الفصل 4 | من 35 فصل

رواية ذكريات مجهولة الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
30
كلمة
4,061
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

في الصباح… بيت رحمه…. فتحت عينيها بإرهاق، فهي لم تشعر بالراحة خلال نومها، لكن عليها الاستمرار. نهضت من فراشها بتكاسل، محاولة التنشط قليلاً لتبدأ يومها بمهام اعتادت عليها قبل مغادرتها في الصباح. قامت بترتيب الشقة جيدًا وتحضير الفطور ووضعه على المنضدة قبل استيقاظ الجميع. ارتدت ملابسها بغرفتها التي كانت شرفة بالأساس قبل أن يحولها والدها إلى غرفة خاصة بها بعيدًا عن إخوانها الذكور (عبد الله) (محمد) (عمر)

خرجت إلى غرفة المعيشة لتجد والديها قد استيقظا ومعهم أخويها (محمد) (عمر) يتناولون الإفطار الذي قامت بتجهيزه لهم منذ قليل. رحمه بابتسامة مشرقة: صباح الخير. الجميع: صباح الخير. جلست (رحمه) تتناول فطورها معهم بجلسة يغمرها الراحة والدفء، لا ينقصها سوى الغائب (عبد الله) إبراهيم: صاحية بدري النهاردة… رايحة الكلية ولا إيه؟ رحمه: أيوة يا بابا… رايحة النهاردة. إبراهيم: ربنا ييسر أمورك يا بنتي. رحمه: آمين يا رب. وقفت (رحمه)

وهي تضع آخر لقمة بفمها بتعجل، ملوحة لهم بيدها مودعة. رحمه: أنا يادوب أمشي بقى… سلام. أم رحمه: اقعدي يا بنتي كملي فطارك. رحمه: لا الحمد لله… شبعت. يلا يا (محمد) يلا يا (عمر) … حتتأخروا كده. عمر: لا متخافيش لسه قدامنا وقت. روحي إنتِ أحسن (هاجر) زمانها مستنياكِ. رحمه: طيب تمام… يلا سلام. ثم عادت ببصرها نحو والدتها مستكملة. رحمه: ممكن متتعبيش نفسك لحد ما أرجع وأنا حعمل كل حاجة… ماشي.

أم رحمه: روحي إنتِ بس كليتك ومتشيليش هم خالص. رحمه: أنا نازلة على طول… سلام. الجميع: مع السلامة. خرجت (رحمه) مسرعة وهي تحمل حقيبتها، ممسكة بأحد الملازم بيدها، لتقابل (هاجر) التي وقفت تنتظرها كعادتها كل يوم. هاجر مازحة: إنتِ عمرك ما حتنزلِ بدري وترحميني من الوقفة دي كل يوم. رحمه: شوف مين اللي بتتكلم… بلاش أنتِ يا (جوجو) ده أنتي مطلعة روحي وبتلطعيني بالساعات ولا ناسيه. مجتش يعني على خمس دقايق الصبح.

هاجر: يا ساتر يا رب… مبتفوتيش حاجة أبدًا. يلا يا أختي اتأخرنا على الأتوبيس. رحمه: ناس ما بتجيش إلا بـ… هاجر: بالـ… إيه؟ رحمه ضاحكة: بالعسل. يلا بينا. اتخذتا طريقهما نحو الجامعة، فهما طالبتان بكلية التجارة بالسنة الرابعة، ولم يتبقى على تخرجهما سوى شهور قليلة. ومع ذلك، فلظروف أسرتيهما المتواضعة ماديًا، تعملان بعد انتهاء يومهم الدراسي بمعرض المفروشات لمساعدة أسرتيهما وتحمل نفقاتهما قدر المستطاع. *** مديرية الأمن العام….

