«اشتياق…» جهزت أميمة التصميمات ووضعتها داخل أحد المغلفات لتنتهي من الجزء الأول والصعب التحضير لهذا الاجتماع بعد أسبوع من الآن. تقدمت توتشا باتجاه الباب لتفتحه بعدما دق جرس الباب منذ قليل. توتشا: دي أكيد سيلا… ملحقتش تجيب البقالة زي عادتها… لتتسع ابتسامة توتشا برؤيتها لـ ضيا بدلاً من سيلا التي خرجت منذ فترة قصيرة لشراء بعض الاحتياجات من أحد محلات البقالة القريبة من البيت. توتشا: ضيا… صباح الخير…
ضيا: صباح الخير أبله توتشا… توتشا: ادخل أميمة بتشتغل وسيلا زمانها جايه… ضيا، وقد ارتسمت على وجهه السعادة، فأخيرًا سينفرد بأميمة ولو لبعض الوقت قبل مجيء سيلا. تقدم ضيا نحو أميمة الغارقة بالعمل فلم تنتبه للقادم حين تقدم ضيا نحوها ودقات قلبه تتسارع بشدة كلما اقترب من تلك الجميلة معشوقة قلبه.
تبًا لكل انتظار يشق نفسه… لا، لن ينتظر أكثر من ذلك… سيبوح لها بحبه، فإن في الانتظار عذاب ومشقة… لن يستطيع أن يتحمل أن تكون قريبة منه وبعيدة عنه في نفس الوقت. وهذا هو الوقت المناسب… فلن يتأخر بعد الآن. تقدم نحو أميمة المولية ظهرها إليه ليقترب هامسًا بجوار أذنها بهمسة أرجفتها اضطرابًا وخوفًا. ضيا: وحشتيني… التفتت أميمة نحو ضيا وقد اتسعت عيناها بشدة فاغرة فاها بصدمة.
لقد تفوه بها ولن يتوقف، فليكمل وليكن ما يكون… فأما قريب محب أو يبتعد نهائيًا، فلن يتحمل هذا العذاب أكثر من ذلك. ابتلعت أميمة ريقها بتوتر وهي تنظر نحو ضيا المتفرس بوجهها بنظرة أربكتها. أميمة: ااا… ضيا…!!! انت جيت إمتى…؟!! ضيا: دلوقتي… أخيرًا جيت… ومستنيكِ… أميمة: اا… قصدك إيه…؟! أعادت أميمة خصلة متمردة من شعرها خلف أذنها بتوتر زاد من جاذبيتها وهي تتهرب بعينيها بعيدًا عن نظرات ضيا المحدقة.
ضيا: مش قادر أبقى بعيد عنك أكتر من كده يا أميمة… أنا… أنا بحبك يا أميمة… صعقت أميمة من تصريحه لها. نعم شعرت بمشاعره، تهربت منها كلما حاول الاقتراب، تصنعت عدم الفهم واللامبالاة، لكنه نطقها صريحة الآن، ماذا تفعل؟! وكيف تجيبه؟! ارتعشت يديها الباردة لتضم كفيها بعضهما ببعض بتوتر. لا تريد… لا تريد حبه ولا تريد أيضًا أن تجيب. تود لو أن تنشق الأرض وتبلعها وكأن شيئًا لم يحدث.
تمنت لو أن أمرًا ما يحدث ينقذها من هذا الموقف السخيف. لتطل سيلا من خلف كتفي ضيا معلقة عيناها بأميمة وكأنها تكشفها أمام نفسها وأنها ما زالت تحب علاء كما قالت لها، كما أوضحت نظراتها وهي ترفع حاجبها بمعنى ألم أقل لك أنه يحبك. أميمة بارتباك: ضيا… إحنا ااااا… أصل… ضيا: مالك يا أميمة… إيه المشكلة…؟!! أميمة: لا… بس… ااه… الشغل… مش قلنا لما نقدم الشغل… ضيا: وايه اللي يمنع الشغل في كده…؟!
