الفصل 10 | من 33 فصل

رواية ثلاث صرخات وحدها لا تكفي الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
18
كلمة
1,910
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

تركها أحمد ونزل درجات السلم ومن خلفه نرجس ترمق بعتب وضيق. مر على غرفة والدته التي تئن من المرض بعد أن أصبحت له غرفته الخاصة. طرق الباب وقبل يديها وسألها عن حالها. "أنا بخير يا ولدي، لكن هل أنت بخير؟ كان صوتها قادمًا من عمق العصور القديمة البائدة. "أنا لا أدري والله." "يمكنك أن تتحدث إلي وقتما ترغب يا أحمد، أنا والدتك! قبل أحمد والدته على جبهتها وتمنى لها ليلة سعيدة.

كانت صحتها قد تداعت في الآونة الأخيرة، حتى أنها لم تكد ترى، تتحدث بصعوبة بعض الأحيان وتصمت لفترات طويلة كأنها خرساء. كان على وشك دخول غرفته قبل أن يتراجع بآخر لحظة ويطرق باب غرفة كارما. فتحت الباب وكانوا قد باتوا يعدون له واحدًا من الأسرة. طلب منها كتابًا ليقرأه على أن يكون كتابًا بسيط اللغة. تساءلت كارما عن سبب ذلك الاهتمام وهي تفتش بين كتبها ورواياتها، بينما كانت نرجس أعلى السلم ترمق ما يحدث بحذر.

"قال: أنوي تعلم القراءة." ابتسمت كارما. "أنت تحتاج لكتيبات تعلم الأبجدية وليست كتبًا للكبار." "لكني أرغب بقراءة رواية، هذا ما أرغب به! "ليس قبل أن تتعلم القراءة يا أحمد." ثم رفعت كارما حاجبيها وضيّقتهما. "أي رواية ترغب بقراءتها؟ "رواية ذلك الكاتب الفرنسي الشاب، لا أتذكر اسمه، اسمها اللحظة الفارقة! "آها، اللحظة الراهنة." وضحت كارما وهي تضحك. "غيوم ميسيو." "كيف تعرفه؟ "صديق رشحه لي!

"الأصدقاء لا يرشحون روايات غيوم، الصديقات فقط يفعلن ذلك يا أحمد." "الصديقات." رنت الكلمة في ذهن نرجس المراقبة كخلخال غانية أيام الإنجليز. ابتسم أحمد ولم يرد. "بالغد سأبتاع لك كتب تعلم القراءة بطريق عودتي من الجامعة." مع ذلك منحته كتابًا. قضى أحمد ليلته يحاول أن يقرأ عنوانه قبل أن يضيق به وينحيه جانبًا. نام أحمد على السرير وعيناه معلقة بسقف الغرفة، ولفافة تبغ تحترق بين أصابعه.

كان ينفس دفقات من الدخان الأزرق عميقة ومكتومة. يحاول متفكرًا أن يقنع نفسه أن عدم قدرته على الاحتفاظ بصورة واضحة لملامح تلك الفتاة لا يعود لغبائه، إنما لأن جمالها أكبر من أن تحفظ ذاكرة تفاصيله بجلسة واحدة، بل عدت جلسات. جعل يقلب جسده من جنب لآخر والقلب في جوفه مهتاج ضائع. لا يمكن أن تغمض له عين طالما يفكر في شخص آخر حتى لو انقلبت السماء على الأرض. عندما خرج كان الجو بالحديقة منعشًا، نسيم عليل يداعب أوراق الأشجار بخجل.

مشى على العشب النائم المتوجس في سره. جلس في بقعة معشوشبة واتكأ بظهره على جذع شجرة. رأى مرات من قبل طفلًا يركض عاريًا بين الزهور. أشعل لفافة تبغ أخرى وألقاها بفمه. لتقع عينه على شرفة غرفة نرجس. كانت الغرفة مضاءة. راح ينظر نحوها بشرود وعينه مثبتة عليها. وانفتح باب الشرفة فجأة وخرجت منه نرجس بقميص نوم قصير وفي فمها لفافة تبغ تدخنها. كان يستحيل عليها أن تراه من مكانها فقد كان غاطسًا في الظلام.

