« لن اتنازل» تركيـا… أنهت أميمة عملها مع سيلا لتصعدا نحو غرف النوم حيث ستبقى سيلا مع والدتها بإحدى الغرف، بينما حملت أميمة يامن لينام إلى جوارها. مسحت بيدها على شعره الأسود الناعم الذي يغطى عينيه الزرقاوين لتتمعن بملامحه التي أصبحت طبق الأصل لوالده. أميمة وهي تتأمل ملامحه بحزن دفين: دايمًا بيقولوا الولد بيطلع شبه أكتر حد بحبه… وأنت طلعت شبه أبوك الخالق الناطق… للدرجة دي كنت بحبه…؟؟؟
تجهمت أميمة من حديثها. أهي بالفعل لم تعد تحبه مثلما تقول لنفسها…؟؟! لتنهر نفسها على الفور رافضة لفكرة أنها مازالت تحبه أو تكن له بقلبها أي عاطفة على الإطلاق. أميمة: طبعًا مش بحبه… كنت بحبه أه… بس دلوقتي أنا مش بحبه ولا بيأثر فيا… لتحاول أميمة النوم وسط خيال علاء الذي يسيطر عليها في يقظتها وفي أحلامها. *** حورية وعماد…
جلس عماد وحورية على طاولة الطعام في صمت. أخذ عماد يتناول طعامه لا يشغل ذهنه سوى العمل والصفقات والمال. ترددت حورية كثيرًا قبل أن تتفوه بكلمة خوفًا من عماد ورد فعله القاسي. حورية: (عماد) هو… أنت ليه مش بتاخدني في أي أجازة تنزل فيها مصر…؟؟؟ صمت عماد ولم يرد واستمر في تناول طعامه غير مكترثًا بما تقوله حورية. استجمعت حورية شجاعتها مرة أخرى وهي تبتلع ريقها بتوتر لتعيد سؤالها مرة أخرى على مسامع عماد. حورية: (عماد)
… مش بترد عليا ليه…؟؟؟ بسألك ليه مش بتاخدني معاك مصر لما بتنزل أجازة… أنا بقالي ثلاث سنين هنا… ومنزلتش معاك ولا مرة…!!!! عماد بلا مبالاة: وعايزة تنزلي ليه…؟؟ حورية بإندهاش من إجابته الغريبة وغير المفهومة: ليه..؟! أزور أهلي… وأهلك…!!! عماد: أهلك…؟؟؟ وهم دول أهل…. !!!! تحشرجت كلماتها بألم، فهو دائمًا ما يستهين بأهلها ويحقر منهم. هو يراهم لا يرقوا له ولا يقبلهم بحياته، فهم لا يليقوا به ولا بسمعته وثراءه.
حورية مدافعة عن أهلها: أيوة أهلي… أبويا وأمي وإخواتي… نفسي أشوفهم وحشوني… عماد وهو يلقى بشرشف الطاولة بعصبية ناظرًا نحو حورية بعينان تتقدان بشرر الغضب: أظن إن أنا قلت الكلام ده قبل كده وقلت لك مبحبش أعيد كلامي تاني… ليدنو من حورية وقد ضيق حاجبيه بحدة ولمعت عيناه السوداوتين بلهيب غضب كما لو أنهما يتقدان بشرر ولهيب. عماد: أهلك دول تنسيهم… ميشرفنيش أني أعرف ناس زي دول…
أعاد عماد ظهره إلى الخلف مسندًا إلى ظهر المقعد وهو يأشر بإصبعه ناقرًا بحدة فوق الطاولة. عماد: ومن يوم ما دخلتي البيت ده قلت لك تنسي إنك ليكي أهل…. فاهمة…؟!! لمعت عيناها ببريق دمعة حبيسة وهي تنظر نحو هذا القاسي المتغطرس الذي كُتب عليها قضاء بقية عمرها معه هو فقط. حورية: ليه بس… ده أنا…
قطع حديثها انتفاضة عماد ليقف بقوة مبعدًا المقعد الذي كان يجلس عليه بعنف ليقع أرضًا محدثًا ضجة فزعت لها حورية التي تدرك تمامًا ما سيحدث لها الآن. هوى كف عماد الضخم على وجنتها الممتلئة ليترك أثر الصفعة فوق قلبها أولًا قبل وجهها. حورية بإستسلام وقد اهتز صوتها بارتجاف خوف وهي تحاول التماسك ألا تبكي: طب نزور… أهلك… أخرج من… البيت… أنا زهقت… أوي… عماد محذرًا إياها وهو يلوح بغضب
نحو وجهها بإصبعه عدة مرات: قلت لك… متتكلميش في اللي مالكيش فيه… أنا قلتها مرة ومش بحب أعيد كلامي مرة تانية… سفر… مفيش… أهلك العرة دول… ولا حتشوفيهم ولا تعرفيهم تاني طول ما أنتِ هنا… على ذمتي… فاهمة… أكمل كلماته القاسية وهو يصفعها بيده مرة أخرى لتعاود السقوط على وجهها لتخرسها تمامًا هذه المرة وتحبس بقية كلماتها بقهر داخل روحها مثلما تعودت معه.