نظرت أميمة نحو سيلا وكأنها تتوسل إليها بالتدخل لإخراجها من هذا الموقف المحرج، فهي لا تريد أن تكسر بقلب ضيا وفي نفس الوقت لا تشعر تجاهه بأي مشاعر إطلاقًا، فهو أخ وصديق فقط. فهمت سيلا ما تقصده أميمة لتصيح بضيا مفاجئة إياه. سيلا: انت جيت… يلا يلا… مش عاوزين خدماتك… خلصنا الشغل… تفاجأ ضيا بوصول سيلا فقد كان كل تركيزه منصبًا على أميمة. ضيا: انتِ جيتي…؟؟! سيلا: أيوة… جيت…
ضيا: ما أنا جاي عشان الشغل اللي خلص ده… وبقول يلا نخرج يوم نستريح شوية من الضغط اللي إحنا فيه ده وبكرة نكمل تحضير الباقي… سيلا: نخرج… كلنا… ؟!! ضيا: أيوة… عشان مينو كمان… أنهى جملته وهو ينظر نحو أميمة، فهو يدرك تمامًا أن يامن هو نقطة ضعفها الوحيدة. ابتسمت أميمة بتوتر لتومئ لهما بالموافقة لأجل ذلك الصغير الذي أضطر للحبس بالمنزل خلال فترة عملهم وانشغالها عنه.
لكن ضيا لن يضيع هذه الفرصة بسهولة. أقترب هامسًا لأميمة حتى لا تنتبه سيلا لحديثه قائلاً: ضيا: أميمة أنا بحبك وعايز أتوزجك… وقبل ما تتسرعي فكري كويس لأن محدش حيحبك ولا حيحب مينو قدي… حستنى ردك… رجفة ارتباك ونظرة قلق كانا ردًا على طلب ضيا دون أن ينتبه هو لذلك. لتستعد هي ويامن لقضاء يومهم برفقة ضيا وسيلا وتوتشا محاولة الهرب في كل فرصة حاول ضيا التحدث بها معها. *** هايدي…
بعد اختيارها لفستان صارخ مكشوف باللون الأحمر حددت موعد مع أخصائية التجميل، فهي نجمة حفل اليوم ويجب أن تكون متألقة فوق العادة. تركت والدتها وزوج والدتها ليقوموا بالإشراف على الطاقم الذي تم التعاقد معه لتجهيز البيت اليوم من تزيين وترتيب ليظهر بأفضل صورة تليق بحفل خطوبة هايدي مدللتهم اليوم، بينما توجهت هي إلى صالون التجميل لتستعد بروية قبل حضور طارق لأصطحابها في المساء. *** الجامعة…
تجمعت الفتيات بغياب هايدي اليوم، لحضور محاضرتهم الوحيدة والتي انتهت للتو. التفتت رقية لتكمل بنفس العنجهية التي تتحلى بها هايدي، وكأنها تركت اليوم مثيلتها لتكمل على رحمه وهاجر بتكبر مبالغ فيه. رقية: ها يا بنات… حضرتوا نفسكم لخطوبة هايدي…؟!! بسملة: أنا عن نفسي محضرة كل حاجة وحطلع على البيوتي سنتر عشان أكون معاها زي ما اتفقتنا…
رقية: وأنا كمان حخلي السواق يعدي عليكِ ونروح سوا… وإنتوا… برضه مش جايين الخطوبة… ما تيجو تفرحوا وتاكلوا جاتوه… كادت رحمه أن تنفجر بتلك المتعجرفة، لكنها لن تحط من قدرها مع أمثالهم، فيكفي معرفتهم إلى هذا القدر، فهم لم يتوانوا بأي فرصة حتى يحطوا من قدرها هي وهاجر. بالفعل هم فقراء، لكن لديهم عزة نفس تغنيهم عن أموال وكنوز الدنيا.
رحمه: أنا وهاجر عندنا شغل… روحي انتِ إلحقي لك حتة جاتوه… ويا ريت تروحي بدري قبل ما المعازيم يخلصوه… أنا مروحة يا هاجر… جايه معايا… هاجر، وهي ترمق رقية باشمئزاز من طريقتها المستفزة معهما، لتتركا هؤلاء الفتيات لما يليق بهن وهن يكملن بالطريق الذي يليق بهن. هاجر: جدعة… كنت عايزة أقوم ألطشها قلم… رحمه: ولا تستاهل على فكرة ولا هي ولا صاحبتها… هاجر، مواسية رحمه، فهي تدرك تمامًا كسرة قلبها. هاجر: متزعليش انتِ بس…
رحمه: متفكريش… إلا قوليلي… مفيش أحلام جديدة النهاردة…؟!! هاجر: رحمه… وبعدين بقى… كل شوية حتتريقي عليا… رحمه، وهي تثير شوق هاجر لمعرفة آخر الأخبار، فاليوم أتت كل منهما بمفردها إلى الجامعة ولم تخبر هاجر بعد بمكالمة عبد الله هذا الصباح. رحمه: أبدًا… ولا بتريق ولا حاجة… أصل يعني فيه خبر كده… هاجر، بتلهف وهي تستدير لتوقف رحمه لمواجهتها للتأكد مما تشعر به، وأن رحمه تحمل خبرًا عن أخيها وتخفيه عنها.
