بعد منتصف الليل بساعة، أصوات البرق وضوء الرعد تنشر الخوف في القلوب. وهبوب الرياح والمطر تزداد وتعلو، تتخللها دقات قلوبهم الفازعة الهاوية إلى مكان مجهول الهوية. يجري هارباً ممسكاً بيد زوجته، يحملان طفليهما، وفي أحشائها طفلان آخران. لا تعلم أين يتجهون، ولكن كل ما تعلمه أنها إذا تباطأت فقدت زوجها. تحمل طفلتها وتجري بلا هوادة، غير عابئة بآلامها. هي في الوقت الحالي لا تشعر بآلام الجسد ولا حملها، هي تشعر بالخوف من ثأر غادر يدق أجراس الخطر بابهم.
تتذكر قبل هذا الوقت بساعة سمعت طرق على باب منزلهم. **Flash Back..!! أمل بتعب: حمدي قوم، الباب بيخبط... حمدي قوم افتح. حمدي بعيون ناعسة: نامي يا أمل، باب إيه اللي هيخبط علينا دلوقتي. أمل: قوووم شوف مين. حمدي: نامي بأه انتِ كل ليلة عايزة تصحيني وخلاص. أمل: لااا والله الباب بيخبط بجد، مش أنا حتى اسمع كده. حمدي فتح عيونه وانتبه على خبط الباب العنيف، قام مفزوع. حمدي: استر يارب. فتح الباب بسرعة وأمل تختبئ وراء باب الغرفة.
حمدي: عبدالله إيه، فيه إيه بتخبط ليه؟ حصل حاجة؟ عبدالله: حصل... حصل، يالله لم اللي تقدر عليه وهات مراتك وبناتك وتعالى بسرعة. حمدي: إيه، ليه إيه اللي حصل؟ عبدالله بأنفاس متقطعة: عمك قتل ابن عيلة سلطان والكبير حالف مايدفن ابنه إلا لما ياخد بتاره. بالله عليك بسرعة مفيش وقت. حمدي: طب وأبوي هسيبه لمين والأرض؟
عبدالله: سيب أبوك، أنا هاخد بالي منه ومن الأرض دي لو سابوها. بس انفد بجلدك أنت ومراتك أحسن، حالفين مايخلوا لا راجل ولا مرة في عيلتكم. اخلص. حمدي: طب وعمي فين دلوقتي؟ عبدالله: ااا... الله يرحمه، ملحقش يهرب. بعد ما شافه مع مراته في سريره، قتلها وقتله. واللي شفوه قالوا لسلطان الكبير، وقبل ما يدخل المركز قتلوه. وهم دلوقتي بيدوروا على ولاد عمك ويدوروا على شباب العيلة كلها، والدور جاي عليك. اخلص بأه وفوق.
حمدي وقف في وسط المنزل ذهاباً وإياباً، عقله توقف عن التفكير وهو يردد: هروح فين ومراتي بطنها قدامها وعلى وش ولادة وبناتي الصغيرين؟ أنا هسيبهم هنا مع أبوي. عبدالله: لاااء أوعى، بقولك حالفين... حالفييين مايخلوا كبير ولا صغير، ولااا راجل ولا مرة. اخلص. أبوك راجل ضرير (أعمى) محدش هيقربله.
أسرع يأخذ زوجته الحامل وبناته التوأمين اللتين لم يتجاوز عمرهما الثمان سنوات، ومبلغ من المال. وأخذت أمل الذهب وملابس أطفالها وأي شيء غالي الثمن. وتركوا منزلهم يواجهون مجهولهم إلى حيث تأخذهم أرجلهم. **عودة إلى الوقت الحالي... !!! قصر كبير يطلق عليه أهالي القرية ثراية سلطان الكبير. رجل كبير ليس في العمر فقط، ولكن كبير في كل شيء، في الهيئة والهيبة والسلطة والقرارات. عندما يقف يتوقف الزمن وتقف معه الأنفاس.