اقترب من شعرها الأسود ممسكًا به بين قبضته مهددًا إياها بأن تلتزم بالصمت التام. عماد من بين أسنانه بحدة: ومش عايز أسمع صوتك الحلو ده تاني… قربه منها جعله يستنشق عبيرها الأخاذ لتلمع عيناه برغبة دفينة، ليدنو منها بصمت تفهمه حورية جيدًا. فقد استطاعت قراءة ما يفكر به عماد بتلك اللحظة وسط انتفاضتها ورفضها واشمئزازها من قربه.
ذلك الشعور الذي تشعر به كلما يقترب منها، تشعر بالنفور منه، كم هو أناني ولا يفكر سوى في متعته هو فقط. لقد ضربها للتو، أهانها بكل الأشكال معنويًا ولفظيًا وجسديًا، وها هو يتقرب منها لإشباع رغبة بداخل نفسه فقط. قبض يده على ذراعها متوجهًا نحو غرفة نومهم بالأعلى. عماد: يلا ننام…
كانت حورية عيناها تزرفان الدمع من قسوته المجحفة عليها ولكنها لا يسعها الرفض، فهي تخشى من غضب الله عليها لو حرمته من حقه فيها وتخشى من بطشه لو أظهرت أي تمنع عنه، فما كان لها إلا الاستسلام رغمًا عنها. بينما كان عماد يستمتع برؤية عيون حورية تلمعان بتلك الدمعة وهذا الضعف الذي اعتاد رؤيته كلما اقترب منها. لتنتهي هذه الليلة كما انتهت ليالٍ كثيرة، عماد نائم براحة وحورية تمسح دموعها في صمت.
كم كرهت قربه منها، لكنها ليس لديها حيلة في ذلك. *** نيويورك… بعدما أنهى هشام تناوله للغذاء صعد إلى غرفته بالفندق ليكمل قراءة المذكرات. جلس بهدوء مستكملاً قراءته حيث توقف حين أدركت نهال أنها خادمة بعدما تركها خالها وزوجته لتمكث مع الأسرة التي حرمتها من أبسط حق وهو التعليم.
أصبح هشام شغوفًا بهذه المذكرات، يود أن يعرف أكثر ويقترب أكثر من هذه الفتاة التي من مجرد سطور مخطوطة استطاعت بهم أن تميل قلبه إليها وكأنه يعرفها من قبل. ربما لشعوره بالحرمان والفقد مثلها، فكم هما متشابهان، إلا أنها عانت أكثر منه بكثير. أخذ يقلب في الصفحات صفحة تلو الأخرى ويوم بعد يوم. "أنا النهاردة رحت السوق… قابلت بنت حبيتها أوى اسمها شروق… اتعرفنا على بعض وبقينا أصحاب أوى… وأنا حبيتها أوى…"
"قابلت شروق النهاردة واتكلمنا كتير أوى… دي حتى طلعت ساكنة قريب من البيت اللي أنا فيه…" "شروق جت لي النهاردة وكلهم بره البيت وعلمتني حاجات كتير أوى… وعلمتني إزاي أشغل الكمبيوتر… أنا مبسوطة أوى…" "أنا تعلمت حاجات كتير أوى على الكمبيوتر… بقيت شاطرة أوى فيه… كل ما بيخرجوا كلهم بقعد عليه وأتعلم… بخاف يشوفوني قاعدة عليه…"
"النهاردة أنا زعلانة أوى… شروق جت تزورني وقالتلي إنهم هينقلوا في مكان تاني وأنا مش هقدر أشوفها تاني… كان نفسي تفضل معايا… كانت بتهون عليا الأيام… أنا رجعت أبقى لوحدي من تاني…" قرأ هشام هذه الكلمات وكانت أغلبها قريبة في أحداثها، لكنه وجد أن العبارات المكتوبة بعد ذلك يبعد تاريخها سنوات عديدة عن تلك العبارات.