إلا أن نباح الكلاب الحراسة وصوت الخفافيش الهاربة دفعها لأن تنظر نحوه قبل أن تنادي باسمه. كان أحمد يجلس دائمًا في ذلك المكان وكانت تعرف ذلك. ترك أحمد مكانه ومشى حتى أصبح تحت الشرفة. "لماذا أنت مستيقظ؟ "ما الذي يشغل بالك؟ أطلق أحمد ابتسامة وهو يفكر. "لماذا علي أن لا أكون مستيقظًا حتى الآن؟ "من أجل أي سبب لعين يحشر الآخرين أنوفهم بأذهاننا الغارقة في الوحل." "أنا بخير." "لماذا أنت مستيقظ؟

"أدخن لفافة تبغ، هذا ما أفعله، أدخن." "تعالي." وأشارت بيدها لفوق. "شاركني كأس! "تعلمين أنني لا أشرب، علي أن أفتح عيني مبكرًا بالغد." "سهرة سعيدة سيدة نرجس! "سهرة سعيدة! تصعبت نرجس في نفسها. "الكأس لا يحييها إلا كأس آخر." ودخلت غرفتها. مرة أخرى على السرير استجدي أحمد النوم. "بطولك؟ بعرضك؟ أروي عيوني!؟ لكن النوم مثل كل الأشياء الجميلة في حياتنا لا يأتي عندما نطلبها.

قبل أن تدق الساعة الثالثة فجرًا، إن كان أحمد شرد عشر مرات يفكر في تلك الفتاة فأنها قليلة. أخيرًا وجد النوم طريقه إلى أحمد قبل أذان الفجر وكان وقتها لا يرغب في النوم أصلًا. عندما تفكر في شيء بعمق قبل نومك، عادة يكون له نصيب من أحلامك. الساعة الثامنة صباحًا فتح أحمد عينيه ممتعضًا. "يا إلهي! لماذا لا يملك كل شخص حق اختيار الوقت اللعين الذي يرغب في الاستيقاظ به؟ "ويصدعونك بعد ذلك أولاد الـ...

عن الحرية، هل توجد عبودية أكبر من تلك؟ أدخل ساقيه في بنطال جينز أزرق شده على وسطه حزام أسود ماركة Lacoste. وأشعل لفافة تبغ وهو يمشي تجاه الحديقة. أصبح البستاني الآن بعد وفاة الجنايني السابق. عبر بين الزهور الندية متقيًا الشمس بكف يده. "إن أكبر متعة على الإطلاق تكمن في التعامل مع الزهور رغم هشاشتها عند قطفها لا تتذمر أبدًا بل تبدو أكثر جمالًا وحلاوة." فتح صنوبر الماء ليروي جزءًا من الحديقة بينما واصل سيره بين الأشجار.

"صباح الخير أحمد!؟ لوحت له كارما وهي تعبر بوابة الفيلا بسيارتها الكسا البيضاء. لوح لها أحمد هو الآخر. "لا تنسى ما اتفقنا عليه؟ "لن أنسى!! جعل يعمل بشرود وصورة جميلة تتشكل أمام عينيه. فتلك الزهرة خدها، والأخرى عيونها، وهذه شعرها، وتلك التي تطل بخجل جيدها. "اللعنة، سأجن!؟ أحتاج لعلاج، ترياق ضد اللهفة." أغمض عينيه وتنهد ثم فتحهما على اتساعهما وقصد غرفة نرجس.

كان يعلم أنها نائمة، لكنه يدرك أيضًا أن نرجس عندما تكون نائمة لا ترفض له طلبًا. "صباح الخير سيدتي!! قال وهو يدلف للداخل. "صباح الخير أحمد." أغلق الباب بسرعة. "كم الساعة؟ "التاسعة صباحًا!! "أوووف، ماذا تريد؟ سألته ولم تعدل رقدتها بعد. "أرغب بالذهاب للمدينة، وعدني صاحب المحل بدفعة جديدة من النبيذ." "اليوم؟ سألته. "لماذا لم تخبرني بالأمس؟ قالت وهي تعدل جسدها نحوه ليظهر منعطف أثر بين برتقالتي صدرها البارزتين.

