي من أخطأت وتستحق ذلك.
بس، أيًا يكن، هل كان عليه أن يمد يده عليها بتلك القسوة؟ لو كانت صمتت لما حدث كل هذا. فهل هي لا تعلم من تكون هذه المرأة؟ أنه لا يقبل أحدًا أن يقول عنها أي كلمة سيئة. إنها الملامة، ليس هو. بل هكذا كان هيناً معها.
أما أفنان، فقد جلست في الحديقة بمفردها، بعيدًا عن الأصوات. كانت منزلَة وشها والدموع تتساقط دون أن تتوقف.
- ربنا يسامحك يا ماما. خلتيني مع واحد زي ده، أتهان وأسكت. حاسة إني قليلة ومليش حق في حاجة، لأنك بعتيني. ربنا يسامحك بحق اللي أنا فيه. مش عارفة أدعي عليكِ لأنك أمي.
كانت تنشج وجسدها يرتجف، وتحاول كبح صوتها وشهقاتها. مسحت الدموع بأكمام ملابسها، وهي ترفع رأسها للسماء، وكأنها تنادي خالقها الذي يراها الآن، تشكي له، وهو السميع العليم.
كان هيثم قاعد وحاطط راسه بين إيديه. ولم ينم. قام، ولسا كان هيخرج من الأوضة، لقاها بتدخل.
- ياصلها. كانت خافضة وجهها وشعرها على وشها.
تخطاها دون أن تنظر إليه. خدت لحاف ومشيت.
وقفها وهو بيقول:
- راحة فين؟
لم ترد عليه وذهبت. بصلها. تضايق من تجاهلها.
مشي دخل أوضة، وكانت بتعدل اللحاف. قرب منها وقال:
- بتعملي إيه هنا؟
ماردتش وكملت اللي بتعمله. فبدأ غضبه بأن يحتله. مسكها من دراعها ولفها ليه.
- أنا مش بكلمك.
بصتله بخوف. أما هيثم، فحين ظهر وجهها، رأى شيئًا. قرب أيده منها. بصتله بخوف. لقته بيلمسها وبيبعد شعرها من على جنب وشها، وجد خدها أحمر وعلامة مكان إيده معلمة.
تبدلت ملامحه. فهل قسا عليها لذلك الحد؟
بعدت وشها وهي بتنزله وبتبعد عنه. وهو فلت دراعها ومجادلش.
- ينفع تخرجي؟
قالتها وهي تخفي عيناها ولا تتطلع به.
بصلها قال:
- انتي هتنامي هنا؟
- آه.
- عندك أوضة تقدري تنامي فيها، يلا.
- مش أوضتي.
قالتها ببرود وهي تكمل:
- مش أوضتي، زي ما دي مش أوضتي، ولا ده بيتي. بس على الأقل هنا أضمن إني ما أشوفكش.
- عارف إني غلطت، بس...
- مبقاش ينفع تمشي.
- انتي متعرفيش اللي قولتي.
- ولا عايزة أعرف. أياً كان، مستحقش اللي عملتيه. مش عايزة أدخل في نقاش مع واحد شايف حتى إنه مش غلطان.
- عشان أنا مغلطتش.
بصتله بشدة. أومأت وهي تقول:
- معاك حق. انت عملت إيه يعني؟ مش حاجة تتضايق عشانها.
حس بحزنها. تنهد وقال:
- روحي على أوضتك يا "أفنان". بعد إذنك.
- بعد إذنك انت، اطلع برا. مش عايزة مكان يجمعني بيك، ولا أن سريرنا يكون واحد، أو أشاركك في حاجة من ممتلكاتك الخاصة. من انهارده... انت في حالك وأنا في حالي.
أشاحت بوجهها وهي تردف:
- ولو مضايقك وجودي هنا، أقدر أنام في الصالة أو على الأرض، ولا إني أنام جنبك.
وجت تخرج. منعها وهو بيمسك أيدها يوقفها. لم تلتفت. نظر إليها. اقترب وقف أمامها قال:
- خليكي. أنا خارج.
مشي وسابها كي لا يضايقها أكثر من ذلك.
في اليوم التالي، لبست أفنان عشان تروح الجامعة. افتكرت دفاترها اللي سابتهم في الأوضة عنده.
راحت وهي متضايقة. لقت الباب مفتوح. دخلت، ومكنش موجود. فشكرت ربها أنها لن تراه في هذا الصباح. قربت من الكمود وخدت حاجتها. بس توقفت عيناها على تلك الصورة اللي على السرير في مكانه.
كانت نفسها بتاعت امبارح. استغربت، وكأنه كان نايم وهو ماسكها. مهتمتش. وجت تمشي. لقته بيدخل. بصتله.
- كنت باخد حاجاتي.
قالتها بتوضيح وهي بتمشي.
- عايزة تعرفي مين دي؟
توقفت ثم قالت بلا مبالاة:
- لا.
- أمي.
وقفت عند الباب من اللقب اللي سمعته. بصتله. فقال:
- الطفل ده يبقى أنا. والست دي تبقى أمي.
لا تنكر دهشتها، فهي رأت أن الطفل يشبهه، لكن ظنته ابنه. كيف وهو لم يتزوج؟ ظنت به سوء وأنه له علاقات بالخارج لا تعلمها.
قرب ووقف قدامها وقال:
- أظن الصورة اتوضحت ليكي.
بصتله في عينه وهي تتذكر كيف صفعها. أشاحت بوجهها وذهبت دون أن تعلق على كلامه.
في الشركة، كان هيثم جالس شارد الذهن. بص له سامر وقال:
- في إيه يا ابني؟ ماتركز معايا.
- دماغي مش فايقة لشغل دلوقتي. نكمل بعدين.
قالها وهو يرجع ظهره للخلف بتنهيدة. بص له باستغراب وقال:
- مالك مش على بعضك ليه؟ حصل حاجة بينك وبين أفنان؟
بصله هيثم من ذكر اسمها وقال:
- وانت عرفت اسمها منين؟
- منتا اللي قايله امبارح قدامي.
أومأ له وهو يتذكر، لكن صمت قليلاً ثم قال:
- مديت إيدي عليها.
اتصدم سامر وقال له:
- ينهار أسود. إزاي تعمل كده؟
- اللي حصل. ماكنتش شايف قدامي.
- تقوم تمد إيدك عليها؟ انت اتجننت؟ من امتى وانت بتمد إيدك على بنت؟ لا ودى مراتك؟
- عشان غلطت. أنا معملتش كده غير بسببها.
- واللي عملته غلط أكبر.
قال بغضب شديد:
- أنا مغلطتش. اللي يتكلم عن أمي بطريقة وحشة، أنسفه من على وش الأرض.
سكت سامر حين سمع اسم أمه في الأمر وتحوله الذي لم يدهشه، وكأنه أخذ إجابته، أنه ان فعل هكذا بسبب والدته التي يحبها بشدة.
- وهي اتكلمت عنها وحش إزاي؟
سكت هيثم وهو متضايق أنه يفتكر.
- معرفش هي قالت إيه، بس ممكن مكنتش تقصد يا أخي، أو مكنتش تعرف بحبك ليها. هي معرفتكش بشكل كلي يعني.
- محطتلهاش مبرر، واقفل الموضوع ده.
سكت. تنهد بقله حيلة ومشي، وكأنه عارف أنه لا مجال في النقاش إذا الأمر اتصل بوالدته. أنه لن يصغي لأحد.
لكن حتى هيثم كان يتخيل أمه تعاتبه وأنه مد يده على بنت. أيًا كان السبب. لطالما كانت تعززهم في نظره وتعلو من شأنهم، وأن عليه احترام النساء. لكنهم الآن أكثر ما يبغضهم.
كانت أفنان في شغلها وسرحانة، بتفتكر هيثم.
تذكرت كلامها الذي لم يجب أن تقوله. لكنها لم تعلم أن ذلك الطفل هو وهذه تكون والدته. إنها أخطأت كثيراً في كلامها هذا. لكن ماذا فعل هو؟ لقد صفعها بقسوة.
غمضت عيونها جامد بحزن وهي بتفتكر ما تعرضت له.
- أفنان، ركزي في شغلك.
فاقت على صوت شذى. أومأت لها. وكان أمامها شاب أعطته طلبيه.
- لو فضلتِ تسرحي كده كتير، الزباين هيطفشوا منك.
مردتتش عليها. قربت منها وبصت لها وقالت:
- شكل حبيبك سابك وهو اللي مخليكي كده.
بصت لها باستغراب من اللي قالته.
- حبيب مين؟
- اللي جه قبل كده هنا وخدك.
سكتت ومرديتش عليها وهي متضايقة.
- انتو اتخانقتو ليه؟
قالتها بفضول، لكن لم تجد أفنان تغيرها اهتمام.
- باين إن الموضوع سر. هو بصراحة قمر أوي، أكيد مش هيبصلك انتي. أيًا كان، انتي واحدة من الأرياف.
تنهدت أفنان ومشيت وسابتها. بصت لها شذى بقرف ولم تبالي ومشيت.
في المساء، عادت إلى المنزل. كان هيثم لسا مجاش. غيرت لبسها ونزلت. سمعت صوت. بصت لقته رجع. بص لها ثم ذهب دون أن ينطق ببنت كلمة.
مر ثلاث أيام وهم هكذا. لا يوجد جديد. محادثاتهم رسمية، قليل إن حدث نقاش بينهم. كانت كلمات لا أكثر، ولم يكونوا يروا بعضهم، فكانت أفنان تتعمد أن تتلاشاه، وهو الآخر.
في الليل، كانت بتذاكر في أوضتها. حسّت بألم في ضهرها. قامت بإرخائه قليلاً وهي تتنهد.
نزلت وتوجهت المطبخ، بس وقفت لما شافته موجود. بص لها قال:
- لسا منمتيش؟
استغربت من سؤاله. ردت ببرود:
- لا.
- أعملك قهوة معايا؟
بصتله وهو يقولها دون أن ينظر إليها ويضع القهوة في فنجانه. بص لها ليأخذ الرد.
في المطبخ، كان هيثم قاعد على تلك السفرة الصغيرة، وأفنان معه. كان فنجان كل منه أمامه، والصمت يعم بينهم، قبل أن يكسر هيثم هذا الهدوء وقال:
- سهران بتذاكري؟
بصت له، فكان يريد أن يكسر الحواجز. أومأت له بمعنى أجل. صمتت قليلاً ثم قالت:
- وانت؟
- كان عندي شغل بخلصه.
أومأت له بتفهم، وهي تشرف شرفة من القهوة. بس اتبدلت ملامحها وبصت على القهوة وهي تتذوقها.
- عملتها كده إزاي؟
بصلها قال بتلقائية:
- عادي، مجرد قهوة.
- بس طعمها مميز.
- عجبتك؟
بصت له. سكتت، فعرف أنها لن ترد. قال:
- ليا طريقة معينة لما بعملها، معرفش أشربها غير كده.
- كويس، في حاجة تقدر تعلمهالي؟
ابتسم بهدوء وقال:
- معنديش مانع.
بصتله وكان ينظر إليها، فالتقت عيناهما، لكن لم يطولوا، حيث أبعدتهم ببعض الحرج. فابعد عينه وهو الآخر وشرف من قهوته. تنهد ثم قال:
- أنا آسف.
استوقفت أفنان ما قاله للتو. نظرت إليه وعلمت مقصده. فهل اعترف أخيراً بخطأه؟ إنها كانت تنتظر منه ذلك.
- آسفة أنا كمان.
بصلها فكملت:
- مكنش لازم أقول الكلام ده، وأنا معرفش إنها والدتك. ممكن ده بسبب الطرد اللي جالك يومها، خلاني افتكر إنها واحدة تعرفها.
استغرب وقال:
- طرد إيه؟
- آه، نسيت أقولك، في طرد جالك من واحدة كده، تقدر تشوفه تحت المكتب.
عم الهدوء قليلاً قبل أن تقول بتساؤل:
- ليه لما لقيتني مسكت الصورة، اتضايقت أوي ونتشتها مني، كأني عملت جريمة؟
سكت هيثم شوية، فحست أنه لن يجيب، لأنه سؤال خاص.
- مبحبش حد يقرب من أي حاجة تخصها. دي آخر صورة ليا منها، فتلاقيني عينها ومحافظ عليها عشان مفيش حاجة تحصلها.
- بس...
- مستغربة ليه؟
- عشان دي مشاعر عادية، مش لايقة مع تعبيرات وشك يومها.
- ممكن عشان انت متعرفنيش، بس أنا عندي المشاعر مفرطة.
استغربت، لكن لم تتحدث أكثر. وقفت وهو بيبصلها. حطت الفنجان على الرخامية. قالت:
- شكراً.
مشت وهي بتسيبه.
في اليوم التالي، كان ده يوم إجازتها وقاعدة في البيت. كان هيثم خارج. سمعوا صوت الجرس. بصت له باستغراب أنه مستني حد، بس هو كمان بص لها.
- انتي مستنية حد؟
- لا.
راح وفتح، وكان منير. استغرب هيثم جداً لما شافه.
- مش هدخلني؟
أفسح له. دخل، أُقفل الباب وتبعه. ابتسم منير بهدوء لما شاف أفنان وقال:
- عاملة إيه يا أفنان؟
- الحمد لله. وحضرتك؟
- بلاش حضرتك دي، شيلي الألقاب. انتي في مقام هيثم ابني، يعني بنتي.
ابتسمت وهي تقول:
- حاضر.
تقدم هيثم ببرود من تلك النقاش الذي لا يبالي به. بص لأفنان، فهمت مقصده.
- عن إذنكم.
جت تمشي. وقفها منير وهو بيقول:
- خليكي عشان عايزك.
قعد. بصت لهيثم باستغراب. أما هو، فتقدم ببرود وجلس. فتبعته.
قال هيثم:
- خير؟
- ما جيتش ليك في بيتك شؤم.
- دي أول مرة تيجي هنا.
- ممكن عشان الوضع اختلف عن زمان.
مكنتش أفنان فاهمة حاجة من نقاشهم، وكيف لم يأتِ والده هنا قط.
- في حاجة؟
قالها هيثم بتساؤل. فقال منير:
- آه، كنت جاي أسلم عليكوا من بعد آخر مرة. وجيت أقولك ترجع القصر وتعيشوا معانا.
استغرب هيثم. بصت له أفنان. بص له، وكان باين عليها الرفض بسبب ما حدث لها هناك.
- متخافيش يا أفنان، هترتاحي هناك ومحدش هيضايقك. متزعليش من ريم المرة اللي فاتت، هي عرفت غلطها.
- مفيش داعي.
قالها هيثم بحزم يعلنه بقراره. بصت له أفنان.
- ممكن نبقى نيجي كزيارة، بس أنا أفضل أفضل في بيتي.
- والقصر إيه يا هيثم؟ ما هو كان بيتك. ولا انت خليت حياتك دي هي الأساسية؟
حس بالضيق وقال:
- اديك قلت، كان.
بصت لهم أفنان، هما الاتنين، ولا تعلم نقاشهم هذا، إنها تستغربه حقًا.
وقف منير وقال:
- وما زال يا هيثم، فكر في كلامي عشان هستناك.
وبصت له أفنان. وقفت وقالت:
- خليك يا عمي، اشرب حاجة.
ابتسم وقال:
- مرة تانية.
بص له هيثم ثم ذهب وهو يتركهم. لقت هيثم بيقف وبيمشي هو كمان.
مر يومين، في المس كانت أفنان جالسة في غرفتها. سمعت طرقات على الباب، وكان هيثم الذي فتح ودخل وقال دون أي مقدمات:
- حضري حاجتك عشان هنمشي بكرة.
قالت باستغراب:
- نروح فين؟
- القصر.
تعجبت لأنه غير رأيه فعلاً. وحصل ما خافته. جه يمشي. وقفته وقالت:
- أنا مش عايزة أروح هناك.
بصلها قال:
- ليه؟
- انت عارف لما روحنا حصل إيه، وأنا مش عايزة ده يتكرر، أو حد يهيني تاني. لو كده، سيبني هنا وروح انت.
مردتش. بس قرب منها. وقف عندها وقال:
- مينفعش، لازم تكوني معايا.
بصتله بشدة وزعلت. قال:
- قلتلك متخافيش، طول ما انتي معايا. عشان مش هسمح لحد يهينك أو يضايقك.
كان بيطمنها، بس هي التزمت الصمت وأومأت برأسها فقط. فهل أن رفضت، سيوافقها؟ إنها لم تقتنع بكلامه، فهو بحد ذاته أكثر شخص أهانها.
وفعلاً راحوا القصر. وكان الكل فرحانين أنهم جم ورحبوا بيهم. وارتاحت أفنان لما ملقتش ريم ما بينهم. وده كان أحسن ليها، لأنها مش عايزة تشوفها.
أخذوا جناح خاص ليهم، وده ضايقها عشان نست أنهم هيتجمعوا في أوضة واحدة تاني، وهي مكنتش قابلة ده.
- هو ينفع أروح أوضة غير دي؟
قال ببرود:
- لا.
- خلاص، نفصل الأوضة.
- إزاي ده؟
- نخليهم جنبين، ومحدش يضايق التاني.
تنهد ثم استدار إليها وقرب منها وقال:
- أفنان.
بصتله، خافت ورجعت لورا. همهمت بمعنى نعم، وهو لا يزال يقترب، إلى أن توقف ونظر في عينيها.
- متعرفيش تسكتي؟
بصتله بشدة. بعد عنها ببرود ومشي، وهي بصتله بحنق.
- أفنان، متعرفيش تسكتي.
نينيني.
قالتها بصوت منخفض وهي تتذمر بتقليد ما قاله. لقته بيقف ويبصلها، فسكتت. خافت ليكون سمعها.
- مش هتغيري؟
بصتله وبصت على نفسها. كانت لابسة المعطف، وكانت الأوضة بحرارتها الاعتيادية من المكيف.
ضمّت المعطف عليها بخجل وقالت:
- ملكش دعوة. عجبني، هفضل كده.
- خليكي بيه.
قالها وهو بيمشي ويبتسم عليها، وهي متضايقة ولسا ضامة المعطف عليها، وكأنه بيبص لجسمها. بس بقت حرانة فعلاً. لما اتأكدت أنه مش موجود، لبست دريس رقيق لونه أزرق سماوي وطرحتها.
كانت واقفة بتعدلها عليها في المراية. شافته بيبصلها. ثم ابتسم. لفت وقالت:
- مفيش حاجة أضحك. أكيد مش هقعد بالجاكيت في الأوضة يعني.
- حد ماسكك. حتى لو عايزة تقعدي من غير هدوم خالص، معنديش مانع.
سعت قدحتا عيناها من الصدمة لوقاحته الذي لم تتخيله.
- ا.. انت ا..
- ابلعي ريقك بس، ليحصلك حاجة.
بلعته، وهي لسا في صدمتها. بس قالت بغضب شديد:
- انت قليل الأدب.
وفرت من أمامه بخجل وضيق. ابتسم لأنه تعمد أن يجعل خديها حمران.
كل أن على المائدة كانوا يجلسون، ومنير في المرسى الرئيسي بحكمه كعائلة.
- فين هيثم وأفنان؟
قالت فاطمة بابتسامة:
- أهم.
بصوا ناحيتهم وهم يتقدمون منهم. ابتسم منير لما قعدوا. أما ريم، فلم تبالي.
- بقولك إيه يا هيثم.
قالها حمزة، فرفع هيثم عينه إليه ليكمل:
- بما إنك جيت القصر، لينا قعدة بليل.
بصوا له باستغراب، وأفنان التي لم تفهم.
- بليل نبقى نشوف.
قال لؤي:
- هنعتبرها موافقة منك.
ابتسموا وعادوا لأكلهم.
كانت أفنان جالسة مع جنى وفاطمة وسهير ونجيبة، التي كانت تمسك فنجان وتقرأه وتقول:
- طريق طويل ملهوش نهاية. هتتعبي فيه أوي، لأنه مش سهل زي ما انتي فاكرة.
قالت فاطمة:
- إيه ده؟ إحنا بنفك عن نفسنا، مش تخوفي البنت.
- مش بقول اللي شايفاه. بصي كده يا أفنان يا بنتي.
بصت أفنان إلى الفنجان وترسباته.
- قلبك أبيض ومبتشيليش من حد. بس محدش بيفضل على حاله، والدنيا بتغير. بس بلاش تغيري جوهرك. خليكي زي ما انتي، مهما اللي هيعدي عليكي. في عقبة قدامك اهي.
استمعت إليها باهتمام وهي تكمل.
- زي السد اللي هيوقف حياتك.
بصت لها أفنان. وفي تلك اللحظة، وجدت ريم تنزل.
بصت عليها وقالت بتلقائية:
- دي.
فلتت ضحكة منهم، إلى ما قالته، وهم ينظرون إلى ريم.
قالت جنى:
- هي عقبة في حياة الكل فعلًا.
بصت لها ريم وهم يضحكون. أفنان رأت هيثم وهو يخرج برفقة ابني عمه.
قالت سهير:
- رايحين فين؟
قال حمزة:
- ما قولتلك يا ماما، هنخرج نهوي نفسنا شوية كده.
قال لؤي:
- يلا يا عم، بدل ما يغير رأيه.
بصت أفنان إلى هيثم. مشيوا، وهي مستغربة أن إسلام لم يكن معهم. ذلك الشاب غريب عنهم، رغم أنها مقارب لعمر هيثم، ومن المفترض أن يكونا مقربين منهم، لكنه يبدو هادئًا، بعيدًا.
- هما رايحين فين؟
قالتها بتساؤل. مسكت جنى ذراعها وقالت:
- انتي متعرفيش؟
- لا.
- وأنا أقول، وافقتي إزاي إنك تخلي هيثم يروح؟
- مش فاهمة.
- طالما الأربعة دول اتجمعوا، فهيسهروا في نادي كلب من بتوعهم.
استغربت كثيراً. قالت:
- بس هما تلاتة مش أربعة.
- لا، ما سامر معاهم كده كده.
مكنتش فاهمة، بس افتكرت ذلك الشخص وقالت:
- وانتي تعرفي سامر منين؟
تبدلت ملامح جنى من ابتسامة إلى وجه يسحب. نظرت إلى أفنان وقالت:
- ها، ما سامر صاحب هيثم من زمان أوي، وهما صغيرين وكده، فتلاقينا كلنا عارفينه.
سكتت وأفنان أومأت برأسها بتفهم، لكن شعرت بالريبة منها.
قالت فاطمة لنجيبة:
- ما تشوفي لنا كده، فيه حاجة جاية تفرحنا.
لقتهم كلهم بيبصولها وبيبتسموا. قالت:
- إيه؟
- مفيش أي جديد يا أفنان.
- مش فاهمة، جديد في إيه؟
- فرد جديد، مثلاً.
بصت لهم وفهمت نظراتهم، التي أحرجتها وسكتت ومرديتش. لكن فرت من تلك الجلسة.
كان منير واقف بعيدًا، يرى ابتسامتهم ويتابع أفنان ببسمة هادئة. تنهد. جاءه صوت من خلفه:
- مش ناوي تعرفها الحقيقة؟
وجدها والدته. عرف مقصدها فقال:
- في الوقت المناسب.
- جوزتها لابنك، دخلتها العيلة، وبيننا، بقت منا... وعلينا. آخرت اللي بتعمله إيه؟
- خير يا أمي. إنشاء الله هيكون آخرتها خير.
في الليل، كانت أفنان لسا صاحية. سمعت صوت من برا. وقفت وراحت فتحت وخرجت. شافت هيثم، بس مكنش ساند نفسه وبيطوح. قربت منه، كان هيقع، بس لحقته ومال عليها بجسمه كله.
- بتشرب ليه؟ مدام مش هتعرف تسند طولك؟
لقيته بيبتسم بسكر وبيقول:
- عشان أرتاح.
بصتله باستغراب. كانت حاسة إنها هتقع، فسندت على السور، وهي بتطلع وسندت.
دخلو الأوضة. قال هيثم:
- إيه ده؟ أنا إيه اللي جابني هنا؟
- قفلت الباب وهي بتقول:
- كارمتك بقت في الأرض.
رفع وشه وهو بيبصلها، وكأنه بيتعرف عليها. ابتسم ببلاهة وقال:
- أفناااان! انتي بتعملي إيه هنا؟
- يا الله! هو يوم مش فايق. شكلك يضحك.
- ليه يعني؟
- بتتكلم براءة، مش زي وشك اللي اتعودت عليه ده.
قرب ونظر في عينيها. اتخضت وبصتله. لوحده يقول:
- إني أحلى.
بصت له في عينيه المباشرة وقالت بهيام:
- الاتنين.
متعرفش إزاي قالت كده، وفاتت لما لقته بيبعد وبيبتسم وبيقول بخبث:
- الاتنين ها!
احمرت وجنتها وقالت بضيق:
- لا، مقولتش كده. وامشي عدل بقى، بدل ما أقع أنا وانت.
راحت ناحية السرير وهي مش عارفة تسند نفسها. ثم دفعته فوقع على السرير. ابتسمت. تنهدت وهي تنظر له. قربت منه وعدلته، بس لقيته سحبها مرة واحدة. اتصدمت لما لقت نفسها فوقه، ولافف إيده حوالين وسطها. بعدت عنه، بس كان ماسكها جامد. بصتله وهو باصصلها بأعينه الجدية.
- هيثم، سيبني.
مردش عليها. رفع إيده تدريجيًا عليها. دق قلبها وهي بتحس بلمسته في عنقها. ثم سحب طوق شعرها، فانسدل من نعومته وهو يتحرر ويسقط على وجهه.
بصت لنفسها بشدة، وإلى ما فعله. لقته بيقرب إيده من وشها، وهو بيبعد شعرها قليل خلف أذنها، ويقرب إيده من عنقها.
- تعرفي إني بحب الشعر الطويل.
نبضات قلبها علت وهي بصاله.
- بس كل حاجة اتغيرت، لما دخلت هي. غيرت مواصفاتي وحبيتها.
استغربت جداً، لأنه يتكلم عن امرأة مرة أخرى. قالت:
- هي مين؟
- ممكن أكون غلطت لأني أهملتها. بس لي أخد ده منها... أنا سبت الكل عشانها. مكنتش عايز غيرها من الدنيا ديه. ده جزائي وتمت حبي ليها.