ليقرأ كلمات بخط ناضج مميز للغاية، فبرغم حرمانها من التعليم إلا أنها تمتعت بخط رائع، حتى أنها بدأت تكتب باللغة العربية بدلاً من لغتها الطفولية البسيطة.
"لك أكتب يا دفتري العزيز منذ سنوات طويلة، فقد كانت أعباء المنزل كلها على عاتقي والوقت المتاح لي أحاول أن أتعلم على الكمبيوتر قبل أن يشعر بي أحد، والحمد لله أصبحت بارعة فيه، فقد عوضني الكثير بعد تركي للتعليم… سامحك الله يا خالي… فاليو من هم بمثل عمري رأيتهم يدخلون الجامعة… كم أنا وحيدة… لكنني في نفسي لست خادمة، لكنني سأترك هذا البيت يومًا ما… وسأحاول إثبات نفسي ومكاني ولن أكون مجرد فتاة اضطرتها الظروف لتكون خادمة جاهلة… سأكون نهال التي أحب أن أكون، وهذه الكلمات لأتذكر ذلك…
(نهال) أعجب جدًا هشام بإصرار هذه الفتاة وطموحها رغم قسوة الأيام عليها. هشام: نفسي أشوفها وأتعرف عليها جدًا… بس إزاي هقدر أوصل لها…؟!! بعد لحظات من التفكير توهجت برأسه فكرة ليمسك بهاتفه متصلاً بأخته سمر. هشام: الوو… (سمر) حبيبتي… سمر: (هشام) … وحشتني أوي… شفت أنا مخبية التليفون إزاي عشان محدش يعرف وياخده مني… هشام: برافو عليكي… بس أنا عندي ليكي سؤال… سمر: سؤال إيه..؟!!
هشام: الكتاب اللي انتِ ادهتيهولي ده جبتيه منين…؟!! سمر: أخدته جايزة في المدرسة… هشام متعجبًا: جايزة…؟!!! والمدرسة جابته منين…؟!! سمر: اااه… أصل براء لقاه مرمي في الشارع والميس أخدته منه وعملت لنا مسابقة وأنا فزت وأخدته… هشام: طيب تعرفي تسأليه لقاه فين بالضبط… عشان أرجعه لصحابه… سمر: سهلة… بكرة أسأله… هشام: خلاص بكرة أتصل بيكي عشان تقوليلي… سمر: حاضر… مع السلامة… هشام: مع السلامة…
أخذ هشام ينظر إلى دفتر المذكرات بتمعن وكأنه يرى هذه الفتاة تقف متجسده أمام عينيه. يشعر بشغف كبير لرؤيتها… والتقرب منها، لكن أين هي وكيف سيصل إليها…؟؟؟ أغلق هذا الدفتر العزيز على قلبه وبدل ملابسه وعلق الكاميرا الخاصة به في رقبته متوجهًا إلى خارج الفندق ليبدأ مرة أخرى رحلة بحثه عن مواضيع مثيرة لكتابتها. *** ساد الليل بظلمته… في شوارع القاهرة في عتمة الليل… الناس نائمون والأصوات تتضاءل وعيون تترقب…
أصوات سيارة قادمة لتقف أمام بيت كبير في منطقة نائية يترجل منها أربعة رجال. لا تظهر ملامحهم بعتمة الليل. يفتح أحدهم البوابة الحديدية الكبيرة ويبدأون بالدخول… وبعد قليل تصل سيارة أخرى لتقف أمام نفس البيت ويترجل منها ثلاث آخرون. ليدخلوا إلى نفس البيت لكنهم هذه المرة يغلقون البوابة الحديدية خلفهم ليختفوا بداخل البيت. وبعد عدة دقائق… طارق: الغربان وصلوا العشة… سامر: ندخل الأسود…؟! طارق: استني الإشارة…
تقدم طارق نحو البوابة الحديدية وهو يتفحص المكان ممسكًا بمسدسه مرتديًا السترة الواقية ضد الرصاص. بعدما تفحص البوابة جيدًا أشار بيده لسامر ليبدأوا الهجوم. وبالفعل تقدمت قوات الأمن لاقتحام البيت الذي ظلوا يراقبونه منذ ساعات.
