تركض هنا وهناك تداعب نسمات الهواء بشرتها الناعمة الطفولية وشعرها يتطاير خلفها لتضحك وتصفق. تتعالى الضحكات وهي تنظر خلفها للأطفال وهم يركضون بالبالونات وخلفهم آباؤهم. تختفي ابتسامتها وتجلس أسفل شجرة شاهقة قامت والدتها بغرسها قبل سنوات. تمسك بكتاب وتبدأ بالقراءة. أتى أحد الأطفال والذي هو ابن عمها محمود ليقول لها: _لورا ماذا تفعلين بربك؟ اليوم ليس للقراءة. لتجيب: _لا يا محمود، كل يوم بالنسبة إليّ هو للقراءة.
قال محمود بلا مبالاة: _كما تشائين. بعدما ذهب، ألقت بالكتاب بعيداً وتأففت بضيق. بادي لتصير أوداجها حمراء بطفولة ملوثة، بشرتها النقية بحمرة غاضبة. تأملت المبنى الخاص بالمدرسة من خلف سور المنزل. قرأت عنوان الكتاب، فهو كتاب علمي ضخم بعلم الرياضيات. هي لا تحب كل هذه الأشياء بل أصبحت عادة لديها.
ليس لديها صداقات لتكونها أو حتى شخص واحد مقرب. ليس لديها سوى والدها والذي يجلس على بُعد منها رفقة أخيه يتحدثان. لم يكن هكذا، كان يهتم بها كثيراً ولكنه تغير بعد وفاة والدتها قبل ثلاث سنوات. وهي الآن بالخامسة عشر من عمرها تستعد لولوج المدرسة الثانوية وتأخذ البكالوريا لكي تلتحق بكلية القانون كما شاءت كثيراً.
بالرغم من تفوقها وحصولها على الدرجة الكاملة بالاختبارات، إلا أنها لا تحبذ أياً من المجال الطبي أو الهندسي. تريد شيئاً مختلفاً. دائماً الاختلاف هو طريق الوصول. لسنا مطالبين بالوصول ولكننا حتماً مطالبين بالسعي. بالرغم من صغر سنها، إلا أنها تدرك جيداً أنها لا تريد الزيف بأي شيء، لا الأصدقاء ولا الزملاء ولا من هذا القبيل. ابتسمت وهي ترى ذلك الشاب الذي يجلس بجانبها ويرافقها دائماً. قالت: _تأخرت اليوم على غير العادة.
تبسم قائلاً: _لا بل كنت بالأرجاء أقضي بعض الأمور الهامة. لتقول بعبوس: _وتتركني هكذا. ضحك بقهقهة عالية من بين أنفاسه: _لا يا لورا لم أتركك أبداً. ركضت تجذب الكتاب الملقى أرضاً بشغف وقالت: _أنظر ماذا أقرأ اليوم. أمسك به وقرأ العنوان وسألها: _كتاب جديد؟ أجابت بحماس: _بلى. بدأ الاثنان بقراءة الكتاب، وهو يشرح لها ما يصعب عليها فهمه. مر بعض الوقت حتى جاءت يارا ابنة عمها الصغرى وهي تقول: _لورا لما لا تلعبين معي؟
نظرت إليه بجانبها وقالت: _لا أريد، فأنا أقرأ كتاب جديد. أمسكت يارا بالكرة وقالت: _حسناً، سألقيها لكي وأنتِ بدورك تفعلين مثلي تماماً. لم تمهلها فرصة للرفض بل قذفت الكرة باتجاهها لتمر من خلاله وهو يشاهدها بهدوء ولورا تفعل المثل. ابتسم لها واختفى كالعادة. اغرورقت عينيها بالدموع وهي ترى المكان الخاوي. أمسكت بالكتاب وركضت للداخل. ***