كانت تسمع لكلماته، وكأنه يريد أن يبكي.
- بعدين؟
قالتها أفنان باهتمام وفضول. ثم قال:
- هي فين دلوقتي؟
بصلها. قرب من شفتاها. توترت جداً. قالت:
- هيثم، انت مش في وعيك.
لم يرد عليها واقترب أكثر، وشعرت بسخونة أنفاسه. غمضت عينها جامد بخوف، ولم يعد يفصلهما شيء. توقف هيثم وبصلها. هيثم، وهي تغمض عيناها. فهمس بين شفتاها:
- قتلتها.
فتحت عينها بصدمة وبصت لعينه ونظرته المخيفة التي لم ترها من قبل.
ابتعد عنها وهو يلقي برأسه بإرهاق. بعدت أفنان سريعاً بعد أما حس دراعاته خفت من عليها. وقفت وهي بتظبط هدومها.
أما هيثم، فتقلب في نومته بحركة عشوائية ويغط في النوم. بصت له أفنان بخوف، كأن إلى سمعته ونفت برأسها أنه مش صح، وأكيد هو مش في وعيه.
قربت منه وقامت بخلع حذائه. ثم أبعدت ساقيه برفق، وهي ترفع الغطاء عليه. بص له شوية وهو نائم، وبتفتكر كلامه.
- مين اللي كان بيتكلم عليها بطريقة دي؟ ممكن تكون حبيبته القديمة. متخيلتش أنه يكون حب قبل كده، أو يحب بإخلاص ده، زي ما حسيت من نبرة صوته اللي مكنتش باردة ولا هادية، بالعكس، كان صوته مبحوح فيه جرح كبير.
في اليوم التالي، في الصباح، كانت أفنان تسير في القصر بشرود. لقت اللي بيمسك أيدها ويسحبها. اتخضت. بصت لقته لؤي. اتصدمت من قربهم وأيده اللي على وسطها. زقته جامد بعيد عنها. قالت:
- انت!
قاطعها وهو يقول:
- خلي بالك وانتي ماشية بعد كده.
بصت له باستغراب، فأشار على السلم اللي كان جنبها، وهي على حافته.
- كنتي هتقعي.
بصت له، أومأت برأسها بتفهم، بس كانت متضايقة من اللي عمله، ومتعرفش ليه. حسّت أنه تعمد يقربها منه بالشكل ده. كان يقدر يبعدها.
- إيه اللي بتفكري فيه؟
- لا، مفيش. انتو كنتو فين امبارح؟
ابتسم. حط إيده على مؤخرة رأسه وهو يحك شعره ويقول:
- سهرة من بتوعنا. ما تشغليش بالك. بتسألي عشان هيثم؟
- آه. انتو جيتو زيه كده؟
- لا، ده هو اللي لما بيشرب بيتقل في الشرب عشان يبقى كده، مش واعي باللي حواليه ويغيب شوية. أما في العادي، مبيسكرش لو شرب زينا، أصل بنعمل حساب رجوعنا، ولو عمي أو بابا شافنا، هتبقى مشكلة.
- وهو بيتقل في الشرب ليه؟ مش زيك؟
وسكت شوية ثم قال:
- تقدري تسأليه.
جاي يمشي. قالت:
- استنى.
وقف. ابتسم ابتسامة جانبية ثم أخفاها ونظر إليها. فقالت:
- يوم أما ودتني لشركة، وقتها قلت حاجة غريبة. قلت إن موضوع زمان خلى هيثم زي دلوقتي. كنت تقصد إيه؟
- هو فعلاً موضوع قديم، مش مهم.
- بس شكله مهم لحد دلوقتي لهيثم.
- انتي عرفتي حاجة؟
- زي إيه؟ البنت اللي بيقعد يهلس بيها لما يكون مش في وعيه. مخدتش كلامه على محمل الجد عشان مكنش فايق.
- يبقى حاولي تسأليه وهو مدرك.
أعطاها ظهره وهو يكمل:
- وإن كان هيجاوبك ولا لأ.
بصت له باستغراب. مشي وسابها، بعدما تلقى بكلماته التي لم تساعدها في شيء.
دخلت أفنان الأوضة، لقت هيثم صحي ويمسك راسه وهو يعتدل. بص لها، خافت ومشيت سريعاً من أمامه.
كانت نازلة وهي راحة جامعتها. وقفها منير وهو بيقول:
- راحة فين يا أفنان؟
- الجامعة.
- مقولتيش لهيثم ليه يوصلك؟
- مش عايزة أزعجه، عادي.
- خلاص، هكلم السواق.
قاطعه صوت هيثم وهو يقول:
- مفيش داعي.
بصوا له. تقدم من أفنان وقال:
- يلا.
وقفت وما تحركتش. بص له هيثم باستغراب، وكانت خايفة تروح معاه. بص له منير قال:
- مالك يا أفنان؟ يلا جوزك هيوصلك.
- خلاص، خلي السواق.
استغرب جداً. بص لهيثم، اللي كان مستغرب هو كمان. قال:
- انت عملتلها حاجة يا هيثم؟
رد ببرود:
- وأنا هعملها إيه؟ مش عايزني، وأصلها هي حرة أصلاً. متأخر على الشغل.
جاي يمشي. وقفت منير وقال:
- خد مراتك وصلها على جامعته.
تنهد هيثم بضيق. بص لفنان ببرود وقال:
- هتيجي؟
خافت من نبرته. مشي وهو بيسبقها. بصت لمنير. أشار لها أن تذهب. مشيت وهي قلقة.
وقف هيثم بسيارته عند الجامعة بعيداً قليلاً. جه يفتح الباب. خافت أفنان وتراجعت. بص له بشدة من حركتها وخوفها من أي حركة بيعملها. فتحت الباب سريعاً ونزلت. قالت:
- شكراً.
بصلها باستغراب.
- هبقى أعدي عليكي لما تخلصي شغل.
- مفيش داعي.
قاطعها بلا مبالاة:
- أكيد مش هرجع من غيرك.
أومأت له بقله حيلة، فذهب.
أخذت نفساً وقالت:
- هعيش معاه تاني إزاي ده؟
مر أسبوع، وكان تصرفات أفنان غريبة، كأنها تتجاهله أو تتعمد عدم التعرض إليه وتجنبه. وهيثم لاحظ تصرفاتها. كان يتغاضى عنها بلا مبالاة، لأنها دائمًا غريبة. لكن هذه المرة تزداد غرابة. هل أزعجها وهو سكير واقترب منها دون موافقتها، لذلك تبتعد عنه؟ فمن تلك الليلة، وهي تبتعد عنه. ما الأمر؟
مهتمتش، وأكمل أيامه. وكانت تروح جامعتها وتواظب دراستها وشغلها.
في الشركة، كان هيثم في مكتبه. واقف عند الزجاج المطل للخارج. حاطط إيده في جيبه بجمود وبيص لأسفل. لسيارتان توقفت، وفتح السائق الباب لينزل رجل مقارب لعمره. وينظر للأعلى، وكأنه يراه هو الآخر. ثم ارتسمت ابتسامة على شفتيه، رغم أنه لا يراه، لكنه يعلم أنه ينظر إليه. تقدم من الشركة وهو يدخل.
كان هيثم لا يزال واقفاً، حتى حان. وجده ينظر إليه. لم يرتجف له طرف من أوصاله.
- هيثم.
جاءه ذلك الصوت من الخلف، وكان سامر. همهم بمعنى نعم.
- حسام جه.
- عارف.
- لسا عايز يوقع العقد ده. بلاش يا هيثم، انت كده هيتخلى الشغل يجمعك بيه.
- اسمه شغل يا سامر. الاتفاقية دي جتلي. لو رفضتها، هبقى مغفل، وكأنه كاسر عيني. وده مش أنا.
- شايف اللي بتعمله ده صح؟
استدار مقابله ببرود وهو يتقدم منه. وقف عنده.
- طالما ده شغال، فأنا صح.
قالها وهو يشير لعقله بإصبعه. ثم نظر أمامه وذهب. تنهد سامر وتبعه.
دخلو غرفة الاجتماعات، وكان الجميع بانتظاره. وفور دخوله، وقفو جميعاً احتراماً له، عدا شخص واحد كان يجلس على الأريكة، يضع قدمه فوق الأخرى بتعالٍ.
تقدم هيثم. نظر إليه. ابتسم قال:
- واخيراً اتجمعنا.
- نزل رجلك واعقد عدل.
قالها هيثم ببرود. بص له حسام من اللي قاله، فنظر سامر إلى الاثنين، فيخشي من هذا اللقاء وتلك النظرات.
نزل حسام رجله وهو بيقف وبيرفع كفيه وبيقول:
- كدا كويس.
لم يعلق هيثم، حيث أكمل:
- مش هتسلم على أخوك ولا إيه؟
قالها وهو يقرب منه ويحضنه، وليرسم ابتسامة جانب شفتيه.
بعض من الحاضرين اندهشوا. وبعضهم لم تتبدل ملامحهم، لأنهم يعلمون أن هذين الاثنين أخوة، لكنهم كالأعداء. بنظر الجميع، هم متنافسان، لا يربطهم شيء.
- كدا تتأخر في تعاقد مع أخوك ده. انت حتى ليك وحشة.
كان هيثم جامحاً، عينه ممتلئة بالبرود المخيف، وصمته مهيب. وسامر ينظر إليه وإلى حسام، الذي يعانقه.
- ده شغل، مش مقابلات خاصة.
وهنا تحدث هيثم بذلك. نظر إليهم الجميع، وحسّ حسام بالحرج. لكن ابتعد وهو يقول:
- لا، معاك حق. لينا قعدة سوا بالمرة، تعرفنا على مراتك. أصلي عرفت إنك اتجوزت ومعزمتش، بس يلا، مش زعلان. أكيد انت متقصدش متعزمش أخوك.
أضايق سامر وحس أن حسام يتعمد إغضاب هيثم بكلامه، وبكلمة أخيه تحديداً. أدخل وقال:
- العقد جاهز، نقدر نبدأ.
أومأ حسام وقال:
- شايف كده.
قعدوا. اقتربت فتاة من هيثم وهي تمد يدها إليه بملف. أخذه منها ليطلع نظره على العقد، لكن تبدلت ملامحه. رفع عينه إلى حسام، الذي كان قاعداً يبالي. فقال:
- إيه ده؟
بصله. حط العقد على الطاولة وقال:
- يعني إيه؟ لو حصل خلل في الموازنة 70%، هتحملها أنا.
- متنساش إنه افتراض، يعني مش مؤكد.
- كلامي واضح يا حسام. منير زهران.
قالها هيثم وهو يبهت على اسمه ببرود. ثم أكمل:
- أي افتراض بيتحمله الطرفين. ولا انت متعرفش حاجة زي دي، سواء افتراض أو احتمال أو... تأكيد.
بصله من ثقته ونظرته المتحدية، التي أضايقته. حيث أراح ظهره للخلف وقال:
- اللي مش قد البيزنس بعيوبه، ومش ضامن نجاحه من خسارته، يبقى الأحسن يسيبه خالص.
ابتسم ونظر إليه وقال:
- ممكن معاك حق في دي. بس الثقة الزيادة نتيجتها بتكون أسوأ في الآخر، ولا إيه؟
تبدلت ملامح هيثم من اللي قاله، وذكر الثقة، وإلى ما يرمق إليه.
- تعجبت فيك ثقتك في نفسك، اللي لسا موجودة. فإيه اللي مش عايز توقعه؟ أكيد مش هيثم منير زهران اللي يتراجع في اتفاقية مهمة زي دي. الأرفع عينه وهو يكمل:
- لو كان فيه سبب مقنع.
جمع هيثم قبضته وهو ينظر إليه. ويتمالك. بص سامر وشاف الدم من إيده بيتنافر، وبيتحول للون أبيض من شدة قبضته. فقال:
- العقد من الأول واضح، ومش مستر هيثم اللي هيتحمل الخسارة.
- مين قال إن لوحده ده 70% بس. وأنا عشان عارف اسم هيثم في السوق، اللي عدى ليلف الوحش، أكيد مش هيتراجع بسبب حاجة زي دي.
- ومهواش مضطر. لأن العقد مرتبط باسم الشركة.
- موافق.
قالها هيثم وهو يقاطعه. فابتسم حسام بانتصار أن كلامه تمكن منه. أما سامر، فانصدم وبصله بشدة. لقاه بيمسك العقد وبيوقع. قرب منه وقال بصوت منخفض:
- انت بتعمل إيه؟ انت هتوقع بجد؟ مش مضطر يا هيثم، متخليهوش يستفزك ويحقق اللي عايزه. جت من عنده، ألغي الموضوع واخلص.
لم يرد هيثم، حيث أتم إمضته وانتهى الأمر.
في المطعم، كانت أفنان بتشتغل وبتودي الطلبات. حيث اتصدمت في شذى.
- مش تفتحي؟
مردتتش عليها ومشيت. مسكتها شذى من دراعها جامد وقالت:
- هونا مش بكلمك.
- عايزة إيه؟
- اتأسفي. لسا خبطاني في دراعي، ولا مش واخدة بالكتير؟
تنهدت، وكانت هتعتذر منها لتنهي الأمر، لكن شيئًا ما داخلها جعلها ترفض. قالت:
- انتي كمان خبطي فيا. إحنا الاتنين غلطانين.
بصت لها شذى بضيق. سألتها. مشيت أفنان وهي بتاخد الطلبات. كانت شذى جنبها. حركت أيدها شوية، إلى علبة مغلفة، ودفعها وقعت وانسكب ما بداخلها على الأرض. بعدت علطول واتخضت أفنان.
قالت شذى بانفعال وصوت مرتفع:
- إيه اللي عملتيه ده يا مهملة؟
بصت لها أفنان بشدة ومش عارفة تتكلم. لقتها يتمادى على المديرة. جت وقالت:
- في إيه؟
- أفنان غلطت تاني. وقعت آخر علبة كريمة في المحل.
بصت مي على الكوب الكريمة المخفوقة، التي ملأت الأرضية.
- إيه اللي عملتيه ده يا أفنان؟ مش تحسبي؟
ردت بحرج، وهي تخفض رأسها:
- أنا آسفة، مكنتش أقصد.
- ممكن تفهميني؟ هتصلحي الوضع إزاي؟
قالت شذى:
- أستاذة مي، إحنا بنشتري الكريمة من المزرعة الشمالية قبل الساعة 8، قبل أما تخلص، وبتاخد وقت عقبال ما توصل الطلبية، وإحنا مش هنعرف نعمل حاجة من غيرها.
قال بضيق:
- هحاول أحل الموضوع. وانت يا أفنان، نضفي اللي عملتيه. لو قفلنا بكرة بسببك، هطردك.
أومأت لها. قالت شذى:
- أنا أخويا بيشتغل في مزرعة، أقدر أقوله وهو أكيد هيساعدنا.
- بجد؟ هيبقى كويس.
حطت أيدها على كتفها وقالت:
- إحنا محظوظين عشان عندنا موظفة زيك.
بصت شذى على أيدها وابتسمت بسعادة. بصت مي لأفنان بضيق، ثم ذهبت. بصت لها شذى، ابتسمت بسخرية ومشيت من قدامها، وهي تدعس على الكريمة وتلوس الأرضية. ولم تتحدث أفنان. كانت تتمالك حزنها.
في المساء، في الشركة، كان هيثم جالس على مكتبه.
- مضيت يا هيثم. بدل ما تثبت له العكس، خليته يستفزك ويقلب الطرابيزة عليك.
- سامر، خلصنا.
- أنا مش مطمن. لسا قدامك فرصة تخرج من التعاقد ده وتقطع الشغل اللي هيربطك بيه. الله أعلم هو بيفكر في إيه، بس أنا حاسس الشغل ده آذية ليك انت يا هيثم، وكل ده بان لما شوفنا العقد انهارده، وانت بكل سهولة مضيت.
- مش هيحصل حاجة. تقدر تطمن.
- انت إيه البرود اللي فيك ده يا أخي؟ أنا محروق دمي من الصبح، وانت ولا على بالك. المفروض إني مديرك التنفيذي، يعني متتجاهلش كلامي.
رفع هيثم عينه ببرود وقال:
- وأنا صاحب الشركة دي، وعارف أنا بعمل إيه. وفر نصايحك لنفسك.
بصله سامر ومشي دون أن يقول شيء. تنهد هيثم وهو بيحط دماغه بين إيديه بضيق، وهو بيفتكر حسام، ولذكر زوجته، التي تكون أفنان. لا يعلم لما تضايق حين ذكرها.
افتكرها، وأنها زمانها خلصت شغل، بقالها كتير. مكنش عايز يرجع دلوقتي، بس مضطر بسببها.
بص على تليفونه. خده واتصل عليها، بس اتعجب لما لقاش رد. وهو في العادي بترد عليه بسرعة.
كانت أفنان ماشية وهي تخفض رأسها بحزن وتبكي. جلست على مقعد ودموعها تتساقط وتمسحها بكف ملابسها كالأطفال، لكنها تستمر في النزول.
سمعت صوت رنين تليفونها. خرجت وشافت اسم هيثم. قفلت التليفون ومردتش.
استغرب هيثم وبدأ القلق يحتله تجاهها. فإن كانت في القصر، لماذا لا ترد؟ هل يتصل بأحد ويسأله هل عادت أم لا؟ لكن لو لم تعد، فهو سيفتح عليه نقاش بلا نهاية. أنه لا يعلم مكان زوجته.
كانت وسط بكائها الكتوم، لكن جسدها ينتفض، وهو يجهش كتعبيرات تلقائية عادية تصيبها وهي تبكي.
وهي منزلَة وشها، حسّت بهالة من الظل تقف عندها.
- مبتترديش على تليفونك ليه؟
سمعت ذلك الصوت، وكان من هيثم. رفع وشها وبصت له. كان هو بالفعل، بصلها. خفضت وجهها ومردتش.
اقترب هيثم منها. جسّ على إحدى ركبتيه، مقابلها، وشاف دموعها اللي بتنزل. فاتفاجأ جداً، لأنها بتعيط بتلك الطريقة الصامتة، لكن تبدو بريئة، فجسدها ينتفض كالأطفال بنشيجها.
- ارفعي وشك.
نفيت برأسها بمعنى لا.
- سمعتيني بقول إيه؟
قالها ببرود، لكنها لم ترد عليه. حسّ خوفها. قرب أيده من دقنها ورفع وشها ليه، والتقت عينه بأعينها الحمراء والدموع تتغلغل بينهم.
- مالك؟ بتعيطي ليه؟
نزلت عينها ومرديتش. قرب أيده من وشها، لقاه بيمسح دموعها.
- ممكن توقفي عياط وتفهميني إيه اللي حصل؟
بعد أيده وبصلها، وهي ساكتة ومرديتش، كأنها مش عايزة تقول. تنهد. حط أيده على كتفها وهو بيوقفها.
- تعالي نمشي من هنا الأول.
كان يضمها إليه، وهي بصاله. قعدوا في العربية، وكان مستني تتكلم.
- هتفضلي ساكتة كتير؟
سكتت أفنان شوية، وهي بتستعيد رباط جأشها، وبتحكيله اللي حصل، وهو بيسمعلها وبيضا يق من نبرة صوتها والحزن اللي باين عليها.
قالت من بين دموعها:
- أنا معرفش وقع إزاي، بس أنا مكنتش أقصد.
- هو ده كل اللي حصل؟
أومأت برأسها إيجاباً. فقال بابتسامة هادئة:
- خلاص، أنا هحل الموضوع. متعيطيش.
بصت له من ابتسامته، لكنه وجدها لا تزال كما هي. فقال ببرود واستدراك:
- في حد ضايقك؟
بصتله وسكتت، بس نفيت برأسها، عشان ميخليهاش تسيب شغلها.
- أفنان.
- ع.. عمري ما ضربت حد في حياتي. متعلمتش أرد بالأذية.
- بس دي مش حاجة كويسة، ده اسمه غباء.
بصتله وحست بحزن. لقاه بيردف:
- اتعلمي بعد كده تردي الضربة لأي حد. وتكون أضعاف الضربة اللي خدتيها. متخليهمش يتمادوا معاكي. كل أما خفتي، كل أما فرحوا.
حس وكأنه بيكلم نفسه اللي أمامه، وهو ينظر لعيناها.
- مش عايزك تخافي من أي حد. أنا معاكي.
وكانت أفنان بتبصله. وقفت عياط من كلامه. خفضت عينها وقالت:
- بس انت مؤقت، مش هتكون معايا على طول.
عرف أنها تقصد جوازهم. قرب منها وقال:
- يبقى اتعلمي من دلوقتي. هكون معاكي لحد ما تعتمدي على نفسك. دي حاجة ترضيكي؟
بصتله أفنان في عينه لوهلة، ثم اقتربت منه وطبعت قبلة على خده. تبدلت ملامحه.
- شكراً.
كان ملامحه متثمرة. بصت له من اللي عملته. كانت تخفض عيناها بخجل. كانت قبلة امتنان أو شكر، لكنه يشعر أن نبضات قلبه لم تعد منتظمة بسببها. يشعر بشيء غريب.
اعتدل وعم الصمت قليلاً بينهم، ثم قاد السيارة وذهب.
كانت أفنان بتبص من النافذة، بس استغربت. قالت:
- هيثم، ده مش طريق القصر. انت رايح في حتة؟
- مش عايز أرجع دلوقتي.
بصلها وقال:
- عندك مشكلة في إنك معايا؟ لو عايزة تروحي، ألف وأرجعك.
- وانت؟
- قولتلك، مليش نفس أرجع دلوقتي.
- خلاص، هكون معاك لحد ما نرجع سوا.
بصلها شوية وسكت. بص قدامه وقال:
- مش جعانة؟
- أوي الصراحة.
قالتها بصراحة وهي محرجة. ابتسم عليها، لأنها نسيت حزنها تماماً. فقال:
- خلاص، تعالي ناكل.
- معنديش مانع.
دخلوا إلى مطعم راقٍ، حيث أخذت أفنان تتجول بأنظارها في المكان. قعدوا وطلب هيثم أكل لهم. وسط ما هو بياكل، كان حاسس أن أفنان بتاكل بطيء.
- الأكل مش عاجبك؟
بصت له، نفيت برأسها وقالت:
- لا، حلو.
- امال مالك؟ بتقلبيها كده ليه؟
- مش مرتاحة، حاسة إن الكل بيبصلي. أنا فيا حاجة غلط.
بصلها باستغراب شديد، وبص لحواليه. كانت فعلاً بعض الأنظار موجهة على أفنان، لكن ليس نظرة ازدراء كما هي تظن، بل هي متضايقة من النظر إليها عموماً.
- تحبي نقوم نمشي؟
- لا، خلاص.
فتح محفظته وحط الفلوس على الطاولة. وقال:
- يلا، قالها وهو بيقف وبيمد إيده ليها. بصت له، قربت أيدها منه بتردد، فمسكها وخدها. قابل الجراسون.
- في حاجة أزعجت حضرتك؟
- الحساب تحت المنيو، والباقي ليك.
قالها هيثم دون مقدمات وهو ماشي. بص له الجرسون وهو بيخرج.
في السيارة، بص لها وقال:
- كده مرتاحة؟
- اتكسفت؟
قالتها بحزن. استغرب. وقف السيارة وقال:
- من إيه؟
- يعني كل اللي هناك مع واحدة شكل وجسم ولبس. ده النوع اللي انت بتفضله، مش كده؟
- مفيش أي حاجة من اللي انتي قولتيها. ولو كنت مشيت من هناك، فا ده عشانك.
قرب منها. بصت له، وجدته يعدل حجابها وقال:
- مكنش حد بيبصلك عشان حاجة، ولا إنك قليلة. كان بيبصوا للحجاب، ولأنك مختلفة.
بصلها في عينها، وأردف:
- واختلافك بيميزك.
دق قلبها واحمرت وجنتها.
- ده سبب نظراتهم. بس أنا عارف إن حتى لو عرفتي حاجة زي دي، هتضايقي، لأنهم بيبصلوك. واضايقت أنا كمان، فخدتها من قصرها وخرجنا.
- يعني مش عشان ليك مكانة، بإنك تاخد واحدة شبهك؟
- ومين اللي شبهي يا أفنان؟ واحدة حلوة تبين نفسها للناس، ولا واحدة حلوة تظهر جمالها ليا أنا بس؟
استوقفت كلامه وبصت له بشدة.
- اه، عارف إن جوازنا مش حقيقي، والحواجز اللي بينا، بإنها مقربلكيش، وتعاملنا كأنا أغراب عن بعض. بس انتي جميلة يا أفنان، من جوه ومن برا.
كانت تايها من كلامه ونظرته. كل ده كان بيديها معنى غير لدقات قلبها. بعد عنها وقال:
- تحبي نرجع؟
- لا، أنا لسا جعانة.
قالتها بتلقائية. يصلها، اتكسفت. قالت:
- أقصد إني مأكلتش حاجة.
- تحبي نروح فين؟
بصت له، وكأن خطر ببالها شيء. وداه أفنان لمطعم كان بسيطاً، يعمه الضوضاء، الذي أزعج هيثم، فهو بطبيعته يحب الهدوء. قال بدهشة:
- كشري؟
- آه. إيه؟ مبتاكلوش؟
- لا، بصراحة. ملقتش اللي يعملهولي.
- يعني ده انت محروم. خلاص، أنا هعزمك.
مسكت إيده، خدته وهو يصلها، لأنه عايز يخرج مش يدخل. كان بيبص للناس، قعدوا. طلبت أفنان الأكل، وهو بصلها. وبعد قليل، جاه طبقهم. فبصله شوية. بص لأفنان وهي بتاكل باستمتاع. بصت له لأنه مبياكلش. فعمل زيها، وكل، وعجبه كثيراً. أنه كان مفتقد تلك الأكلات، وهي من جعلته يجربها. وطلب طبق آخر وهو يأكل، وأفنان قلقة عليه. قالت:
- متقلش في الأكل ياهيثم.
- لي؟
- عشان بطنك. انت بتقول مأكلتش بقالك كتير، يعني مش متعود.