يتقدم بخطوته الثابتة متجهًا نحو مكتبه بثبات. وفور وصوله إلى المكتب، انتفض الشرطي قرابة باب المكتب بالوقوف باستقامة رافعًا يده أعلى جبهته مؤديًا التحية العسكرية قبل أن يقوم بفتح الباب له. دلف إلى المكتب هذا الشاب القوي بطوله الفارع وهيبته القوية. (طارق العربي… شاب قوي البنية ذو ملامح جادة وسيم، قمحى البشرة ذو عيون حادة ونظرات قوية وملامح شرقية أصيلة محببة، لكنها في بعض الأحيان مخيفة عندما يظهر غضبه)

نظر إلى داخل المكتب ملاحظًا صديقه وزميله (سامر) يجلس خلف مكتبه يقرأ بأحد الملفات الموضوعة أمامه. (سامر عجب… شاب بشوش الوجه ذو ضحكة صافية يتسم بالهدوء بالرغم من بنيته الجسمانية القوية المشابهة لـ(طارق) بفعل التمرينات الرياضية القوية التي يقومان بها. لكن ملامحه تشبه أخيه (علاء) بشكل كبير حتى مع زرقة عينيه التي ورثوها عن أمه). طارق: صباح الخير. سامر متعجبًا: (طارق) …!!! صباح الخير. طارق: إيه أخبارك؟

سامر بتعجب: إيه أخباري أنا؟ أنت اللي إيه أخبارك مش كان عندك مأمورية امبارح بالليل؟ جيت بدري ليه كده؟ (طارق) وهو يجلس على المقعد الخاص به خلف مكتبه: متقلقش كده… وراك أسد. سامر: ده أمر مفروغ منه… أنا متأكد. بس احكي لي عملتوا إيه في الحملة امبارح؟ طارق بفخر: عيب يا بني… كلهم تحت في الحجز. سامر: يا ريتني طلعت معاكم امبارح. طارق: ولا يهمك المرة الجاية أنت أكيد معانا. سامر: ضروري… مش حسيبكم أبدًا. *** في المستشفى…

وقفت تتأمل المارة ككل يوم من النافذة. تهيم بتأملاتها لهؤلاء الغرباء، فهذا يعبر الطريق وآخر يسير بعجالة، وهذا يركض وهذا وهذا. لتمضي وقتها وترى كيف الدنيا تدور من حولها دون أن يشعر بها أحد. كل ما تفعله بحياتها هو التأمل من النافذة باتجاه أناس لا تعرفهم ولا يعرفونها ولا يشعرون بوجودها، وكأنها في سجن كبير تطل من نافذتها هذه على العالم من حولها.

ما عليها سوى متابعة المارة وتناول الطعام الذي أصبحت مجبرة على تناوله كل ساعتين بحد أقصى. *** تركيا… جالسة (توتشا) الصغير (يامن) بغرفته بالدور العلوي ليلهو ويلعب بعيدًا عن (أميمة) حتى تستطيع هي و (سيلا) العمل. بالدور السفلي. وضعت (أميمة)

العديد من الأوراق والألوان وعينات من الأقمشة المختلفة أمامها، كذلك وضعت جهاز الحاسوب "اللاب توب" الخاص بها للعمل على التصميمات المطلوبة منها لهذا الديفيليه "العرض" الضخم الذي سيقام بعد شهر. أميمة بإرهاق: اوف… تعبت قوي. يلا نرتاح شوية ونشرب حاجة ونرجع نكمل، أنا دماغي وعنيا تعبوني قوي. سيلا: طيب أنا حقوم أعمل لنا كوبايتين نسكافيه وأجي نرغي سوا شوية. أميمة بتملل: (سيلا) …!!! بقولك عايزة أريح دماغي.

سيلا بشقاوة: طيب وأنا قلت حاجة… كلمتين مع النسكافيه. أحضرت (سيلا) كوبين من النسكافيه لتضعهما على المنضدة وتجلس إلى جوار (أميمة) على الأريكة لتلتفت إليها وجهًا لوجه وهي تبتسم بسماجة. سيلا: ها… نرغي في إيه؟ اعتدلت (أميمة) لتنظر نحو (سيلا) التي مازالت متحفزة للحديث وبإصرار شديد. أميمة: مالك يا (سيلا) … هاتي من الآخر. سيلا: (أميمة) إحنا بقالنا مع بعض حوالي خمس سنين… ومع ذلك معرفش عنك كتير. هو إحنا مش أصحاب؟