هاجر: فيه خبر عن عبد الله… صح…؟؟! رحمه، وهي تعبث بأصابعها مماطلة هاجر قليلاً، والتي ثارت بحدة من طريقة رحمه ولعبها بأعصابها. رحمه: يعني…!! توجست هاجر من رد رحمه ولا تستطيع التنبؤ هل هو خير أم شر. هاجر: رحمه انطقي أبوس إيدك بقى…؟! رحمه: عبد الله كلمنا الصبح وراجع قريب يا هاجر… رفعت هاجر رأسها بارتياح متأوهة وهي تمسح وجهها الذي تبلل بدموع الفرح. هاجر: يااااه… أخيرًا… ألف حمد وشكر ليك يا رب…
ثم اعتدلت مستفهمة من رحمه عما حدث بالتفصيل في مكالمة عبد الله. هاجر: احكي لي المكالمة كلها بالتفصيل الممل… رحمه: مش تعرفي الرسالة اللي سلي لك الأول… هاجر باشتياق: رسالة… ليا أنا… هو قال لك رسالة ليا…!!! رحمه: طبعًا… بيقول لك استنيه هو راجع لك بس ظروفه وحشة شوية ومعهوش فلوس خالص… ثارت هاجر بوجه رحمه مردفة. هاجر: فلوس إيييييه… مش مهم فلوس… المهم إنه راجع… أي حاجة تانية مقدور عليها بس يرجع…
لم تتوانى رحمه في ضم هاجر إلى أحضانها، فأخيها عبد الله محظوظ جدًا بهذه الفتاة ولن يستطيع إيجاد مثيله لها أبدًا، فهاجر أختها التي لم تلدها أمها. *** الإمارات، المستشفى… ثلاث سنوات مرت عليها برفقة عماد… ثلاث سنوات سُجنت داخل هذا السجن المبهر، لكنها لم تستطع النوم مثلما نامت بالمستشفى. يالها من راحة وسكينة.
قلقت من نومها على إثر ضوء سطع فوق عينيها مباشرة لتفتح عينيها وهي تضع كفها أمام عينيها مباشرة لتمنع تسلط الضوء المزعج أمام مقلتيها الخضراوتين. شعرت بأن أحدهم بجوارها… تشعر به وبأنفاسه القريبة. حاولت فتح عينيها أكثر لرؤية هذا الشخص القريب منها، تكاد حرارة أنفاسه تخترق وجنتيها. لتنتفض من شدة قربه بفزع وهي ترجف مذعورة. حورية: عـ عـ عماد… إزاى… أنت… أنت… مش… مُت…!!!
عماد، بغضب وهو يقبض حاجبيه ناظرًا بحدة تكاد عيناه تشعان لهيبًا من حدة نظراته القوية التي تشعر وكأنها طلقات من الرصاص تخترقها وتقتلها. عماد: ده بُعدك… انتِ فاكرة إنك خلاص… خلصتي مني… أنا حفضل معاكِ… مش حتقدري تخلصي مني… أبدًا أبدًا… وقبل ما تسيبيني حاخد روحك الأول… وقبل ما تسيبيني حاخد روحك الأول… وللمرة الثانية تشعر بقبضتيه القويتين فوق عنقها محاولاً خنقها لدرجة أنها شعرت بأنه سيكسر عنقه بين يديه.
شعرت باحتباس أنفاسها وهي ترتجف ببرودة تسري بجسدها لتدرك أنها نهايتها، لتحاول الصراخ بـ عماد تستجديه أن يتركها. حورية: لااا… بالله عليك… إبعد عني… إبعد عني… إبعد عنـــــــــي……!!! أفاقت حورية بانتفاضة من نومتها لتتأكد أنها مازالت بالمستشفى وما رأته ما هو إلا مجرد كابوس مفزع آخر. كذكرى معه مجرد كابوس مفزع. حورية، مغمغمة: لحد إمتى حتبقى كابوس في حياتي… إمتي حرتاح منك…؟!!