- محسساني إني باكل تسمم.
- لا، بس جسمك رياضي، يعني وانت...
يصلها وقال:
- أنا إيه؟
- سكتت.
- عرفتي منين إن جسمي رياضي؟ بتركزى معايا أوي كده؟
بصت له بشدة، وقالت:
- لا، بس باين من لبسك اللي بيظهر عضلاتك ده، وكتفك العريض، و...
سكتت وهي تدرك ما قالته. ابتسم وقال بمكر:
- و إيه؟ لا، الواضح إنك مركزتيش فعلاً.
صمتت وهي مكسوفة كثيراً، لكن لم يعد بإمكانها التحدث. خلصت. أمل وجه هيثم يدفع. وقفته أفنان وقالت:
- بتعمل إيه؟
قال باستغراب:
- هحاسب.
- قولتلك، أنا عزماك. هنا معيش فلوس ولا إيه؟
- وأنا هخلي واحدة تدفعلي؟
- طب ما انت دفعتلي، وبعدين إيه واحدة دي؟ انت مش بتؤمن بالمساواة، ولا إيه؟
- لا.
- ولا أنا.
ابتسم عليها. فتحت حقيبتها سريعاً ودفعت. ومشيو. بس أفنان منعت تروح، ووديت هيثم عند عربة حلويات. وأعطاهم الرجل طبقان من الرز باللبن. فشكرته بابتسامة، وأعطت هيثم، وأكلت وتلذذ بطعمه. وكان يتابع ابتسامتها.
- أحلى حاجة التحلية اللي بعد الأكل.
قالتها بهيام. بصت له، وهو بيبصلها. فأدخلت ملعقة في فمه. اندهش جداً.
- طعمه حلو، مش كده؟
مسك أيدها، وهو يأخذ في ملعقتها، وبيص في عينها. احمرت زحنتها، واختفت ابتسامتها من الخجل، وهو مش سايب إيدها.
- هيثم، الناس...
ابتسم عليها. سابها. فالتقطت أنفاسها لتغير الموضوع. بص للناس في هذا الطريق، وتلك العامة، والأصوات. قال:
- تعرفي إن مجتش مكان زي ده قبل كده.
- أكيد يعني، وهتروحه ليه؟ انت مدلع ومن عيلة غنية.
- مدلع آه. لا، هو الحقيقة إني مش مدلعتش في حياتي خالص، بس ما علينا. السبب إني مبحبش الصوت العالي، الناس الكتير.
قالت براءة:
- انت مريض يا هيثم؟
- أنا مريض إني جيت معاك.
- مش مشكلة. اديك غيرت جو، وهترجع القصر. متتفرش، بدل ما انت كنت مخنوق.
ابتسم عليها. قال:
- معاك حق.
بادلته الابتسامة، وهي تأكل بتلذذ واستمتاع. ركبوا العربية، وكانوا ماشيين، وكل منهم يغوص في بحور أفكاره، لحد ما قالت أفنان:
- وقفت.
اتخض، ووقف سريعاً. بصت له، وقالت:
- تيجي نقعد على النيل شوية؟
بصلها وبص للخارج. وقبل أن يتكلم، فكت حزامها وقالت:
- يلا.
نزلت قبله، وهو بصلها وتبعها.
كانوا بيتمشوا. قال:
- كنتي عايزة تخرجي أوي كده؟
نفيت برأسها، وقالت:
- لا، بس دي أول مرة أخرج فيها مع حد. ويشاء ربنا تكون أنت الحد ده.
- مش فاهم إزاي يعني؟
- هقولك.
تقدمت، وهي تتركه. بصلها. قعدت عند النيل، وأشارت له، فاقترب وجلس بجانبها.
- قليل لما كنت بخرج بسبب الشغل، والمسؤولية. ماما، أخويا، المذاكرة، الجامعة. كل ده، وطبعاً النوم.
يصلها وهو بيستمع إليها، وكأنه بيتعرف عليها.
- أكيد مش هيكون فيه وقت أخرج. ولو فيه، يستغله في النوم، عشان ده أحلى حاجة في حياتي.
استغرب من هذه الفتاة، التي بعدما تحكي معاناتها، قلبت كلامها بآخر جملة بمزاح ودعابة على نفسها. قال:
- بدام بتعاني من الشغل، ليه مختارتيش ترتاحي؟ واضايقتي لما قولتلك متشتغليش؟ ليه متمسكة بالشغل كده؟
سكتت. وتقلبت ملامحها. بصت له، وقالت:
- مكنتش بتقولها لي على أساس إني أرتاح.
استغرب هيثم. نظرت أمامها، وكملت:
- كلامك كأنه أمر، بسبب مكانتك ومجتمعك ميسمحش إن مراتك تكون بتشتغل. ده غير حكاية وجه لاسمى. حسيت إني... مشرفتك. مجرد واحدة اتحكمت عليها غصب.
- أنا آسف.
بصت له، وكان أضايق من كلامها.
- انتي تشرفي أي حد يا أفنان. نضيفة من جواكي وجميلة. محظوظ البن آدم اللي هتكملي معاه حياتك. المهم تختاري صح، كنصيحة مني.
متعرفش ليه أضايقت لما قال كده، ومخيلنها. نظرت لهيثم بأنه لماذا لا يكون هو ذلك الشخص.
- بس انت ليه متمسكة بالشغل؟ حتى مردتيش تقولي لي إيه اللي حصل معاكي انهارده، خوفاً من إني أمنعك ترجعي؟
- سببين. الأول، إن لما أقعد، ونتطلق، وأرجع حياتي، هصرف على عيلتي منين؟
- مشفتيش النفقة اللي هتاخديها لما نتطلق؟
بصت له وحزنت. وقالت بضيق:
- مش عايزة حاجة منك. حتى المهر مخدتش منه جنيه واحد. ليه شايفني كده؟ الفلوس آخر حاجة أهتم بيها.
- متزعليش مني، أنا مقصدتش. كنت بعرفك مش أكتر. والسبب التاني...
- عندي حلم. إني أفتح مطعم يكون باسمي، وأنا اللي هعين المكان، وأبني اسمه ويشتهر.
ابتسمت وهي تتخيل. بصت له وقالت بمرح:
- هيكون حلو، مش كده؟
- أكيد.
قالها بابتسامة خفيفة، وهو ينظر أمامه. بصت له أفنان، وافتكرت البارحة.
- ممكن أسألك عن حاجة؟
- اممم.
- ا.. انت ق.. قتلت قبل كده؟
قالتها بتقطيع وقلق. فتبدلت ملامح هيثم. واختفت ابتسامته. فقالت بتوضيح:
- امبارح، قلت إنك قتلتها؟
- أنا قلت كده.
أومأت برأسها وقالت:
- آه. مخدتش كلامك بجد، عشان مكنتش في وعيك. هو أكيد مش صحيح.
- عشان كده كنتي خايفة، وبتتعاملي معايا بحذر الفترة اللي فاتت، وبتتجنبيني؟
- بصراحة، آه.
ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه، وهو يخفض رأسه ويقول:
- قاتل!!
بصت له أفنان من نبرته. نظر إليها وقال:
- وانتي رأيك إيه؟
- رأيي في إيه؟
- لسا خايفة مني بعد ما عرفتي الحقيقة؟ هي حقيقة تخوف فعلاً.
بصت له بشدة من اللي بيقوله، ومش عارفة تدرك الأمر. حسّت بخوف، وقالت برجفة:
- ح.. حقيقة إيه؟
- إني قتلتها.
قالها وهو ينظر إليها. فسار الرعب في جسدها من تلك النظرة وما قاله. وحست أن الدنيا اسودت من حواليها، وهي تجلس بجانب ذلك الشخص، وعينها احمرت من الخوف، ودموعها تتغلغل بينهم. قالت برجفة:
- قولت إيه؟ انت قتلت؟
رواية ثأر القلوب الفصل الثامن 8 - بقلم نور
حقيقه إيه؟
- أنا ق*تلتها.
قالها وهو ينظر إليها، فسار الرعب في جسدها من تلك النظرة وما قاله. وحست أن الدنيا اسودت من حواليها وهي تجلس بجانب ذلك الشخص. ذلك الشخص أشعرها بالخوف، تشعر كأنه سينقض عليها ليقتلها، فلقد قتل مرة، وكانت المرأة التي أحبها.
قاطعها صوت ضحكة هيثم التي لم يعد يستطيع كبحها من تعبيرات وشها.
- قا*تل؟ أنا قت*لت!!!
بصتله أفنان باستغراب من ضحكته التي ذابت في صوتها الرجولي. إنها المرة الأولى التي تراه يضحك.
- عارف إنّي أخوّف، بس مش لدرجة.
- ي.. يعني إيه؟
- أهدي، انتي لسا خايفة.
- انت مقتلتهاش صح؟
نفى برأسه وقال:
- لا، أقتل مين.. أنا مطلق مش أرمل على فكرة.
قالت بدهشة:
- يعني هي عايشة!!
اختفت ابتسامته وقال ببرود:
- آه، أنا قتل*تها في قلبي، يعني هي ماتت من زمان.
ضرب*ته أفنان جامد في كتفه، فتفاجأ وبصلها.
- وقعت قلبي أنا! من الأول بقول إنك طفل والوش البارد ده مش لايق عليك.. هتخليني أنا اللي أقتل*ك بجد على كلامك التقيل ده.
كانت بتضربه بغضب. مسك أيدها وسحبها. بصتله بشدة وهو ينظر في عينها وقال:
- إيدك تقيلة على فكرة.
بلعت ريقها بتوتر. حاولت تفلت أيدها بس هو منعها وقربها منه. فارتبكت وقالت:
- هيثم.. الناس هيبصولنا، سيبني.
ابتسم عليها. ساب أيدها، فعظلت نفسها بحرج وهي بتبعد عنه.
- تعرفي إنّي فكرت فيكي النهارده.
- فكرت فيا أنا.. ليه؟
- كنت عارف إنك إنتي اللي هتقدري تغيري مودّي من اليوم ده، ومغلطتش. انتي فعلاً غيرتيه.. خليتي اليوم حلو بيكي.
مكنتش مصدقة اللي بيقول. شاورت بإصبعها على نفسها بمعنى إن الكلام ده ليها.
- مش شايف حد غيرك.
فرحت من اللي قاله وابتسمت. كانو ينظران أمامهم إلى النيل بهيام، وذلك الهواء الذي يداعب وجههم، إلى أن قاطع جلستهم رنين هاتف. وكان لهيثم. وقف وراح ليرد بعيداً قليلاً. بصت أفنان لشكله وهيئته، وكأنها تريد أن تطيل النظر إليه. وجدته يذهب. بصت قدامها وهي تتسائل ماذا يحدث إليها، ما خطب قلبها ولأين يميل. لكنها سعيدة حقاً، وهذا سبب ابتسامتها. إطار الهواء طرحتها من الطرف. كانت لسا هترجعها، لقت حد بيمسكها ويعملها. ابتسمت وقالت:
- هيثم.
لسه بتبص. اتبدلت ملامحها لما لقته واحد غريب بيبتسم لها. وقفت وهي بتبعد على الفور وتبصل لهؤلاء الثلاث.
- مالكم؟ أنا كنت بعدلك الطرحة.. الحق عليا.
مرديتش، بس بدأت تقلق. بصت لهيثم. استغربت جدا لما ملقتهوش.
- هو الحلو كان قاعد لوحده ليه؟
بصتلهم ولا تزال في صمتها. جت تمشي لقت واحد بيقف في وشها ويقول:
- على فين؟
ردت بغضب:
- وانت مالك.
ابتسم وقال:
- دي طلعت بتخربش. يلا.
- وماله، حلو.
خافت أفنان، رجعت لورا. قالت:
- انتو عايزين إيه؟
- هتعرفي وقتها عايزينك في إيه.
بصتلهم بخوف، لكن صوت رجولي جاهم من الخلف.
- فيه حاجة منك ليها؟
استغرب ولفوا لذلك الشخص، وكان هيثم. بص لأفنان والخوف اللي باين عليها.
- لا، مفيش حاجة. ويلا امشي من هنا يا بابا.
قالها شاب وهو ينكز هيثم ويبعده. بص لإيده اللي لمسته. بص لأفنان قال:
- انتي كويسة؟
أومأت له. فقال شاب:
- وانت مالك؟ ما تخليك في حالك.. آه، دي شكلها تخصني.
سكت هيثم بهدوء وتقدم منهم وهو يومأ برأسه ويقول:
- تخصني. آه.
بصوا له من هدوء. سرعان ما لكمه بقوة وجعله يترنح على أصدقائه من قوتها. اتخضت أفنان. مسك أيدها وسحبها ليه وهو يوقفها خلفه.
- اعتدل الشاب بغضب وقربوا منه، لكن هيثم ركله في صدره وأوقعه أرضاً.
مسكت أفنان أيده وقالت:
- هيثم خلاص، يلا نمشي.
لم يرد عليها وفلت يدها. اقترب الاثنين منه ليض*ربوه، لكن هيثم أكل عليهم باللكمات القوية. وكانت أفنان شيفا ده وخايفة من عينه المتلأتان بالغضب الذي يبدو ليس عادياً. البتا والفتيان أصيبوا بجروح بسببه وهو لا يتركهم.
- خلاص يا هيثم، ارجوك.
سمع رجاءها ليه وفاق من نوبة غضبه. بعد عنهم، فارتاحت. لكن وجدته يمسك يدها ويأخذها ويذهب. دخلها العربية. استغربت من غضبه عليها. دخل هو الآخر ومشي دون أن ينطق بكلمة.
دخلو القصر وتوجهوا لغرفتهم. بينما ريم كانت واقفة ونظرت إليهم وهما راجعين سوا في تلك. استشاطت غضباً ومشيت لأوضتها.
عند أفنان، بصت لهيثم وقالت:
- سيبني ياهيثم، انت بتوجعني.
ترك أيدها بضيق وقال:
- كنتي واقفة معاهم بتهببي إيه؟
بصتله بشدة وقالت بصدمة:
- فهمني بتقول إيه.. واقفه معاهم؟
- زبالة بيضايقوكي، ماتمشي.
- لا، وأنا مستنياك تقولها الصراحة على أساس إني عرفت أمشي.. كنت هجري بس وقفولي.
- لا، مهو واضح لما جيت وانتي مبتتحركيش.. عجبتك لمتهم حواليكي ولا إيه؟
دمعت عينها بحزن شديد، قالت بصوت يجهش بالبكاء:
- ان.. انت إزاي كده.. مش مصدقة اللي بتقوله بجد، ولا توقعته منك.
بصلها هيثم من صوتها ودموعها. مشيت. مسك أيدها بيوقفها. لم تنظر له وهي تخفي حزنها.
- أنا آسف، متزعليش مني، أنا مضايق بس من اللي حصل.
بصتله، لم ترد عليه. قال:
- المهم إنك كويسة، حد عملك حاجة؟
زال حزنها لما حسيت بقلقه عليها. قالت:
- لا، كنت خايفة قبل ما تيجي.
- معلش، المكالمة كانت بتقطع.
مشيت شوية لحد ما الصوت اتعدل. أومأت بتفهم. شافت أفنان بقه، وكانت شفتاه مجروحة. قربت أيدها منه. بصلها، وجدها تلمس شفتاه بأناملها الرقيقة.
- اتعورت.
فاق من لمساتها التي خدرته. بصتله قالت:
- أنا آسفة.. بتوجعك مش كده.. أنا السبب.
- محصلش حاجة، أنا كويس.
بعدت عنه ومشيت. بصلها وكأنه أراد أن تبقى قريبة منه أكثر. راح عشان يغير لبسه، بس رجعت وكانت معاها مرهم. قربت منه، مسكت أيده وقعدته على الكنبة وهي جنبه. بصلها باستغراب. فتحت المرهم وقربت منه عشان تحطله. بعد وهو بيقول:
- مش مستاهلة ده كله يا أفنان.
- مش هتضر لو معاندتش وسبتني أحطلك.
بصلها. قرب منه وحطتله برفق، ويشعر بلمستها الناعمة التي تثيره.. قربها منه التي تضعفه.. طفولتها التي تجعله خاضع لها.. كل هذا ليس في صالحه. إنه لم يضعف هكذا منذ زمن. إن لم تبتعد لا يعلم ماذا سيحل بها. كان بيتحكم في نفسه على قد ما يقدر، لكن ذلك الشعور يحتله.
بصتله أفنان وهو بيبصلها، والتقطت عيناهم. خجلت من نظراته، رغم أنها هي الأخرى تنجذب إليه. وجدته يقترب منها وهو ينظر لشفتاها. اتوترت، بعدت بخجل وقالت:
- الوقت اتأخر أوي، بتهيألي لازم ننام.
ذهبت سريعاً، وكان هيثم يستوعب ابتعادها. بعد. ابتسم لأن تلك الفتاة مختلفة بالفعل. لا تخضع له مثلهم، وهذا ما يسعده.
في اليوم التالي، في الصباح، كان هيثم يدخل القصر ويرتدي سويت شيرت وبنطال رياضي أسود. فهو كان يركض بالجوار. بس لما دخل سمع صوت يناديه بحده:
- هيثم.
بص، فهو يعلم صاحبه وهو منير. بس استغرب لما لقى سامر قاعد معاه. قرب منه وقال:
- سامر، جيت إمتى!! وأي القعدة دي؟
مردش سامر. أكن تحدث منير وهو يقول:
- هو جاي وقاصدني أنا.
تعجب هيثم. أما منير وقف وقال:
- التعاقد اللي عملته امبارح مع حسام تلغيه انهارده وفوراً.
تبدلت ملامح هيثم وبص لسامر ببرود، عشان قاله. لكن سامر لم ينظر إليه وعارف أنه مضايق منه.
بص هيثم لمنير وقال ببرود:
- مش هلغي حاجة.
- هتلغيه يا هيثم، سمعتني.. متحطش إيدك في إيدك ده وصله الشغل يجمعك بيه.
ابتسم وقال ساخراً:
- ده ال.. هو مين! هو مش ابنك يا منير زهران؟ ولا أنا غلطان؟
- لا، هو ابني ولا أنا أعرفه من بعد عملته.
- عمل إيه.. هو ما أذانيش، أنت أذيتني أنا.. ثم هو عمل اللي انت كنت عايزه تبعدني عنها.. وأهو حصل بفضله، المفروض تشكره.
- لى بتحملني مسؤولية اللي عمله وإني السبب في اللي انت فيه واختيارك الغلط دي؟ واحدة متستاهلش إنك تفكر فيها حتى؟ ولا هو؟
- هما ميفرقوش معايا حاجة.. ولا أي حاجة.
- يبقى تعمل اللي قولتهولك عليه، وألغي العقد ده.
- لما أفكر ألغيه هيكون قراري. شكراً، أنا عارف بعمل إيه.
- هتعصي كلامي تاني يا هيثم؟
قالها منير بعتاب وحزن. صمت هيثم بضيق. لف ومشي وهو بيسيبهم. وقف سامر وتبعه.
- هيثم، اسمع كلام عمك، هو خايف عليك.
وقف هيثم ببرود وبصله وقال بغضب:
- عيل صغير أنا هاا.. عشان تيجي وتقوله على شُغلي اللي مفروض ميطلعش برا؟ هو ده شغلك؟
- أنا عملت كده بحكم إني صاحبك وعشرة عُمر.. انت بتفتح الباب من تاني يا هيثم وانت مش واخد بالك.. متخليش قلبك يوقف عقلك، وبص للموضوع إنه رد حق، وهو بيستفزك عشان تقبل، مش عشان توريه إنك تخطيت الموضوع ولا لأ.. أنت بتحسسه إنه لاوي دراعك وبيتحكم فيك زي ما هو عايز.
- خلاص، بقيت أنا الغلطان وانتو الصح وخايفين عليا منه.. عشان أعرفكم حاجة، حسام ده آخر حد أنا ممكن أخاف منه. كان بإيدي أدمره، بس أنا معملتش.. فكروا في نفسكوا، ومحدش ليه دعوة بيا.. واعتبر نفسك يا أستاذ سامر مطرود، لأنك محترمتش شروط شغلك.
بصله سامر بشدة، ثم قال بهدوء:
- اللي انت شايفه.
مشي هيثم ببرود وهو يتركه. فذهب سامر وهو متضايق، لكن وهو يسير للخارج، وقف لما شاف جنى. إلى بصتله هي الأخرى. لكن أبعدت عيناها وهي تذهب. نظر إليها ثم تنهد وذهب.
دخل هيثم الغرفة، وكان مضايق. تعجب حين لم يجد أفنان. سمع صوت من خلفه. لف، كانت خارجة من الحمام وهي بتنشف شعرها.
بصلها ولخصلاتها المبتلة. انتبهت أفنان إليه. قالت بحرج:
- مخدتش بالي.. جيت إمتى؟
- لسا جاي.
بصتله من نبرة صوته. قالت:
- مالك؟
قعد وتنهد وهو يقول:
- ماليش.. وراكي جامعة النهارده؟
- لا.
أومأ لها بتفهم. قربت أفنان منه، بصت في عينه. بصلها هو الآخر من عينيها المباشرتان في عينه.
- متأكد إن مفيش؟
- ده هيفرق معاكي في حاجة؟
استغربت من نبرته، فاردف:
- مهما تعرف؟
قالها بتساؤل. فصمتت قليلاً. وقف وقال ببرود:
- يبقى متسأليش.
مشي وسابها وهي تتعجب منه.
- هو رجع تاني ولا إيه؟
قالتها بضيق، وهي تأخرت في سؤاله لأنها حقاً لا تعلم إن كانت تهتم لأمره أم لا.
خرجت من غرفتها. سمعت صوت. بصت وجدت ريم ولؤي جالسين ويتحدثان، وهي تبتسم وهي تريه شيئاً في الهاتف. لقتها بتبصلها وابتسامتها بتختفي بضيق. استغربت من نظرتها. بص لؤي لأفنان. وقفت ريم بضيق ومشيت وهي تنظر لها نظرات قرف. تجاهلته أفنان، رغم أنها تتضايق من معاملتها هذه.
- متتأثريش بيه.
بصت لصوت كان لؤي، التي ينظر لأخته هي الأخرى. قالت أفنان:
- لا عادي.. هي بتتعامل كده مع الكل ولا أنا بس؟
ابتسم وقال:
- لا، انتي بس.. متاخديش في بالك، ممكن لأنها متعرفكيش.
- ممكن.
- لؤي.
سمعوا ذلك الصوت، وكان حمزة. بص لأفنان قال:
- ازيك يا أفنان.
ابتسمت بهدوء وقالت:
- الحمد لله.
- دام. نظر إلى لؤي وقال:
- الحجز الساعة أربعة، متنساش.
- ماشي، جايم.
مشي حمزة وتركهم وهو مستغرب من وقوف لؤي وأفنان هذا، لكن لم يبالي. لؤي كان ماشي. قالت أفنان:
- لي لما سألتك عن هيثم مقولتليش إنه كان متجوز.
- هو قالك؟
- آه.
- خلاص، اديك عرفتي.. ويا ترى حكالك على الحكاية القديمة؟
استغربت من نبرته. قالت بخيبة:
- لا.
- كنت متأكد.
- متأكد إزاي؟
- لا، متشغليش بالك.
جه يمشي. وقفاته وقالت:
- انت تعرف حاجة.. كلكو عارفين إنه كان متجوز ومقولتليش.. أكيد تعرف هايدي اللي كانت مراته دي، وكلكو بتخافوا تجيبوا سيرتها قدامه. بأمارة ريم لما ذكرتها وهي بتقارني بيها، عمي زعلها.. أي السبب وإيه اللي سببته هي لهيثم.. كل دي أسئلة عندي ومش لاقيالها ولا إجابة.. الماضي بتاعه ممكن ميكنش مهم، بس يفرق معايا.
- لو سمعتي من هيثم هيكون أحسن، عشان أنا مجرد شاهد زي الكل، أما هو صاحب القصة.
- أكيد، لو كان قالي مكنتش سألتك.. مش عارفة إذا كان هيقولي أصلاً ولا لا.
قال آخر جملة بضيق، وهي تتذكر هيثم حين قال: "ممكن يجي يوم وأحكيلك، بس هيكون بعيد".
فاقت على صوت لؤي وهو يقول:
- عايزة تخليه هو اللي يقولك؟
بصت له بدهشة. يصلها وأردف:
- خليه يشرب.
اتصدمت من اللي قاله وقالت:
- خ.. خمرة.. انت أكيد بتهزر.. عايزني أنا بالذات أشربه وأشيل ذنبه.. ده أنا عايزة أخليه يبطل وبضايق لما أشوفه سكران.
- اركنى قلبك ده على جنب.
توترت وقالت:
- مش فاهمة.
ابتسم وقال:
- مش انتي حبتيه؟
اتصدمت، ارتبكت ومردتش. قال لؤي:
- الوقت الوحيد اللي ممكن يقولك فيه لما يكون سكران.. تقدري تعرفي كل حاجة.. وهو كده كده بيشرب، مش هتشيلي ذنب.
- بس بردو..
قالتها بضيق، وهي في حيرة. فقال:
- أنا كده ساعدتك، اشكريني بعدين.
بصله مشي وسابها في بحور أفكارها التي ليس لها نهاية بسبب ما قاله. إنها بالفعل تدرك أنه يتحدث بما في داخله وهو ليس في وعيه. هل تجعله يسكر لتعلم ذلك الماضي المجهول؟ تجعله يشرب ذلك الشيء المحرم لترضى فضولها؟
على المائدة، كان هيثم بيقرب منهم. بصتله ريم وقالت بدهشة:
- هيثم، إيه ده؟
وقفته. بصلها ونظر الكل إليهم.
- إيه اللي عوّرَك كده؟
كانت تقصد شفتاه. بصت لها أفنان وإلى هيثم وعقدت حواجبها بضيق. بصلها وهي تبتسم وتجز على أسنانها. كانت تقترب منه بقلق. قال:
- مفيش حاجة يا ريم.
- إزاي، انت حطيت عليها حاجة؟
غضبت أفنان كثيراً وأضايقت من ميوعها عليه. قربت من هيثم. بصولها. قال حمزة بمزاح:
- أوعى حريقة.