نفسي أعرفك أكتر… إنتِ غامضة قوي. أميمة: ولا غامضة ولا حاجة… عادي يعني. جيت تركيا واشتغلت وتعبت لحد ما عرفت أبقى مصممة أزياء كبيرة بالشكل ده. سيلا: (أميمة) …!!! أنا عارفة كل ده كويس قوي. عارفة إنك جيتي تركيا وكنتِ مرهقة وتعبانة جدًا واشتغلتِ مع ماما وبابا في المطعم بتاعهم. وماما حبتك واعتبرتك زي بنتها لحد ما ولدتي (مينو)

بالسلامة. وبعدها قررتي تصممي حاجات وعرضتيها على مكاتب كتير لحد ما اتقبلت منك وسبتي المطعم واشتغلتِ في شركة أزياء وبعد كده عملتي شركة لوحدك وبقى عندك براند باسم (مينو) . كل ده معروف. أنا عايزة (أميمة) اللي جوه اللي مستخبية أو بمعنى أصح… فين بابا (يامن) عرفتوا بعض إزاي؟ وكده يعني. (أميمة) بتفاجئ من سؤال (سيلا) المباشر وغير المتوقع بنفس الوقت. أميمة: بابا (يامن) ..!!! سيلا: أيوة يا (أميمة) . افتحي لي قلبك واحكي لي.

للحظة تفكير، ظنت (أميمة) أنها ربما إذا قصت على (سيلا) قصتها ستتخلص من تلك الذكريات الحبيسة بقلبها وتبدأ حياة جديدة بعد تخلصها من تلك الذكريات حلوها ومرها. أميمة: ممكن… ليه لأ. أبدأ لك منين؟ سيلا: من الأول خالص. وبالتفصيل الممل أنا مش مستعجلة. *** الجامعة. تقابلت جميع الفتيات يتكلمون ويتحدثون ويتضاحكون. كانت (رحمه)

تتمتع دومًا بقدرتها على الحديث المشوق الذي يجعل الفتيات تلتف حولها وتحب وجودها وحديثها الرائع اللواتي لا يمللن منه أبدًا. اقتربت تجاههم تسير بدلالها المصطنع، وقد تبدو للوهلة الأولى أنها ربما ذاهبة إلى حفل ما، بارتدائها لتلك الكنزة الضيقة وسروالها الجينز الملتصق بساقيها وله تمزقات عدة لمواكبة الموضة، ومساحيق التجميل التي تزين وجهها بصورة مبالغ فيها لتلفت جميع الأنظار إليها، وهذا ما تحبه وتسعى إليه. هايدي: صباح الخير.

الجميع: صباح الخير. بسملة: اتأخرتي ليه يا (هايدي) هايدي بغرور: أنا اتأخرت؟ لأ لأ متأخرتش ولا حاجة. رحمه مازحة: يا شيييخة… ده فيه محاضرة خلصت من ساعة وأنتِ لسه بتقولي متأخرتيش. (هايدي) بعدم اكتراث لحديث (رحمه) ، فهي لا تطيق تلك الفتاة الفقيرة ولا صديقتها تلك التي تدعى (هاجر) هايدي بملل: مش بحبها. رقية: طيب يلا إنتِ وهي قبل ما المحاضرة اللي بعدها تبتدي.

تحركت جميع الفتيات نحو ذلك المدرج لحضور المحاضرة قبل أن تبدأ بالفعل. *** الإمارات. حورية. يوم جديد يبدأ ككل يوم، لا يختلف عن سواه شيئًا بالنسبة لها. تستعد بعمل روتينها اليومي الإجباري الذي تقوم به دائمًا خوفًا من أي مفاجأة قد تحدث ويعود مبكرًا لأي طارئ، فهو لن يتهاون معها على أي تقصير من وجهة نظره الموسوسة.

استعدت للقيام بمهامها المرهقة فوق المعتاد، فيجب عليها تجهيز البيت كاملاً وتنظيفه مرة أخرى رغم أنه مازال نظيفًا، فقد قامت بتنظيفه بالأمس. لكنها لن تحتمل قسوته وعقابه إذا لاحظ خطأ أو تقصير ولو بسيط وغير متعمد. لملمت شعرها الأسود الطويل بضفيرة سميكة، مرتدية غطاء لشعرها وملابس مريحة تساعدها على الحركة والتنظيف. نظرت بملل وتكاسل نحو هذا البيت الكبير، فقد ملت من هذا العمل الشاق طوال الوقت.