بهذه اللحظة تأكدت حورية أن عماد جرح لن يندمل وذكرى لن تمحى، فقد وُصمت بلعنة تسمى عماد، حتى بعد مماته ما زال رعبها منه متأصلًا بأوداجها. طرق الباب بطرقات خفيفة. حورية: اتفضل… عبد الله، وهو يفتح الباب بهدوء. عبد الله: صباح الخير… حورية: صباح الخير يا أستاذ عبد الله… اتفضل… عبد الله: أخبارك إيه النهاردة…؟؟؟
امتعضت حورية إجابتها وهي تنطق بما لا تشعر به، فلا داعي لإثارة الشفقة خاصة من هذا الشاب الذي أضاع عماد من عمره ما يقرب من عام بسبب ظلمه، فهو ليس مطالبًا بحمل أثقالها هي أيضًا، فيكفيه ما مر به. حورية: الحمد لله… عبد الله، وهو يجلس على المقعد متابعًا رد فعل حورية قبل نطقه بهذا الخبر. عبد الله: انتِ عرفتي إن عماد كتب كل ثروته باسمك…. ؟!! حورية، بعدم تصديق: باسمي أنا…. ليه…. واشمعنى أنا…. أكيد فيه حاجة غلط طبعًا..!!
عبد الله: لا فعلاً هو عمل كده… يمكن كان بيهرب من الضرائب… حورية، بسخرية: مش بعيد… وهو عمل إيه مظبوط….!!! عبد الله: هو انتِ مكنتيش تعرفي..؟؟! حورية: لأ… أبدًا… أول مرة أسمع منك الكلام ده… عبد الله: مفيش مرة مضيتي أي ورق مثلاً…. ؟!! حورية، بتذكر: يمكن ااااا…. مرة واحدة قالي عشان ورق إقامتي هنا وجاب لي ورق مضيت عليه… يمكن هو ده….؟! عبد الله،
بتفهم: أيوة… أكيد هو… عمل لنفسه توكيل سجل بيه كل أملاكه باسمك عشان يتهرب من دفع الضرائب… وكمان عشان المهربات اللي بيدخلها متبقاش باسمه ويبقى مفيش عليه أي شبهة خالص… حورية: بس أنا مش عاوزاها الفلوس دي…. عبد الله: دي فلوسك… مينفعش تسيبيها… عمومًا أنا وصلت من شوية للمحامي وبلغني إن إجراءات البيع وتحويل الفلوس لمصر قدامها أسبوع على الأقل… حورية: أنا مش عايزة الفلوس… أنا عايزة أرجع لأهلي….
عبد الله: أسبوع بس نخلص الإجراءات وتكوني بقيتي كويسة شوية وتقدري تسافري… حورية: أسبوع بحاله… أنا حاسة إن كل حاجة هنا بتخنقني… كل حاجة بتفكرني بيه… عبد الله: اللي خلاكي تصبري سنين… اصبري كمان سبع أيام… حورية: الأمر لله… *** هشام… ساعات طويلة مرت وحان موعد هبوط الطائرة بمطار القاهرة بعد عناء رحلة طويلة استغرقت عدة ساعات. هبطت الطائرة على المدرج وها هو يعود مشتاقًا إلى أرض الوطن، غير مصدق لما أنجزه في سفرته هذه.
وغير مصدق أنه يفصله عن نهال مجرد شوارع وطرقات وساعات قليلة حتى يراها، فهو متلهف بشوق بالفعل لرؤيتها دون أن يدرك سببًا حقيقيًا لذلك. ربما يكون أشفق على حالها الذي كان أصعب من حاله، فهو لديه أسرة لم يشعر بوجودها يومًا، فكان وحيدًا مثلها وكان يشعر بالفعل بكل كلمة كتبتها. خرج هشام من المطار بعدما أنهى إجراءات الخروج. استقل سيارة أجرة متوجهًا إلى شقته التي يستأجرها بوسط البلد. لم يغب كثيرًا، لكن كل شبر بها اشتاق إليه.
ولأول مرة جلس صامتًا في السيارة لا يتكلم أو يبدأ أي حوار، فقط أراد الصمت ومشاهدة الطريق الذي يزدحم بالسيارات المارة على الجانبين بهذا الوقت من النهار. وصل إلى البناية التي يسكن بها صاعدًا نحو شقته الصغيرة. دلف إلى داخل غرفة مكتبه واضعًا حقيبة أوراقه، مخرجًا جهاز الحاسوب وبعض أقراص الكمبيوتر ليضع بعضها فوق مكتبه واضعًا البقية بحقيبة أخرى صغيرة.