قربت أفنان من هيثم وشال إيد ريم من عليه. قالت:
- هو كويس يا حبيبتي.
بصت لها ريم بضيق لما شالت أيدها من عليه وطريقتها. مسكت أفنان ايد هيثم وقالت:
- بعدين مراته حطتله، مش محتاجك يعني.. وفرّي سؤالك، أنا موجودة.
ممشيتش. ابتسم منير وهو يريد أن يضحك والجميع كذلك، وريم تستشيط. مسك أفنان وش هيثم وخليته يبصلها وقال:
- مش كده يا حبيبي؟
كان متفاجئ كثيراً من كلامها إلى متوقعش أنها تقوله. بصتله بحده لما طال صمته وسيُحرجها. فقال:
- آه.
ابتسمت له بسماجة وهي غاضبة منه، بس بصت لريم وقالت:
- عن إذنك عشان ورانا شغل لازم ناكل.
فتحت فاه ريم من ردها التي تطور. وجدتها تأخذه وتذهبون ويتقدمون من المائدة. حسيت بالغضب وتوعدت لأفنان.
وسط ما هما بياكله، قال منير:
- اتأخرت امبارح؟
بصله هيثم لأنه يوجه كلامه إليه. فقال ببرود:
- اتعشينا برا.
اندهش منير والجميع لأنه خرج معاها. وريم افتكرت رجوعهم بليل في تلك الساعة، كانو يتجولان ويحظون بغشاء رومانسي.
في السيارة، كان هيثم ينظر لأفنان إلى عاقد ذراعيه بضيق. قال:
- كان ليه لازمة اللي عملتيه؟
- وانت إيه اللي مضايقك؟
- عشان مكنش ليه لزوم. هي معملتش حاجة.
- والله معملتش حاجة.. وتلزيقها فيك ده إيه.. أما كنت حاسة إنها مبطيقنيش لسبب، والسبب ده طلع انت.
- إنتي فاهمة غلط.
- لا، أنا فاهمة صح. مفيش حاجة تقدر تكذب إحساس البنت لأنه دايماً صح.
- بس الإحساس ده بيكون من حب يا أفنان.
ارتبكت، لكن بصتله وقالت:
- ولو.. أكيد لو كنت سكت كانت هتتمادى.. وبعدين لو مكنتش عايزني أدخل، كنت بعدتها انت لوحدك يا أستاذ؟ ولا كنت فرحان وهي بتتمحنن عليك؟
- بتت... إيه؟
- ب.. بتت.. م.. حننة.
قالتها وهي بتتك على الكلمة. فابتسم وقال:
- بتتمحنن. آه.
اضايقت من بروده هذا. يصلها وقال:
- وانتي إيه اللي مضايقك؟
اختفى غضبها من ما قاله. بصتله وكان بيبصولها. فاتوترت، لكن قالت:
- يعني إيه اللي مضايقاني؟ مش انت جوزي؟ آه، عارفة إنه على الورق بس، إحنا في الواقع ده دلوقتي.
- اممم. بس؟
- آه، بس.
كان بيبصلها بشك، وهي تجاهلت نظراته وحاولت الهرب منها وهي مكسوفة من نفسها وغضبها اللي سبب لها الحرج. ليتها صمتت، ما دخلها هي في الشغل. كانت أفنان تعمل وتحاول أن تتجاهل تذمرات شهد وتعاليها عليها بسبب البارحة.
دخل رجل وهو يحمل أكياس داخلها علي مغلفه. اتبدلت ملامح مي لنا شافته وقربت منه سريعا وقالت:
- مش حضرتك صاحب المزرعة الشمالية؟
- آه، اتفضلوا.
خدت الأكياس وقالت بابتسامة:
- لي وصلت الطلبيات لهنا بنفسك؟
قربت شذى وهي مذهولة من ذلك الشخص اللي تحييه المديرية باحترام. بصت لها مي وقالت:
- شذى، انتي أنقذتي المطعم.
بصت لها بتفاجؤ، فهي لم تفعل شيئاً، لكن ابتسمت وهي تأومأ بخجل. كملت مي:
- عكسها، كل اللي بتعمله سبب في مشاكل.
وكانت تقصد أفنان. عادت ونظرت إلى الرجل وقالت:
- شكراً. اتفضل اعقد حضرتك. واقف ليها.
أخذه مقعد ليجلس، لكنه كان يحول بنظراته في المكان وكأنه يبحث عن أحد. قال:
- فين مدام أفنان هيثم زهران؟
بصوله باستغراب وانتبهت أفنان للاسم، فقالت:
- أنا. في حاجة؟
أول ما الراجل شافها قرب منها سريعاً وقال بابتسامة وهو يحييها:
- مدام أفنان، جبتلك الكريمة اللي طلبتيها. أتمنى أكون متأخرتش عليكي.. شرف ليا إني أساعدك لو احتجتي لأي حاجة، متتردديش في إنك تطلبيها منه.
كانت رسالة بدهشة وهو يعاملها ومش فاهمة حاجة. أومأت له وقالت:
- شكراً.
ابتسم وقال:
- على هسيبكم عشان شغلكم.
قال هذا باحترام إليها وهو يلتف ويغادر تحت أنظار دهشة مي المديرة وشذى.
حطت مي الشنطة وبصت لأفنان بحرج:
- أستاذة مي، أنا آسفة بسبب امبارح.
قاطعتها مي وهي تقول بابتسامة:
- لا، متتأسفيش. انتي معملتيش حاجة، أكيد مكنتيش تقصدي. وبعدين انتي حليتي الموضوع.. لو عايزة توقعي أي حاجة تاني، معنديش مانع.
قالت شذى بابتسامة:
- أيوه، ده صحيح.. بصراحة الغلط كله مكنش على أفنان، أنا اللي كنت حاطة العلبة على الحرف. أنا آسفة.
بصت لها مي بضيق. أما أفنان، نظرت إلى الباب مكان ما دخل ذلك الرجل وذكر اسمها بلقب آخر "أفنان هيثم زهران". إنه من أحضره، فهو وعدها أنه هيحل الموضوع البارحة. ابتسمت وهي تتذكره.
كان هيثم يقف عند الباب ويرى ابتسامتها، جعلته يسعد. التفت وهو يذهب.
في المساء، في القصر، كانت أفنان تنظر لهيثم وهو يعمل على الاب توب. قال:
- أفنان، ده مكتب يعني بشتغل فيه. عايزة تقولي حاجة؟
مددت على الكنبة وقالت:
- معطلتكش، أنا قاعدة ساكتة.
- منتِ عمالة تبصيلي ومش مرتاحلها.
- يعني عارف إني ببصلك وانت اللي بتتجاهل.
- آه.
وقفت، قربت منه. بصلها. مالت عليه. رجع بظهره للخلف. وجدها تضع يده على كرسيه وهي قريبة منه وتحاوطه وتقول:
- مش مرتاحالي ليه؟
بصله من نبرتها الأنثوية التي لم يسمعها من قبل، ونظرتها. قال:
- بالوضع ده هرتاح لك إزاي.. انتي شاربة حاجة؟
رجع لورا لما قربت منه. قال:
- أفنان.
وجدها تبتسم، ونظرتها تعود لاعتيادها وتبتعد وتقول بمرح:
- النهارده جه عمو ده بتاع المزرعة، وصلح المشكلة اللي حصلت والمديرة اعتذرت مني أنا. تصور.
بصلها ابتسم بهدوء على كلمة عمو اللي قالتها. بصتله قالت:
- شكراً.
- على إيه؟
- عارفة إن انت اللي جبته.
- معملتش حاجة.
قربت منه وقالت ببرائة:
- أشكرك إزاي؟
يصلها من اقتربها. سحبها إليه مرة واحدة. جلست على قدميه. اتصدمت وهو مايل عليها، وأيده عند وسطها. قال:
- أقولك تشكريني إزاي؟
بلعت ريقها من التوتر. أومأت برأسها بصعوبة. قرب منها، خافت، وهو شاف خوفها من تعبيراتها. لكن اقترب أكثر إلى عنقها وشعرت بملامسته لها.
- أنا جعان، اعمليلي أكل.
فتحت عينها. بصتله بشدة.
- خلي بالك من حركاتك بعد كده. أنا بمنع نفسي عنك، أنا في الأول والآخر راجل.
بعدت عنه سريعاً وهي تقف ووشها أحمر.
- عايز تاكل إيه؟
- نفسها.
فهمت قصده ومشيت وهي بتسيبه. راحت المطبخ وقابلت الخدم.
- عايزة حاجة يا ست هانم؟
- لا، هعمل أكل.
- وده ينفع، قوليلنا على اللي انتي عايزاه تاكليه ويجهز.
- لا شكراً، أنا اللي هعمل.
- بس..
ليقاطعهم صوت هيثم من خلفها وهو يقول:
- سمعتو، وتقدروا تمشوا دلوقتي من هنا عشان تكون براحتها.
أومأوا له بالطاعة ومشوا، ومبقاش فيه غير هيثم وأفنان. اللي حطت أيدها على وسطها وهي بتلف وبتبص حواليها.
- نسيت أسألهم على مكان الحاجات اللي هحتاجهم.
- تقدري تسأليني.
بصتله وقالت:
- وانت كنت بتدخل المطبخ قبل كده؟
- مش بالظبط، كنت بدخل مع أمي.
افتكرت أفنان والدته، فقالت:
- أكيد وانت صغير.
- أساساً هي مكنتش موجودة وأنا كبير، عشان يكون فيه فرصة أدخل معاها.
استغربت جداً، بس عشان هيثم ميفتحش كلام. قال:
- متقلقيش، كنت بدخله عشان مبحبش حد يعمل حاجة ليا، فعارف الحاجات اللي هنا.. ثم إن ده كان البيت اللي عيشت فيه أكيد.. بس مش عارف إذا كانوا غيروا الأماكن ولا لأ، بقالي كتير مدخلتوش.
- مش مشكلة، ندور.
قالتها بابتسامة. بصلها لأنها جمعت. فقربت منه وقالت:
- آه، منا مش هعمل الأكل لوحدي.
- يعني إيه؟
مسكت أيده ورفعتها قليلاً وهي بتفك زر القميص.
- مش كنت عايزني أعلمك الأكلة اللي قولتلي عليها؟ اهو هعلمهالك عشان تعملها لما مبقاش موجودة.
بصتله وهو نظر إليها. ثم خفضت عيناها وهي بتطوي أكمامه وتكمل بمزاح:
- بس طول ما أنا معاك، أنا اللي هعملهالك. تقدر تستريح.
امسكت يده الأخرى وهي تفعل مثل الأخرى، وكان هيثم يتابعها وهو يترك يده لها، إلى ما أن انتهت من طوي أكمامه.
- بس كده، نقدر نبدأ.
قالتها بمرح، ثم ذهبت. بس توقفت، بصتله وقالت:
- ينفع أقلع الطرحة دلوقتي عشان بتفضل تنزل لما بعمل الأكل؟
- مينفعش، المطبخ المفتوح، يعني بيطلع على اللي برا.
- عشان كده سألتك.
قالتها بضيق ومشيت. بصلها هيثم شوية. فتح أحد الأدرج، خد جهاز وضغط على زر، فأقفلت النافذة حيث لا يرى من في الخارج، وقفل الباب. بصتله أفنان وإلى ما فعله.
- اقلعيها لو حابة تقعدي براحتك.
ابتسمت. فكت الطرحة وعلقتها، وهي تنظر إلى شعرها الطويل الذي يميل إليه كثيراً. وجدها ترفعه بالاي، وهي تعقده بطوق، وبعض خصلاتها تمردت وانسدلت على وجهها وهي مبعثرة بشكل جميل. بصتله أفنان، فبعد عينه وهو يعود لوجهه الجدي.
أحضرت مستلزماتها وسألت هيثم، وكان يشير إليها وتجدهم لا يزالون بإمكانهم، وبعض منهم لا. كانت تتساءل لأي مدى قد غاب. قاموا بإعداد الطعام. كان هيثم ينظر إلى أفنان وهي تقطع الدجاج، وجدها تمسك بيده وتقربه منها وتجعله يمسك سكيناً، ثم جعلته يقطع وهي تحرك يده مثلما تفعل. نظر إليها وهي قريبة منه. ابتعدت لتترك له المجال. وجدها بتشب عشان توصل للدقيق. ابتسم عليها ومعرفش يكتم نفسه. بصتله أفنان وقالت:
- بدل ما بتضحك، تعالي ساعدني.
- اطلبي أحسن من كده.
تنهدت، ثم ابتسمت وهي تجز على أسنانها وتقول:
- ممكن يا أستاذ هيثم تساعدني لو تكرمت يعني.
ابتسم. قرب منها. بصتله أفنان. جات ترجع معرفتش لما زنقها في الرخامة. لقته بيحاوطها وكان بيجبلها الدقيق. بصلها وهي تخفض عيناها وخدها الأحمر. حطهولها، بس ما بعدش. رفعت أفنان عينها إليه. قرب منها وهو يحط أيده على الرخامة عشان متبعدش. توترت. قالت:
- هيثم، ابعد.
لم يستمع إليها. قرب منها. بصتله. مشيت ايده ببطء على الرخامة وهي شيفاه بيقرب. ومرة واحدة مسكت حبة دقيق وكانت هترميهم عليه، بس لقيته بيمسك أيدها.
- على أساس إن ده اللي هيبعدني، مش كده؟
- يبقى ابعد.
- خايفة مني؟
بصتله وسكتت، وحاولت تفلت أيدها. لكن سحبها إليه وهو يلف زراعه حولين وسطها من الخلف. اتصدمت أفنان. بصتله. دق قلبها جامد من قربهم الشديد والتصاق جسدها بها. قرب أيدها من وشها وهي لا تدري بأي شيء، كأنها مغيبة.
قام بطبع الدقيق اللي في أيدها على خدها، وهي باصة في عينه بتخدر. ابتسم عليها. قال:
- كده أحلى.
بعد عنها وسألها. فاقت. حطت أيدها على وشها لتدرك ما فعله وكيف تخدرت بسبب قربه والنظر في عينه. غضبت، ثم مسكت دقيق ودفعته عليه. اتصدم هيثم من ما فعلته.
- بقيت أحلى بردو.. آه، ده الجمال عدى الكلام.
قالتها بسخرية وهي تقهقه على شكله. يصلها هيثم بشدة. بصتله بخوف وطلعت تجري وهو خلفها.
كانت فاطمة تسير لتشرب ماء. سمعت صوت ناحية الطبخ. راحت واستمعت إلى صوت هيثم وأفنان. راحت وقفت عند الباب وهي تطرق السمع.
- خلاص يا هيثم، حصل خير.
- هوريكي الجمال اللي على حق.
جريت، لكنه سحبت إليه، فوقعا الاثنان أرضاً. بصتله به. من قربه. جت تتعدل وهي بتسند على رخامة. مسكت في كيس الدقيق لينسكب فوقهم ويغرقهم في كومة من الدخان. كحت أفنان. بصت على نفسها، كان نائمة على صدر هيثم. رفع وشها بخوف وبصتله وهو ينظر إليها. ابتسمت ببلاهة، لكن نظراته كانت جدية. فقالت بأسف وهي تخفض عيناها:
- آسفة.. أنا دايماً كده بوقع الحاجات و..
قاطعها صوت ضحكته التي خرجت منه. بصتله بشدة وهو يضحك من داخله. لا يبدو أنه متضايق. ابتسمت وضحكت هي الأخرى لتمتزج ضحكاتهم المرحة على بعضهم وتلك الفوضى التي أحدثوها.
اتفتحت فاطمة جداً لما سمعت صوتهم وميزت صوت هيثم. قالت بصوت منخفض:
- هيثم بيضحك.
كانت لا تصدق أنه هو حقاً. لفت وجدت منير أمامها. ابتسمت وقالت:
- ده هيثم وأفنان. معرفش بيعملوا إيه في المطبخ بليل كده، بس شكلهم فرحانين.
أومأ منير ولم يتكلم. بصتله فاطمة. وجدت دموع في عينه. قالت:
- مالك يا أخويا؟
- بلاش نعمل صوت يلا.
أومأت له بتفهم ومشيت. أما منير، ألقى نظرة على المطبخ ويتذكر صوت ضحكة ابنه. ابتسم ابتسامة خفيفة ومشي.
في المطبخ، انتهوا من الطعام ورجعوا المطبخ زي ما كان ونفضو نفسهم من الدقيق. خدت أفنان طبقها. قعدت على الرخامة بطفولية وقالت:
- هبقى أضيف الطبق ده في مطعمي.
ابتسم عليها. بصتله وقالت:
- هتيجي؟
يصلها من نبرتها وتساؤلها. أومأ لها إيجاباً. لا يعلم لماذا فعل هذا، فهل سيكون في تواصل بينهم بعدما يتطلقوا؟
وكأن يتذوق طعم ذلك الحساء الساخن، يشعره بدفء غير اعتيادي يجعله يبتسم، يجعل وجهه يهمه سعادة بمجرد التذوق. بصتله أفنان وهو بياكل مثلما رأته من قبل. ابتسمت، لكن تبدلت ملامحها لما لقت دمعة تسيل من عينه. بصمت، وكأن تلك الدمعة سالت كأنها بتحرر.
- هيثم، انت كويس؟
هم هم، بمعنى آه. بصتله بشك، فقالت:
- لي بتحب الأكلة دي أوي كده.. حد كان بيعملهالك زمان؟
- آه.
- مين؟
صمت ولم يرد. تعجبت، لكن قالت بإستدراك:
- مامتك؟
- لما عملتيها أول مرة، كانت بمثابة إنك رجعتيني 22 سنة ورا.. شكراً يا أفنان.
قال آخر جملة بامتنان. بصتله. وقف ومشي بعدما انتهى، بس وقف وقال:
- متنسيش تلبسي الطرحة لما تخرجي.
أومأت له إيجاباً. مشي وهي تراقبه بعينيها.
- 22!!
في اليوم التالي، في الصباح، كان منير قاعد في غرفة قراءة. سمع صوت طرقات. بص لقاها أفنان. كانت تستأذن بالدخول.
- تعالي يا أفنان، واقفه لي؟
دخلت قالت:
- أزعجتك؟
- لا، إيه اللي مصحيكِ بدري؟
بصلها وقال:
- عايزة حاجة؟
- لي معرفش حاجة عن هيثم؟
استغرب من اللي قالته. كملت:
- زي إنه كان متجوز، ايا كانت هي مين أو فين، كنت مفروض أعرف.
- أنا بحاول أقفل الصفحة دي في حياته وحياتنا ومنفتكرهاش.. إزاي أقولك وأنا بذاتي نفسي اللي مش عايز أتكلم فيها؟
قالت باستغراب:
- ليه محدش بيتكلم فيها؟
- عشان ملهاش لازمة.
سكتت شوية لما حسيت إنه مش هيقولها هو كمان.
- ومامته؟
بصلها باستغراب، فكملت:
- مامته فين؟ وكانت بالنسبة له إيه؟ شفت حبه ليها بس استغربته.
وكانت تقصد ذلك اليوم حين نتش صورة منها وصرخ بها ألا تلمس أغراضه.
- في حد ميحبش أمه؟
- أكيد لا، بس أنا مش فاهماه.
- عرفت قصدك إيه.. هيثم حبه لوالدته بيوصل للهلوسة وإنه يكون حد تاني لمجرد ما تجيبي سيرتها.. والدته الله يرحمها كانت أكتر واحدة قريبة منه في البيت ده، مكنش بيحب حد غيرها وهي مكنتش بتسيبه، فاتعلق بيها جامد.. بس لما اتوفت هيثم جاتله حالة نفسية من بعدها.
أصغت أفنان إليه باهتمام.
- مو*تها بالنسبة له كانت صدمة كبيرة في حياته.. مات*ت وهي حضناه وهو عنده ست سنين، فأكبر صدمة في حياته إنه يصحى ويكون هو اللي يكتشف مو*تها.. ده أثر عليه سلبياً لدرجة إن جاله رهاب اجتماعي عشان كانت هي الوحيدة اللي بيتكلم معاها، فانعزل عن العالم الخارجي. جبتله دكاترة بس مفيش فايدة. عدت سنين وخرج من اللي هو فيه، بس منساش اليوم ده أو أي حاجة تخصها. اتعافى من كل اللي هي مقدرش يتعافى منها.. أكتر الأحلام اللي كان بيهلوس بيها وهو نايم وبيفرح لما تجيله، كنت أقعد عشان أسمع كلمة "أمي" ودموعه اللي بتنزل وهو بينشح وهو نايم.
كانت أفنان تسمع وحزينة إلى ما عاناه.
- هيثم جواه طفل بسبب إنه معشش طفولته زي ما لازم تكون.. بيظهر للكل بوش وشخصية مختلفة محدش يفهمه. لو انتي قدرتي تعرفي إنه عانى كتير وشخصيته اتنفّرت منه، مش بايده.. لأنه كل أما يبني شخصية يجي حد ويهدمها بلحظة، فبقى بالشكل اللي قدامك ده..
قربي منه أول ما تحسي إنه بيتكلم معاكي بصدق ومن جواه بجد، اعرفي إنه هو ده هيثم. هتلاقيه واحد تاني، بس انتي حاولي.
أومأت أفنان له إيجاباً. قالت:
- هحاول.
وقفت وتركته وذهب، وهي حزينة من قصة طفولة هيثم المؤلمة التي لم تتوقعها.. هل نام في حضن والدته واستشعر فظاعة على موتها؟ كيف أن الأمان يُسلب منك بتلك الطريقة البشعة.
دخلت الأوضة، بصتله كان لسا نايم. قربت منه. كان ينام على جانبه ويده خلف رأسه ومنكمش في نفسه. افتكرت كلام والده ببكائه نائماً ونشيجه، فهل حدث في ليلة أن بكى وهي لم تسمع؟ لا تظن ذلك؟
قربت أيدها بتردد إلى وجهه وتحسست عيناه بحذر بأناملها، لكن تفاجأت وابعدت يدها ونظرت إليه. كان يوجد دموع كأنه يبكي بصمت أثناء نومه.. إنه لا يزال يحلم بها؟
حزنت عليه واشفقت على ما جهلته عن حياته وظنته مجنوناً. بل طفل مجروح يفتقد أمه، كما أنه لم يكن قريب من أحد سواها... ما هو إذاً ماضيه وهو كبير وما يحوم حول زواجه الأول المجهول؟ تذكرت كام لؤي أنه جعله يشرب وحول عدم إدراك وعيه حين يسكر. هل معقول ما تفكر فيه؟ أتفعلها؟
في السيارة، كان هيثم يوصلها، وكانت بتبصله. وقد لاحظ ذلك. قال:
- في حاجة يا أفنان؟
بصت قدامها وقالت:
- لا.
- عمالة تبصيلي من ساعة ما صحيت، حتى على الفطار. عايزة تقولي حاجة؟
- ها.. لا، أنا مكنتش ببصلك أصلاً.
قالتها وهي تعقد ذراعيها، تظهر لا مبالاتها. بصلها هيثم ابتسم بهدوء ولم يعلق عليها.
كانت أفنان في شغلها. رن تلفونها. تفاجأت لما لقيتها والدتها. ردت عليها.
- إيه يماما؟
- أخوكي بيسأل عليكي.
حست بالخيبة، لكن ابتسمت وقالت:
- عمر.
- آه، انتي فين؟ ابقى أجيلك وبالمرة أشوف القصر اللي انتي فيه.
- أنا في الشغل.
قالت بصدمة:
- شغل؟ شغل إيه؟ انتي لسا في المطعم ده؟ هما سابينك تشتغلي؟
- لا، أنا اللي أصرت أكمل شغل.
- بدل ما تقعدي في الغنى اللي هناك، غاوية مرمطة. منا عارفاكي وفلست.
سكتت أفنان ومردتش. فقالت:
- طيب، لما تخلصي لو هتعرفي تيجي، تعالي.
- تمام، ماشي.
أنهت مكالمتها وبصت لتلفونها. تنهدت وأكملت عملها.
- أفنان.
جاءها هذا الصوت الرجولي من خلفها. لفت وتبدلت ملامحها كثيراً من ذلك الرجل واقف عند الباب، كان للتو قد دخل يرتدي معطف أسود وكان ذو ملامح هادئة.
- طارق.
قالتها أفنان بدهشة. ابتسم وقال:
- عاملة إيه؟
•
رواية ثأر القلوب الفصل التاسع 9 - بقلم نور
لفت انتباهها هذا الصوت الرجولي من خلفها.
التفتت وتبدلت ملامحها كثيراً.
من ذلك الرجل واقف عند الباب، كان قد دخل للتو يرتدي معطفاً أسود، وكان ذا ملامح هادئة.
"طارق؟"
قالتها أفنان بدهشة.
ابتسم وقال: "عاملة إيه؟"
صمتت.
جاءت مي سريعا: "أستاذ طارق، اتفاجأت لما عرفت إنك هنا."
مدت يدها وهي تسلم عليه باحترام.
فتبسم لها بامتنان وهدوء.
قالت شذى: "أفنان، قربي واقفه بعيد ليه؟ إلى قدامك ده مؤسس شركتنا، اللي مبنية على المطعم ده. رحبي بيه، دي أول مرة يجي لنا بنفسه."
سكتت أفنان وخفضت رأسها، ما كانت مصدقة أنها تراه.
نظر لها طارق.
قالت مي: "دي موظفة جديدة، متعرفش حضرتك لسه."
ابتسمت أفنان وقالت: "مستر طارق."
بصلها، رفعت عيناها وأردفت: "مشفتكش من زمان."
بادلها الابتسامة حين تحدث وقال: "فرحان إنك هنا."
نظرت لهم مي بشدة وقالت: "حضرتك تعرفها؟"
أومأ لها وهو يقول: "قبل ما أشتغل في المجال ده، كنت بدرس فرنسوي في مدرستها الثانوية. درستها نص سنة بس، وفي الحقيقة..."
نظر لأفنان التي ابتسمت بخجل ليكمل: "كانت بتحب ترفع إيدها عشان تجاوب على كل أسئلتي. كانت من الطلبة المتفوقين. أنا متفاجئ إني بعد السنين دي أقابلها وتكون موظفة في مطعمي."