فعلى الرغم من ثراء زوجها وقدرته المالية والثراء الذي يتمتع به، إلا أنه يرفض تمامًا وبصورة قاطعة أن يكون بالمنزل خادمين على الإطلاق. ويصر دومًا على الترتيب والتنظيف المرضي كل يوم حتى إذا لم يتواجد بالمنزل، فربما يأتي من سفره القصير على حين غرة دون حتى إخبارها. وحتى لو أراد إخبارها لن يستطيع، فهو يمنعها من استخدام أي هاتف، لتبقى بهذا البيت الكبير حبيسة جدرانه كالأسير.

إذا سافر للعمل أو للتنزه أو حتى بذهابه اليومي لعمله، لابد من أن يصدق الباب مغلقًا إياه بالمفتاح ليتركها وحيدة لا أنيس ولا ونيس ولا حتى هاتف تكلم به أي شخص ولا حتى أهلها. لا يختلف وجودها بهذا البيت البهي عن السجن شيئًا سوى رفاهية العيش التي يوفرها لها، وتتمنى بكل جوارحها وقلبها أن تتنازل عن كل ذلك مقابل يوم واحد سعيد وسط أهلها. فقط يوم واحد. بدأت بتنظيف الدور العلوي بغرفه المتعددة الخالية بالطبع من أي سكان.

وبعد وقت طويل انتهت من هذه الغرف لتنظف السلم الداخلي وحتى الدور السفلي. شعرت بأن كل عظامها قد تكسرت من الإنهاك والتنظيف، خاصة وهي لم تتناول شيئًا منذ الصباح. جلست على المنضدة بالمطبخ لتستريح قليلاً. حورية: آآآه… جسمي كله اتكسر. معدتش قادرة خلاص. وقعت عيناها على الساعة لتنتفض مسرعة، فقد اقترب موعد عودته. هي تشعر بذلك بالفعل. فهو لن يتأخر عن ذلك، فعادة سفره لا تتعدى الخمسة أيام، واليوم هو اليوم الخامس.

حورية بذعر: ياااه… هو أكيد زمانه راجع. أيوه… زمانه راجع. لازم أخلص بسرعة وأعمل الأكل، هو ده بس اللي باقي. وبدون أن ترتاح أو تتناول شيئًا يكسبها قوة لمجابهة ذلك المجهود الذي يفوق قدرتها يوميًا، أسرعت لإنهاء ما توجب عليها من أعمال. وبعد جهد شاق، مر الوقت وأخيرًا انتهت من التنظيف وإعداد الطعام. صعدت (حورية) إلى غرفتها ثم توجهت على الفور باتجاه المرحاض لتغتسل وتبدل ملابسها.

وبالفعل في وقت قياسي أنهت حمامها وتوجهت نحو خزانة الملابس لتجد كالعادة جميع فساتينها وملابسها المتشابهة التي يشتريها لها زوجها. ملابس فعلاً جميلة وباهظة الثمن، لكنها ليست من اختيارها، فكلها من اختيار زوجها لها. ارتدت فستانًا أصفر قصير ذو علاقات رفيعة يبرز لون بشرتها البيضاء. وضعت بعض مساحيق التجميل بدون تكلف، فكانت جميلة مشرقة وزادها إشراق لون فستانها.

أسرعت تركض نحو الدور السفلي، جالسة بانتظار وترقب زوجها الغائب منذ أيام لزيارة أهله بمصر، وربما اليوم هو يوم عودته إلى البيت. *** في أحد السجون. بأحد زوايا هذه الزنزانة التي قضى بها أيام وشهور طويلة وليالٍ قاسية، جلس بهدوء يقرأ القرآن محتسبًا صابرًا منتظرًا فرج الله القريب، فهو يأمل دائمًا في فرج الله.