وبعد بعض الصراعات والمناوشات… خرجت قوات الأمن مكبلين الرجال الذين دلفوا منذ قليل بالأصفاد الحديدية لاحقًا بهم الضابط طارق والضابط سامر في زهو يشعران بالفخر لإنجاز هذه المهمة، فإن لهم عدة شهور يراقبون هؤلاء المهربين وينتظرون الفرصة السانحة للقبض عليهم وتخليص البلد من شرورهم. سامر: الحمد لله… طارق: الحمد لله نهيناها بسلام من غير إصابات… سامر: حترجع على المديرية…؟!! طارق: أيوة… حأطمن على نزولهم الحجز وبكرة نحقق معاهم…
سامر: تمام… أنا حروح وأقابلك بكرة إن شاء الله… طارق: مع السلامة يا بطل… عاد طارق مع قوات الأمن إلى المديرية لمتابعة سير الاحتجاز لهؤلاء المتهمين، بينما أخذ سامر طريقه إلى شقة أخيه علاء التي يقيم بها الآن. *** توجه سامر نحو شقة علاء لمقابلته قبل ذهابه إلى عمله بالوزارة. علاء… وضع علاء فنجانه بعدما انتهى من ارتشاف قهوته التي أصبحت بلا طعم بعد غياب مؤنسه التي تعشق القهوة ورائحتها.
انتبه علاء لطرقات على باب شقته ليتجه نحو الباب مرتديًا قميصه الأبيض وسرواله الأسود معلقًا جراب مسدسه فوق القميص ليزيد من مظهره القوي. فتح باب الشقة ليجد سامر يقف أمام عتبته عاقدًا ذراعيه مسندًا على جانب الباب. علاء متفاجئًا: سامر…!!! تعالى… سامر: ده إيه السكر ده… أنت إيه يا ابني..؟!! علاء بملل وهو يرتدي جاكيته استعدادًا للخروج: مالك يا أخي… فيه إيه..؟!!
سامر: إيه الزيارة التحفة اللي عملتها النهاردة دي… طب كنت كمل جميلك واستحمل للآخر مش تمشي زعلان تاني… نظر علاء مستنكرًا نحو أخيه قائلاً: علاء: ده على أي أساس يعني…؟!!!!! على أساس إنك السعيد والمرتاح… ما إحنا عارفين كل حاجة…!!! تنهد سامر محاولاً رسم شبح ابتسامة فاشلة على محياه، فهو يدرك أن أخيه معه حق. سامر: خلاص بقى سيبك من الكلام ده… مفيش منه فايدة… أنا دورت زي ما قلت لي… انتبه علاء لحديث سامر باهتمام بالغ.
علاء بلهفة: وايه…؟؟! لقيتها…!!!!! سامر: للأسف لأ… وراقبت تاني باباها ومامتها برضه مفيش خبر… ولا جت ولا اتصلت… علاء بانهيار فوق أحد المقاعد: تعبت يا سامر تعبت… مش عارف أوصل لها… مش عارف اختفت راحت فين… خمس سنين معرفش عنها حاجة حأجنن… سامر واضعًا كف يده على كتف أخيه مؤازرًا إياه، فهو يدرك تمامًا إحساسه بفقده لحبيبته. سامر: أوعدك مش حبطل أدور عليها… خلي عندك أمل…
علاء بإحباط: أنا رايح الوزارة… ورايا شغل… يلا أوصلك في سكتي… أومأ سامر موافقًا لينصرفا مستقلين السيارة ليوصله علاء لبيت والديه أولاً ثم يتجه إلى مكتب الوزير مستأنفًا عمله. *** سامر… تقدم سامر بخطوات مرهقة نحو غرفة المعيشة والتي مازالت مضيئة كالعادة. سامر: السلام عليكم… الجميع: وعليكم السلام… أم علاء: اتاخرت أوي يا سامر النهاردة…؟!! سامر: شغل بقى… ما انتِ عارفه يا ماما…
أم علاء: ربنا يحفظك أنت واللي زيك يا ابني… أقوم أحضر لك العشا… سامر: لا… أنا جعان نوم… مش قادر… بعد إذنكم… أم علاء: براحتك يا ابني… توجه سامر مباشرة إلى غرفته بينما نظرت أم علاء نحو زوجها متسائلة: أم علاء: هو لحد امتى سامر كمان حيبقى على الحال ده… أنا إيه اللي صابني بس في ولادي الاتنين…!!! أبو علاء: مفيش داعي تفتحي مواضيع مقفولة بقى… اللي حصل حصل وانتهينا وخلاص…
رباب: ماما… قفلي على المواضيع دي دلوقتي… سامر كده كده هو الغلطان… واللي عمله بابا صح ميه في الميه… هو مسيرة حينسى ويفهم إن بابا عمل الصح ليه… أم علاء بإمتعاض: ينسي… شوفي بقاله كام سنة ولا نسي ولا حينسي… كل ما أبص في وشه أحس بالذنب على اللي عملناه معاه… ده بييجي على النوم وبس… ولا بيقعد ولا بيتكلم معانا… ده بقى واحد تاني خالص… مش كفاية علاء واللي جرى له…!!