نظر لأفنان ليكمل كلامه إليها: "شوفت اسمك في قائمة الموظفين، جيت أتأكد بنفسي وأشوف إنها أنتي. كنت عاوز نتعشى سوا، بس الوقت مش في صالحي، ناجلها المرة الجاية."
قالت بابتسامة: "أكيد."
اقتربت مي منه وقالت: "حضرتك مستعجل ليه؟ تحب أوصلك؟"
"ملوش داعي."
نظر لأفنان قليلاً ثم قال: "أشوفك المرة الجاية."
التفت وهو يذهب.
وأفنان معلقة عيناها عليه.
قربت شذى منها وقالت: "أفنان، أنتي محظوظة. إزاي تعرفيه؟"
كملت بحرج: "متزعليش مني على الأيام اللي فاتت، خلينا ننسى ونبقى صحاب، ماشي؟"
ابتسمت رغم عنها وهي تؤمئ إيجاباً.
قربت منها وقالت: "ينفع لو مش هضايقك تكلميه عني حلو؟ أنا مصيري متحكم فيكي، ماشي؟ أرجوكي."
تعجبت منها وهي مستغربة ومن إلحاحها.
لم تمتلك غير أن تؤمئ برأسها.
فابتسمت شذى وتركتها.
بصت أفنان على الباب وهي تتذكر دخوله.
تنهدت وذهبت.
***
في المساء، خرجت أفنان من الشغل باكراً وتوجهت لمنزلها القديم.
بعتت لهيثم رسالة تخبره أن لا يتوجه لعملها لأنها ذهبت لوالدته.
دخلت وهي تنظر حولها.
كان البيت فوضوياً.
"بعض الشغل..."
"أفناااان!"
نظرت على الصوت، وكان ولد في العاشرة يجلس.
مسك عكازه إلى جنبه وهو بيقف على رحل ويقفز من ساعدته ليسرع في أن يقترب منها.
ابتسمت وقالت: "منه، سريعا وحضنته."
وقع عكازه فبادلها العناق غير مبالٍ.
"حمد الله على السلامة يا بطل. أخيراً خرجت من المستشفى."
"كانت كئيبة ومبلاقيش حد يعقد معايا حتى أنتي. ولما رجعت ملاقيتكيش خالص، كنتي فين ده كله؟"
صمتت قليلاً.
تنهد وقال: "في بيت كده كنت قاعدة فيه، متقلقش عليا."
"بيت مين؟ تقصدي البيت اللي هننقل عليه؟"
بصتله باستغراب وقالت: "تنقلوا فين؟"
"ماما معرفتكيش إنها اشترت بيت كبير وجميل وهتاخدني فيه. قالت لي كده أول امبارح بحسبك عارفة وهشوفك هنا."
تصدمت.
قالت بصوت منخفض: "اشترته منين؟"
سألته عليها فأشار لها على أحد الغرف.
ابتسمت له.
أعطته عكازه وسندته إلى الأريكة.
قعدته برفق ومشيت راحت لأمها.
لقيتها بطبق هدوم وبتحطها في شنطة.
"ماما، صحيح اللي سمعته من عمر؟"
بصتلها وقالت: "إنتي جيتي؟"
قربت أفنان وقالت: "إحنا فعلاً هننقل لبيت تاني."
"آه."
"طب ليه؟"
"أنا متصلتش بيكي عشان تيجي وتقوليلي محاضرة."
"أنا مقصدتش، بس ليه هننقل الشقة دي؟ كفاية لينا وحلوة مش وحشة."
بصتلها بشدة وقالت بسخرية: "حلوة!! بنتي اتجوزت من مدير شركات عيلة زهران وعايزاني أعيش هنا. أنتي عايزة الناس يضحكوا علي."
سكتت أفنان وهي مش عارفة ترد ومضايقة.
"مش معنى إنك بقيتي من الطبقة اللي فوق هتيجي تحاسبيني. لولا لسه ما كنتيش اتجوزتي من هيثم وعائشة في قصر زي دلوقتي. يعني كل ده بفضلي."
"ماما، إيه اللي انتوا بتقولوه ده؟ أنا..."
قاطعتها وهي تقول: "بلا أنا بلا بتاع. تعرفي سعر العروسة بكام دلوقتي؟ ومنير بيه دفع لي مليون عليكي. والمبلغ كله اتحول لحسابي بعد ما تممتي جوازك منه."
تصدمت أفنان كثيراً مما قالته.
"م.. مليون؟"
"آه. أصل بصراحة لقيته عايزك لابنه أوي، فرفعت السعر لمليون وهو معترضش. 500 ألف خدتهم على العقد، ولما اتجوزتيه بقيت المبلغ دفعهولي."
شعرت بحرقة في أعينها وألم في أيسر صدرها وهي تنظر لوالدتها التي رفعت إصبعها في وجهها وقالت: "انتي مبقتيش من عيلتنا عشان تحاسبيني. انتي دلوقتي من عيلة زهران وبس."
"إنتي بتقولي إيه؟ أكيد بتهزري يعني إيه مبقتش من العيلة."
"ابعدي من طريقي، عطلتيني."
جت تكمل، مسكت أفنان إيدها وقالت: "الفلوس لسه معاكي صح؟ أوعي تكوني اشتريتي البيت ده منهم. قولتلك متتصرفيش حاجة من الفلوس اللي دفعوها فيا عشان هيجي يوم وهرجعهم لهم."
فلتت إيدها بضيق وقالت: "عرفت ليه دلوقتي محدش كان بيحبك من وإنتي صغيرة؟ لأنك ناكرة للجميل. لو كنت أعرف إنك هتبقي كده، ما كنت خلفتك أصلاً بسبب إنك بتفكري في غيرك. خليكي في نفسك أحسن."
سالت دمعة من عينها من آخر جملة.
بصقتها في وجهها: "اسمعي كويس يا أفنان، أنا بعتك لعيلة زهران بمليون جنيه. لو اتجرأتي إنك تنفصلي عن هيثم أو حتى تفكري في الطلاق، لا انتي بنتي ولا أنا أعرفك. وأخوكي مش هتشوفيه طول عمرك."
استوقفت أفنان كلمة وقالت بصوت مبحوح: "قولتي إيه؟ بعتيني؟"
أدارت أمها وجهها بلا مبالاة.
فقالت أفنان بغضب: "تقصدي إيه بكلامك؟ بعتيني يا ماما لعيلة زهران؟"
"آه. أنا ربيتك كل السنين دي وده حقي. أقل حاجة تعمليها."
"حقك؟!!!"
قالتها أفنان بصدمة.
لم تبالي.
بصت لها بخزي وهي بتمسك نفسها من العياط ومشيت سريعا.
كان عمر واقف عند باب الأوضة وبص لأخته وهي بتخرج.
وحزن.
بص لوالدته التي لاحظته، خافت يكون سمع.
قالت: "عمر؟"
أدار بوجهه وسند على عكازه ومشيا.
***
وقف هيثم بسيارته وهو يصفها، وكان عند منزل والدتها.
"بقيت السواق الخاص بتاعك."
تنهد وفتح الباب وهو ينزل، بس وقف لما شاف أفنان بتخرج وبتمشي ومنزلة وشها.
بصت له وشافته.
فلاحظ هيثم وشها الغريب، بس هي نزلته تاني ومشيت.
راح لها قال ليوقفها: "أفنان."
مردتيش وبتكمل زي ما يكون بتهرب منه.
بس مسك إيدها وقال: "هنا مش بكلمك."
لفته بعصبية، بس زال غضبه لما شاف وشها الأحمر ودموعها وجسدها اللي بينفض بحزن وتحاول تتحكم فيه.
"مالك؟ في حد ضايقك تاني؟"
سكتت، بس بصت في عينه وقالت: "هيثم..."
كانت مش عارفة تتكلم بسبب عياطها.
أردفت: "م.. ماما قالت لي إنها بعتني ليك."
خرجت كلماتها بصعوبة، ثم عادت لبكائها بانهيار.
بصلها هيثم ولم تتبدل ملامحه.
قرب إيده منها بتردد وهو يضمها ليه.
فعيطت وهي بتخبي وشها في صدره، وكأنها تطلق العنان لدموعها.
وهيثم متوتر من قربها وبكائها اللي يسمعه.
رفع إيده بتردد، لكن ربت عليها لتهدأ.
"اهدئي."
قالها بحنان شعرت به لأول مرة معه، فتوقفت تدريجياً وهي تهدأ.
"إنت ابعد عنها."
اسمعوا ذلك الصوت.
بعدت أفنان قليلاً.
وبص هيثم وشاف عمر اللي كان في كامل غضبه.
"إزاي تتجرأ وتحضنها؟ شيل إيدك من عليها عشان مموتكش."
استغرب هيثم كثيراً من ذلك الطفل.
بص لأفنان لتفسر، لكن عمر اقترب وبعده عنها وقال: "عمال تبصلها كمان، شكلك ما بتفهمش."
بصت أفنان لعمر بشدة، وبصت له اللي ملامحه اتحولت لبرود.
فقالت: "عمر، عيب كده."
"بس يا أفنان، إنتي طيبة. أنا عارف النوع ده كويس."
قال منها وهمس لها في أذنها: "باين عليه شرير."
ابتسمت ابتسامة خفيفة ودموعها لسه موجودة.
قالت: "لا مش شرير. يلا اعتذر منه."
قال بصدمة: "اعتذر من مين؟ مين ده أصلاً؟ أنا أول مرة أشوفه معاكي."
"جوزها."
قالها هيثم وهو يتقدم منه.
بص له عمر وجده ينحني أمامه ويقول: "ينفع أنا أعرف إنت مين عشان تبعدني عن مراتي كده؟"
بصت له أفنان من هذا اللقب اللي قاله عليها.
أما عمر فصدم وافتكر حديث والدته وأفنان.
قال: "إنت جوزها اللي بتخليها تعيط؟"
بصت له هيثم قال بتساؤل: "هي عيطت بسببى؟"
كانت أفنان هتتكلم، لكن عمر قال: "آه. والسبب في إنها وماما يتخانقوا. إنت اللي خدتها مننا وحبستها في بيتك هناك. مش هتاخدها تاني. أنا اللي هقفلك."
قالها وهو بيحضن ساقاى أفنان وبيقفله وينظر إلى هيثم ببغض.
قال أفنان بهدوء: "عمر، مفيش حد حبسني. متتكلمش مع اللي أكبر منك كده."
"بس يا أفنان، ده..."
"اعتذر منه."
تضايق.
بصلها فقالت: "عشاني."
بص لهيثم ثم أدار وجهه وقال: "أنا آسف."
بص لافنان وأردف: "كده حلو، مش زعلانة مني؟"
نفيت برأسها بابتسامة لطيفة.
نظر عمر إلى هيثم وقال بتحذير: "متقربش منها تاني."
"نعم؟!"
"وميزعلهاش عشان هي طيبة وبتسكت، بس أنا مش كده. لو فكرت تضايقها أخوها اللي هيوقفك."
كان هيثم هادئ وهو باصص في عين ذلك الصغير اللي تتحداه وتحذيره إليه.
"مش هيحصل."
كان هذا رد هيثم.
بصت له أفنان فقال: "حبيت غيرتك على أختك، بس مش معايا."
وقف وهو يردف بإبتسامة: "تقدر تطمن، أنا مش شرير أوي عشان أذيها."
"هحاول."
لف عمر وبص لافنان قال: "كنتي خارجة تعيطي ليه؟ حتى ما سلمتيش عليا."
فحاولت توقفه.
ابتسمت وقالت: "لا معيطتش. مكنش لسه لزوم تنزل."
بصلها عمر قرب منها ومسح عينه، فكانت هناك دمعة بعينها.
فقال: "أمال إيه ده؟"
رفعت عيناها وهي تبتسم وتأخذ شهيقاً وتقول: "لا ده حاجة دخلت في عيني. متشغلش بالك. يلا ارجع."
"هتيجي تاني، مش كده؟"
"إن شاء الله."
بصلها هيثم وهي تبتسم وكيف كذبت عليه بشأن بكائها.
"هستناكي."
ومات له خدها.
هيثم ومشيو.
بس بص لعمر وجدها ينظر له بحدة.
فبص قدامه: "إيه الطفل ده؟"
ابتسمت وقهقهت بخفة منها.
بص له هيثم وقال: "عجيب زي أخته."
"مالها أخته؟"
بص في عينها قال بهيام: "صدقيني لو أعرف هقولك."
سكتت أفنان لما بصت له.
هي كمان بصت قدامها ومتكلمتش.
***
كانت أفنان قاعدة في البلكونة رافعة رجليها وهي تضمهم وباصة للسماء.
سالت دمعة من عينها.
سمعت صوت.
بصت لهيثم اللي دخل.
فخفضت وجهها.
قرب منها.
اعتدلت في جلستها.
مد إيده ليها بفنجان.
"قلت أعملك قهوة معاك عشان بتحبيها."
خدتها منه.
قعد جنبها.
بصتله أفنان قالت: "هيثم."
"همم."
بمعنى نعم.
فقالت: "ممكن منتطلقش دلوقتي؟"
بصلها من نبرتها قال: "ليه؟"
"خايفة إن لما نتطلق مقدرش أشوف ماما وأخويا تاني."
استغرب لأنها لا تزال تدعوها بأمي.
بصت له وهي تكبح دموعها وقالت: "هي ماما بعتني فعلاً ليك؟"
يصلها.
وهي تعود للبكاء.
لا يعلم لما يضعف أمام بكائها.
قال بجدية: "إحنا في القرن الواحد والعشرين. التجارة في البشر ممنوعة قانونياً. يعني إنتي مبعتيش يا أفنان. وحتى لو... ما يناسبكيش إنك تكوني مرات هيثم زهران."
بصت له.
نظر أمامه وقال: "اشربي قهوتك قبل ما تبرد."
أومأت له وشربت.
شربت.
بصلها هيثم وقال: "اتعلمي إنك تتمالكي نفسك قدام أي موقف يحصلك، عشان تقدري تحرري اللي خانك. بلاش تكوني ضعيفة ودمعتك قريبة. قلت لك ده بيفرحهم فيكي."
"آه أنا ضعيفة."
قالتها بانفعال من بين دموعها.
وكملت: "مبعرفش أتمالك نفسي زيكوا. مبحسش غير ودموعي هي اللي بتسبقني. حاولت أتغير ومكنش كده، بس استسلمت وعرفت إني أحسن كتير من ناس غيري. مفيش حد عاجبه حاله يا هيثم، لا إنت ولا أنا."
بصلها.
كملت: "عايزة أكون واحدة بتشتغل في مطعم بس. بدام حياتي عادية فأنا ممنولة."
"عندك خيار تاني. لو حصل حاجة تاني..."
قرب منها.
مسح دمعتها.
بصت له.
قال: "اتصلي بيا."
أومأت له بالطاعة.
بعد وجهه.
يقوم.
مسكت إيده.
بصلها.
سابت إيده بخجل وقالت: "عرفت إنك قلت لباباك إنك تممت جوازك مني."
"لو مكنتش قلت كده كان خلاني أتممه، لأنه كان باين إنه مهتم بالموضوع."
أومأت له بتفهم.
قالت: "شكراً."
شعر بنبضة غريبة في قلبه، لكن تجاهلها وذهب.
نزل هيثم وتوجه لغرفة المعيشة.
شافه حمزة ولؤي.
قال: "كنا لسه جايلك."
"في حاجة؟"
"آه. النهاردة يوم الأربع. يلا."
استغرب، لكن فهم وقال: "مش فايق دلوقتي."
قال لؤي: "خايف تخسر. بقالك كتير ملعبتش يا هيثم، مش كده؟"
قال حمزة: "مبلااش تستفزه. آخر مرة خلى شكلنا وحش."
مشي هيثم وسابهم وهو غير مبالي.
قال حمزة بصوت مرتفع: "قولت إيه؟"
"يوم تاني. مش فاضيلكو."
***
كان منير جالس في غرفته.
سمع صوت.
نظر ناحية الباب.
شاف هيثم.
اتفاجأ من مجيئه.
"جاي لي أوضتي مرة واحدة. ما عملتهاش وإنت صغير، يعني."
دخل هيثم، قعد وبصله وقال: "عايز أسألك على حاجة. ويا ريت تجاوبني."
استغرب.
أردف هيثم: "بالنسبة لعقد جوازي أنا وأفنان."
"ماله؟"
"الاتفاق مع عيلتها كان إزاي؟"
ابتسم.
حط كتابه جانباً وقال: "شايفك بقيت تهتم بمراتك."
تنهد هيثم بلا مبالاة.
فقال منير: "لما بعت حد يعرض فكرة الزواج، والدتها طلبت نص مليون فيها، لما عرفت إني أنا اللي طلبتها وهتتخلى عن أفنان إنها بنتها."
تضايق هيثم.
كمل منير بجدية: "بمعنى تاني، لو مش إنت اللي اتجوزتها، كانت والدتها هتبيعها لراجل تاني يدفع لها فلوس فيها. واحد مش كويس أو كبير في السن، مش هتردد في إنها تديهاله مقابل الفلوس اللي هتدفعها."
"في أي حاجة تثبت الكلام ده؟"
"آه. عقد ضمان على كلامها إنها متتعرضلهاش تاني."
"ابعت لي نسخة."
قالها هيثم وهو يقف ويذهب.
لكن توقف.
نظر إلى الكتاب اللي جنب والده.
قال: "لسه الكتاب ده معاك بتقرأ فيه؟ أوقات بسأل نفسي، قريته كام مرة؟"
"ممكن يجي يوم وتعرف الإجابة."
قالها بابتسامة خفيفة.
بصله هيثم شوية ثم ذهب وتركه.
***
دخل يحيى أوضته.
بصت له أفنان.
خد معطفه ومشي.
"إنت خارج؟"
لم يرد عليها.
استغربت.
نزل هيثم.
خد عربيته ومشي.
ثم توقف عند بيت.
ترجل وتقدم منه.
كانت آمال قاعدة.
سمعت صوت الجرس: "مين اللي هيجي دلوقتي؟"
راحت وفتحت واتفاجأت لما لقته هيثم.
ابتسمت وقالت: "هيثم، اتفضل..."
دخل دوو أن يعيرها اهتمام.
قفل الباب وتبعته.
قالت: "جيت بعربيتك لهنا، مش كده؟"
قعد ببرود وقال: "متناديش بهيثم وتشيل لي الألقاب. إحنا منعرفش بعض ولا قرايب. ثم إني مجتش هنا لزيارتك."
"تيجي في أي وقت يا ابني."
"متقولش ابني."
قالها بعصبية وهو يرفع إصبعه في وجهها.
بتحذير.
خافت من تحوله ومتكلمتش.
"إنتي مضيتي عقد مع منير."
أومأت له.
فرفع عينيه وقال: "يعني عارفة إني لو طلقت أفنان، المبلغ اللي خدتيه مني هيرجع لي."
بصت له بصدمة.
خافت.
وقربت منه وقالت: "عارفة، عشان كده قولت لها إنها متطلقش منك."
قاطعها صوته الحاد وهو يقول: "ده قرارها هي مش قرارك. هي مش عارفة تنفصل عني عشان إنتي هددتيها. بس أنا أقدر أطلقها دلوقتي قبل بكرة."
بصت له بشدة.
قرب منه وقال ببرود: "بمعنى تاني، أنا أقدر أدمر لك حياتك الغنية في أي وقت."
بلعت ريقها.
وقف وعدل معطفه وقال: "من الأفضل تعتذري لها عشان إنتي متعرفيش أنا ممكن أعمل إيه."
مشي ويتركها تطالعه حتى تنهدت حين ذهب.
***
دخل هيثم الأوضة بعد ما رجع على الفجر.
لقى أفنان نايمة.
بص على النافذة.
أضايق عشان كانت مفتوحة وبيدخل هوا.
قرب منها.
بصلها.
كان ضوء القمر الخافت يسقط على وجهها من بين هذا الظلام الدامس.
راح قفله.
بس حس بشيء.
لف.
كانت تصدر صوت أنين.
وقف عندها.
كانت تعتصر عيناها وشعرها اللي على وجهها مبتل من عرقها المتسرب على جبهتها.
تعجب.
انحنى إليها وهو يجلس على قدماه مقابل وجهها.
كان باين إنها بتحلم.
بل ترى كابوساً وتعافر منه.
"أفنان."
ناداها ليفيقها.
قرب إيده من كتفها ليهزها برفق.
لكنها احتضنت ذراعه.
اتتفاجأ جداً.
حس برعشتها وخوفها.
تنهد.
وجه يسحب ذراعه.
حس بحرارة غريبة.
قرب ضهر إيده من رقبتها وشاف حرارتها عالية.
سحب إيده بهدوء.
ومشيحط هيثم كمادات على راسها وهو يأخذ حرارتها.
كان جالس بجانبها.
قرب إيد بتردد من الدريس.
فتح إزاره وهو يبعد عينه.
ظهر عنقها كاملاً.
عدلها وهو بيعقدها عشان يديها دوا.
لكنها مالت عليه لثقل جسدها.
كانت نائمة على نفسها.
بصلها هيثم بشدة.
جمع قبضته بتوتر من قربها ونبضات قلبه هذه اللي بتضايقه.
قرب إيده منه.
مسكها من كتفها وهو يبعدها عنها.
بصلها وهي نايمة.
نظر إلى شفتيها.
رفع إيده وأزاح شعرها بعيداً عن وجهها وهو يلمس بشرتها وينزل إلى عنقها.
بشرتها الناعمة.
كانت ملامحها منهم، لكن جميلة.
اقترب منها و...
***
في الصباح، فتحت أفنان عيناها.
بصت حواليها وتوقفت عندما رأت هيثم قريب منها ونايم عندها.
تفاجأت من نومته هذه.
حست بحاجة على دماغها.
رفعت عيناها وشافت الكمادة الطبية.
استغربت.
بصت على الكمود كان هناك غيرها.
مدت إيدها وهي بتشيل اللي على دماغها.
بس لقت دراعها عاري.
بصت على نفسها.
رفعت الغطا واتصدمت.
فكانت بقميصها وجسدها مكشوف.
انتفضت من مكانها سريعا.
صحى هيثم من حركتها.
"إنت عملت إيه؟"
قالتها أفنان بخوف وهي رافعة اللحاف على جسمها بتخبيه.
يصلها هيثم: "أنا... وإنتي... امبارح."
"بتحاولي تقولي إيه؟"
تضايقت وقالت: "امبارح.. حصل حاجة.. أقصد..."
كانت تقطع ومش عارفة تتكلم من خجلها وغصبها في ذات الوقت.
"آه.. فيها حاجة؟"
قالها هيثم ببرود.
بصتله بشدة وصرخت وهي بتقول: "إنت معندكش حيا وواحد حقير."
رمته بالمخدة واردفت: "سمعتني يا هيثم؟ إنت ندل يا عديم الحياء. بتقولهالي في وشي."
كانت بترمي باى حاجة جنبها وتصرخ في وجهه.
مسك إيدها ورماها على السرير وهو يعتليها.
بصتله بصدمة.
"أنا عملت لك معروف. متبقيش ناكرة للجميل."
تضايقت كثيراً وحاولت تفلت إيده، لكنه اشتد عليها وقال: "ثم إننا متجوزين، يعني الموضوع عادي ومعملتش حاجة غلط."
"سيبني."
"عشان تضربيني؟"
زمت شفتيها وقالت بضيق: "مش هضربك."
بصلها وهو ينظر إلى جسدها بجرأة.
قال: "عشان أكون صريح معاك، كنت بحاول أغض بصري عنك امبارح عشانى مش عشانك."
استغربت من قاله.
أردف: "بس إنتي دلوقتي اللي ظهرتي نفسك لي."
اتوترت من لمسته وقربه منه.
خفضت عينها.
قالت: "إيه اللي حصل امبارح؟"
"عايزة تعرفي؟"
أومأت له.
فقال: "بما إني جوزك، غيرت لك لبسك."
بصتله بشدة.
سار بيده على جسدها بجرأة.
قال بخبث: "ومسحت جسمك.. بتهيأ لي منير مش وحش لدرجة عشان جوزنا بقيت شايف الموضوع ده لصالحي أنا."
تصدمت أفنان.
رفع عينه إليه وكانت متضايقة منه.
قرب إيده من جبهتها.
بصت له.
قال بلهجته الاعتيادية: "بقيتي أحسن."
استغربت.
بعد وقال: "كنت بسحب حرارتك امبارح. ده كل اللي عملته."
"بس؟"
قالتها بقلق وشك.
بصلها.
من طفولتها.
قرب منه.
خافت ورجعت وشها.
همس في أذنها: "بس."
ابتسم ثم ابتعد عنها.
بصت له وهو بيمشي.
زفرت بضيق ورفعت اللحاف على وجهها.
***
نزلت أفنان.
شافت حتى قاعدة.
ابتسمت لها.
فبادلتها وقعدت معاها.
قالت: "هيثم لسه مصحيش؟"
"لا صحي لي."
"عادي مجرد سؤال.. قولي لي رأيك في اللوحة دي."
بصت لها.
قربت التلفون منها وكانت فاتحة موقع وبتوريها رسمة.
كانت جميلة.
قالت: "عايزة أجيبها أحطها في أوضتي. يميل للفن ده أوي."
"جميلة."
"بجد؟ خلاص أجيبها."
قالتها جنى بمرح.
بصت أفنان على شيء.
بصت لها جنى إلى ما تنظر إليه.
قالت: "عاجباكي؟"
كانت أفنان تنظر إلى مرآة.
فقالت: "في الأوضة مفيش مرايات."
اتصدمت جنى وقالت: "أوضتك فيهاش مراية؟"
"فيها بس الدولاب بتاعي مراية خاصة. غير كده لا. متقلقيش، العيب مش في القصر ولا حاجة. حتى لما كنت عايشة مع هيثم في بيته، كنتي تلاحظي إن قليل أوي لما التقي مرايات."
صمتت قليلاً بتفكير.
ثم قالت: "هو ملبوس؟"
قهقهت جنى وقالت: "يخربيتك ملبوس إيه بس؟"
"أمال إيه؟ أكيد مش بيخاف من المرايات. بكون عايزة أسأله بيعدل لبسه ويكون كده إزاي."