يخرج من غرفة المكتب بعصاه المدببة من أسفلها الغليظة، من أعلاها هي كفيلة بضربة واحدة أن تقتل أي رجل ينال منها العقاب، وياويله من ينال منها العقاب. ينظر إلى رجاله نظرة ذات معنى. صمت، ثبات. عدد من الرجال يقفون في صفين وهو يسير في منتصفهم، أنظارهم مسلطة على أرجلهم ولا أحد يجرؤ على النظر إليه. قال بصوت يشع منه رائحة الموت: مرعي. تقدم مرعي مهرولاً: أفندم جنابك. سلطان: جبت جثة سيدك مجدي.
مرعي: حصل جنابك، وهو دلوقتي بيغسله شيخ المسجد والرجالة... مرعي وهو يتردد في الحديث، ينهره سلطان محدثاً إياه: انـ ط ق. مرعي: الظابط الجديد اللي في المركز واقف بره، مصمم ياخد جثة سي مجدي و... و... وياخد أقوالك... ويشوف هتتهم مين. سلطان بصوت يرعب: قل له معندناش جثث، ولا حد اتقتل، ولا فيه أقوال. وخليه يسكت بمعرفتك، أو تدفنه جمب سيدك. مرعي: أوامر جنابك. ***
وأثناء حديثه وصل إلى مسامعه صوت عويل وبكاء النساء. صعد بخطوات سريعة، فتح باب الغرفة التي تقطن بها مجموعة من النساء. قال بصوته الجهوري: اسكتي يا مرة منك ليها، مسمعش صوت واحدة فيكم... واللي تخالف أمري هدفنها وياه في القبر. قبر يلمك. تكلمت امرأة كبيرة في العمر: ولدي... ولدي، ما عايزنيش أحزن على ولدي. سلطان: لاااه، احزني عليه العمر كله، خدي عزاه كمان، بس دلوقت لااااه. إلا ما أخد بتاره، أنت فاهمة.
نظر بجانبها، رأى امرأة صغيرة صامتة تنظر إلى اللا شيء، تحتضن ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر سنة. نظر له بحزن وعلى صغير ابنه الذي تيتم في توه. انحنى إليه، يجذبه إلى أحضانه ويربت على كتفه. سلطان بحنان: متبكيش يا ولد، فيه راجل بيبكي. فارس: أبوي يا جدي، مش هشوفه تاني. ستي قالت مات ومراح يجي تاني. سلطان جفف دموع فارس وهو يتوعد لعائلة الجبالي. الشر والحقد يتطاير من بين عيونه قائلاً:
سلطان يتوعد: ورحمة ولدي اللي دمه مبردش، وبكى ولده، لا تنبت لهم زرع، ولا يدق بابهم فرح، ولا يستر لهم عرض. وهقطع دابرهم كلهم. وبالفعل في غضون ساعات قليلة تم قتل كل شباب عائلة الجبالي، وجاري البحث عن البقية. وساد الحزن والسواد في جميع بيوت عائلة الجبالي. دفن القتيل مجدي سلطان الكبير في صمت دون عزاء، حتى يكتمل الانتقام والثأر من آخر فرد منهم. أمر رجاله بالبحث عنه، ولكن دون جدوى. لم...
ولن يجدوه. نعم، لقد ذهب ولم يستدل على عنوانه. ؟؟؟ بعد مرور سبعة عشر عام! *** في قرية من قرى الصعيد، على أطراف البلدة، على طريق الأوتوستراد الرئيسي، يوجد كافتريا وبنزينة ومجموعة محلات. يعمل في سوبر ماركت، كاشير يضع البضائع في أكياس ويحاسب الزبائن. الرجل: يا أستاذ... أستااااذ... أنت يا أخينا... : آسف... ١٦٠ جنيه يا أستاذ. دفع المبلغ، ثم سأله مرة أخرى. الرجل: لو سمحت، هو الطريق لــ سوهاج من هنا ياخد وقت قد إيه؟
: بتنهيدة حارة واشتياق، حوالي ٣ أو ٤ ساعات، توصل بالسلامة. الرجل: شكراً، ربنا يجزيك خير. ذهب مع اندهاشه، فهذا الرجل الذي سأله ورد عليه بحنين وحزن غريب. ***
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!