لكنه قبل أن يخرج من الشقة متجهًا نحو الجريدة التي يعمل بها، أخرج دفتر الذكريات الخاص بـ نهال واضعًا إياه فوق سطح المكتب، ممسكًا بقلمه وشرع بالكتابة بصفحة فارغة من الصفحات الكثيرة التي تركتها نهال دون تدوين بها أي ذكريات ليكتب: “لقد وصلت اليوم إلى القاهرة، ربما لأول مرة أكون مشتاقًا للعودة إلى هنا لمجرد فقط أن أراك يا نهال. أود بالفعل مقابلتك… ترى ماذا سأفعل عندما أراك وماذا ستفعلين أنتِ…؟؟
أسئلة كثيرة تجوب بذهني، إجابتها فقط ستكون عندك في القريب وسيشهد عليها هذا الدفتر. (هشام) انصرف هشام متوجهًا نحو مقر الجريدة التي يعمل بها تاركًا دفتر الذكريات. *** حورية… نظرت حورية بامتنان وهي تمد يدها باتجاه يد الممرضة الممتدة نحوها بهاتف صغير. حورية: شكرًا بجد… الممرضة: ما في داعي… بتركك الحين وبرجع لك تاني… حورية: تمام… خرجت الممرضة لتدق حورية رقمًا حفظته عن ظهر قلب، تمنت لو كانت واتتها الفرصة من قبل لدقه.
لحظات تستمع لصوت الاتصال قبل أن يقطعه صوت والدتها التي اشتاقت إليها روحها بالفعل. أم حورية: ألو… حورية: ماما… !!! أم حورية، وقد أدركت أن ابنتها هي صاحبة هذا الاتصال الذي اشتاقت له منذ سنوات. أم حورية: حورية… بنتي… وحشتيني يا بنتي… كل دي غيبة…!! حورية: غصب عني يا ماما… مكنتش عارفة أتصل بيكم… عماد… ااا… أم حورية: عارفه يا بنتي… جوزك كان دايمًا بيقول لنا إنه من خوفه وغيرته عليكِ مش جايب لك تليفون…
حورية بدهشة: هو قال لكم كده…؟؟! أم حورية: أمال… لما كنا نتصل عليه كان بيقول لنا كده… راجل ولا كل الرجاله صحيح… صمتت حورية وهي تخفي بداخلها كذب عماد، فلا داعي للحديث الآن عما كان يفعله معها، وليس لديها قدرة على التحدث، بل تفضل أن تبقى كل ما تشعر به حبيس بداخلها. أخذت حورية نفسًا عميقًا قبل أن تحاول أن تخبر والدتها بأن عماد تعرض لحادث وتوفى وهي بالمستشفى الآن إثر خضوعها لعملية استئصال الزائدة الدودية.
حورية: ماما… كنت عايزة أقول لكم إن…. إن…. حاولت حورية النطق بهذه الكلمة التي ما زالت غير مصدقة لها أبدًا. حورية: ماما… عماد مات… أم حورية بصدمة: إيه….!! *** في المساء… زفر سامر بنفاذ صبر وهو يدق على أخيه علاء محاولاً الاتصال به للمرة العشرين على التوالي وما زال هاتفه مغلقًا، ليتجه مباشرة إلى مقر عمله لمقابلته، فهو لا يترك العمل إلا للذهاب مباشرة إلى النوم وليس قبل ذلك.
أوقف سامر سيارته ليُطلع أحد الضباط المكلفين بحراسة الوزير بأنه يريد مقابلة الضابط علاء لأمر هام. انتظر سامر بضيق متكئًا على مقدمة سيارته ينظر نحو ساعته بتوتر، فما بقي إلا القليل ويتحرك طارق بعروسته نحو بيت حماه لبداية الحفل، وما زال علاء مختفيًا عن أنظاره منذ عودته من فرنسا. علاء، متعجبًا: سامر…!!! خير… جاي هنا ليه…؟!! سامر: لا يا شيخ… ده أنا غلبت أرن عليك تليفونك على طول مقفول…
تذكر علاء تحطيمه للهاتف بعد مكالمته لـ هند والتي أغارت بها فوق جرحه لتضع نصب عينيه صورة يكرهها عن أميمة وبعدها عنه. علاء، بلا مبالاة: كسرته… سامر بصدمة: نعم…!!! كسرته…!!! علاء بحدة: اللي حصل بقى… إيه حتحاسبني…؟؟؟ لاحظ سامر حزن أخيه وضيق صدره ليتأكد أن بالأمر شيء عن أميمة. سامر: لا مش ححاسبك ولا حاجة… بس انت نسيت اللي عليه… !!!