اقترب منه أحد المساجين ليجلس إلى جواره متحدثًا إليه، محاولًا قضاء الوقت الطويل بأي شيء، حتى لو كانت محادثة معادة للمرة الألف، فليس هناك ما يساعد على مرور هذا الوقت الطويل. عزوز: كفاياك وأنا أخوك. تعال حادثنا. سامرنا. خلي الوقت يقصر. ما يصير تفضل لحالك طول الوقت. اعتدل (عبد الله) وقد نحف كثيرًا منذ أن قدم لهذا المكان القابض للنفس. سيطر على ملامحه الحزن واليأس. (عبد الله… أخو (رحمه)

الكبير، يكبرها بعامين فقط. ملامحه قريبة جدًا من ملامح (رحمه) وأبيه (إبراهيم) . تخرج من جامعته منذ عامين وقرر بدء رحلته بالسفر لإدخار بعض المال كمثل نظرائه الذين يسعون للسفر كطريق مختصر لبدء حياتهم وأعمالهم وتوفير بعض الأموال بطريق أسرع من بقائه ببلده حتى يستطيع أن يبدأ حياته. كان كأي شاب في سنه يريد توفير حياة كريمة له ويؤسس أسرته الصغيرة).

عبد الله: وهو أنا لو قعدت معاكم ومقعدتش لوحدي ده حيقلل إحساسي بالظلم والقهر يا (عزوز) عزوز: يا خوي… بيكفى. مظلوم… مظلوم. كلنا بالحبس مظاليم يا خوي. خلاص… ما عاد فيه حيل. ثماني شهور ظليت تقول مظلوم مظلوم وإيش اللي صار؟ ولا شي. كلنا مثل ما تقولون بمصر في الهوا سوا. عبد الله: سيبني على راحتي يا (عزوز) الله يخليك. أنا حابب أبقى لوحدي. عزيز: هاه… كيف ما تريد. قد كان (عبدالله)

بطبعه شاب متفائل وبشوش، لكن الحزن والظلم والانكسار لم يبقوا من تفاؤله شيئًا، فقد سُجن ظلمًا نتيجة شهادة ظالم جعلته يقضي هذه الثمانية أشهر بهذا المحبس بعيدًا عن الأهل والأحباب. كم كان يود أن يرجع إلى حضن بلده ووطنه، أو على الأقل يطمئن والديه وإخوانه، فهم لا يعرفون شيئًا عنه منذ أن قرر السفر للعمل بالخارج.

جلس في انعزاله يكمل قراءة القرآن، وباقي المسجونين ينظرون إليه بحقد لتفضيله دائمًا البقاء بمفرده في هذه الزاوية منذ مجيئه إلى هنا. *** تركيا.. بيت أميمة. جلست (سيلا) منصتة باستمتاع، فـ (أميمة) أخيرًا ستبوح عما بداخلها وتبدأ بقص حكايتها عليها. تعلق ببصر (أميمة) بإحدى زوايا الحائط وكأنها ترى كل ذكرياتها الحبيسة داخل سجن قلبها، تتذكر كل تفاصيلها وكأنها حدثت بالأمس فقط. بدأت (أميمة) تسرد على مسامع (سيلا)

ما حدث ذلك اليوم بالتفصيل. أميمة: عارفة يا (سيلا)

… أنا كنت وقتها في آخر سنة في الكلية. كنت حبوبة قوي وبرضه كنت بتكسف أوى أوى. اليوم ده كنت معزومة على شبكة واحدة صاحبتي. قعدت أتحايل على بابا أو ماما ييجوا معايا مرضيوش أبدًا، وأنا طبعًا كنت البنت الوحيدة وماليش إخوات. فاتفقت مع أصحابي البنات يعدوا عليا نروح كلنا سوا. وجهزت ولبست فستان طوبي وحطيت ميك أب خفيف ولقيتهم بيرنوا عليا يقولوا لي إنهم مستنيني بالعربية تحت البيت.

نزلت جري عشان متأخرش عليهم وأنا ماسكة الموبايل والشنطة في إيدي. لقيت العربية رحت راكبة على طول في الكرسي اللي ورا. سيلا بحماس: آها… وبعدين.