كان صدرها شبه عارٍ وكانت لا مبالية كأنها لا أحد ينظر إليها. "نسيت!! "نسيت؟ إنه نفس السبب الذي جعلك ساهيًا طوال الليل غير قادر على النوم؟ "تعالي، اجلس هنا! جلس أحمد على طرف السرير مولّيًا إياها ظهره. تناول لفافة تبغ من علبة سجائر ميزت أحمر كانت على الطاولة، أشعلها وقربها من فمها. كان وجهها نحوه تسند رأسها بيدها اليمنى وهي لا تزال راقده على جنبها. سحبت سحبة مديدة من لفافة التبغ وأطلقتها قبل أن تسأله:

"لماذا تحاول تعلم القراءة؟ "كارما؟ قال في نفسه وهو يجمع أفكاره. "هل يمكنني أن أسألك كيف عرفتي؟ "أنا أعرف كل شيء يا أحمد، الأشجار توشوش لي بالأسرار." "أريد أن أقرأ، أعني ليس للحد الذي يجعلني مثقفًا وكل ذلك الهراء، أن أستمتع بالقراءة، فأقرأ وأكتب." "واتتك الفكرة فجأة؟ قالت. "في القاهرة أم هنا؟ "لا أتذكر، كيف لي أن أتذكر المكان اللعين الذي واتتني فيه فكرة حمقاء مثل هذه؟ "أنت غاضب، لماذا؟

سألته نرجس وصدرها كان يضغط على قصبة ظهره. "أنا... وكان أحمد قد بدأ يشعر بالارتباك. "لست غاضبًا، أنا حانق أو شيء من هذا القبيل! "ينقصك شيء؟ "لا ينقصني شيء، ولا أشعر أنه ينقصني أي شيء، أرغب بتعلم القراءة فقط." "سوف أحضر لك مدرسًا." وقالت نرجس، وقد رقدت على ظهرها مرة أخرى يدها تحت رأسها تحملق بالسقف. "أشكرك." قال، لكن هناك شخصًا آخر سيفعل ذلك!! "كارما لا تصلح لتلك المهمة، صدقني، أنا أعرف ابنتي."

قالت، وهي لا تزال تحملق بسقف الغرفة. "ليست كارما!! "من؟ قالت، وقد أولته وجهها مرة أخرى. "شخص قابلته بالأمس وأنا أحضر النبيذ." "يمكنك أن تحضره هنا بأي وقت." قالت، وهي تعاود التمدد على ظهرها مرة أخرى. "لا أعتقد أنه سيوافق." عقب أحمد بنبرة غير مفهومة قبل أن يقف بمكانه. "سأذهب الآن، هل ترغبين بابتياع أي شيء آخر؟ "لا! قالت نرجس وهي مغمضة العينين.

بعد رحيله، جلست نرجس على طرف السرير وضعت كفيها على ركبتيها العاريتين منحنية وغطى شعرها وجهها ووصل بلاط الغرفة. حافية خرجت الشرفة وجلست على المقعد وأشعلت لفافة تبغ!! عندما غادر أحمد بالسيارة، أجرت نرجس مكالمة قصيرة. أعطت خلالها بعض الأوامر لشخص ما. ماكنت أقود نفس السيارة، وأسير في نفس الطريق الذي أقطعه كل مرة، لكن مشاعري كانت مختلفة، اللهفة كانت تقتلني.

عندما وصلت لهناك ولا أعلم كيف حدث ذلك، لأنني كنت شاردًا قصدت المكتبة فورًا. خلف مكتبها كانت جالسة تمنح أحدهم كتابًا ما. عبرت الرواق وجلست على أحد المقاعد دون أن أتناول أي كتاب. كانت لم تنظر إلي حتى تلك اللحظة. وعندما لمحتني لم تلوح لي ولم تعرني أدنى اهتمام. "هاي." قلت، ولوحت بيدي. "ألا تتذكريني؟ "وكيف من المفترض بي أن أتذكرك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...