هنا تذكر علاء ما حفظه على ذلك الهاتف كدليل قوي على إثبات حبه وإخلاصه لـ أميمة، منتظرًا عودتها ليثبت لها أنه لم يخونها وأن قلبه لم يدق إلا لها. اتسعت عيناه مذهولاً… كيف نسي ذلك… لقد تحطم الهاتف بشدة من قوة ارتطامه بالأرض لحظة غضبه وانفعاله من هند. علاء بتحسر: لاااااااااا… أنا نسيت… إزاى نسيت ده… إزاى..؟!! سامر: بالراحة على نفسك طيب… هات التليفون أحاول أوديه عند حد يصلحهولك… علاء برجاء: يا ريت يا سامر… يا ريت…
أسرع علاء راكضًا نحو سيارته المصفوفة بالجهة المقابلة ليحضر حطام الهاتف ليعطيه لـ سامر، ربما يستطيع أحدهم إصلاحه. ليغمغم علاء بضيق: ده على أساس إني حلاقيها وحشرح لها كل اللي حصل… سامر بحنو: بإذن الله تلاقيها… ربك كريم… علاء بانتباه: انت جيت ليه…. ؟!؟ سامر: خطوبة طارق يا باشا… انت نسيت…!!! تململ علاء من دوامته التي يعيش بها، يكاد ينسى كل شيء حوله تمامًا.
علاء: أوووه… نسيت خالص… معملتش حسابي و أحمد كمان نزل راحة يعني مقدرش أمشي دلوقتِ… سامر بتفهم: خلاص حصل خير… أنا حبلغ طارق… وأروح أنا بقى أحسن كدة ولا أنا ولا أنت حنروح… علاء: عمومًا بارك له نيابة عني لحد ما أشوفه… سامر: تمام… يلا ألحق أنا أروح له… سلام… علاء: سلام…. حمل سامر هاتف علاء المحطم متجهًا نحو سيارته التي انطلق بها على الفور للحاق بـ طارق. *** حورية…
بعدما أنهت حورية مكالمتها مع والديها وإخوانها بعد إجهاد كبير وهي تستمع بأذنيها لحزنهم جميعًا على فقدان عماد بهذه الصورة، دون التفوه سوى بكلمات بسيطة مجاراة لهم برسمية. هي تدرك عيوبهم جميعًا، لكنهم في النهاية أهلها، وقد اشتاقت إليهم. التمست لهم العذر لحزنهم على وفاة عماد، فهم ليس لديهم أدنى فكرة عن تعامل عماد معها. كم كان قاسي القلب، متعمد الإهانة والضرب، ظالم إلى أبعد الحدود، وأنانٍ بكل شيء.
لم يكن هذا وقتًا مناسبًا لتصف لهم معاملته معها، ولا وقت عتاب عن تركهم لها بهذه الصورة طوال ثلاث سنوات، فقط أخبرتهم بما حدث وأخبرتهم أنها ما زالت بالمستشفى، واطمأنت عليهم بكلمات بسيطة مقتضبة لحين عودتها إليهم. *** بأحد أحياء القاهرة…
بإحدى البنايات الكبيرة ذات المدخل الرخامي الباهر… جلس شاب بأوائل الثلاثينيات يعبث بهاتفه غير مكترث بما يجول حول، واضعًا قدميه فوق الطاولة الزجاجية التي تتوسط الغرفة، لينتبه لصوت والدته الباكي. ” إلحقني يا إسلام…. مصيبة…. مصيبة…” إسلام: مالك يا ماما…. إيه اللي حصل…؟!! قالها إسلام وهو يلقي بالهاتف فوق الأريكة التي يجلس عليها منتفضًا بقلق، هب واقفًا لمعرفة وقع تلك “المصيبة” التي تفوهت بها والدته للتو.
هوت فوق أحد المقاعد وهي تبكي بحرقة ولوعة. أم عماد: أخوك عماد…. ماااااات…. مات يا إسلام…. جلس إسلام بصدمة على المقعد المجاور لها مردفًا. إسلام: مات…!! مات إزاى…. هو إيه الكلام ده…. مين قالك كده..؟!! أم عماد: المحامي….. المحامي بتاعه لسه قافل معايا دلوقتِ وقال لي الخبر الشؤم ده… أخوك راح…. راح يا إسلام…. إسلام بصدمة: مش قادر أصدق اللي بسمعه… عماد…. عماد يموت كده…!! يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!