أميمة مستطردة: اتفاجئت إني ركبت عربية غلط وفيه ثلاث شباب راكبين العربية، واحد جنبي واثنين قدام. روحي راحت فيها وأعصابي سابت، خصوصًا لما اللي جنبي ده بص لي قوي وابتسم لي. قلت له آسفة آسفة شكلي غلطت في العربية. مش عارفة قالي إيه من كتر الارتباك والتوتر اللي بقيت فيه. كان تقريبًا وشي بقى لون الفستان من الكسوف. نزلت من العربية جري أدور على أصحابي لقيتهم لسه واصلين بالعربية ركبت بسرعة من غير كلام وأنا حاسة إن قلبي حيتخلع

من كتر ما بيدق. وحضرنا الخطوبة ورجعت على البيت وأنا لسه حاسة إني مضروبة على دماغي. تاني يوم وأنا نازلة من البيت لقيت واحد واقف على الجنب الثاني وشكله مستني بقاله شوية، أول ما شفتني قرب ناحيتي بسرعة، أول ما شفت وشه افتكرت إنه هو ده اللي كان قاعد جنبي في العربية امبارح. بس ملامحه أوضح في نور الشمس. انكسفت تاني من اللي عملته امبارح. لقيت بيقولي إنتِ نسيتي الموبايل في العربية امبارح. هزيت راسي من غير ولا كلمة، كل الكلام

ضاع وأنا قلبي عمال يدق تاني جامد قوي، مش عارفة من الخضة ولا من الشاب أبو عيون زرقاء ده. أخدت الموبايل وهو سابني ومشي ولقيته بيلف لي وبيقولي

وهو مبتسم وكله ثقة وقوة: أنا سجلت لك رقمي واخدت رقمك، حنرن عليكِ. سلام. وقفت مذهولة طبعًا وأنا مش عارفة أنطق ولا كلمة، بس كنت من جوايا مبسوطة قوي. سيلا باندهاش: وااو… ده حب من أول نظرة بقى. وإلا مكنتيش سكتي. إنتِ مش بتسكتي يا (أميمة) . محدش يقدر ييجي عليكِ أو تعملي حاجة غصب عنك. أميمة: دلوقتي بس. زمان كنت غير كده. بس إنتِ عندك حق… أنا دقة قلبي من يومها نفس الدقة لما كنت بشوفه أو حتى تيجي سيرته. طارَت (أميمة)

بذكرياتها بحبها الوحيد. (علاء) … وبتذكرها لهذا اليوم الذي لا تنسى تفاصيله على الإطلاق، بل وكأنها تراه الآن يبتسم لها وهو يعطيها الهاتف ليتحرك بضع خطوات مستديرًا نحوها مرة أخرى مشيرًا لها بكفه بحركة الاتصال وكأنه يعدها بالاتصال بها. ذلك الاتصال الذي ظلت تنتظر دقته كما تنتظر الحياة. ولم يتأخر عنها كثيرًا، فبعد وقت قليل دق الهاتف معلنًا اسمًا غريبًا بالنسبة لها، لكنها أيقنت أنه هو ذو الأعين الزرقاء والشعر الأسود القاتل

(علاء) تذكرت أول مكالمة ودقات قلبها تتنافر بين ضلوعها وهي تواري ابتسامتها وفرحتها باتصاله، وكأنها تنتظر هذا الاتصال منذ أمد بعيد. كم كانت كلماته رقيقة وهو يشرح لها ابتعاده حتى لا يسبب لها الحرج الآن. وكيف ظل متيقظًا أمام عتبة بيتها طوال الليل لرؤيتها، فقد شغلت عقله وتفكيره وربما قلبه بدون استئذان. انتبهت (أميمة) إلى (سيلا)

التي مازالت تحدق بوجهها المشرق بابتسامة بلهاء رسمت عليه، لتغمض عينيها على ذكراها السجينة جدران قلبها لتعود متقمصة دور (أميمة) الجاد الجديد الذي أتقنته جدًا خلال السنوات الماضية. أميمة: (سيلا) … مش نقوم نشوف شغلنا طيب ولا حنقضيها حواديت. سيلا: طيب أهو… بس تكملي لي الحكاية بعد شوية. أميمة: نخلص شغلنا الأول وبعدين نحكي لما نفضى. نهضتا لاستكمال بقية التصميمات، ليتجسد خيال (علاء) أمام أعين (أميمة)

بابتسامته الرائعة وقوته وثقته بنفسه التي أحبتهما به، ليظل أعظم ضابط رأته عيناها يومًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...