يسير بالممر بهدوء، يهندم لباسه تارة ونظارته الطبية تارة أخرى. وهو يرى الطلاب على جانبي الممر يتهامسون ويناظرونه بضحك. لا يستطيع النظر إلى أعينهم مباشرة، يكتفي بالمرور سريعاً. لتوقفه إحدى الطالبات وتسأله: _أستاذ يوسف، هلا سمحت لي بسؤال؟ لم ينظر لها بل اكتفى بإيماءة دليل على الموافقة لتستأنف حديثها: _لدي خطأ بورقة الإجابة وصديقتي لديها نفس الخطأ، ولكنك لم تحسبه لها لماذا؟ أجاب:
_عذراً، سأرى ذلك بنفسي. أتركي ورقة الإجابة الخاصة بكِ وبزميلتك بمكتبي وسأرى أين هو الخطأ يا راندا. قالت راندا فرحةً: _حسناً، سأفعل ذلك يا أستاذ. أومأ لها وأكمل المسير. تنفس بعمق وفتح الباب الأبيض أمامه ودلف. لم يقف الطلاب احتراماً لأستاذهم بل ظلوا يركضوا ويلهوا هنا وهناك، بأصواتهم المرتفعة والضحكات الصاخبة. حمحم وقال: _هدوء رجاءً. لم يلتفت له أحد. وهم بالخروج ولكن أوقفه دخول المديرة. حالما وطئت قدمها الفصل عم الصمت
والهدوء المكان لتقول بسخط: _ما هذا الصوت؟ ..التزموا الهدوء فأنتم بمدرسة وليس بشارع. التفتت ليوسف وقالت: _سيد يوسف، حالما تنتهي أريد الحديث معك. قال بهدوئه المعتاد: _حاضر سيدتي. خرجت وبدأ هو بالشرح. بعدما انتهى ذهب إلى المكتب الخاص بالمديرة. جلس صامتاً لتقول هى: _سيد يوسف، أنت لا تستطيع السيطرة على طلابك وهذا أمر غير مقبول هنا. وإن استمر الحال هكذا فأعتذر منك، لا مكان لك بيننا. قال:
_سيدتي، أعلم كل هذا واعتذر كثيراً على ما حدث وأعدك بأنها المرة الأخيرة. خرج مسرعاً وذهب إلى مكتبه يفكر بحل لمعضلته. فهو مسؤول عن والدته فليس لديه سواها ولا يستطيع ترك العمل بالمدرسة بأي شكل. فيجب عليه الاهتمام بشئونه جيداً.
جلس يفكر كثيراً وقرر قراءة كتاب للعالم وائل سمير، عالم النفس الشهير والذي توفى بظروف غامضة. حيث أنه تخصص بعلاج الأمراض النفسية لمساعدة أناس لا يشعر بهم أحد. وأخترع دواء خاص بعلاج الوسواس القهري وكان جيداً للغاية ونال من وراءه شهرة بليغة، إلى ان تزايدت حالات الهذيان والكثير من الأعراض الأخرى التي ظهرت على مرضاه والتي وصلت لحد إنهاء الحياة. رُفعت عليه الكثير من القضايا حتى أن زوجته ذهبت ضحية لعلاجه ذلك. بعد ذلك بسنوات نُشر خبر موته بالجرائد صباح أحد الأيام بعيادته الخاصة إثر سكتة دماغية.
أفاق يوسف من تفكيره على صوت الرعد يضرب الأجواء بشدة والبرق ينير السماء التي باتت كالصباح تماماً برغم من ظلام الليل الحالك. صعد إلى السطح ليرى ما الذي ضرب نافذة مكتبه بشدة. رأى غصن شجرة عالق بين النافذة والسور الحائل بينه وبين السقوط والأمطار المنهمرة فوق رأسه تمنعه من الرؤية بوضوح. لم يستطع الوصول ليرى أن ارتفاع الشجرة سيساعده على الوصول بسهولة. تسلقها وحاول الوصول مجدداً.
وصل أخيراً إلى مبتغاه لتضيء السماء بشدة كوضوح النهار. شعر بشعر رأسه يتصلب لينظر للأعلى ولم يشعر سوى بصعق كهربي سقط على أثره أرضاً. وآخر ما شعر به هي يد تمسك بيده والأمطار لازالت تسقط بشدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!