"مش كده."
قالتها جنى وهي ترفع حاجبها.
بصت لها أفنان بشدة.
فكملت: "ابن عمي وأنا عارفة. كان صحابي كلهم عايزين يرتبطوا بيه لما جه مرة مدرستي زمان."
قالت أفنان بضيق: "من حلاوته؟"
"هتنكري؟"
قالتها جنى بمكر.
توترت أفنان وصمتت.
ابتسمت جنى عليها.
"آه وبصت على ما تقصده. وجدت هيثم كان يتحدث في الهاتف. قربت منها وقالت: "خلي بالك بقا لواحدة تاخده منك."
"مش فاهمة."
"يعني بكسوفك ده لا هتقدمي ولا تأخري."
ابتسمت وقالت: "مفتكرش. بحس في ابن عمك بينفرهم منه."
"دي حقيقة. هو مبيهتمش بأي واحدة. وده السبب في إني عايزة أعرفك إنك تخليه يتجوزك ويحبك بسرعة أوي. إنتي عملتي معجزة والله. محنا عارفين حصلت إزاي."
"ليه شايفين جوازه صعب أوي كده؟"
"عشان كانت حاجة شبه مستحيلة في هيثم إنه يعيدها تاني."
بصت لها.
قالت بإستدراك: "إنه يتجوز؟!"
أومأت لها إيجاباً وصمتت.
لم تتحدث ثاني.
قالت أفنان: "إنتي تعرفي حاجة عن هايدي مراته الأولى؟"
بصت لها من ذكر الاسم.
قالت: "آه. كل اللي أقدر أقولهولك إن هيثم كان بيحبها أوي. أي حاجة متعلقة بماضي هيثم هتلاقيها مرتبطة بحاضره اللي هو دلوقتي. اللي يقول لك غير كده يبقى بيضحك عليكي."
أومأت لها وقالت: "ده بردو اللي أنا شايفاه."
***
في الشركة، كان هيثم في مكتبه.
دخلت أحد موظفينه.
وضعت أوراقه على مكتبه وحدثته عن الشغل.
لكنه كان مشوش.
قال: "سامر مجاش انهارده؟"
نفيت برأسها بمعنى لا.
أومأ لها وقال: "ترجعي لشغلك."
أومأت بالطاعة وخرجت وتركته.
بص على تلفونه وافتكر كلامه معه آخر حين أخبره أنه مطرود.
***
كانت أفنان تشتري بعض الحاجيات.
لكن توقفت حين سمعت صوت.
لفت.
لقت فتاة صغيرة تركض بمرح.
وكانت امرأة تناديها والفتاة لا تصغي إليه.
بصت على إشارة المرور.
وجدتها تتحول للأحمر.
السيارات تتحرك.
فأسرعت.
امسكت يدها وسحبتها.
وكانت سيارة قد ذهبت.
فكادت أن تصدمها.
كانت أفنان تمسكها بشدة.
بعدت عنها وبصتلها.
كانت الصغيرة بخير.
"آيسل!"
بصوا على الصوت.
كانت المرأة سحبتها إليها وهي تعانقها بقلق.
بصتلها أفنان.
بعدت عنها وقالت: "قولت لك متسبيش إيدي."
"أنا آسفة يا ماما."
"متعمليش كده تاني."
أومأت لها بالطاعة بأسف.
عرفت أفنان أن تلك المرأة والدتها.
كانت جميلة.
مسيبة شعرها كان أسفل كتفيها وترتدي لبس كلاسيكي.
وقفت وبصت لها.
قالت بابتسامة: "شكراً. مش عارف أقول لك إيه."
ابتسمت وقالت: "معملتش حاجة. خلي بالك المرة الجاية."
"هي بس بتتشقى شوية."
بصت أفنان للصغيرة.
ابتسمت وقالت: "آيسل مش كده؟... بلاش تتعبى ماما تاني."
ابتسمتلها ببرائة وهي تؤمئ لها.
ابتسمت أفنان لها.
أخذتها والدتها وأخبرتها أن تشاور لها.
فلوحت لها بيدها الصغيرة.
فبادلتها أفنان.
وهي تبتعد.
تركب سيارتها ويغادرو.
***
وفي المساء، كانت أفنان مع هيثم في سيارته.
قال: "بتفكري في إيه؟"
"موقف حصل النهاردة."
استغرب قال: "تقدري تحكيه؟"
"هتسمعني ولا هكون رغاي؟"
ابتسم من تذمرها عليه وهي تذكره باليوم اللي جائت فيه الشركة.
قال: "هسمعك."
ردت عليه ما حصل.
وتلك الصغيرة.
ابتسمت وقالت: "مش عارفة ليه حسيت نفسي عملت عمل خارق زي الكرتون كده. عارفة."
كان هيثم صامت.
بصت له أفنان.
قالت: "مالك؟"
"لو كان حصلك حاجة."
صمتت وهي مندهشة.
ابتسمت وقالت ببلاهة: "لا متقولش إنك قلقان عليا."
يصلها ببرود.
فصمتت.
هل يتحدث بجدية؟ هل قلق عليها؟
قالت: "كان لازم أعمل كده. عيلة صغيرة."
"خدي بالك المرة الجاية."
لا تعلم لما تشعر بالسعادة.
أومأت له بالطاعة.
لأول مرة من قلبها.
***
في اليوم التالي في الشغل، كانت أفنان مش مرتاحة.
كانت شذى قريبة منها من امبارح اليوم بأكمله وهي تحاول تتجاهلها.
"أفنان، وشك أصفر ليه؟"
قالتها وهي تقترب منها.
وقفتها وقالت: "أنا كويسة. مفيش حاجة. الجو حر بس."
"حر؟ ده إحنا في الشتا."
"أنا بتحرر في الأوقات كلها."
فلتتها وهي تذهب.
فتبعتها وقالت: "صحيح، بمناسبة امبارح، مدحتيني مع أستاذ طارق؟"
مردتش أفنان وهي بتحاول تشغل نفسها.
"سمعت إنه هيجي يقيم الموظفين. واحتمال كبير نبقى موظفين بدوام كامل. لو هو اللي هيقيم، أكيد هيختارنا، مش كده؟"
أومأت أفنان لها.
رن تلفونها.
استغلت الأمر وفرت من أمامها.
تنهدت حين خرجت.
بصت لقت الاتصال من أمها.
فتبدل وجهها لحزن من تذكر البارحة.
ردت عليها: "إيه يا أفنان، عاملة إيه يا حبيبتي؟"
استغربت لكن دمعت عينها.
قالت: "ماما، بحسبك مش هتتصلي بيا تاني."
"أكيد لا. إنتي بنتي. أي كان خناقة أول امبارح، متزعليش مني. عارفة إني بالغت. مكنش ينفع أقولك كده. أنا آسفة يا أفنان."
ابتسمت ومسحت دمعتها ببرائة وقالت: "محصلش حاجة يا ماما. أنا مش زعلانة منك."
"بجد؟"
"آه. صدقيني نسيت الموضوع أصلاً."
"ماشي يا حبيبتي. خلي بالك من نفسك."
"حاضر."
قالتها بسعادة وهي تقفل الهاتف وتذهب.
***
رجع هيثم.
قابل جنى.
ابتسمت له وقالت: "هيثم، جيت."
"أفنان رجعت؟"
"آه. جت بدري انهاردة. كان باين عليها إنها فرحانة."
استغرب.
أومأ له وذهب.
توجه إلى طابقه.
وصل لجناحه ودخل.
وقف فجأة.
وجد أفنان بتحاول توصل إلى سوى الدريس.
وشعرها المبتل يختلط بوجهها كأنها قد خرجت للتو من الحمام.
بصت واتصدمت لما شافته.
لفت علطول وهي بتخبي ضهرها.
قالت: "إنت هنا من امتى؟"
"أهدى. مالك؟"
قالها وهو يدخل ويقول الباب.
اقترب منها وهو يخلع معطفه.
بصت له ورجعت لورا بقلق وهو يقترب.
لكن تفاجأت حين وجدته يعلق معطفه ويذهب.
حست بالحرج.
"رجعتي بدري انهاردة."
أومأت له وهي تتذكر.
ثم ابتسمت.
قرب منه وقالت: "عارف مين اللي اتصل بيا انهاردة؟"
بصلها باستغراب من اقترابها.
كان يخلع ساعته.
كملت بسعادة: "ماما.. اعتذرت لي. خافت أكون زعلانة منها."
رأى مساعدتها الظاهرة عليها بالفعل.
قال: "وإنتي رأيك إيه؟"
"أكيد مش هزعل منها."
"بعد اللي عملته؟"
"هي مش وحشة لدرجة. أياً كان هي أمي، أكيد مقصدتش."
قالتها بضيق وهي تدافع عنها قدر الإمكان.
لم يبالي هيثم.
وجد كتف الفستان ينزلق من عليها ويظهر كتفها.
بصت له من نظراته ليها.
عدلته عليها.
وكانت خايفة تلف ضهرها يبان.
"أساعدك؟"
قالها بعرض للمساعدة.
بصت له شوية بحرج.
لكن أومأت له إيجاباً.
قرب منها ولفها.
فظهر ظهرها إليه.
أحس بهالة من التوتر وهو يراها هكذا.
شعرها وقطرات المياه التي تنزلق على ظهرها.
تنهد وهو يستجمع قواه.
رفع السوستة.
أحست أفنان بأنامله وهي تلمسها.
وكان يشعر بنعومة بشرتها.
بعدما انتهى، نزل بيده على ذراعيها.
ارتفعت نبضات قلبها والدماء يتصاعد لوجنتها.
لفها هيثم ليه.
بصت له أفنان.
رأى توترها.
لكن الضعف كان يحتله.
نظر إلى شفتاها.
قرب إيده من وشها وهو يقترب منها.
بصت له بشدة.
غمضت عينها باستجابة.
لكن شيئاً ما صاح داخلها بأن ما تفعله خطأ.
فهو غير دائم لها.
إنها لحظة ضعف شهوانية لا غير.
لا يشعر مثلما هي تشعر.
لا يجب أن تدمر نفسها بهذا الزواج المزيف.
حست بملامسة شفتاه.
فتحت عينيها وبعدت عنه على الفور.
يصلها هيثم من ابتعادها: "مينفعش."
استغرب.
قرب منها وقال: "هو إيه ده اللي مينفعش؟"
كانت تخفض عيناها.
مشيت دون أن ترد عليه.
مسك إيدها وقال: "لما أكلمك متمشيش وتسبيني."
بصت له من إيده.
قالت: "هيثم."
"بعدتي ليه؟ إيه اللي حصل خلاكي تبعدي كده؟"
هل يسألها حقاً؟
ألا يعلم أن هذا خطأ؟
وهم يعلمون أن علاقتهم نافية لا محالة.
وجدته يقربها منه.
قالت: "هيثم."
"ليه كان طلبك إني مقربلكيش وميكونش في بينا تواصل جسدي؟ ليه كل الحواجز اللي حطتيها دي؟ حتى السرير فصلناه. إيه السبب إنك تقومي مفزوعة زي امبارح؟ إن يكون في حاجة حصلت بينا؟"
صمتت.
فتضايق من صمتها.
ضغط على إيدها وقال: "ساكتة ليه؟"
بصت لايده اللي بتوجعها.
قالت: "هيثم سيبني. أنا مش عايزة وخلاص."
"ليه مش عايزة؟ مفيش واحدة قالت لي لأ. ليه إنتي ترفضيني؟ ليه مبتضعفيش زيهم؟"
"قولت لك أنا مش زي الزبالة اللي تعرفهم."
"بس إنتي تبقي مراتي، يعني عادي."
"على الورق."
"وفي الحقيقة... اعترافك إن جوازنا مزيف. أنا ممكن أخليه لك حقيقة."
بصت له بشدة.
قال: "بس أنا مش عايز بسببك. إيه اللي يخليكي ترفضيني؟ إيه الـ... إلا بقى لو كان فيكي حاجة خايفة أعرفها."
بصت له بصدمة شديدة وعينها دمعت.
قالت: "إنت بتقول إيه؟"
"ليه بتخافي إني أقرب لك؟"
كانت مصدومة من اللي بيقوله.
قالت بخذلان وحزن: "قال بغضب: "إنتي اتجننتي في عقلك؟ سيبني بقى."
اشتد على إيدها حين حاولت إفلاتها.
قال ببرود: "إنتي مين يا أفنان؟ مين إنتي؟ ليه اتجوزتك؟ وليه مش عارف أمسك؟"
بصت له بحنق.
قالت: "ابعد عني.. ابعد."
"مش قبل ما تجاوبي."
صرخت في وجهه بغضب شديد وهي تقول: "مش هجاوب. فكر فيا زي ما تحب، ما يهمنيش."
ضغط على جامد.
حست إنها هتتكسر.
وقال: "بس أنا يهمني. يهمني أوي، لأنك مراتي."
"على الورق وهفضل أفاكرك. عايزني أخليك تقرب لي واحنا جوازنا مزيف أصلاً وطلاقنا هو اللي مؤكد. كل اللي إنت عايزه إنك تشبع رغباتك كرجل، مش كده؟"
بصلها بشدة.
فهل هذا ما فهمته؟
أنه لم يضعف لامرأة غيرها.
لم يضعف من زمن إلا لها هي فقط.
وهذا ما يضايقه ويغضبه كثيراً.
"بس أنا مش هعمل اللي إنت عايزه يا هيثم. سمعتني؟ روح للي بيضعفوا لك وخد اللي عايزه منهم وسيبني. هديلك حاجة مش بتاعتك ليه لمجرد نزوة؟ هتسيب لي أثر في حياتي أنا."
أحمرت عينه بغضب وبرزت عروقه.
خافت أفنان من شكله، فهي لا تعلم كيف ألقت كلماتها عليه وكيف عواقبها.
مسكها من عنقها.
اختنقت أفنان.
مسكت إيده.
قالت: "هيثم."
حاولت تبعده عنها.
دفعها للحائط وهو ملتصق بها يقبض عليها أكثر فاختنقت.
"إيه ده اللي مش بتاعتي؟ أمال بتعات مين ها؟"
كانت تبص لشكله وبتختنق.
ليكمل: "مين اللي هياخدك بدالي ومستنياه أوي كده؟ حبيب القلب مش كده؟ إنتي زيها. كلكم صنف وسخ. مش هسمح لك تقت*ليني إنتي كمان."
اختنقت وسالت دمعة من عينها.
بصلها وفاق.
دفعها بعيداً عنه فوقعت على السرير وسعلت بتألم.
"اطلعي برا."
قالها هيثم بغضب.
بصت له من شكله المخيف.
وهو نظر إلى المرآة التي امامه ولاحظها للتو.
بص إلى شكله.
رجعت أفنان لورا بخوف واتصدمت حين وجدته ضرب المرآة بقبضته وتهششت من قوته.
شهقت بخوف.
بل وجدته يوجه ضربة أخرى والد*م يسيل منه ويتساقط.
"برااا."
حذف الكمود ليتكسر كل ما عليه.
اتصدمت وحطت إيدها على ودنها وعينها مدمعة ومرعوبة.
وقفت بصعوبة وساقيها لا تتحملها.
كادت أن تقع، لكن أسندت نفسها وخرجت من الغرفة كأنها تهرب من ذلك الوحش الذي خلفها.
نظر الجميع إليها وهي بتجرى ومن شكلها حتى لا ترتدي حجابها.
قالت فاطمة: "أفنان، مالك؟"
"مش هقدر أعيش معاه. مش هقدر أكون معاه لحظة واحدة."
قالتها وهي تركض من غير ما تتظر لهم.
ابتسمت ريم بسعادة وهم مش فاهمين حاجة.
وابتلت ملامح منير.
قال: "هيثم."
صعد سريعا فتبعوه.
طرق الباب.
قال: "هيثم، إنت كويس؟"
لم يأتيه رد.
قال حمزة: "ممكن مشكلة بينهم."
قال لؤي: "مشكلة هتخرجها كده؟"
قال محمد بغضب: "ما تسكت منك ليه؟"
صمتوا حين كال الصمت.
ومنير لم يأخذ رد.
لم ينتظر منير أكثر، ثم فتح الباب ودخل سريعا.
ومنع أحد أن يدخل سواه.
لكن توقف حين رأى هيثم كان واقف ويعطيه ظهره والغرفة مبهدبة.
كان في إعصار دمرها.
بص على المراية المتهشمة.
لاحظ حاجة وكأنها ملطخة بالد*م.
اتخض.
جه يقرب منه.
"اخرج."
قالها هيثم بصوت هادئ متراخي وهو يوقفه.
بصله منير.
قال: "إنت كويس؟"
"شايفني بشد في شعري.. اخرج. مش عايز أشوف حد هنا."
كان منير متردد.
يشعر بشيء غريب من نبرة صوته.
لكن ذهب وهو يقفل الباب عليه ليتركه مع نفسه.
بصله باستغراب.
قالت فاطمة: "إنت هتسيبه؟"
"وجودنا هيضايقه من نظراتنا عليه. إنتي عارفة دي أكتر حاجة بيكرهها. مضطر أسيبه ونشوف إيه اللي حصل بعدين."
بص له.
مشي وتركهم.
لكن توقف لوهلة.
بصلهم وقال: "مين اللي حط مراية في أوضته؟"
استغربوا ولم يرد أحد.
لكن تحدث جنى.
وقالت: "ليه يا عمي؟ في حاجة؟"
بصلها وقال: "إنتي؟!"
"لا دي أفنان. كانت قاعدة معايا وشافت مرايا على موقع وأنا بقلب. عجبتها فطلبتها من هناك وجت انهارده."
"أفنان؟!"
قالها منير بضيق.
ثم ذهب.
بصله وهما مش فاهمين حاجة.
سالت دمعة من عين هيثم.
أخفض ذراعه بتراخي وقد أرهق.
كانت يده ملطخة بالد*ماء التي لازالت تتساقط منها.
مشي ببطء من بين ذلك الخراب الذي أحدثه.
***
كانت أفنان تبتعد.
تنتظر تاكسي.
حطت إيدها في جيبها.
لم تجد هاتفها.
تذكرته هناك.
تراجعت.
هل تريد العودة لذلك المنزل؟
هل ستعود إليها بقدميها ليقت*لها؟
تضايقت لأن عليها العودة.
لفت ورجعت القصر.
لم تقول أي كلمة.
توجهت للغرفة فقط.
وقفت عند الباب المقفول.
مدت إيدها وهي بتترعش وخائفة وتتذكره ومرتعبه من رؤيته.
فتحت بتردد ودخلت.
نظرت.
ثم فتحت الباب ودخلت.
لكن لم تجده.
بصت للأوضة اللي متكسرة.
نظرت إلى المرآة واتصدمت لما وجدتها تدمرت كاملة.
وهذا الد*م اللي عليها.
فهل وجه إليها ضربات كثيرة بيده إلى أن دمرها؟
سمعت صوت من الحمام.
وكان كصوت مياه غزيرة.
راحت ناحية الباب.
كان مفتوح.
"ه.. هيثم."
قالتها ونبرتها ترتجف.
لكن لم يأتيها رداً.
لكن سمعت صوت أنفاس وتاوه.
استغربت.
فتحت الباب قليلاً لترى.
لقيته واقف ساند على الحوض اللي كان مليان د*م.
اتصدمت.
هذا المنظر مخيف كثيراً.
"هيثم."
بصلها.
كان متصبب عرقاً ولونه شاحب.
وكأنه مرهق كثيراً ويأخذ أنفاسه بصعوبة.
"إيه اللي رجعك؟"
قالها بصوت ضعيف.
ثم وقع مغشياً عليه.
رواية ثأر القلوب الفصل العاشر 10 - بقلم نور
سمعت صوت من الحمام وكان كصوت مياه غزيرة.
راحت ناحية الباب، كان مفتوحًا.
"هي.. هيثم؟"
قالتها ونبرتها ترتجف، لكن لم يأتها رد.
لكن سمعت صوت أنفاس وتاوه.
استغربت، فتحت الباب قليلاً لترى.
لقته واقف ساند على الحوض الذي كان مليان دم.
اتصدمت، هذا المنظر مخيف كثيراً.
"هيثم!"
بصلها، كان متصبب عرقًا ولونه شاحب وكأنه مرهق كثيراً ويأخذ أنفاسه بصعوبة.
"إيه اللي رجعك؟"
قالها بصوت ضعيف وهو يلهث.
قرب منها ولا يستطيع السير.
بصتله أفنان من حالته وعينه محمرة من التعب.
التفت ساقيه ووقع مغشيًا عليه.
أمسكته فمال عليها بجسده وهو يغشي عليه.
بصتله بخوف ورأت الجروح البالغة التي في يده.
خافت ليكون وصل لأحد أوردته أو شرايينه.
حسّت نبضه كان يتباطأ.
اتصدمت، مسكت وجهه بخوف قالت:
"هيثم، افتح عينك."
لم يرد عليها.
أسندته وهي تناظر لطلب المساعدة.
وصلت إلى السرير وكانوا سمعوا صوتها وشافوها واتصدموا حين رأوا هيثم مغمى عليه وهي تحمله وتضعه على السرير.
"اتصلوا بالدكتور بسرعة!"
قالتها بصوت مرتفع وانفعال لتحثهم على السرعة.
فذهب حمزة سريعا ليفعل ما قاله.
مسكت أفنان بيد هيثم ولفت وشاحها حول قبضته.
بصّولها من اللي بتعمله.
قالت ريم بغضب:
"بتتهببي إيه؟ عايزة تموتيه؟"
دفعتها أفنان بعيدًا عنها بغضب وقالت:
"إياكي تقربي."
بصتلها من تحذيرها ولهجتها.
أول مرة تشوفها.
أكملت أفنان، فهي لا تفكر إلا بهيثم الآن.
لفت وشاح آخر على يده الثانية وكانت ترى جروحه والزجاج العالق به.
ويرتعش بدنها من الخوف.
جاء الطبيب وأفسحوا له المجال.
قال:
"مين اللي ربط إيده كده؟"
كانت أفنان هتتكلم.
فقالت ريم:
"آه الغبية دي، حاولت أوقفها بس عملت نفسها ناصحة."
حاولت أفنان التحكم في نفسها.
قال منير محمد بحده:
"ريــم، مش وقتك."
قال الطبيب:
"كويس إنك عملتي كده.. وقفتيله النزيف عشان ما يخسرش دم أكتر من كده وهنضطر نحجزه في مستشفى."
"بس إيده.. الإصابات فيها كبيرة وإزاز في جلده."
"بدام ما وصلش لشريان أو وريد ف الوضع مش خطر، اطمني."
أومأت له.
فك الضمادة من عليه ومساعدته وأخرج حقيبته وأخرج الزجاج.
كانت قطع كبيرة وصغيرة في يده عالقة بين خلاياه.
قشعر بدن أفنان.
خرجت، فهي لا تتحمل رؤية أشياء كهذه.
بس لما جت تخرج شافت ذلك الشاب الذي قليلاً ما تراه.
كان إسلام واقف عند باب الغرفة ينظر لهيثم.
نظر إليها ثم ذهب.
استغربت منه.
بصت لها ريم بسخرية.
قال:
"إيه اللي رجعها دي؟"
مسكها حمزة وقال:
"ريــم، مش وقتك. روحي على أوضتك أحسن."
"منتاش شايف حصل لهيثم إيه من وراها؟"
"وهي عملت إيه؟"
"الله أعلم بقى، روح اسألها. خليته يدمر إيده بالشكل ده إزاي؟ أكيد عملتله حاجة.. وبعدين إنت مالك بيها؟"
"إنتي هبلة يابت، هيكون مالي يعني؟ بصي وضع العيلة وعمي.. يعني مش ناقصينك خالص."
أدارت وجهها بضيق ولم ترد.
فقلت ذراعها.
كانت أفنان جالسة بمفردها.
حست بحد.
وجدت لؤي يجلس بجانبها.
اتعدلت وهي تبعد عنه قليلاً.
بصلها.
قال:
"مكنتش أعرف إن شعرك حلو كده."
بصت له بشدة وبصت على شعرها وأدركت نفسها الآن.
بسبب ما حدث وخروجها بشعرها.
قامت سريعا.
"خدي، متقوميش."
قالها وهو يوقفها.
بصتله.
كان معاه طرحة.
"لقيتها في أوضتك على الكنبة، خدتها قبل أما أخرج."
"شكراً."
أخذتها وهي مضايقة.
فهيثم السبب في أنها تخرج هكذا.
أنها كانت مرعوبة لا تدري بمن حولها.
قامت بلفها على رأسها.
وكان لؤي ينظر لها.
قال:
"هتمشي؟"
"مش عارفة.. من ساعة ما دخل حياتي وأنا مش عارفة أي حاجة ولا فاهماه وفاهة إيه اللي بيحصلي."
"أنا مش عارف إيه اللي حصل لهيثم بالظبط، بس بتهيألي الإجابة مع عمي."
"اشمعنى؟"
"لما خرج من أوضة هيثم سأل على حاجة واحدة.. المرايا اللي إنتي جبتيها. بتهيألي الموضوع متعلق فيها."
صمتت باستغراب.
استغراب، لكن قامت ومشيت.
مر وقت، خلص الدكتور وركّب له محاليل ولف إيده بشاش.
قال:
"إزاي اتدمرت إيده بالشكل ده؟"
سكتوا، فلم يجدوا جواب.
لكن منير يعلم أن ابنه من قام بتكسير المرايا هذه.
قبضته.
"المهم، لو عنده حالة، أيًا كان إيه، العدو عنه الحاجات اللي ممكن يأذي نفسه بيها."
قال منير:
"تمام، شكراً."
"من الأفضل يكون فيه معاه حد عشان يحتاجه اليومين دول. ممكن أكلم المستشفى يبعتولكم ممرضة."
"لا، أنا موجودة."
قالتها أفنان بتدخل.
بصولها.
قال الطبيب:
"إنتي تبقي مين؟"
سكتت شوية.
بصت لهيثم المسطح.
قالت:
"مراته."
"خلاص، كويس. واظبي على الدوا معاه. عن إذني."
غادر الطبيب.