صادق أبو علاء بحدة: خلاص بقى يا دلال… مفيش داعي للكلام ده أنتِ اللي بتفكريه كده كل شوية… And علاء بكرة يفهم إن ربنا وقف جنبه وبعد عنه واحدة مش أصيلة… جت وقت الشدة وباعته… أم علاء: حسرة عليهم هما الاتنين كان نفسي يتجوزوا وأشوف عيالهم قبل ما أموت… رباب: بعد الشر عنك يا ماما… هما بس حياخدوا شوية وقت وينسوا ويبقوا أحسن من الأول وبكرة تقولي رباب قالت… أم علاء: يا رب يا بنتي… يا رب… *** غرفة سامر…
دلف إلى الغرفة ليترك عالم من خلفه ويبدأ عالم جديد لا يشعر به سواه. أغلق الباب جيدًا مسندًا ظهره إليه سحبًا نفسًا عميقًا وهو يتجول بنظره داخل غرفته الكئيبة التي شهدت على كل آلامه وأوجاع قلبه. تحرك ببطء باتجاه الفراش الذي يرتبه بنفسه يوميًا منبهًا عليهم بألا يخطو أي كان إلى غرفته في عدم وجوده. جلس ببطء فوق الفراش نازعًا سترته بصمت منحيًا قناع القوة والابتسامة التي يرسمها على وجهه رغمًا عنه. *** طارق…
بعد عناء يوم مرهق وطويل بالعمل عاد طارق إلى بيته وقد انتصف الليل ليسود صمت تام بهذا الوقت من اليوم خاصة بفصل الشتاء الذي يعم به الهدوء مبكرًا. أوقف سيارته أما البوابة الكبيرة للبيت ليترجل من السيارة وهو ينظر إلى البيت المقابل له مبتسمًا قبل أن يغلق باب سيارته متقدمًا نحو البيت. دلف إلى البيت الكبير الذي يعمه الهدوء ليجد والدته مازالت تنتظر عودته. طارق: ماما… أنتِ لسه صاحية..؟!! أم طارق: أعمل إيه بقى لازم أطمن عليك…
ارتمى بإرهاق فوق المقعد المقابل لوالدته بغرفة المعيشة. طارق: هو لسه البواب مجاش أنا تعبت من فتح وقفل البوابة الكبيرة دي كل شوية… أم طارق: مش عارفة والله يا طارق من يوم ما سافر البلد هو ومراته ولا اتكلم ولا فيه عنهم خبر… دي حتى هدى أختك كانت هنا واستنتك كتير أوي ولما اتاخرت مشيت وهي اللي فاتحة وقافلة البوابة لوحدها… طارق معتدلاً باهتمام: فيه مشاكل مع جوزها تاني ولا إيه..؟!!
أم طارق ضاحكة: لأ… خالص… المرة دي جايبة لك عروسة… بنت خال جوزها… علت ضحكة طارق الرنانة التي أظهرت بياض أسنانه ووجهه الخمري الوسيم بسمرته الجذابة. طارق: عروسة…!!! ليا أنا…؟!! أنا عمري ما حتجوز بالطريقة دي يا ماما… أنا عروستي لازم أختارها بنفسي… وهو يوم ما حتختاروا ليا… هدى هي اللي حتختار… ضحكتيني والله يا ماما… قوليلي هنا… إنتِ زهقتي بقى من القاعدة لوحدك…؟؟
أم طارق: أه والله… أنت بتقول فيها… أنا فعلاً زهقت من القاعدة لوحدي… طول اليوم مستنياك لما ترجع آخر اليوم… وأديك شايف البيت كبير أوي عليا… نفسي تتجوز وولادك يملوا البيت حواليا… اقترب طارق من والدته ليقبل رأسها حبًا واحترامًا لها، فقد تحملت الكثير لأجله ولأجل أخته هدى منذ وفاة والده. طارق: طيب بس سيبيني أنا اللي أختار العروسة تمام… وخلي هدى بره الموضوع ده… أنا مش ناقص كوارث من اللي بتجيبهم…
ضحكت أم طارق على حديث ولدها، فهي تتذكر جيدًا أن كل الفتيات اللاتي تحضرهن هدى بالفعل كوارث كما يقول طارق. طارق: مش نقوم نرتاح بقى ولا إيه… أنا عندي شغل مهم الصبح… أم طارق: طيب يا حبيبي… تصبح على خير…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!