قالت ريم:
"إنتي مش كنتي ماشية؟"
قالت جنى:
"بس يا ريم."
"اللي بس، هي سابته وخرجت من القصر وقالت مش هقدر أعيش معاه. رجعت تاني ليه وهتقعد؟ وأنا اللي بحاسبها. نسيت حاجة؟"
"لا منسيتش، بس افتكري إن اللي بتتكلمي عنه ده يكون جوزي قبل ما يكون ابن عمك."
قالتها أفنان بلهجة واثقة.
بصت لها ريم.
ابتسمت وقالت بسخرية:
"وإنتي جاية تفتكري دلوقتي إنه جوزك؟"
"والله دي حاجة بينا، ملكيش إنك تدخلي فيها. وبعدين مالك؟ تكونيش عايزاني أمشي عشان تقعدي معاه؟"
بصت لها بشدة.
توترت.
والانتظار توجهت عليها.
قربت أفنان منها وقالت:
"أنا عارفة إنه ابن عمك وبتعتبريه أخوكي."
قالت أفنان ده وهي بتتك على كلمة أخوكي.
ثم أردفت:
"بس ده ميمنعش إنه مينفعش تقعدي معاه في أوضته بالليل عشان تهتمي بيه، ده غلط لأنك.. مش مراته."
اُحتقنت ريم وغضب كثيراً.
مشت وسابتها ولم ترد.
فلقد نجحت في أن تحرجها للمرة الثانية.
لم تصبح مثل أول يوم، بل ازدادت ثقة.
لم تعلم أن هذه الثقة كان سببها هيثم الذي يرفع معنوياتها وينصحها ألا تصمت إن تنمر أحد عليها أو ضايقها.
حزنت أفنان حين تذكرته.
بعدما غادر الجميع، قربت وقعدت ونظرت له وهو نائم وهدوئه الآن عن ثورة هيجانه الذي رأتها لأول مرة.
مكنش قادرة تتصور إنه كان هو وإزاي ضرب المرايا ومهتمش لإيده اللي نزفت وظل يوجه الضربات إليها إلى أن خارت قواه ودمرها بالكامل.
سمعت صوت.
بصت لقيت منير بيدخل.
اعتدلت في جلستها.
بصلها.
قرب منها قال:
"عاملة إيه؟"
"كويس، لسه مفاقش."
بس أدركت أنه يسأل عنها هي.
بصتله.
قال بتوضيح:
"خروجك من هنا بالطريقة دي وإنتي بتجري كانت تقلق، فقلت أسأل عليكي."
افتكرت وهي جالسة على الأرض تنظر لهيثم وهو يكسر الأغراض.
فسندت لنفسها وفرت من أمامه.
خفضت رأسها وقالت:
"مش عارفة إيه اللي حصله.. بقى واحد تاني يخوف."
حطت إيدها على رقبتها وهي تتحسسها وتذكرت كيف كاد أن يقتلها.
"مكنش هيثم."
بصلها منير ثم نظر إلى ابنه.
قال:
"سامحيه يا أفنان."
بصتله.
أردف:
"مش بإيده، صدقيني.. تحوله وإنه يكون بالشكل ده مش بإيده."
"إزاي؟"
"يا ريت متجيبيش مرايات تاني أو تقدري تجيبي بس حطيها في مكان خاص ليكي. ثم إنك عندك في دلالك بس معرفش إنتي جبتي ليه."
قالت باستغراب:
"مرايا؟"
افتكرت هيثم وثورته عليها.
فهي تدمرت، لكن هل كانت سبب جنونه هذا؟
قالت:
"أنا جبتها كشكل جديد في الأوضة... هي المرايا السبب في اللي حصل؟ بس هو كان مش طبيعي قبل أما يشوفها."
سكتت شوية ثم أردفت باستدراك وهي بتفتكر:
"وبعد أما شافها اتحول أكتر، بقى يكسر في أي حاجة قدامه."
"لو كان مش طبيعي في الأول، فا دي حالة ويرجع من تاني. بس إنتي خليتيه يشوف حالته يا أفنان."
استغربت وهي مش فاهمة حاجة.
جه يمشي، وقفته وقالت:
"يعني إيه؟ هو بيخاف من المرايات؟"
"لا، مبيخافش منهم."
"بيكرههم!؟"
"لا، بردو."
"امال."
"تقدري تقولي بيكره يشوف نفسه فيها."
قال هذا ثم نظر أمامه وذهب، وترك أفنان في حيرتها.
فتح هيثم عينه.
بص إلى سقف الغرفة.
افتكر اللي حصل.
نظر حوله، لم يجد أحد في الغرفة.
وكانت مرتبة وكل حاجة رجعت لأصلها.
وجد أحد يدخل.
وانفجع لما لقاها أفنان.
بصتله.
قالت:
"صحيت."
مكنش متوقع إنه يشوفها هنا.
فهي ركضت ورا الذعر في عينيها والخوف اللي لسه شايفه.
حيث تقف بعيدًا عن أن تقترب من ذلك الوحش.
"بتعملي إيه هنا؟"
قالها ببرود.
وجه يقوم وهو بيضغط على إيده عشان يتعدل، بس وجعته جامد.
قربت أفنان منه سريعا تمنعه.
بصلها ونظر إلى يده، وجدها ملتفة بأقمشة طبية ومعلق له محلول.
"مش شايف إيدك عاملة إزاي عشان تضغط عليها؟"
قالتها وهي تشير عليه.
بصلها من اقترابها.
بصتله هي الأخرى، بس أبعدت عينها وساعدته في الاعتدال.
عدلت المخدة ورا ضهره وهي تجلس.
وكان لا يعارض، رغم إنه بإمكانه فعل هذا بمفرده.
التقطت عيناهما.
وكانت قريبة منه، لكنها لم تطيل النظر حتى ابتعدت.
قالت:
"عامل إيه دلوقتي؟"
سكت.
مش عارف بتسأل عن صحته ولا عن جنونه.
لا يصدق إنها رأت ذلك الجانب منه.
قال:
"إيه اللي رجعك؟"
"مسبتنيش وأنا عيانة.. حركة ندالة مني إني أسيبك وأنت كده."
بصلها بضيق.
وقال:
"كده إزاي؟ مجنون ده اللي تقصديها."
استغربت من نبرته.
خافت ليرجع من جديد.
أشارت على يده وقالت:
"ده اللي أقصده."
كانت حالته الصحية لا غير.
أنه من يتوهم لأنه متضايق ويتساءل كيف تراه الآن.
أنه شخص لم اختلم.
مشت وسابته ورجعت، ومعاها أكل صحي.
يصلها هيثم، فظن أنها لن تعود.
قعدت.
قالت:
"كل عشان تاخد الدوا."
"دوا إيه؟"
استغربت من نبرته.
قالت:
"الدكتور كتبلك دوا بسبب اللي حصلك، صحتك مش أحسن حاجة دلوقتي."
سكت ولم يرد.
قرب منه عشان يأكله.
يصلها بتفاجؤ.
قال:
"سيبه، أنا هعرف آكل بنفسي."
"برحتك."
سابت الأكل.
فهي تفعل هذا كرد دين مش أكتر.
أما هي لا تريد، لا تزال خائفة منه.
خرجت عشان تسيبه الحرية.
قابلت إسلام.
وكان قريب من الغرفة.
بصتله.
نظر إلى الغرفة.
قال:
"هيثم عامل إيه؟"
كانت دي أول مرة يكلمها.
قالت:
"الحمد لله."
أومأت له.
وجه يمشي.
قالت:
"إنت كنت جاي ليه؟ مش كده؟"
وقف ولم يرد.
فكملت:
"هو صاحي لو عايز تشوفه بنفسك."
"مرة تانية."
قالها وهو يمشي.
استغربت من ذلك الشخص المجهول.
قابل إسلام فاطمة.
التي نظرت له.
قربت منه.
قالت:
"بما إنك قلقان عليه، لي مش عايز تسأله هو عامل إيه بنفسك؟ لي مانعين أي محادثة بينكم؟"
"مش هيكون فرحان لما يشوفني يا ماما."
جه يمشي، وقفته.
قالت:
"راجع أوضتك تاني."
"عايزاني أفضل وأنا غير مرغوب فيا."
"يا بني، محدش قالك كده. إنت اللي موهم نفسك على الفاضي."
"محدش قالي، بس نظرات الشك لسه في عينه. كأن خاين أو جاسوس عايش بينهم. سيبني يا ماما، أنا مرتاح وأنا بعيد."
"وحسام؟"
وقف.
تبدلت ملامحه.
قال:
"ماله؟"
"لسه بتكلمه؟"
جت أفنان تدخل الأوضة.
وقفت، شافت هيثم بيحاول يمسك المعلقة مش عارف.
ثم زفر بضيق وهو يتركها، كأنه حاول كثيراً ولم يعد يريد.
دخلت.
بصلها.
قالت:
"محتاج مساعدة؟"
"لا."
"مش عيب أما تطلب مساعدة من حد، وأنا اللي طلبتها قبلك."
عرف قصدها حين عرض عليها وساعدها في قفل الدريس.
قعدت جنبه.
مسكت المعلقة.
بصلها.
كانت لا تنظر له.
قربتها من فمه وهي تنتظره أن يتجاوب معها.
بالفعل فتح فمه وأكل منها.
متعرفش لي أفنان بصتله وهي بياكل من إيدها.
أحست بشيء غريب.
نبض قلبها اللي كان السبب فيه.
لم تهتم وأكملت وهي تأكله.
وهيثم باصصلها.
لاحظ حاجة على رقبتها.
وجد علامة يده.
افتكر كيف خنقها وقبض على نفسها.
اضايق من نفسه اللي ثارت جنونه عليها.
وكان ممكن يقتلها.
مكنش مصدق إنه عملها بطريقة قاسية كالقاتل ولم يبالي بها وهي تخنقه.
بصت لها وهي قاعدة معاه وبتاكله وبتساعده.
من بعد كل اللي حصل، لسه موجودة معاه.
لاحظت أفنان نظراته الموجه عليها.
أعدلت حجابها وهي تداري رقبتها.
"أنا آسف."
قالها بندم.
بصتله.
أردف:
"مش عارف عملت كده إزاي، بس صدقيني مكنش قصدي أذيكي."
"كان مالك؟ معقول ده كله عشان كنت عايز تاخد حقوقك؟ ولا إنت فعلاً شاكك فيا؟"
قالتها أفنان بعتاب.
رد عليها بجدية:
"وقتها مكنش قصدي أضغط عليكي بموضوع جوازنا، أنا بس الفضول واخدني ناحيتك."
"الفضول عمره ما كان كده، ثم إنت عارف كل حاجة عني."
"مش هتفهمني؟"
قالها هيثم بتنهيدة وقلة حيلة.
فهو لم يتحول بحجة الفضول، بل عقله غاب بسبب جملتها التي أوحت الماضي أمام عينه.
قالت أفنان:
"معاك حق."
قالتها وهي تقف.
أعطته الدواء.
قربت منه وشربته مياه.
كانت حطت إيدها ورا رأسه.
وكان ينظر لعيناها.
عيناها فقط لا غير، لكنها لا تطمع به.
انتهت وذهبت.
طالعها بصمت.
فلقد نجح.
نجح في أن يبعدها عنه.
هذا ما كان يريده.
فهي تقترب منه كثيراً، يضحك معاها ويتمارض كثيراً بنبضات قلبه.
أراد أن يبعدها.
وها هي قد ابتعدت.
فلماذا هو متضايق الآن؟
مر أسبوع على هذا الحال.
كانت أفنان تهتم لهيثم، لكن اهتمام عادي.
مكنتش بتنام جنبه خوفاً منه.
ولاحظ هيثم ذلك.
عشان مرة صحي وهو بيتقلب من نومه، شافها نائمة على الكنبة ومكنش عليها اللحاف.
قام قرب منها.
بصلها وهي نائمة، ثم رفع اللحاف بهدوء عليه.
ومشى.
كان تعاملهم عادياً ورجع الشغل.
ولن يهتم بكلام أحد.
فعادت هي الأخرى.
كانت أفنان في المطعم.
قربت مي من أفنان وقالت:
"في حد عايزك."
بصت لها باستغراب.
أومأت لها وخرجت.
وجدت طارق كان يجلس على الطاولة.
بصلها.
ابتسم.
وقف وقال:
"أفنان."
ابتسمت.
قالت:
"مستر طارق، جيت امتى؟"
"لسه جاي. سألت عليكي الأيام اللي فاتت، قالوا إنك كنتي في إجازة."
"آه، كان فيه شوية مشاكل كده اضطررت أقعد."
"مشاكل!! إنتي كويسة؟"
"الحمد لله."
"هخلص اللي في إيدي وأجيلك علطول."
"متستعجليش، مفيش حاجة تخلصيها. أنا كلمت مديرتك بالوقت، متحسبوش عليكي. اقعدي بعد إذنك."
بصت له.
أشار إليها أمامه.
قعدت.
فقعد هو الآخر.
كانت مكسوفة بعض الشيء.
"إنتي مرتاحة هنا؟"
قالها طارق بتساؤل.
أومأت له إيجاباً.
قال:
"ناوي أفتح مطعم جديد."
قالت بدهشة:
"بجد؟ هتبقى فكرة حلوة إنك توسع نشاطك و..."
مسك إيدها يقاطعها.
بصت لايدها بشدة وتطايرت كلامها.
"بصراحة، أنا عايزك إنتي اللي تمسكيه يا أفنان.. عندك الثقة لده."
كانت متوترة.
سحبت إيدها.
بصلها طارق.
عرف إنه أحرجها.
"شكراً ليك، بس.. حاسة إن مسؤولية زي دي كبيرة، ممكن أفشل فيها."
ابتسم.
قال:
"مفتكرش.. أنا دايماً شايفك الأفضل."
بصت له.
قرب وهو يسند على الطاولة وينظر إليها ويقول:
"أعتقد إنك مؤهلة للمنصب ده، محدش غيرك."
ابتسمت.
قربت هي الأخرى وقالت:
"مستر طارق، عارفة إنك بتعمل كده كمعروف ليا، بس صدقني المنصب ده هيكون أحسن لو أنا كسبته بتعبي مش... بالواسطة."
قالت آخر جملة بمزاح.
فقهقه طارق بخفة.
قال:
"إنتي دايماً بتتصرفي..."
قرب إيده من أنفها بمشاغبة وأردف:
"زي ما كنتي صغيرة."
ابتسمت بخجل.
بعدت.
قالت:
"أنا بقيت كبيرة، مبقاش ينفع تهزر معايا زي زمان."
قالتها وتقصد مداعبته لها.
فقال:
"معاكي حق، ده غلطي. نسيت إنك بقيتي كبيرة فعلاً.. بس مش المفروض تشيلي كلمة مستر دي، محسساني إني أبوكي."
"بس..."
"طارق."
بصت له.
فكمل:
"قوليلي طارق، زي ما بناديكي بأفنان. شوفتي سهلة إزاي؟"
ابتسمت.
قالت:
"هحاول."
"مقدر محاولتك... ما علينا، شغلك خلص هنا، نقدر نمشي."
"على فين؟"
"قولتك المرة اللي فاتت إن المرة الجاية هنتعشى سوا. حجزتلنا في مطعم قريب من هنا. نقدر نمشي."
بصت له أفنان وصمتت قليلاً وهي مترددة.
تشعر إن جلستها مع رجل كانت تحبه من قبل هي خيانة.
فهي الآن متزوجة، رغم إنه زواج مزيف، لكن تشعر كأنها تخون هيثم.
"هستناكي برا."
قالها طارق وهو يقف ويغادر.
بصت له وكانت تريد أن تتكلم، لكنه قد ذهب.
تنهدت.
راحت غيرت لبسها وخرجت.
وجدته واقفا.
ابتسم.
قرب منها.
خطت تجاهه.
التفت ساقيها وكادت أن تقع، لكنه أمسكها.
قال:
"إنتي كويسة؟"
أومأت له.
ابتسم عليها وقربها منه.
بصت إلى يده.
بعدت عنه على الفور.
قال:
"أنا آسف، مقصدتش."
لكن قبل أن تتحدث، وجدت من يمسك ذراعها بقوة ويبعدها عنه.
بصتله واتصدمت.
قالت:
"هيثم."
بصلها طارق بشدة.
وإلى هيثم وهو يمسكها.
قال:
"أفنان، إنتي تعرفيه؟"
بصله هيثم ببرود.
قرب أفنان منه جامد وقال:
"كنت قاعد مع مراتي، ومتعرفش أكون مين."
بصله بصدمة.
وبص لأفنان التي تألمت من يده وكانت مصدومة هي الأخرى.
كيف عرف أنها كانت جالسة معه؟
أوجعت.
قالت:
"هيثم، إيدك."
اشتد عليها بغضب، يمنعها من الابتعاد.
قالت بتعالي:
"طارق رأفت مش كده؟ أخيراً شوفتك وش لوش."
بصله طارق باستغراب شديد.
ليكمل هيثم بجمود ولهجة مخيفة:
"قولي، لو حد لمس ممتلكاتك تعمل فيه إيه؟"
اتصدمت أفنان وبصتله.
فهل رأى طارق وهو يمزح معها بمداعبة أنفها؟
قال طارق باستغراب:
"مش فاهم."
أبعد أفنان عنه ببروده.
تألمت.
بصت لهيثم بقلق وهو يتقدم منه ويقف أمامه ببرود ويقول:
"هفهمك أنا."
وسرعان ما أكال عليه بلكمة جعلت طارق يترنح على سيارته من قوتها.
شهقت أفنان بصدمة.
قربت منه.
مسكها هيثم من إيدها جامد وسحبها ومشي.
وهي قلقة على طارق، تنظر له وهو يعتدل بتألم.
نظرت إلى هيثم.
قالت:
"ابعد، إزاي تعمل فيه كده؟"
حست إن إيدها هتتكسر في إيده لما قبض عليها أكتر.
دخلها العربية جامد وهو بيقفل الباب.
ثم ركب وذهب.
ويقود السيارة.
"قلل السرعة، هنموت."
لم يكن يرد عليها.
وهي مرتعبه منه.
قالت بصراخ:
"هيثم، نزلني."
أردفت بغضب:
"نزلني بقولك."
أوقف الزفتة دي.
توقف بالسيارة فجأة، فكادت أن تصطدم رأسها.
بصتله بضيق.
وحت تنزل، مسك إيدها.
قالت:
"ابعد، بقا إنت بتوجعني أوي."
"مين ده؟ وإنتي كنتي بتعملي إيه معاه؟"
"ابعد، وإنت مالكش."
اشتد عليها وقال:
"تحبي أوريكي مالي إزاي؟ اسمعيني كويس يا أفنان، لما أكون كده، خافي على نفسك مني وردي على كلامي وبس عشان متتأذيش. إنتي لسه متعرفنيش."
ابتلعت ريقها بخوف وعينيها مدمعة.
قالت:
"سيبني يا هيثم، أرجوك، إنت بتخوف."
بصلها إلى ما قالته ورجفتها.
خفف إيده عليها وسابها.
بصتله بحزن.
نزلت وهي مضايقة منه.
تبعه.
لفت له بغضب وقالت:
"لي تضربه؟ عملك إيه؟"
"تحبي أقولك ليه؟"
قالها بغضب.
ثم ذهب إلى السيارة.
أخرج حقيبة ماركة عالمية وبوكيه ورد رقيق.
ودفعها إليها بغضب وقال:
"اتفضلي.. جيتلك من غبائي أعتذر منك عشان أشوفك إنتي وهو."
بصت لهدية والزهور.
فهل أراد أن يعتذر منها وفكر بها حقاً؟
قرب منها.
خافت.
رجعت لورا.
"بتبتسميله؟"
دهس الزهور وهو يقترب ويكمل:
"يقرب منك وساكتة وبتضحكي معاه؟ بتعملي اللي كانت بتعمله وكأن الزمن بيتعد وبيختبرني تاني."
"هيثم."
قالتها بخوف.
مسك ذراعها وقرب منه.
قال بتحذير:
"إيه؟ فكراني مش هعرف إنه حبيب القلب؟"
بصتله بصدمة.
فكيف عرف؟
قالت بتدعي الجهل:
"إنت بتقول إيه؟"
"متحاوليش تكدبي عليا، لأن بكره حاجة اسمها كذب. سمعتيني؟ أنا شفت صورتكم وإنتي معاه ومخبياها بين كتبك."
اتصدمت.
دفعته بغضب وقالت:
"إنت بتفتح ورايا؟ بأي حق تقلب في حاجاتي؟ وإنت بذات نفسك اللي قلتلي متلمسيش حاجة تخصني. إزاي تعمل كده؟"
"كل الهري ده ميفرقش معايا، المهم إني عرفت وعايز أعرف منك دلوقتي. ده يبقى مين؟"
سكتت بضيق وهي خائفة.
قرب هيثم منها.
بصلها وقال:
"لآخر مرة هسألك يا أفنان، مين ده؟ صارحيني."
"كان أستاذي في المدرسة. ارتحت بقى؟"
بصلها وهو يرى تعبيراتها.
قال:
"وبالنسبة لك؟"
"إيه؟"
"هو إيه بنسبالك؟"
صمتت بضيق وهي خائفة.
خفضت رأسها وهي خائفة.
قالت:
"كان فيه مشاعر زمان ناحيته.. بس مشاعر مراهقة، صدقيني."
شاف خوفها منه.
حاول يكون هادئ لأنها صارحته.
قال:
"ودلوقتي؟"
صمتت ولم ترد.
فأخذ الإجابة أنها لا تزال تكن له هذه المشاعر.
جمع قبضته بضيق وذهب.
بصت له أفنان وبصت على هديته وباقة الزهور.
انحنت وهي تلتقطهم.
لمستهم رغم إنهم كانت قد فسدت.
أخذت وردة لا تزال سليمة.
لا تعلم لماذا سعدت لأنه أراد أن يصالحها.
لكن ماذا عن ما فعله؟
لقد أخطأ لها وأحرجها كثيراً.
ألمها وتعامل معها بعنف.
لطالما يتعامل معها كذلك هكذا.
في الأوضة، مسكت أفنان الشنطة القيمة هذه.
قرأت اسم الماركة، تعجبت.
خرجت إلى حواها واتفاجأت لما شافت فستان أحمر داكن يفوق الرائع ذو تصميم فريد.
كأنه خصص لها هي.
رجعته لشنطة.
وبصت على الورده.
دخل هيثم.
بصلها ونظر إلى الورده التي ماسكها وحاجته.
بصت له من نظراته.
قالت:
"دي هدية، مينفعش مقبلهاش."
"ولو رميتها متفرقش معايا."
بصت له بضيق.
لم يبالي وذهب.
راحت أفنان ناحية كتبها.
فتحت على أحد الصفحات.
كانت توجد صورتها هي وطارق.
وكانت تبتسم بمرح.
فهل رآها هيثم حقاً؟
وعرفه حين التقى به بأنه رجل تعرفه قبله؟
إنه كان أستاذها.
مسموح بالتقاط صورة لها معه.
لن تنكر أنه فقط من أرادت صورة معه.
إنه من كان سبب في أن تنصدم من زواجها من هيثم.
افتكرت هيثم وهو يلكمه.
راحت له.
بصلها لقتها بتمسك إيده وبتبص عليها.
سحبها وقال:
"في حاجة؟"
"إيدك بتنزف."
"روحي نامي يا أفنان."
بصتله قليلاً ثم ذهبت.
تنهد.
شعر بشيء.
وجدها هي.
كانت رجعت ومعاها علبة الإسعافات الأولية.
قالت:
"هنام بس نغير القماش ده الأول."
بصلها.
مسكت إيده برفق وقامت بفك القماش من عليه.
فهي علمت أنه ضربه بقوة حيث نزفت يده بسبب إصاباته.
لكن ماذا عن طارق؟
كيف هو الآن؟
في اليوم التالي، ذهبت أفنان عملها دون أن تلجأ لهيثم.
لم تكن تحدثه.
كانت بتفكر في طارق.
اليوم، بكلمه.
بصت على تلفونها.
رنت عليه.
ثم جاها الرد.
قالت:
"مسـ..."
"طارق."
"كنت لسه هعلق على مستر بتاعتك دي، بس يلا عادي.. فرحان إني سمعت صوتك."
سكتت من كلامه الذي يحركها.
تنهدت.
قالت:
"عامل إيه؟"
"كويس."
"أفنان، عايز أشوفك."
"امتى؟"
"أي وقت، لو فاضية دلوقتي أقدر آجي عليكِ، مش هاخد من وقتك كتير."
"خلاص ماشي، مفيش مشاكل."
انتهت مكالمتها.
استأذنت من مي.
وقفت بالخارج تنتظره.
إلى أن جاء صف سيارته.
بصلها.
قرب منها.
قال:
"اتأخرت عليكي."
"لا."
"نقدر نمشي؟"
"فين؟"
"الكلام اللي عايز أقولهولك هنا مش هينفع."
سكتت شوية.
عرف إنها معترضة.
بصت على وشه، رأت علامة أثر لكمة هيثم.
"عامل إيه دلوقتي؟"
عرف قصدها.
حط إيده على وشه.
قال:
"يعني بحاول أتأقلم على شكلي الجديد."
يصلها ويرفع حاجبه وهو يقول بمزاح:
"إعجابك بيا هيقل ولا إيه؟"
ابتسمت عليه من مزاحه.
قالت:
"لا، لسه شايفاك قدوتي."
"بتخليني أتغر في نفسي."
سعدت لأنه قلب يومها وجعلها تبتسم.
"أفنان."
قالها لكي تستمع إليه.
قرب منها وحط إيده على كتفها.
بصتله أفنان.
تنهد وقال:
"أفنان، لازم أقولك حاجة. مينفعش أخبي أكتر من كده."
وكأنه يستجمع قواه.
أكمل:
"إنتي مميزة جداً بالنسبالي. أنا رجعت بسببك. لما لقيت اسمك جيت بسرعة عشانك إنتي.. أنا فرحان إني شوفتك تاني."
كانت تنظر له وتشعر بالحزن لأنها تميل لكلامه كثيراً.
أنه الحلم الذي تمنته وها هو يتحقق.
"أنا دفنت مشاعري لسنين وخلاص لازم أعرفك وأصارحك بيها."
قالت بتوتر وخيبة:
"مستر طارق... أنا.. وإنت.. مينفعش. أنا..."
"أنا عارف. أقدر أحس بمشاعرك ناحيتي."
بصتله وكانت تشعر بالخيبة وهو منتظر ردها.
"أفناااان."
سمعت ذلك الصوت الحاد.
بصت واتصدمت لما شافت هيثم.
بعدت عن طارق بسرعة وهي بتشيل إيده من عليها بخوف.
بص طارق وشاف هيثم.
التي اقترب ببرود ونظر إلى وجهه وقال:
"لسه وشك مخفش عشان تجيب الجرأة دي وتصارح مشاعرك النبيلة لمراتي."
"لو كنت سكتلك فده عشانها هي."
خافت أفنان من الوضع.
كمل طارق:
"بحثت عنك وعرفتك."
بص لافنان وأردف:
"الحزن اللي شوفته فيها كان منك إنت."
بصله هيثم وهو يجمع قبضته.
بصتله أفنان بقلق.
"لو مكنتش قادر تسعدها، سيبها."
رد هيثم ببرود:
"كلامك جميل."
قالها وهو يقربها منه.
بصتله أفنان من زراعه وتألمت.
"بس هي مراتي. ليه أسيبها؟"
وأنهى جملته وهو يقترب منها ويقبلها بتملك.
اتصدمت أفنان وبص له طارق بشدة.
دفعته أفنان بقوة بعيداً وعينيها مدمعة بسبب ما فعله.
قالت بغضب:
"إيه؟ يا هيثم؟ إيه؟ احترمني شوية. أنا إنسانة مش ملكية خاصة عشان تعاملني كده."
يصلها من دموعها المنكسرة ونظرة الخذلان في عينيها.
مشي وهو متضايق كثيراً.
بصله طارق.
بص لافنان.
قال بقلق:
"أفنان، إنتي كويسة؟"
بصت له وكانت محرجة كثيراً.
خفضت رأسها بحزن من فعلت هيثم.
لكن أخطأت.
أخطأت حين سمحت لرجل آخر بتجاوز حدوده معها.
أن هيثم محق في غضبه.
"أفنان..."
"مقدرة إنك معجب بيا ومشاعرك ناحيتي، بس ده غلط."
"فين الغلط؟ أنا مقصدتش حاجة، حبيت أعترفلك بمشاعري."
"بس إنت عارف إني متجوزة."
"وعارف إنك تقدري تطلقي مدام مش مبسوطة.. إنتي مفيش حاجة بتحسيها ناحيتي؟"
صمتت.
نظرت له في عينه وكأنها تستحضر حبه.
لكن لم ترى شيئاً.
لم ترى لهفتها الطفولية، نبضها، سعادتها.
لكن صورة هيثم تجسدت لها بدلاً منه.
بل تشعر بشيء عادي.
أن من جاء في خاطرها الآن هو هيثم.
أنه من شعرت معه بكل هذا.
"لا."
قالتها تفاجأ طارق.
قالت:
"زمان كنت معجبة بيك مش هنكر بده، بس.. بس أنا كنت صغيرة. دلوقتي لأ.. تفكيري اتغير، أنا اتغيرت وإنت اتغيرت. أنا بقيت متجوزة، مش عيلة صغيرة ليا حكم خاص على مشاعري إنها متكونش لراجل غير لجوزي. ... لازم يكون فيه حدود في التعامل. بعد كده لو عايز علاقتنا تستمر."
بصلها قليلاً ثم قال بهدوء:
"فهمتك يا أفنان. بس بعد إذنك فكري تاني... أقدر أستناكي وهبقى هنا عشانك. دايماً."
بصت له من ابتسامته.
أردف:
"وعشان أحميكي."
وكأنه يعيد لها ذكرياتها ويوقظ مشاعرها.
أنه يفهمها.
هيثم لا يطابق معها أبداً بغروره وشكه المستمر.
هل اختارت خطأ؟
"بس عايز أقولك حاجة كصديق ليك."
بصت له.
وقف أمامها وأردف:
"لازم في بعض الأوقات تفكري بنفسك وسعادتك قبل أما تفكري في حد غيرك. لو عاملتي نفسك بطريقة وحشة مش هتلاقي السعادة ولا الراحة وهتخلي التمادي عليك يبقى أكتر."
كان يقصد بفعله هيثم واقتحامه لها دون أن يحترمها.
صمتت أفنان.
نظرت بعيد في الطريق الذي سلكه هيثم.
وكأن كلام طارق أثر بها وتلاعب بمشاعرها.
كان هيثم يقود سيارته بسرعة عالية.
عينه محمرة وعروقه بارزة.
يتخيلهم سوياً.
كيف تركهم؟
كيف تركها معه ليقول مشاعره لها مجدداً ويلمسها؟
سمع صوت شاحنة.
فتح عينيه بشدة وانعطف بسيارته قبل أن تصطدم به.
سند بيده وهو يأخذ أنفاسه وصدره يعلو ويهبط.
لقد نجى من الموت.
لكن أنفاسه ليست من النجاة.
بل يحاول أن يهدأ نفسه وغضبه والا يكرر خطأه.
إنه تركها وهو يعرف الإجابة.
ذهب من أجلها.
كي لا يتصرف بسوء وقسوة كما يفعل.
لكنها أخطأت.
أخطأت حين سمحت له بذلك.
لماذا يفكر فيها لهذ الحد؟
ليه يومها أضايق لما قالت إنها مش هتديه حاجة مش بتاعته وهو عارف إنه هيطلقها وتتجوز غيره؟
ليه شافها مع طارق وأضايق وعارف إنها مبتحبوش ولا بتخونه وكده كده مسيرها تشوف اللي يحبها؟
معقول مشاعره اتحركت ليها؟
تنهد بضيق وحيرة.
حل المساء عليه.
سمع صوت تليفونه.
وكان أفنان.
استغرب.
هل اتصلت به لتعلمه قرارها؟
رد عليها.
أتاه صوتها:
"إنت فين؟"
"ناس."
استغرب.
كانت تعاتبه وحزينة.
كملت:
"مشيت وسبتني ليه بعد أما جيتلي؟"
"إنتي كويسة؟"
قالها بتساؤل.
فقالت:
"لا."
قفل معاها ورجع بسيارته لها.
وتوقف حين وجدها جالسة على المقعد تنتظره.
نزل.
راح لها.
بصتله.
قالت:
"شايف المقابلة انتهت؟"
"وقفت."
قربت منه.
قالت:
"هي فعلاً انتهت."
"وإنتي بتتصلي ليه؟"
"غريبة لو جوزي مش هيروحني، أمال مين؟"
استغرب من هذا اللقب.
لقاها راحت العربية.
بصتله وقالت:
"يلا، مش هنرجع؟"
تعجب منها وابتسامتها هذه.
ولم يتحدث.
في السيارة.
قالت أفنان:
"هيثم."
"همم."
بمعنى نعم دون أن ينظر لها.
قالت وهي تخفض رأسها:
"أنا آسفة، عارفة إني غلطت."
لم يبالي باعتذارها عشان مكنش عاوز يفتكر.
بصتله أفنان من صمته.
عرفت إنه مضايق.
بصت على النافذة وهي بتفتكر القرار اللي خدته.
شافت النيل.
"ممكن توقف هنا؟"
استغرب.
ثم توقف.
لقاها بتفتح وتنزل.
استغرب.
شافها بتقعد وتنظر إلى النيل بهدوء.
نزل وقرب منها.
بصتله.
قعد ونظر أمامه.
قال:
"بتحبي النيل؟"
"في حد ميحبوش.. لو بتسأل على قعدتي فأنا باجي هنا من زمان، بس إنت أول واحد يكون معايا وشاركته مكاني المفضل."
بصلها من ما قالته.
نظرت أمامها وقالت:
"كل أما أكون بفكر في حاجة باجي هنا."
"اشمعنى؟"
"بحس براحة لما ألاقي نفسي متلخبطة، أعرف الإجابة لما أصفّي ذهني هنا."
قال ساخراً:
"وإنتي متلخبطة بسببه؟ مش كده؟"
"بسببك إنت."
تبدلت ملامحه الساخرة.
بصلها من ما قالته.
ولا تعلم أيضاً كيف قالتها.
"أفنان."
"همم."
بمعنى نعم.
وهي تنظر له.
فقال:
"بتحبيه؟"
خجلت من سؤاله وتوترت.
بص على تعبيراتها.
وقال:
"صارحيني كصديق، أوعدك مش هعملك حاجة. عارف إن أفعال بتصدر مني بعنف، بس ده مبيكونش أنا."
"أمال مين يا هيثم؟ عرفني على الأقل السبب."
مردش.
وقال بلا مبالاة:
"جاوبي، بتحبيه ولا لأ. أنا مبجبرش واحدة تعيش معايا."
قاطعته وهي تقول:
"لأ."
بصلها.
فكملت:
"بما إنك قلت كصديق، فأنا مش عارف إذا كنت حبيته أصلاً ولا لأ."
"يعني إيه؟"
"مشاعر مراهقة، إعجاب من طالبة لأستاذها.. كنت هبلة مش كده؟"
قالتها بابتسامة ومزاح.
لكن هيثم تابع تعبيراتها.
قال:
"لو كانت مراهقة، لِيه محبتيش غيره السنين دي وصورتكم لسا محتفظة بيها؟"
صمتت وتوّترت.
قالت:
"مش عارفة، ممكن تقول كنوع من أنواع الذكريات. وبالنسبة لمحبتش ليه، فأنا لسا يعني العمر مخدتش أوي كده عشان أكون حبيت بتعدد زيك."
"زيك؟"
"آه، واضح إنك كنت خاربها."
ابتسم.
قال:
"خاربها آه."
بصت له من ابتسامته.
نظر للنيل وقال:
"تفتكري لو كنت خاربها، كان زماني هنا؟"
"أنا معرفش الحكاية عشان أحكم. إنت لسا مجهول قدامي يا هيثم."
أومأ بتفهم.
قال:
"جهلك مني هيكون أحسن بنسبالي من إنك تعرفي."
استغربت جداً.
فهل يخبرها أنه يريدها ألا تعرف أبداً؟
قالت:
"تقصد إنك مش عايزني أعرف أصلاً؟"
"لأ، عشان مش عايزة نظرتك ليا تتغير."
استغربت جداً ومش فاهمه ألغاز اللي بيقولها.
بصلها وقال:
"لِيه مهتمة بالماضي بتاعي؟"
سكتت.
توترت ولم ترد.
وقف وقال:
"لما تعرفي، أبقى قوليلي. ودلوقتي يلا عشان نمشي."
أومأت له.
وقفت وذهبت معه.
وهي تنظر له، فلماذا يسألها عن اهتمامها بمن حوله وهي لا تستطيع الرد؟
لقد عرفت الإجابة.
إنها تهتم به حقاً.
وليس الفضول ما ينهشها.
في الليل، كانت أفنان لسه صاحية.
كانت نايمة مفتحة عينها وشارده.
نزلت قدماها.
وقفت وقربت من ناحية هيثم.
جلست على حافة السرير وبصت له وهو نائم.
وجدت قبضته تعتصر السرير.
قربت إيدها من وجهه.
وجدت دمعة في عينه.
لامستها بأناملها.
وبعدت وهي تنظر لها من دفئها.
إلى متى سيبكي وهو نائم شوقاً لوالدته؟
داخلة طفل مدفون لم يخرج بعد.
طفولته التي مرت من اعتزاله وهو لم يشعر بها.
تقلب هيثم من نومته.
فتح عينه وبص لافنان.
اتفاقت.
أنه صحى.
بص على جانبه الآخر وبصلها وهي قريبة منه.
قال:
"بتعملي إيه هنا؟"
كانت هتتكلم، بس أوقفها شيء.
قربت إيدها من وشه.
بصلها.
وجدها تمسح دمعة سالت من عينه حين فتحهما.
"كنت بتعيط؟"
حط إيده على عينه وقال:
"لأ، عادي. هلاوس وأنا نايم."
كانت عايزة تقوله وعنوان الهلاوس دي تكون والدتك، بس سكتت.
"مقولتليش بتعملي إيه؟"
"لأ، أنا كنت بشوفك. يس، خلاص هرجع مكاني."
جت تقوم، مسك إيدها وسحبها.
فجلست وهي قريبة منه.
بصتله بشدة.
"أفنان، إنتي بتقربي مني وقت ما تحبي وتبعدي زي ما إنتي عايزة."
توترت.
قالت بخوف:
"إنت عايز إيه طيب؟"
"عايز إيه؟"
قربها منه.
بصتله بشدة ويده عند خصرها.
بصت لعينه.
وجه القريب منها.
"هيثم، بتعمل إيه؟"
قرب من شفتاها.
توترت.
قال:
"هعاقبك."
بصت لعينه التي كانت مركزة على شفتاها.
قالت:
"ا.. إزاي؟"
"هخليكي تقعدي جنبي لحد أما أنام."
بصتله بشدة.
بعد عنها وهو بيسيبها.
قال ببساطة:
"صحيت من النوم بسببك. اتحملي عقابك."
"وأنا وجودي جنبك هيعمل لك إيه؟ هقعد أتفرج عليك أتأملك مثلاً؟"
"إنتي طولتي."
"نينينيني."
قالتها وهي بتتريق عليه.
بصلها وابتسم.
فلم يستطيع كبح تصرفاتها.
ابتسمت.
رفعت اللحاف عليه وقالت:
"يلا، عايزة أنام. انجز."
"إنتي بتغلي ليه؟"
"لأ خالص."
قالتها وهي تكتم وجهه بالحاف.
بصلها بشدة.
قعدت وهي عاقدة ذراعيها.
لم يهتم.
نام، لكن ارتسمت ابتسامة على شفتيه بسببها.
ثم خلد للنوم.
بصت له أفنان وهو نائم.
اختفت ابتسامتها وعادت لشرودها فيه.
افتكرت أول مرة شافته فيها.
لما خطفها في بيته.
وحين كان يقترب منها ويلمسها لأخفائها.
"في اليوم ده عرفتني بجواز غير متوقع.. عقد جمعني بيك في بيت واحد.. كنت عايزة الطلاق بأسرع وقت."
كانت بتتكلم داخلها.
وتقصد تصرفاته، قسوته.
ثم تذكرت طارق.
"بس هو رجع ليا بعد ده كله. بس وأنا واحدة متجوزة وإنت في حياتي. رجع واعترف بمشاعره اللي استنيتها كتير. كنت ببص لصورة كل السنين دي وبحسب إني بوهم نفسي. بس معقول مشاعر مراهقة تكون قوية بالشكل ده.. معرفش إذا كنت حبيت طارق ولا لأ، بس أنا النهارده... خدت قرار غريب أوي.. قرار مش عارف نتائجه من عواقبه. بس أتمنى إنك متندميش على القرار ده بعدين يا هيثم."
في اليوم التالي، كانت أفنان جالسة في الجنينة.
فهي اختارت أن تعيش معه.
أي أنها يجب أن تعلم ماضيها الغريب هذا.
وتلك المرأة التي تركت أثراً بداخله.
"اكيد في طريقة غير إنه يشرب."
قالتها بضيق وهي تتذكر كلام هيثم.
وأمسكت رأسها.
"فـ..."
بصت لصوته.
وجدته هو.
قالت:
"وايه هي؟"
"إنه هو اللي يحكيلك، بس صعبة دي."
قالت بضيق وتذمر:
"بتتريق عليا؟"
"إنتي مهتمة بماضيه ليه؟"
"هو مش مراته؟ لي إنت مقلتليش؟"
"عشان مش حاجة تخصني. وقولتلك أنا شفت بس مش أنا صاحب الحكاية، يعني أكيد هجبهالك من منظور تاني."
أومأت بتفهم.
قالت:
"وليه بتساعدني؟"
سكت لؤي.
بصلها قليلاً ثم قال:
"بتصعبي عليا مش أكتر."
بصت له بشدة.
قالت بضيق:
"بصعب عليك؟"
"آه."
"لأ، حنين."
ابتسم.
استغربت، لكن لم تهتم به وذهبت.
وطالعها لؤي بعينه.
قال في نفسه:
"مساعدة؟ عشان بس اتكلمت معاها وقولتلها إنه لما ميكونش في وعيه بيتكلم، افتكرتني بساعدها."
فكرت أفنان كيف ستجعله يشرب.
هل تفكر في كلامه حقاً وتريده أن يأخذ ذلك الشيء المحرم؟
أنها تخطئ بتفكيرها هذا.
لكن لم يخبرها.
وماذا إذا؟
أليست هذه حياته؟
ليس لها الحق أن تتعدى عليه.
ماذا حين يفيق ويعلم أنه أخبرها بكل شيء وأنها قامت بسكره ليحكي لها رغماً عنه؟
سيتضايق منها كثيراً.
ماذا سيفعل بها؟
هل سيجن عليها ويخنقه؟
دخلت جناحها وهي شارده وفي حيرة من ما ستفعله.
توجهت إلى الحمام.
وتتساءل وهل تنفذ اليوم؟
لكن كيف؟
دخلت، لكن سمعت صوت مياه.
اتسعت حدقتا عيناها من ما تراه.
والدم غلى في وشها كأنه سينفجر.
بصلها، فلقد دخلت عليه وهو يستحم.
لفت على الفور.
قالت بصوت بسرعة وهي تغمض عينيها:
"آسفة، آسفة والله ما شفتش حاجة."
طلعت تجري على برا.
لكن أوقفها وحاوطها عند الباب قبل أن تهرب.
"رايحة فين؟"
تصدمت وكانت تعتصر عيناها.
قالت بتلعثم وسرعة:
"هيثم، لأ لأ مش وقتك، ابعد، متهزرش."
ابتسم عليها من شكلها.
قال:
"لو مبعدتش."
"هصوت والله، أصوت وألم عليك الناس."
كانت ترتجف ومنكمشة في نفسها.
ويبص لها.
قال:
"صوتي وشوفي مين هيساعدك. إنتي اللي دخلتي مش أنا."
"والله ما أعرف.. غبية وكنت سرحانة و.. ودخلت عليك.. خلاص بقا ابعد."
"أهدى، هونا بقتلك.. افتحي عينك طيب."
"إنت مجنون، أكيد لأ. وسع كده."
"متخافيش، ثقي فيا."
قالها بحنان.
فصمتت وهدأت قليلاً.
وعينها ترتجف.
فتحت عين واحدة قليلاً ونظرت له.
لكن سرعان ما صرخت وضربته وهي تقول:
"اعععععح!"
أيده على بقها وقال:
"بس يخربيتك! إيه عروسة واتفتحت؟"
عضت إيده وقالت بغضب:
"آخره اللي يثق في طفل."
قرب منها.
حست بيه.
تجمدت مكانها وشعرت ببشرته المبتلة.
دق قلبها جامد.
وهو أبعد شعرها من على رقبتها.
"هي.. هيثم."
شعر به يلامس عنقها.
فاستشعرت لمسته كثيراً.
ولا تزال مغمضة عينها وتشعر به فقط.
قبّلها من عنقها.
فجمعت قبضتها بشدة وهي تسند على الباب.
"هيثم، بتعمل إيه؟"
بص لوشها وخوفها.
صعد إليها.
ولمس شفتاها المرتجفة بإصبعه.
قرب من أذنيها.
"تعالى نستحمى سوا."
اتصدمت من تلك الجملة التي قالها.
دفعته بقوة بعيداً عنها.
صرخت بغضب وقالت:
"إنت قليل الأدب ومبتتكسفش ومشفتش نص ساعة تربية. ابعد."
لفت سريعاً لتذهب.
فاصدمت في الحائط.
تألمت كثيراً.
ضحك عليها بلكنها اعتدلت وتحسست الباب بتجاهل ومحرجة كثيراً.
ثم فتحته وخرجت وهي تفر من أمامه.
ابتسم عليها.
على المائدة كانوا يأكلون.
وأفنان بطيئة في أكلها وخدها أحمر.
وهي قاعدة جنب هيثم باصة في طبقها ولا ترفع عينها.
كان الجميع ينظر إليها ومستغربين من هموئهم الغريبة هذه.
بص هيثم لأفنان من شكلها.
قرب إيده منها.
وفور ملامسة يدها اتسعت حدقتا عينها وبصتله بشدة.
فالتقطت عيناها أخيراً.
"كلي عدل."
قالها بصوت منخفض.
فخجلت وتوردت وجنتيها أكثر.
وقفت مرة واحدة.
بصولها.
قالت فاطمة:
"مالك يا أفنان؟ كملي أكلك."
"شبعت."
قالتها وهي تذهب سريعا وتتركهم مستغربين.
ابتسم هيثم عليها.
بصوله من ابتسامته.
فأخفاها.
وقف بجمود وذهب لعمله.
كان سامر في منزله يحتسي قهوته.
سمع صوت جرس الباب.
قام وفتح.
واتفاجأ مثيراً.
كان حسام أمامه.
نظر له.
دخل دون حتى أن يدعوه.
بصله سامر.
تنهد.
أقفل الباب وتبعه.
"إيه اللي جابك؟"
"مجييتلكش بقالي كتير. مش هترحب بيا؟"
"حسام، جيب من الآخر. جاي ليه؟"
قعد وقال:
"في شغل، متقلقش مش هطول."
استغرب سامر.
شافه يجلس.
قعد هو الآخر مقابله.
وقال:
"شغل إيه اللي جايلى فيه؟"
"عرفت إنك سبت هيثم."
بصله وأكمل:
"أو بلأصح طردك، يعني اتنازلت."
تضايق سامر من تذكيره.
قال بلا مبالاة:
"عايز إيه؟"
"عايزك تشتغل عندي. هيكون ليك نفس المكانة ويمكن أعلى."
تفاجأ كثيراً.
قال:
"ومين قالك إني ممكن أوافق؟"
"لأ، محدش قال لي. بس أنا قولت لنفسي، بما إنك محتاجني، مفيش مانع إنك تبقى معايا."
ابتسم سامر.
قرب وهو يضم يده ويقول:
"ابقى معاك؟ إزاي؟ على هيثم؟ مش كده؟ إنت مبتتغيرش."
"بلاش نرجع لورا واسطوانة زمان اللي مبتتغيرش دي عشان شبعت منها. أنا مش عايزك عشان هيثم ولا راجع لسبب. أنا محتاجلك في شغل مش أكتر."
بصله سامر باستغراب.
لكن قال:
"مفيش شغل بينا."
أومأ له ولم يتأثر بأي مما قاله.
حط كرته على الطاولة.
وقف ببرود وقال:
"مش هاخد منك رد دلوقتي."
بصله سامر.
ذهب وهو يتركه.
فهز يعلم أنه سيرفض من البداية.
بس ساب كرته عشان يرجعله تاني.
هو لا يريده في عمل كما توقع هو ويقينه صحيح.
ولا يريده من أجل هيثم.
لكنه يريده أن يريه أن يسلب منه كل من حوله.
بص سامر على الكرت.
أمسكه وهو ينظر إليه ويقلب كلامه في رأسه.
في المساء، كانت أفنان في أوضتها بتذاكر.
وباصة في سقف الغرفة.
سمعت صوت.
علمت أنه جاء.
اعتدلت على الفورد.
دخل هيثم.
بصلها وهي تنزل عيناها.
خلع معطفه وكان ينظر إليها.
توترت.
قامت ومشيت.
بس مسك إيدها.
"رايحة فين؟"
"ا.. أنا.. هروح أسألهم على العشاء مش أكتر."
"اشمعنى دلوقتي لما جيت؟"
"عادي افتكرت."
"ممكن تسيبني؟"
قرب منها ونظر في عينها.
قال:
"هتهربي مني اليوم كله ولا إيه؟"
تصاعدت الدماء لوجهها.
قالت بانفعال:
"آه."
فلتت إيدها ومشيت سريعا.
ابتسم عليها.
ذهب لتبديل ملابسه.
سمع طرقات على الباب.
"رجعتي يعني؟"
لف، بس تبدلت ملامحه للاستغراب.
لما شاف ريم دخلت.
قال:
"ريم؟"
"عايزة أقولك على حاجة."
نظر إليها بتعجب.
طلعت أفنان عشان تقوله ينزل عشان العشا.
دخلت وجدته بدل ملابسه.
"الأكل."
وقف وذهب ببرود وتخطاها.
بصت له أفنان باستغراب.
لكن عضت لأنه لم يغيظها مجدداً ويضايقها.
في الليل، صعدت أفنان لغرفتها.
وحين دخلت، تبدلت ملامحها لدهشة تعتار وجهها.
شافت هيثم جالس يفتح زجاجة نبيذ ويسكب في كأسه.
"هيثم، إنت بتعمل إيه؟"
"هو مش باين عليا ولا إيه.. هشرب."
قالها ببرود.
استغربت جداً.
يصلها وقال:
"أصب لك معايا؟"
بصتله بشدة.
نظر أمامه.
ومسك كأسه وقال بتذكر:
"آه.. نسيت إنك مبتشربيش."
"وقفت."
"وإنت هتشرب دلوقتي وهنا في القصر؟"
"آه. في حاجة؟"
تضايقت من بروده.
كان لسه هيشرب.
قربت منه سريعا لتأخذ الكأس منه.
لكنه أبعد يده قبل أن تصل إليها.
وقال بجمود:
"بتعملي إيه؟"
"مش هتشرب الزفت ده هنا. هاته يلا."
"غريبة."
قالها وهو ينظر إليها.
فاستغربت.
قالت:
"إيه؟"
"مش عايزة تعرفي الماضي بتاعي؟"
اتصدم أفنان كثيراً.
فكيف عرف أنها أرادت معرفة ماضيه؟
بل عرف أيضاً عن طريق جعله سكيراً.
"يلا اعقد."
بصت له بشدة.
أراح ظهره للخلف وهو يمسك كأسه وينظر إليها.
"عايزة تسمعي القصة من أول فين؟"
حزنت واحست بالذنب.
قالت:
"هيثم.."
قاطعها وهو يقول:
"ثقتي في القريبين مني."
بصت له.
لتجده يرفع عينه ويردف ببرود:
"ولا خيانتي منهم."